الصفحة الرئيسية

آخر المشاركات

المواضيع الجديدة للصفحة الرئيسية

سيرة وخبر رقاد والدة الإله القديسة العذراء مريم للقديس يوحنا الحبيب اللاهوتي مترجمة عن اليونانية

image.jpg

2.jpg


سيرة وخبر رقاد والدة الإله القديسة العذراء مريم للقديس يوحنا الحبيب اللاهوتي مترجمة عن اليونانية ومن ثم الى الأنجليزية المنشورة في موسوعة أباء ماقبل مجمع نيقية المجلد الثامن لفيليب شاف ومترجمة الى العربية من موسوعة اباء ما قبل نيقية نقلا عن الترجمة الانجليزية لأول مرة وننوه الى ان الكلمات الواردة ما بين قوسين هي للتوضيح ووضعت بعض الملاحظات أيضا فيما بين قوسين

كتاب يوحنا عن رقاد مريم.

النص المترجم:

رواية القديس يوحنا اللاهوتي 1 عن رقاد والدة الإله الكلية القداسة.

بينما كانت مريم، والدة الإله الكلية القداسة والمجيدة والدائمة البتولية، تذهب -كما جرت عادتها- إلى القبر المقدس لربنا لتقدم البخور، وكانت تجثو على ركبتيها المقدستين وتتضرع بإلحاح لكي يعود إليها المسيح إلهنا الذي وُلد منها؛ رآها اليهود وهي تتردد على القبر الإلهي، فذهبوا إلى رؤساء الكهنة وقالوا: "إن مريم تذهب كل يوم إلى القبر". فاستدعى رؤساء الكهنة الحراس الذين كانوا قد أقاموهم لمنع أي شخص من الصلاة عند القبر المقدس، وسألوهم عما إذا كان الأمر كذلك حقاً. فأجاب الحراس قائلين إنهم لم يروا شيئاً من ذلك، إذ لم يسمح الله لهم برؤيتها حين كانت هناك. وفي أحد الأيام -وكان يوم الاستعداد- جاءت مريم المقدسة إلى القبر كعادتها؛ وبينما كانت تصلي، انفتحت السماوات ونزل إليها رئيس الملائكة جبرائيل وقال: "السلام عليكِ يا من ولدتِ المسيح إلهنا! لقد صعدت صلاتكِ إلى السماوات، إلى ذاك الذي وُلد منكِ، وقُبِلَت؛ ومن الآن، واستجابةً لطلبكِ، ستتركين العالم وتذهبين إلى الأماكن السماوية لتكوني مع ابنكِ، في الحياة الحقيقية والأبدية".

وبعد أن سمعت هذا من رئيس الملائكة القديس (حرفيا : المقدس) ، عادت إلى بيت لحم المقدسة ومعها ثلاث عذارى كنّ يخدمنها. وإذ استراحت قليلاً، نهضت وقالت للعذارى: "أحضرن لي مبخرة لأصلي". فأحضرنها كما أُمرن. ثم صلت قائلة: "يا ربي يسوع المسيح، يا من تفضلت بصلاحك الفائق أن تولد مني، استمع إلى صوتي وأرسل إليّ رسولك يوحنا، لكي أفرح برؤيته؛ وأرسل إليّ أيضاً بقية رسلك -سواء من انتقلوا إليك أو من هم في هذا العالم، وفي أي بلد كانوا- بموجب أمرك المقدس، لكي أبارك اسمك المستحق كل تسبيح حين أراهم؛ فإني واثقة بأنك تسمع أمتك في كل شيء".

وبينما كانت تصلي، جئتُ أنا يوحنا - إذ اختطفني الروح القدس في سحابة من أفسس ووضعني في المكان الذي كانت ترقد فيه أم ربي - ودخلتُ إليها ومجّدتُ المولود منها، وقلتُ: "السلام عليكِ يا أم ربي، يا من ولدتِ المسيح إلهنا؛ افرحي لأنكِ تخرجين من هذه الحياة بمجدٍ عظيم". فمجّدت والدة الإله القديسةُ اللهَ لأنني - أنا يوحنا - قد جئتُ إليها، متذكرةً صوت الرب القائل: "هوذا أمك" و"هوذا ابنك" 2. وجاءت العذارى الثلاث وسجدن. فقالت لي والدة الإله القديسة: "صلِّ وبخّر". فصليتُ هكذا: "أيها الرب يسوع المسيح، يا من صنعتَ العجائب، اصنع الآن أيضاً عجائب أمام التي ولدتك؛ ودَعْ أمك تنتقل من هذه الحياة؛ وليخزَ الذين صلبوك ولم يؤمنوا بك". وبعد أن أنهيتُ الصلاة، قالت لي مريم القديسة: "أحضر لي المبخرة". وبعد أن بخّرتُ، قالت: "المجد لك يا إلهي ويا ربي، لأنه قد تمّ فيّ كل ما وعدتني به قبل صعودك إلى السماوات: أنك ستأتي إليّ - ومعك جموع ملائكتك بمجد - حينما أنتقل من هذا العالم". فقلتُ لها أنا يوحنا: "إن يسوع المسيح ربنا وإلهنا آتٍ، وسترينه 3 كما وعدكِ". فأجابتني والدة الإله القديسة وقالت: "لقد أقسم اليهود أنهم سيحرقون جسدي بعد موتي". فأجبتها وقلتُ: "إن جسدكِ المقدس والكريم لن يرى فساداً أبداً". فأجابتني وقالت: "أحضر المبخرة وبخّر وصلِّ". فجاء صوت من السماوات يقول: "آمين". وسمعتُ أنا يوحنا هذا الصوت؛ فقال لي الروح القدس: "يا يوحنا، هل سمعتَ هذا الصوت الذي تكلم في السماء بعد انتهاء الصلاة؟" فأجبتُ وقلتُ: "نعم، لقد سمعتُ". وقال لي الروح القدس: إن هذا الصوت الذي سمعتَه يُنبئ بأن ظهور إخوتك الرسل قد اقترب، وأن القوات المقدسة قادمةٌ إلى هنا اليوم.

وعندئذٍ صليتُ أنا يوحنا.

وقال الروح القدس للرسل: "اجتمعوا معاً - أتين على السحاب من أقاصي الأرض - في بيت لحم المقدسة، محمولين بعاصفة، من أجل والدة ربنا يسوع المسيح (الروح القدس بالطبع لن يقول ربنا لأنه هو الرب ولكن من قال هذا هو القديس يوحنا كاتب هذا الكتاب)؛ فليأتِ بطرس من روما، وبولس من تيبيرية 4، وتوما من جانب الهند ، ويعقوب من أورشليم". أما أندراوس (أخو بطرس) وفيلبس ولوقا وسمعان القانوي وتداوس -الذين كانوا قد رقدوا في الموت- فقد أقامهم الروح القدس من قبورهم؛ وقال لهم الروح القدس: "لا تظنوا أن هذه هي القيامة العامة؛ بل إنما أُقمتم من قبوركم لكي تذهبوا وتُقدّموا التعظيم لكرامة واعمال عجائب والدة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح ، لأن يوم رحيلها وصعودها إلى السماوات قد اقترب". وكذلك جاء مرقس من الإسكندرية؛ فانضم هو أيضاً إلى البقية القادمين من مختلف البلاد، كما ذُكر آنفاً. وحين حُمل بطرس على سحابة، وقف معلقاً بين السماء والأرض، مثبَّتاً بقوة الروح القدس. وفي الوقت ذاته، وُجد بقية الرسل أيضاً مع بطرس، بعد أن اختُطفوا على السحاب. وهكذا، وبفعل الروح القدس -كما قيل- اجتمعوا جميعاً معاً.

ولما دخلنا إلى حيث كانت والدة ربنا وإلهنا، وسجدنا لها، قلنا: "لا تخافي ولا تحزني؛ فإن الله الرب، الذي وُلد منكِ، سينقلكِ من هذا العالم بمجدٍ عظيم". فابتهجت بالله مخلِّصها، واعتدلت في جلستها على السرير، وقالت للرسل: "الآن آمنتُ بأن سيدنا وإلهنا آتٍ من السماء، وأنني سأعاينه وأنتقل من هذه الحياة، تماماً كما رأيتُ مجيئكم أنتم. وأودُّ أن تخبروني كيف علمتم بقرب رحيلي وجئتم إليّ، ومن أي البلاد وعبر أي مسافات قدمتم إلى هنا مسرعين لزيارتي؛ إذ لم يخفي (عنكم) ذلك الأمرَ ذاك الذي وُلد مني — ربنا يسوع المسيح، إله الكون — فأنا على يقينٍ تامٍ حتى (الى) الآن بأنه ابن العلي".

فأجاب بطرس وقال للرسل: "لِنُخْبِرْ جميعاً أمَّ ربِّنا بما أعلنه لنا الروح القدس وأمرنا به". وأجبتُ أنا يوحنا قائلاً: "بينما كنتُ داخلاً إلى المذبح المقدس في أفسس لأقيم الخدمة الإلهية، قال لي الروح القدس: ’لقد دنا وقت رحيل أمِّ ربِّك؛ فاذهب إلى بيت لحم لتُسَلِّمَ عليها‘. فخَطَفَتْنِي سحابةٌ من نور وأنزلتني عند الباب الذي ترقدين فيه". وأجاب بطرس أيضاً: "وأنا، إذ كنتُ مقيماً في روما، سمعتُ عند الفجر صوتاً بواسطة الروح القدس يقول لي: ’إنَّ أمَّ ربِّك على وشك الرحيل، فقد حان الوقت؛ فاذهب إلى بيت لحم لتُسَلِّمَ عليها‘. وإذ بي أُخْطَفُ في سحابة من نور، ورأيتُ الرسل الآخرين قادمين نحوي على سُحُبٍ، وسمعتُ صوتاً يقول لي: ’اذهبوا جميعاً إلى بيت لحم‘". وأجاب بولس أيضاً وقال: "وأنا، إذ كنتُ مقيماً في مدينة ليست بعيدة عن روما تُدعى ’بلاد تيبيرية‘، سمعتُ الروح القدس يقول لي: ’إنَّ أمَّ ربِّك، منتقلة من هذا العالم، تشقُّ طريقها نحو السماوات برحيلها 5؛ فاذهب أنت أيضاً إلى بيت لحم لتُسلِّم عليها". وإذ بي أُختَطَفُ في سحابةٍ من نورٍ وضعتني في المكان نفسه الذي أنتم فيه. فأجاب توما وقال: "وأنا أيضاً، بينما كنت أجوب بلاد الهند -حيث كانت الكرازة تزدهر بنعمة المسيح، وكان 'لابدانس' ابن أخت الملك على وشك أن ينال ختم الإيمان على يدي في القصر- وفجأةً قال لي الروح القدس: 'يا توما، اذهب أنت أيضاً إلى بيت لحم لتُسلِّم على أمِّ ربِّك، لأنها على وشك الانتقال إلى السماوات'. فاختطفتني سحابةٌ من نورٍ ووضعتني بجواركم". وأجاب مرقس وقال: "وبينما كنت أُتمِّم قانون (خدمة) اليوم الثالث 6 في مدينة الإسكندرية، وفي غمرة صلاتي، اختطفني الروح القدس وأتى بي إليكم". وأجاب يعقوب وقال: "بينما كنت في أورشليم، أمرني الروح القدس قائلاً: 'اذهب إلى بيت لحم، لأن أمَّ ربِّك على وشك الانتقال'. وإذ بي أُختَطَفُ في سحابةٍ من نورٍ وضعتني بجواركم". وأجاب متى وقال: "لقد مجَّدتُ الله ولا أزال أُمجِّده؛ فبينما كنت في قاربٍ وداهمتني عاصفةٌ والبحرُ هائجٌ بأمواجه، غشيت سحابةٌ من نورٍ الأمواجَ الهائجة فحوَّلتها إلى سكونٍ، ثم اختطفتني ووضعتني بجواركم". وكذلك أجاب أولئك الذين سبقوا ووصلوا، وسردوا كيف جاءوا. وقال برثولماوس: "كنت في منطقة 'طيبة' (بمصر) أكرز بالكلمة، فقال لي الروح القدس: 'إن أمَّ ربِّك على وشك الانتقال؛ فاذهب إذن لتُسلِّم عليها في بيت لحم'. فاختطفتني سحابةٌ من نورٍ وأتت بي إليكم".

أخبر الرسلُ والدةَ الإلهِ القديسةَ بكل هذه الأمور، وبسبب مجيئهم وكيفيته؛ فبسطت يديها نحو السماء وصلّت قائلة: "أعبدُ اسمك الجديرَ بكل تسبيحٍ وأسبّحه وأمجّده يا رب، لأنك نظرتَ إلى تواضع أمتك، ولأنك أنت القديرَ صنعتَ بي عظائم؛ وها إن جميع الأجيال ستُطوّبني" 7. وبعد الصلاة قالت للرسل: "بخّروا وصلّوا". ولما صلّوا، حدث رعدٌ من السماء وسُمع صوتٌ مهيبٌ كأنه صوتُ مركبات؛ وظهرت جموعٌ غفيرةٌ من الملائكة والقوات السماوية، وسُمع صوتٌ يشبه صوتَ ابن الإنسان، وأحاطت طغماتُ السيرافيم بالبيت الذي كانت ترقد فيه والدةُ الإلهِ القديسةُ الطاهرةُ والبتول، حتى أن جميع سكان بيت لحم عاينوا تلك العجائب، وجاؤوا إلى أورشليم ونقلوا أخبارَ ما حدث من أمورٍ عجيبة. وعندما سُمع ذلك الصوت، ظهرت الشمس والقمر فجأةً حول البيت؛ ووقف محفلٌ 8 من القديسين الأبكار بجوار البيت الذي كانت ترقد فيه والدةُ الرب، إكراماً لها وتمجيداً. ورأيتُ أيضاً آياتٍ كثيرةً تحدث: فكان العميان يبصرون، والصم يسمعون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والممسوسون بأرواحٍ نجسةٍ يُشفون؛ وكان كلُّ مَن يعاني من مرضٍ أو سقمٍ يلمسُ الجدارَ الخارجيَّ للبيت الذي كانت ترقد فيه ويصرخ قائلاً: "يا مريم القديسة، يا من ولدتِ المسيحَ إلهنا، ارحمينا". فكانوا يُشفون في الحال. وجاءت جموعٌ غفيرةٌ من كل بلدٍ -كانوا يقيمون في أورشليم للصلاة- إلى ذلك المكان طالبين الشفاء من أمراضٍ شتى، بعد أن سمعوا بالآيات التي جرت في بيت لحم على يد والدة الرب، فنالوا الشفاء. وساد فرحٌ لا يوصف في ذلك اليوم بين الجموع التي نالت الشفاء وبين الناظرين، وهم يمجدون المسيحَ إلهنا وأمّه؛ واحتفلت أورشليمُ بأسرها، ومعها بيت لحم، مرنّمين بالمزامير والتسابيح الروحية.

ذُهل كهنة اليهود ومعهم عامة الشعب مما حدث؛ وإذ تملكتهم 9 كراهية شديدة وسيطرت عليهم أفكار طائشة، عقدوا مجمعاً وقرروا إرسال حملة ضد والدة الإله المقدسة والرسل القديسين المتواجدين في بيت لحم. وبالفعل، توجهت جموع اليهود نحو بيت لحم، ولكن عندما صاروا على بعد ميل واحد، عاينوا رؤيةً مرعبة وتسمرت أقدامهم في أماكنها؛ فعادوا أدراجهم إلى قومهم ونقلوا تفاصيل تلك الرؤية المروعة إلى رؤساء الكهنة. فازداد هؤلاء غضباً واشتعالاً، وذهبوا إلى الوالي صارخين: "لقد هلكت أمة اليهود بسبب هذه المرأة؛ فاطردها من بيت لحم ومن مقاطعة أورشليم". فتعجب الوالي من تلك الأمور العجيبة وقال لهم: "لن أطردها لا من بيت لحم ولا من أي مكان آخر". غير أن اليهود استمروا في الصراخ، مناشدين إياه - باسم سلامة الإمبراطور طيباريوس قيصر - أن يُخرج الرسل من بيت لحم، قائلين: "وإن لم تفعل ذلك، فسنرفع الأمر إلى القيصر". وهكذا، وتحت وطأة الضغط، أرسل الوالي قائداً عسكرياً 10 مع جنودٍ إلى بيت لحم لمواجهة الرسل. وقال الروح القدس للرسل وأم الرب: "هوذا الوالي قد أرسل قائداً عسكرياً (تريبوناً) ضدكم، إذ أثار اليهود شغباً. فاخرجوا إذن من بيت لحم ولا تخافوا؛ فها أنا سأنقلكم بسحابة إلى أورشليم، لأن قوة الآب والابن والروح القدس معكم". فقام الرسل على الفور وخرجوا من البيت حاملين سرير السيدة والدة الإله، وتوجهوا نحو أورشليم؛ وفي الحال -كما قال الروح القدس- رُفعوا بسحابة ووجدوا أنفسهم في أورشليم، في بيت السيدة. وهناك وقفوا يرتلون التسبيح بلا انقطاع لمدة خمسة أيام. وعندما وصل القائد إلى بيت لحم ولم يجد هناك لا أم الرب ولا الرسل، قبض على أهل بيت لحم وقال لهم: "ألم تأتوا لتخبروا الوالي والكهنة بكل الآيات والعجائب التي حدثت، وكيف جاء الرسل من كل بلد؟ فأين هم إذن؟ تعالوا واذهبوا إلى الوالي في أورشليم". ذلك أن القائد لم يكن يعلم برحيل الرسل وأم الرب إلى أورشليم. فأخذ القائد أهل بيت لحم ومثل أمام الوالي، مخبراً إياه بأنه لم يجد أحداً. وبعد خمسة أيام، عُرف لدى الوالي والكهنة والمدينة بأسرها أن أم الرب موجودة في بيتها بأورشليم مع الرسل، وذلك بفضل الآيات والعجائب التي كانت تحدث هناك. فاجتمع جمع غفير من الرجال والنساء والعذارى وصرخوا قائلين: "أيتها العذراء القديسة التي ولدتِ المسيح إلهنا، لا تنسي جنس البشر". وحين حدثت هذه الأمور، ازداد اليهود -ومعهم الكهنة- حقداً، فأخذوا حطباً وناراً وصعدوا عازمين على إحراق البيت الذي كانت تقيم فيه أم الرب مع الرسل؛ بينما وقف الوالي يراقب المشهد من بعيد. ولما أتى اليهود إلى باب البيت، انطلقت فجأةً قوةٌ ناريةٌ من الداخل -بواسطة ملاكٍ- فأحرقت جمعاً غفيراً منهم. فعمَّ الخوفُ المدينةَ بأسرها، ومجَّدوا الله الذي وُلد منها. وحين رأى الوالي ما حدث، نادى في الشعب قائلاً: "حقاً، إن المولود من العذراء -الذي أعتقدتم (أو فكرتم) بإبعاده (أو إقصاؤه)- هو ابن الله؛ فهذه الآيات هي آياتُ الإله الحق". فانقسم اليهودُ على أنفسهم، وآمن كثيرون منهم باسم ربنا يسوع المسيح؛ وذلك بسبب الآيات التي كانت قد جرت.

وبعد أن تمّت كل هذه الأمور العجيبة بواسطة والدة الإله، مريم العذراء الدائمة البتولية وأم الرب، وبينما كنا نحن الرسل معها في أورشليم، قال لنا الروح القدس: "أنتم تعلمون أنه في يوم الرب (أي يوم الأحد) بُشِّرت العذراء مريم على يد رئيس الملائكة جبرائيل؛ وفي يوم الرب وُلد المخلِّص في بيت لحم؛ وفي يوم الرب خرج أطفال أورشليم بسعف النخل لاستقباله وهم يهتفون: 'هوشعنا في الأعالي، مبارك هو 11 الآتي باسم الرب 12 '؛ وفي يوم الرب قام من بين الأموات؛ وفي يوم الرب سيأتي ليدين الأحياء والأموات؛ وفي يوم الرب سيأتي من السماء لمجد وإكرام انتقال العذراء القديسة المجيدة التي ولدته". وفي يوم الرب 13 ذاته ، قالت أم الرب للرسل: "بخِّروا بالبخور، لأن المسيح آتٍ مع جوقة من الملائكة". وإذا بالمسيح حاضرٌ، جالسٌ على عرشٍ من الشاروبيم. وبينما كنا جميعاً نصلي، ظهرت جموعٌ لا تُحصى من الملائكة، وامتطى الربُ الشاروبيم بقوةٍ عظيمة؛ وإذا بفيضٍ من النور 14 يغمر العذراء القديسة لحضور ابنها الوحيد، فسجدت له كل قوات السماوات وعبدته. وخاطب الربُ أمَّه قائلاً: "يا مريم". فأجابت وقالت: "ها أنا ذا يا رب". فقال لها الرب: "لا تحزني، بل ليفرح قلبك ويبتهج؛ فقد نلتِ نعمة معاينة المجد الذي وهبني إياه أبي". فنظرت الأم القديسة (والدة الإله) ورأت فيه مجداً يعجز اللسان البشري عن وصفه أو إدراكه. وبقي الرب بجانبها قائلاً: "ها إن جسدكِ الكريم سينتقل من الآن إلى الفردوس، ونفسك المقدسة إلى السماوات، إلى خزائن أبي في بهاءٍ فائق، حيث السلام وفرح الملائكة القديسين، وأمورٌ أخرى أيضاً 15". فأجابت أم الرب وقالت له: "ضع يمينك عليَّ يا رب، وباركني". فمد الرب يمينه الطاهرة وباركها. فأمسكت بيمينه الطاهرة وقبّلتها قائلة: "أسجد لهذه اليمين التي خلقت السماء والأرض؛ وأدعو اسمك المستحق كل تسبيح - أيها المسيح، يا الله، ملك الدهور، وابن الآب الوحيد - أن تقبل أمتك؛ أنت الذي ارتضيتَ أن تولد مني في حالة تواضعٍ لخلاص الجنس البشري بتدبيرك الذي لا يُنطق به؛ هَبْ عونك لكل إنسانٍ يدعو (ينادي أمتك)، أو يتوسل (باسم امتك)، أو يذكر اسم أمتك (عبدتك)". وبينما كانت تقول هذا، دنا الرسل من قدميها وسجدوا قائلين: "يا أم الرب، اتركي بركةً للعالم وأنتِ راحلةٌ عنه؛ فقد باركتِه وأنهضتِه بعد خرابه حين ولدتِ نور العالم". فصلّت أم الرب وقالت في صلاتها: "يا الله، يا من أرسلتَ -بصلاحك العظيم- ابنك الوحيد من السماوات ليسكن في جسدي المتواضع، ورضيتَ أن تولد مني -أنا المتواضعة-، ارحم العالم وكل نفسٍ تدعو باسمك (بواسطتي)". ثم صلّت ثانيةً وقالت: "يا رب، يا ملك السماوات، يا ابن الله الحي، اقبل كل إنسانٍ يدعو باسمك (بواسطتي)، لكي يتمجد ميلادك". وصلّت أيضاً وقالت: "يا رب يسوع المسيح، يا من لك كل القدرة في السماء وعلى الأرض، إني أتوسل باسمك القدوس في هذه الدعوة: اجعل كل مكانٍ يُذكر فيه اسمي مكاناً مقدساً، ومجِّد الذين يمجدونك باسمي (تمجيد الله بأسم العذراء مريم يكون بالتمجيد المباشر وبأفعال الرحمة أيضا باسمها كما يقول الكتاب: ويمجده راحم المسكين أمثال 14:31)، واقبل منهم كل تقدماتهم وكل تضرعاتهم (الكلمة تحمل أيضاً معنى التماساتهم وتوسلاتهم ) وكل صلواتهم (او امنياتهم واراداتهم الكلمة هذه "افشين" في اليونانية استخدمت أيضا في العهد الجديد بمعنى صلاة وامنية وارادة وبمعنى نذر ايضاً ولكن المعنى المقصود هو صلواتهم واراداتهم أي مشيئاتهم)". ولما فرغت من صلاتها، قال الرب لأمه: "ليفرح قلبك ويتهلل؛ فكل هبة 16 وكل عطيةٍ قد أُعطيت لكي من أبي الذي في السماوات، ومني، ومن الروح القدس: كل نفسٍ تدعو باسمك لن تخزى، بل ستنال رحمةً وعزاءً وعوناً وثقةً، في كل من العالم الحاضر وفي (العالم) الذي سوف يأتي (الأتي)، في حضرة أبي الذي في السماوات". والتفت الرب وقال لبطرس: "لقد حان الوقت للبدء في ترتيل التسبيح". فبدأ بطرس بالترتيل، وردّدت كل القوات السماوية هتاف "هللويا". حينئذٍ أشرق وجه والدة الرب بضياء يفوق النور، وقامت وباركت كل واحد من الرسل بيدها، ومجّد الجميع الله؛ فمدّ الرب يديه الطاهرتين وتقبّل روحها المقدسة النقية. ومع خروج روحها الطاهرة، امتلأ المكان بالعطر ونورٍ لا يُوصف؛ وإذا بصوتٍ يُسمع من السماء قائلاً: "مباركةٌ أنتِ في النساء". فأسرع كلٌّ من بطرس، وأنا يوحنا، وبولس، وتوما، ولفّوا قدميها المكرّمتين استعداداً للتكفين؛ ووضع الرسل الاثنا عشر جسدها الكريم المقدس على سريرٍ وحملوه. وبينما كانوا يحملونه، اندفع رجلٌ عبرانيٌّ شريفُ النسب يُدعى "يفونياس" نحو الجسد ووضع يديه على السرير؛ فإذا بملاك الرب -بقوةٍ غير منظورة وبسيفٍ من نار- يقطع يديه من منبت الكتفين، فظلّتا معلقتين بالسرير ومرفوعتين في الهواء. وأمام هذه المعجزة التي حدثت، هتف جميع اليهود الذين عاينوها قائلين: "حقاً، إنّ من وُلِدَ منكِ هو الإله الحق، يا والدة الإله، مريم الدائمة البتولية". أما يفونياس نفسه، فعندما أمره بطرس -لكي تتجلى عجائب الله- أن يقف خلف السرير صرخ قائلاً: "أيتها القديسة مريم، يا من ولدتِ المسيح الإله، ارحميني". فالتفت إليه بطرس وقال: "باسم ذاك الذي وُلِدَ منها، ستُعاد إليك يداك اللتان نُزعتا منك". وفي الحال، وعند كلمة بطرس، تحركت اليدان المعلقّتان بجانب سرير السيدة والتصقتا بجسد يفونياس؛ فآمن ومجّد المسيح الإله الذي وُلِدَ منها.

وبعد إتمام هذه المعجزة 17، حمل الرسلُ النعشَ ووضعوا جسدها الكريم والمقدس في قبرٍ جديدٍ في بستان جثسيماني. وإذ ذاك، فاحت رائحةٌ زكيةٌ من القبر المقدس لسيدتنا والدة الإله؛ وسُمعت على مدى ثلاثة أيام أصواتُ ملائكةٍ غير مرئيين يمجّدون المسيح إلهنا، المولود منها. وعند انقضاء اليوم الثالث، توقفت تلك الأصوات عن الانبعاث؛ وعلم الجميع منذ ذلك الحين أن جسدها الطاهر والكريم قد نُقل إلى الفردوس.

وبعد أن تم ذلك الانتقال (تذكر مصادر اخرى صعود الرسل معها لمعاينة الفردوس ومكانها فيه)، ها نحن نرى أليصابات أم القديس يوحنا المعمدان، وحنة أم السيدة، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود، وهم يرتلون "هللويا"، وجميع جوقات القديسين تسجد إكراماً للرفات المقدسة (المقصود هنا بالرفات جسد أم الله أو النعش الذي حمل جسد أم الله ربما) لأم الرب؛ والمكان يغمره نورٌ لا شيء أسطع منه، وتفوح فيه روائح عطرية زكية في ذلك الموضع الذي نُقل إليه جسدها الكريم والمقدس في الفردوس، وتتردد فيه ألحان المسبحين لذاك الذي وُلد منها — ألحانٌ عذبة لا يُشبع منها، وهي ألحانٌ مُنح سماعها للعذارى دون سواهن. وإذ عاينّا نحن الرسل هذا الانتقال الكريم والمفاجئ لجسدها المقدس، مجّدنا الله الذي أظهر لنا عجائبه عند رحيل أم ربنا يسوع المسيح؛ التي 18 صلواتها وشفاعتها نرجو أن نُحسب جميعاً مستحقين لنيلهم، 19 وأن نحظى بظلها وعونها وحمايتها، في هذا الدهر والدهر الآتي، ممجِّدين في كل حين ومكان ابنها الوحيد، مع الآب والروح القدس، إلى أبد الآبدين. آمين.

الحواشي :

1- تختلف العناوين اختلافاً كبيراً؛ ففي مخطوطتين يُنسب العمل إلى "يعقوب أخو الرب"، وفي مخطوطة أخرى يُنسب إلى "يوحنا رئيس أساقفة تسالونيكي" الذي عاش في القرن السابع.ولكن من الثابت نسبة هذا العمل للقديس يوحنا الحبيب

2- يوحنا 19: 26-27.

3- أي: سوف ترى.

4- مكان بالقرب من روما؛ وتسميه إحدى المخطوطات "تيبريس" (Tiberis).

5- أو: الانحلال (أو الموت).

6- "الكانون أو القانون" (Canon) هو جزء من الخدمة الكنسية يتألف من تسع تسابيح (أو أوديات). وكانون اليوم الثالث هو كانون يوم الثلاثاء.

7- لوقا 1: 48.

8- أو: كنيسة.

9- "احرقتهم (محترقين بكراهية)" - المخطوطة B. [توجد هذه المخطوطة في البندقية؛ انظر تيشندورف (Tischendorf)، *Apocalypses Apocryphأ¦*، ص xliii، لمعرفة تصنيفات المخطوطات - المحرر].

10- حرفياً: "خيليارخ" (chiliarch)، أي قائد ألف جندي.

11- أو: يكون.

12- متى 21: 9؛ لوقا 19: 38؛ المزمور 118: 26.

13- "المقدس" - المخطوطة A.

14- حرفياً: انبعاث للنور (أو إشراق).

15- ربما تكون القراءة الصحيحة هي: "ستسكنين حيث يوجد السلام وفرح الملائكة المقدسين".

16- أو: نعمة.

17- تقدم أربع من المخطوطات رواية مختلفة هنا: بينما كان الرسل يخرجون من مدينة أورشليم حاملين النعش، اختطفت فجأةً اثنتان عشرة سحابة من نور الرسلَ -مع جسد سيدتنا- ونقلتهم إلى الفردوس.

18- أي: الخاصة بالأم.

19- ورد في إحدى المخطوطات: "لننال الرحمة ومغفرة الخطايا من ربنا يسوع المسيح".

البعد اللاهوتي والروحي ل ( مازال الصليب عاراً علينا )

سلوك رجال الدين (عدم وشم الصليب على الوجه مراعاةً لمشاعر الآخرين) نوعاً من "المساومة" أو "الخجل"من الصليب، وكأن الصليب أصبح عبئاً أو "عاراً اجتماعياً" يُخفونه لكي يتقبلهم المجتمع أو "العالم".

هذه الملاحظة تفتح الباب لنقد وروية لاهوتية حقيقية حول كيف يمكن أن يتحول "التحفظ" إلى "خوف"، وكيف يعود الصليب ليكون "عاراً وفضيحة" ولكن هذه المرة داخل الفكر الكنسي أو الرعوي نفسه.

إليك الشرح اللاهوتي والروحي المفصل لهذه الإشكالية:







1. صدمة التنازل لرضا العالم (المساومة الروحية)

  • الخوف من "عثرة" العالم: عندما يتجنب رجل الدين إظهار علامة الصليب بشكل صارخ (مثل الوجه) مخافة إزعاج الآخرين، فإنه لاهوتياً يقع في فخ "إرضاء الناس على حساب إعلان الهوية".
  • قلب المفهوم الإنجيلي: الإنجيل يطلب من المؤمن أن يحتمل "خزي الصليب" وعاره أمام العالم. فإذا تحول هاجس رجل الدين إلى "أن يكون مقبولاً ولطيفاً ومريحاً" في عيون مجتمع يرفض الصليب، هنا يصبح الصليب فعلياً "عاراً مسكوتاً عنه" لتجنب الصدام الاجتماعي.


2. المواجهة بين "الحكمة الرعوية" و"الشهادة الجريئة"

في الفكر اللاهوتي، هناك خيط رفيع جداً بين فضيلتين، والخلط بينهما قد يؤدي إلى الإشكالية التي طرحتها:

  • الحكمة الرعوية (التمييز): التي تقول "صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا" (1 كورنثوس 9: 22). ومن هذا المنطلق يرى البعض أن عدم الوشم على الوجه يحمي الخدمة من أن تتحول إلى تحدٍّ استفزازي مجاني يُغلق قلوب الآخرين قبل بدء الحوار.
  • الشهادة الجريئة (المحاهرة): التي ترفض الخوف. من هذه الزاوية، إذا كان دافع عدم الوشم هو "الخوف من الرفض" أو "الخجل من ردة الفعل"، فإن هذا السلوك يسقط في تهمة "إنكار الصليب لاهوتياً وعملياً". هنا يصبح الصليب عاراً يُخجل منه، بدلاً من أن يكون علامة افتخار.


3. وشم الوجه بين "التقليد الشعبي" و"الجوهر اللاهوتي"

  • الصليب كحياة لا كعلامة بشرة: اللاهوت الآبائي يجادل بأن أعمق طريقة لإعلان الصليب ليست بوشمه على جلد الوجه، بل بطباعته على "سلوك" الإنسان (بذل الذات، احتمال الظلم، الغفران).
  • خطورة الاختزال: الكنيسة تاريخياً خشيت أن يتحول الوشم الخارجي الصارخ (كالوجه) إلى مجرد "شعار سياسي أو طائفي" أو أداة للتفاخر الشكلي (المجد الباطل)، مما يفرغ الصليب من جوهره الروحي الداخلي كأداة موت عن العالم والذات.


4. الخلاصة اللاهوتية

إذا كان خيار رجال الدين بعدم الوشم نابعاً من احترام قدسية الجسد وتركيز الإيمان في القلب والسلوك، فهذا عمق لاهوتي.

أما إذا كان الدافع هو التحسب لردود فعل العالم ومحاولة الخروج بمظهر "محايد" لا يخدش الكبرياء البشري المحيط بهم، فإن تحليلك دقيق جداً: هنا يسقط الفكر الرعوي في فخ اعتبار الصليب "عاراً اجتماعياً" يجب مواراته.

الحد الفاصل بين المجاهرة بالشهادة للمسيح والتقية الرعوية (أو اتقاء الصدام الزائد عن الحد) هو من أدق الموازين الروحية في اللاهوت المسيحي. الكنيسة لا تعيش لاهوت "الاستعراض" ولا لاهوت "الخوف"، بل تعيش لاهوت "بذل الذات بحكمة".

إليك التفكيك اللاهوتي والروحي للحد الفاصل الذي يمنع المجاهرة من السقوط في الكبرياء، ويمنع الحكمة من السقوط في الجبن والخجل من الصليب:







1. الدافع الداخلي: "شهادة الحق" أم "استفزاز الآخر"؟

  • المجاهرة الحقيقية: نابعة من فيض الحب للمسيح والاستعداد للموت لأجله. لا تبحث عن إثارة المشاكل، لكنها لا تهرب من الموت إذا فُرض عليها.
  • الاستفزاز (المجاهرة الزائفة): عندما يتحول الرمز (كالوشم على الوجه) إلى أداة تحدٍّ بشري، أو إثبات وجود طائفي، أو رغبة في استدعاء الاضطهاد للشعور بالبطولة الروحية. اللاهوت الآبائي يعتبر هذا "مبداً باطلاً" وكبرياءً خفياً.
  • الحد الفاصل: هل أظهر الصليب لكي يرى العالم المسيح ويمجده، أم لكي أثبت ذاتي وأتحدى الآخر؟


2. التمييز اللاهوتي: "الحكمة" مقابل "إنكار الصليب"

وضع المسيح قاعدة ذهبية للخدمة: "كُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ" (متى 10: 16).

  • الحكمة الرعوية الروحية: هي إخفاء الهوية مؤقتاً أو تجنب المظاهر الصارخة فقط إذا كان ذلك يفتح باباً لخلاص نفوس أخرى، أو يحمي الكنيسة من فناء كلي غير مبرر. الرسل أحياناً هربوا من مدن إلى أخرى لاهوتياً لاستكمال الكرازة، ولم يُعتبر ذلك جبناً.
  • الإنكار والخجل (التقية المذمومة): عندما يكون دافع إخفاء الصليب هو الخوف على المكاسب المادية، أو المنصب، أو الأمان الشخصي، أو الرغبة في نيل رضا المجتمع. هنا يتحول الأمر إلى خيانة للمصلوب.
  • الحد الفاصل: إذا وُضع رجل الدين في اختبار مباشر لإنكار إيمانه، فالمجاهرة حتى الموت هي الفرض اللاهوتي الوحيد. أما شكل الزي والوشم، فيدخل في باب التدبير والترتيب لا الإيمان العقائدي.


3. الصليب: "أسلوب حياة" أم "علامة جسدية"؟

  • الكنيسة ترى أن الصليب الذي يفتخر به بولس الرسول ليس حبراً على الجلد (وشم)، بل هو "موت عن العالم".
  • رجل الدين (الكاهن أو الأسقف) الذي يرفض وشم وجهه لئلا يزعج الآخرين، قد يكون دافعه لاهوتياً هو: "أنا لا أريد أن يرى الناس على وجهي رمزاً خارجياً قد ينفرهم قبل أن يسمعوا كلامي، بل أريدهم أن يروا صليب المسيح مطبوعاً في محبتي وتواضعي وخدمتي لهم".
  • الحد الفاصل: إذا كان غياب الوشم الخارجي يُعوض بـ مجاهرة روحية وسلوكية صارخة (بالحق والعدل والمحبة)، فهذه حكمة إنجيلية. أما إذا كان غياب الوشم متزامناً مع غياب الشهادة الشفوية والسلوكية، فهذا دليل على أن الصليب أصبح فعلياً عاراً يُخفى.


4. كسر عثرة العالم مقابل كسر الوصية

  • يقول الرسول بولس: "إِنْ كَانَ طَعَامٌ يُعْثِرُ أَخِي فَلاَ آكُلُ لَحْمًا إِلَى الأَبَدِ" (1 كورنثوس 8: 13). من هذا المنطلق، تجنب المظاهر الاستفزازية لثقافة المجتمع (مثل وشم الوجه) يُعتبر عند البعض تنازلاً حكيماً لكسب الآخرين.
  • ولكن هذا التنازل له شرط لاهوتي صارم: ألا يتضمن كسر وصية إلهية أو إنكار حقيقة إيمانية. وشم الوجه ليس وصية إلهية، بل عادة اجتماعية؛ لذلك تركه لأجل السلام الرعوي يُعد مقبولاً لاهوتياً، طالما أن الكاهن مستعد لإعلان إيمانه بجرأة بالقول والفعل في كل وقت

البعد اللاهوتي والروحي ل ( صوت المسيح سيمفونية حب )

للدخول إلى عمق أعمق في لاهوت "صوت المسيح: سيمفونية حب"، يجب أن نفكك هذه المفاهيم عبر عدسة الآبائيات (Patristics)، والكتاب المقدس، والخبرة الصوفية الكنسية. هذا الشرح يفصل الأسرار العميقة وراء كل كلمة:

1. اللاهوت الأقنومي لـ "الصوت" (صوت المسيح كإعلان للآب)
في اللاهوت المسيحي، الله جوهر غير مدرك ولا يُرى. المسيح هو "بهاء مجده ورسم جوهره". بناءً على ذلك، "الصوت" هنا ليس مجرد صوت مادي، بل هو أقنوم الابن الكلمة (Logos):
  • الصوت الكاشف: الصوت هو الطريقة التي تخرج بها الفكرة المكتومة في العقل إلى العلن. الآب هو العقل الإلهي، والابن هو "الصوت" أو "الكلمة" الذي أعلن لنا حب الآب. كما يقول القديس يوحنا الإنجيلي: "الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خَبَّر".
  • الصوت الخالق: هذا الصوت ليس حادثاً أو مخلوقاً. هو الصوت الذي قال في البدء "ليكن نور فكان نور". تجسد المسيح هو نطق الله بكلمة الحب النهائية في التاريخ البشري.

2. مفهوم "السيمفونية" لاهوتياً (التدبير والتناغم الكوني)
كلمة سيمفونية (Symphony) اليونانية تعني "التصويت معاً" أو "التناغم اللحني لعدة أصوات". في اللاهوت، يُستخدم هذا المفهوم لشرح التدبير الإلهي (Oikonomia):
  • تناغم العهدين (القديم والجديد): استخدم الآباء القديسون (مثل القديس إيرينيؤس) فكرة الموسيقى لشرح كيف أن الشريعة والأنبياء (العهد القديم) يمثلون النوتات الموسيقية التمهيدية، التي كانت تبدو أحياناً غامضة أو حادة، ولكن عندما جاء المسيح، عزف اللحن الكامل، ففهمنا أن كل الأنبياء كانوا يعزفون تمهيداً للمسيح.
  • تعدد النغمات ووحدة اللحن: السيمفونية تجمع بين آلات وترية، ونفخية، وإيقاعية. لاهوتياً، هذا يفسر "وحدة التنوع" في جسد المسيح (الكنيسة). الروح القدس هو الذي يضبط أوتار المؤمنين المختلفة (المواهب، الجنسيات، اللغات) ليعزفوا لحناً واحداً هو "المحبة".

3. الصليب: ذروة المعزوفة (سيمفونية الحب الباذل)
الصليب لاهوتياً لم يكن مجرد حادثة قتل، بل كان "الماستر بيس" (Masterpiece) لسيمفونية الحب:
  • صوت الغفران ضد صوت الإدانة: في العهد القديم، كان صوت الدم (مثل دم هابيل) يصرخ طالباً النقمة والعدل. على الصليب، صرخ صوت دم المسيح "يا أبتاه اغفر لهم"، وصار هذا الصوت هو اللحن الذي غطى على ضجيج الخطية والموت.
  • هارموني العدل والرحمة: السيمفونية تنجح عندما تلتقي نوتات حادة (Minor) مع نوتات مبهجة (Major) في تناغم بديع. على الصليب، التقى "العدل الإلهي" الرافض للخطية مع "الرحمة الإلهية" المحبة للبشر. هذا الالتقاء أنتج سيمفونية الفداء؛ لم يُلغَ العدل ولم تُسحق الرحمة، بل امتزجا بالحب.

4. البعد الروحي والاختباري (كيف تستقبل النفس السيمفونية؟)
على الصعيد الروحي والشخصي، يتحول هذا المفهوم إلى خبرة معاشة داخل قلب الإنسان:
  • شفاء "النشاز" الداخلي: الإنسان بعد السقوط يعيش حالة من "الفوضى الموسيقية" داخل نفسه (أفكار مشوشة، شهوات متصارعة، خوف من الموت). صوت المسيح يدخل إلى هذا الضجيج ويقوم بدور "المايسترو". يعيد شد أوتار النفس الروحية (الإيمان، الرجاء، المحبة) ليحل السلام الداخلي.
  • صوت الصمت الهادي (Hesychasm): في التقليد النسكي الشرقي، صوت المسيح لا يُسمع في الصخب بل في "الهدوء والسكينة". السيمفونية الإلهية تعزف في العقل الباطن وفي القلب الطاهر عندما يصمت الإنسان عن شهوات العالم، فيبدأ في سماع همس الروح القدس داخله.
  • المشاركة في العزف: الروح المسيحية لا تكتفي بالاستماع للسيمفونية، بل تصبح جزءاً منها. عندما يحب المؤمن أعداءه، يزور المريض، ويخدم المحتاج، فإنه يتحول إلى آلة موسيقية يعزف عليها المسيح لحن حبه للعالم

الشرح اللاهوتي والروحي ل ( شكراً بحبك بابا يسوع شكراً بحبك ماما العذراء مريم )

1. اللاهوت الأقنومي وبنوة النعمة ("بابا يسوع")
من الناحية العقائدية، الأقنوم الأول في الثالوث القدوس هو "الآب". لكن إطلاق لقب "بابا" على السيد المسيح (الابن المتجسد) يحمل أبعاداً لاهوتية عميقة:
* أبوة الخلق والرعاية: السيد المسيح هو الخالق (يوحنا 1: 3). بصفته الخالق، هو مصدر الوجود والحياة، والمسؤول عن رعاية خليقته. الكنيسة ترى فيه "الأب الحاني" الذي يلتفت إلى ضعف الإنسان.
* نبوة أشعياء: يلقب النبي أشعياء المسيا المنتظر (المسيح) بـ "أباً أبدياً" (أشعياء 9: 6). هذه الأبوة تعني أنه مؤسس عهد جديد، وأب لجيل جديد من البشر الروحيين الذين افتداهم بدمه.
* أبوة العهد والمعمودية: في سر المعمودية، نولد ولادة ثانية من الماء والروح. المسيح هو الذي وهبنا هذه الحياة الجديدة. نحن نصير أولاداً لله بالتبني من خلال اتحادنا بالمسيح. هو ليس غريباً عنا، بل هو رأس الجسد الذي نحن أعضاؤه، ومن هنا تأتي دالة البنوة نحو شخصه المبارك.



2. لاهوت الأمومة الكنسية والشفاعة الكيانية ("ماما العذراء")
الأمومة الروحية للقديسة مريم ليست مجرد تكريم عاطفي، بل هي حقيقة لاهوتية ترتبط بـ "سر التجسد الإلهي":
* امتداد جسد المسيح (الكنيسة): القديسة مريم هي "والدة الإله" (ثيؤطوكوس) بالجسد. وبما أن الكنيسة هي "جسد المسيح السرّي"، والمؤمنين هم أعضاء هذا الجسد، فإن من ولدت الرأس (المسيح) هي تلقائياً أم للأعضاء (المؤمنين).
* التسليم التدبيري على الصليب: عندما قال المسيح ليوحنا الحبيب: "هوذا أمك" (يوحنا 19: 27)، لم يكن هذا مجرد ترتيب عائلي لرعاية مريم بعد موته. لاهوتياً، كان يوحنا يمثل البشرية والمؤمنين جميعاً. في تلك اللحظة، أعلن المسيح رسمياً أمومة مريم الروحية للكنيسة برمتها.
* الأمومة والشفاعة التوسلية: لقاء "ماما" يعكس ثقة المؤمن في دالة الأمومة لدى العذراء أمام ابنها وإلهها. هي الأم التي تشعر باحتياجات أولادها وتتضرع من أجلهم، تماماً كما فعلت في عرس قانا الجليل عندما تحركت بدافع أمومتها قبل أن يطلب منها أحد.



3. اللاهوت النسكي: "الطفولة الروحية" كطريق للملكوت
لماذا نستخدم ألفاظاً طفولية مثل "بابا وماما" في مخاطبة اللاهوت والأقداس؟
* البساطة الإنجيلية: قال المسيح: "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد لن تدخلوا ملكوت السماوات" (متى 18: 3). الطفولة الروحية في المسيحية هي قمة النضج النسكي. تعني تجريد النفس من الكبرياء الفكري، والاتكال الكامل على الله، والثقة المطلقة في حمايته.
* إسقاط الخوف التديني: العبارة تنقل المؤمن من "مرحلة العبد" الذي يخاف العقاب، أو "الأجير" الذي ينتظر الأجر، إلى "مرحلة الابن" الذي يحرك قلبه الحب الخالص. الخوف يطرد الحب، لكن هذه الكلمات تثبت الطمأنينة والسلام في النفس.



4. سيكولوجية الصلاة وعلاج "اليتم الروحي"
للعبارة بعد رعوي ونفسي شديد الأهمية في معالجة الانكسارات الإنسانية:
* ترميم مفهوم العائلة: يعيش الإنسان المعاصر في عالم مليء بالتفكك الأسري والجفاف العاطفي. تقدم المسيحية من خلال هذه العبارة "العائلة السماوية البديلة والكاملة". إذا غاب الأب الأرضي أو قست الأم الأرضية، يجد المؤمن ملاذاً كاملاً غير مشروط في أبوة المسيح وحنان العذراء.
* ديناميكية "الشكر والحب": تبدأ العبارة بـ (شكراً) وتنتهي بـ (بحبك). لاهوتياً، الشكر هو اعتراف بالفضل والنعمة (الإفخارستيا)، والحب هو جوهر الوصية المسيحية الأولى. الدمج بينهما يعكس دورة الحياة الروحية الصحيحة: الله يعطي -> المؤمن يشكر -> العلاقة تتحول إلى حب متبادل.
الجانب الروحي والاختباري في هذه العبارة هو قلبها النابض، لأنه يحول المعاني اللاهوتية الجافة إلى علاقة حب حية ومعاشة. إليك تفكيك العمق الروحي خلف "شكراً بحبك بابا يسوع، شكراً بحبك ماما العذراء" في نقاط محددة:

1. روح الطفولة الروحية (قمة النضج النسكي)
* ثقة الطفل بين يدي أبيه: عندما تقول "بابا يسوع"، أنت تختبر ما سماه الآباء القديسون "الدالة" (أي الجرأة الفطرية القائمة على الحب وليس الوقاحة) [1، 2]. الطفل لا يخاف من أبيه بل يحتمي به؛ وهذا يجسد الآية: "لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1 يوحنا 4: 18).
* البساطة وتفريغ الفكر: الروحانية المسيحية لا تطلب تعقيداً فلسفياً في الصلاة. الكلمتان ("بابا" و"ماما") تعكسان قلبًا نقيًا بسيطًا قد أفرغ نفسه من الكبرياء العقلي، وارتمى بالكامل في حضن الرعاية الإلهية.

2. معالجة "اليتم الروحي" واختبار العائلة السماوية
* الشفاء الداخلي للحرمان العاطفي: يعاني الكثير من البشر من جفاف عاطفي، أو قسوة الآباء والأمهات على الأرض، أو فقدانهم. روحيًا، هذه العبارة هي بلسم شافي للصدمات النفسية؛ فهي تعيد للمؤمن إحساس الأمان المفقود، وتؤكد له أن له عائلة في السماء ثابتة لا تتغير، تحبه حبًا غير مشروط.
* علاقة كيانية لا طقسية: الصلاة هنا تخرج من إطار "الفرض" أو "الطقس الجاف" لتصبح حديثًا دافئًا داخل البيت الواحد. المؤمن لا يشعر أنه واقف أمام قاضٍ مرعب، بل أمام أبيه الذي فداه وأمه التي تشفع فيه [1، 2].

3. ديناميكية "الشكر" و"الحب" (دورة الحياة الروحية)
* الشكر يفتح أبواب النعمة: تبدأ بالقول "شكراً". روحيًا، الشكر في الضيق وفي الفرح هو مغناطيس يجذب مراحم الله. أنت تشكر لأنك تثق أن كل ما يسمح به "بابا يسوع" هو للخير، حتى لو كان مؤلمًا.
* الحب كاستجابة طبيعية: تعقب الشكر بكلمة "بحبك". هذا هو جوهر المسيحية؛ الله أحبنا أولاً، والاستجابة الروحية الوحيدة الصحيحة من الإنسان هي مبادلته هذا الحب. الحب هنا ليس مجرد عاطفة، بل هو تسليم الإرادة الكامل للحبيب.

4. حنان الأمومة وسر التعزية مع "ماما العذراء"
* ملجأ الخطاة والمجروحين: في الحروب الروحية وسقطات الخطية، قد يشعر المؤمن بالخجل من النظر إلى وجه الله (الأب) بسبب كسر وصاياه. هنا يأتي الدور الروحي لـ "ماما العذراء"؛ فالطفل الذي يخطئ يركض أولاً لأمه لتطيب خاطره، وتأخذ بيده، وتقدمه تائبًا لأبيه [1، 2].
* حنان الشفاعة المعاش: عندما تناديها "ماما"، أنت تستحضر حنانها الذي ظهر في عرس قانا الجليل. أنت تشعر روحيًا أنها قريبة جداً من أوجاعك اليومية الصغيرة والكبيرة، وتتحرك بدافع أمومتها لتطلب من ابنها المؤونة والتعزية لقلبك.

الله في المسيحية هل نفسه في الاسلام واليهودية ؟؟

مرحبا
سؤالي بسيط
في وجهة نظر المسيحية هل الله هو نفسه يلي في الاسلام واليهودية ؟
لو لا لكن مين اله في المسيحية ماهو تعريفه بنسبة لكم ؟؟
لو نعم لكن ماهو الاختلاف في المسيحية عن الاسلام واليهودية معلش اشرحو لي اله في المسيحية وماهو اله الحقيقي بنظركم
مجرد سؤال
امل محمد عبد الصادق
أعلى