مزمور
عجيب يتنبأ فيه داود بدقة عن عمل المسيح. وكما بدأ المزمور الأول بالتطويب ينتهي
هذا المزمور الثاني بالتطويب. فالطبيعة المطوبة التي يترجاها المرتل في المزمور الأول
لا يمكن تحقيقها إلا خلال المسيح الملك الذي يتكلم عنه في المزمور الثاني. وكان
اليهود يفهمون هذا المزمور على أنه يتكلم عن المسيا وبسبب أن المسيحيين فسروه عن
المسيح بدأ اليهود من القرن العاشر تفسير المزمور أنه يتكلم عن داود. ولكن المزمور
بصورة عامة يظهر أن الأرض وملوكها في حالة تكتل وهياج ضد الله وشعبه وبالتالي
مسيحه ووصاياه ونيره. ورمزياً كان هناك هياج ومؤامرات على داود فلقد قام ضده
الفلسطينيون والموآبيون وبني عمون والأدوميون والأراميون فهو رمز للمسيح. والله له
وقت يتدخل فيه ويوقف مؤامرات هؤلاء الأشرار ويثبت ملكه وتسود مملكة المسيح أخيراً.
وهنا كلمات لا يمكن أن تنطبق على داود مثل هل كانت الأمم ميراثاً لداود ؟ هذا لم
يتم سوى للمسيح (أع27:4 + 33:13 + عب5:1).
آية
(1): "لماذا ارتجّت الأمم وتفكّر الشعوب في الباطل."
الهياج
على داود كمسيح للرب أو الهياج على الكنيسة هو هياج على الله نفسه. وهذا ما يستغرب
منه داود هنا. وهذا ما حدث فقد تآمر الجميع على المسيح. الأمم والشعوب هو الدولة
الرومانية واليهود الذين فكروا في الباطل= فكل تدبيراتهم ضد المسيح هي باطلة فهل
ينجح أي تدبير ضد مشورة الله.
آية
(2): "قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه قائلين."
قام
ملوك.. تآمر الرؤساء= الملوك هم بيلاطس وهيرودس، بل هم طاردوه منذ ولادته.
والرؤساء هم رؤساء الكهنة، بل حتى الرعاع أيضاً صرخوا أصلبه أصلبه. وسؤال داود
يعني أنه يستغرب ما حدث فهو بلا سبب (يو24:15،25) "فهم أبغضوني بلا سبب"
على الرب وعلى مسيحه="أبغضوني أنا وأبي" (يو24:15،25). فالأشرار لم
يقبلوا نير المسيح وأغلاله أي وصاياه ومبادئه الكاملة بينما هي هينة (مت29:11،30).
آية
(3): "لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما."
لنقطع
قيودهما= كما قال اليهود "لا نريد أن هذا يملك علينا (لو14:19). فهم هاجوا
على الرب وعلى مسيحه (الآب والابن). مسيحه= سمى مسيحاً لأنه مسيح الرب، الذي حل
عليه الروح القدس في شكل حمامة عند عماده، ليس لأجل التطهير بل لأجل الإعلان، هو
مُسِحَ لينوب عني في المعركة ضد إبليس واهباً إياي نصرته. (مز7:45) مسحه بزيت الابتهاج.
آية
(4): "الساكن في السموات يضحك. الرب يستهزئ بهم."
الساكن
في السموات يضحك=الهياج على الأرض يقابله سلام فائق في السماء، الله يضحك فهل
يطوله هؤلاء "صعب عليك أن ترفس مناخس" فمن يرفس المناخس يصيبه هو الضرر
وأما المناخس فلا يصيبها شئ. الرب يستهزئ بهم= بينما يظن العالم في ثورته أنه قد
انتصر على الرب وعلى مسيحه، إذ بهم يجدوا أنفسهم أنهم قد حققوا غرض الله، فالله لم
يتركهم ينفذون ما أرادوا إلا لأنه يريد ذلك فالله ضابط الكل فهم قاموا على المسيح
وصلبوه ولكن لم يكن هذا انتصاراً لهم بل انتصاراً للمسيح. فهو قد أتم رسالة الفداء
وظهرت هذه القوة بوضوح بعد القيامة فالصيادين الضعفاء نشروا المسيحية في العالم
وتشتت اليهود المتكبرين.
آية
(5): "حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه."
بغضبه=
الله منزه عن الانفعالات، وهذه تعنى سقوطهم تحت دينونة وعدل الله وهذا ما حدث
لليهود فعلاً فقد تشتتوا في العالم كله. وهذا نصيب كل من يبتعد عن الله.
آية
(6): "أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي."
مسحت
ملكي على صهيون= المسيح في ميلاده قيل "أين ملك اليهود" وفي دخوله إلى
أورشليم قالوا "مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل" وبموته ملك على قلوب
كل المؤمنين به "وأنا إن ارتفعت أجذب إلىّ الجميع" وأحبه الجميع لأنه
أحبنا أولاً وكل من أحبه ملكه على قلبه وأطاع وصاياه، والشهداء ماتوا على اسمه
وعصوا أوامر القياصرة والملوك الوثنيين. هو الآن يملك في مجده ويملك على صهيون
كنيسته جبل قدسي= هي جبل ثابت سماوي بعد أن قدسها بدمه.
آية
(7): "أني اخبر من جهة قضاء الرب. قال لي أنت ابني. أنا اليوم ولدتك."
أني
اخبر من جهة قضاء الرب= وفي السبعينية (الأجبية) لأكرز بأمر الرب. فالمسيح جاء
إلينا ليعلن إرادة الرب فينا ويخبرنا بما عند الرب، يعلم محبة الآب لنا. قال لي
أنت ابني. أنا اليوم ولدتك= هذه الآية حيرت اليهود في تفسيرها، فقد أعلنت لنا
ميلاد الرب الجسدي. فهناك ميلاد أزلي للرب يسوع من الآب بلاهوته وميلاد زمني أي
جسدي. فقوله أنت ابني هذه إشارة لبنوته الأزلية من الآب بلاهوته وقوله أنا اليوم
ولدتك يتكلم عن الميلاد الزمني. ولذلك استخدم بولس الرسول هذه الآية (عب4:1،5)
ليثبت أن للمسيح اسماً أعظم من الملائكة بكونه ابن الله الوحيد لا بالتبني بل له
نفس طبيعة الآب. وبتجسده حصلنا نحن على النبوة.
آية
(8): "اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك."
أقاصي
الأرض والأمم صارت ملكاً للرب يسوع بصليبه (قارن مع في6:2-11).
آية
(9): "تحطمهم بقضيب من حديد. مثل إناء خزاف تكسرهم."
تحطمهم
بقضيب من حديد= وفي السبعينية ترعاهم بقضيب من حديد. وكلاً المعنيين يشيران لسلطان
الرب عندما يملك. وهو يؤدب ويرعى بالتجارب والآلام ومن يقبل ويخضع تكون له بركة،
ومن يتمرد سيتحطم وينكسر مثل إناء خزفي.
آية
(10): "فالآن يا أيها الملوك تعقلوا. تأدبوا يا قضاة الأرض."
أيها
الملوك تعقلوا. تأدبوا= على كل متكبر أن يخضع لتأديب الله، وليفهم كل متكبر أن
الله لا يشمخ عليه. داود ينهي مزموره بنصيحة للفهم والطاعة.
آية
(11): "اعبدوا الرب بخوف واهتفوا برعدة."
بخوف=
في عبادتنا لله يجب أن تمتلئ قلوبنا بمخافة إلهية مقدسة، والله حين يريد يعطي
الفرح في قلوبنا.
آية
(12): "قبلوا الابن لئلا بغضب فتبيدوا من الطريق لأنه عن قليل يتقد غضبه.
طوبى لجميع المتكلين عليه."
قبلوا
الابن= تقبيل قدمي الملوك عادة شرقية علامة الطاعة والولاء.
ونصلي هذا المزمور في باكر، فنذكر أن المسيح
يملك علينا، وحتى إن قام علينا العالم كله فالله يضحك بهم. والمسيح ملك بصليبه
وقيامته فنذكر قوة قيامته وانتصاره على الموت، بل نذكر أنه بولادته وفدائه صرنا
أبناء نتمتع بقوته.
يرتل
كل من يصلي صلاة باكر هذا المزمور ويبدأ بقوله "لماذا كثر الذين
يحزنونني" فيذكر مضايقيه من أهل العالم ويذكر الخطايا التي تضايقه وربما يسقط
فيها، ولكن سرعان ما تتحول الصلاة إلى إنشودة خلاص تملأ النفس سلاماً خلال التمتع
بروح النصرة وروح القيامة في صلوات داود، ونرى الرب منتصراً على كل أعدائنا حتى
أقوى الأعداء وهو الموت. يبدأ المزمور بصيغة الفرد ثم ينتهي بالبركة على كل شعب
الرب. ونلاحظ في عنوان المزمور أن داود وضع المزمور في ضيقته وهو هارب من أمام
إبشالوم أبنه. وهناك ملحوظة هامة جداً:- أنه بينما كانت المشكلة موجودة ومازال
داود مطروداً من عرشه وابنه يقود ضده ثورة ويريد قتله فهو وضع محزن مبكي بلاشك حتى
لمن يسمعه ولكننا نجد داود يسبح الله على خلاصه والخلاص لم يتم بعد، وهذا ما يحدث
مع كل من يصلي متعلماً من المزامير، فيصلي في ضيقته فيجد المسيح يحمل آلامه ويشترك
معه في صليبه ويعزيه ومازالت المشكلة بلا حل، لكن حدث تغيير واضح في قلب الذي يصلي
فهو بدأ صلاته حاملاً همومه وأنهاها وهو في حالة سلام داخلي. بل شعر أنه في أمان
طالما هو تحت الحماية الإلهية.
آية
(1): "يا رب ما أكثر مضايقي. كثيرون قائمون عليّ."
كثيرون
قائمون عليّ= فداود قام عليه ابنه إبشالوم ومشيره أخيتوفل والجيش بل ومعظم الشعب
(كان هذا نتيجة لخطية داود). وبالمثل قام على المسيح الرومان وملوكهم واليهود
ورؤساء كهنتهم بل والشعب ويهوذا تلميذه (كانت نهاية يهوذا كنهاية أخيتوفل) فكلاهما
كانا صاحب مشورة شريرة. لقد كتب داود هذا المزمور لضيقه مما حدث من إبشالوم وبروح
النبوة انطبق المزمور بالأكثر على المسيح وكأن المسيح أيضاً يتساءل لماذا كثر
مضايقو الكنيسة جسده.
آية
(2): "كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بإلهه.سلاه."
كثيرون
يقولون.. ليس له خلاص بإلهه= صوت التشكيك هذا كثيراً ما نسمعه في ضيقاتنا فنتصور
أن الله تخلى عنا. ومن اجتمع حول الصليب قال "قد إتكل على الله فلينقذه"
(مت43:27). إن أخطر ضربة يوجهها إبليس لنا هي ضربة اليأس وهي إنكار إمكانية عمل
الله الخلاصي. وخلال اليأس تتسلل كل خطية إلى حياتنا.
سلاه=
هي أضيفت بعد ذلك لتسكت الموسيقى فترة ويسكت المرنمين وتستمر الموسيقي ليتأمل
المرنمين والسامعين في هذا الكلام الخطر الذي قيل "هل ليس خلاص بالله؟!"
آية
(3): "أما أنت يا رب فترس لي. مجدي ورافع رأسي."
أنت
يا رب فترس لي= بالاختبار عرف داود أن الله كما أنقذه في حادثة الدب وفي حادثة
الأسد ثم مع جليات سينقذه الآن، "كما كان وهكذا يكون من جيل إلى جيل"
وفي (عب8:13) يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. ورافع رأسي= هكذا رفع الله
راس داود وهزم أعدائه ومع المسيح فلقد نزل المسيح بعد موته إلى الجحيم لينجي عبيده
منه. ثم قام من الأموات ظافراً وصار موضوع مجدنا وترتفع رؤوسنا به. وحتى إن حملنا
الصليب فترة من الزمن سنشعر أننا في هذا نشبه المسيح ولابد من أن نقوم معه ظافرين.
لقد كانت الجماهير والجيش هما قوة إبشالوم، ولكننا نسمع هنا أن الله هو ترس وقوة
داود.
مجدي=
لقد سقط تاجه وهرب أمام أعداؤه وشتمه شمعي بن جيرا ولكنه كان يرى أن مجده الحقيقي
هو الله، وهو القادر أن يرفع رأسه ويرد له كرامته. والله سيعطينا مجداً في السماء.
آية
(4): "بصوتي إلى الرب أصرخ فيجيبني من جبل قدسه. سلاه."
ليس
معنى الصراخ هو ارتفاع الصوت ولكن معناه الصلاة من القلب بعمق. جبل قدسه= هو ملكوت
الله السماوي. من هناك نسمع استجابة الله نسمعها في قوة، فداود محروم الآن من
أورشليم الأرضية لكنه على اتصال بأورشليم السماوية. والمسيح صرخ على صليبه لحسابنا
فاستجاب له الله، هو صرخ كممثل عن البشرية فاستجاب له الله وخلصنا (عب7:5).
الآيات
(5،6): "أنا اضطجعت ونمت. استيقظت لأن الرب يعضدني. لا أخاف من ربوات الشعوب
المصطفين علىَّ من حولي."
أنا
اضطجعت ونمت. استيقظت= هي نبوة عن موت المسيح وقيامته بعد أن أحاط به الأعداء
الذين تكلم عنهم في الآيات (1،2). وقوله أنا تشير لموت المسيح بإرادته
(يو17:10،18). وهم داود نقول أنه بعد صلاته زالت عنه حالة الاضطراب من كثرة
الأعداء ونام "فالرب يعطي لأحبائه نوماً" وعجيب أن نرى داود نائماً في
هدوء وأعدائه محيطين به، ولكن هذا هو سلام الله الذي يفوق كل عقل (في7:4). ويقول
داود في (مز132) لا أعطى لعيني نوماً.. حتى أجد موضعاً للرب. فهو حين صلي وأعطى
لله موضعاً في قلبه نال سلاماً عجيباً فنام. ومع كل منا يمكن أن يحدث هذا. بل في
كل مرة نصاب بفتور روحي ونشابه النائمين روحياً علينا أن نستيقظ (اف14:5 +
1تس6:5،7) فالنوم أي الكسل يؤدي للسقوط. فالسقوط موت والتوبة هي قيامة مع المسيح
الذي انتصر على الخطية وعلى الموت. ولو أعطانا الله حالة السلام نقول مع داود لا
أخاف من ربوات الشعوب.. ولماذا لا يخاف فالله أعطاه ثقة بوجوده وحمايته له = لأن
الرب يعضدني. وبسبب هذه الآيات الواضحة عن المسيح نرتل هذا المزمور في ختام صلوات
يوم الجمعة العظيمة ولكننا نتوقف عند قوله "أنا اضطجعت ونمت" ولا نكمل
فكلمة استيقظت تشير للقيامة التي حدثت فجر الأحد. فهذا المزمور يعتبر.
1.
نبوة عن المسيح.
2.
ما حدث حقيقة مع داود.
3.
صلاة المؤمن الذي في ضيقة ويحيط به الأعداء
(سواء جسديين أو روحيين).
4.
صلاة المؤمن وهو في حالة فتور ويشتاق أن يقوم من
موت الخطية.
الآيات
(7،8): "قم يا رب. خلصني يا إلهي. لأنك ضربت كل أعدائي على الفك. هشمت أسنان
الأشرار. للرب الخلاص. على شعبك بركتك. سلاه."
هي
طلبة داود ومن يصلي مع داود قم يا رب= أيقظ جبروتك وهلم لخلاصنا، كما أيقظ
التلاميذ الرب في السفينة. هذه علامة القوة في الصلاة واللجاجة. وتؤكد عمق إيمان
المرتل واختباراته في الرب الذي يعطيه الخلاص ويعطي البركة له ولكل شعبه. ونلاحظ
قول داود على شعبك= فهو الملك ولكنه لا يقول شعبي فهو يفهم أن الشعب هو شعب الله
بينما هو كملك يرعى شعب الله.
ونلاحظ
أن المزمور يبدأ بالصراخ وينتهي بالخلاص والبركة وهزيمة الأعداء، هو صورة رائعة
لصلاة الإنسان الساقط في ضيقة أو تجربة"، وكيف يخرجه الرب بهذه القوة هذه هي
نتيجة الصلاة التوبة، هي تملأ النفس تعزية ولا تنتهي سوى بالبركة والخلاص. أسنان
الخطاة= يشبه المتمردون ضد داود بالحيوانات الضارية التي تريد أن تلتهمه ولكن الرب
ينزع أسلحتهم، فذراع الله لا تقصر عن أن تخلص. للرب الخلاص= فلا فضل للإنسان نفسه،
إنما الفضل للرب الذي وحده يخلصنا من موت الخطية ويتمجد فينا.
ونرتل هذا المزمور في باكر كل يوم لنذكر قيامة
الرب وانتصاره على كل من قام ضده. ونذكر بركة الرب لشعبه ونتسلح في بداية يومنا
بهذا الإيمان القوي.
لإمام
المغنين على ذوات الأوتار= داود كتب المزمور وأعطاه لقائد فريق الإنشاد (الخورس أو
الكورال) ليرتلوا به مستخدمين الآلات الوترية.يرى بعض المفسرين أن داود كتب هذا
المزمور أيضاً متأثراً بموقف إبشالوم ابنه ضده ويرون أن داود كتبه بعد أن أحبطت
مشورة أخيتوفل وفيها كان داود يدعو شعبه أن لا يسيروا وراء الباطل بل يقدموا توبة.
فقد كان هناك من يريد إعادة تنظيم صفوف فريق إبشالوم ضد داود. وداود يقول لهم حتى
متى تهينوا الكرامة الملكية التي أعطاها الله لي وتسيروا وراء الكذب، فخصومتكم ضدي
هي خصومة ضد الله.
آية
(1): "عند دعائي استجب لي يا إله بري. في الضيق رحبت لي. تراءف علىّ واسمع
صلاتي."
استجب
لي. في الضيق رحبت لي= في الشدة فرجت عني (سبعينية). داود يصرخ إلى الله أن ينصره على
مضايقيه ويتذكر كل الشدائد التي سانده فيها الله ولم يتخل عنه (جليات.. ) وعلينا
أن نصلي دائماً ونذكر كل أعمال الله السابقة معنا "نشكر صانع الخيرات لأنه
سترنا وأعاننا وحفظنا.." يا إله بري= علامة اتضاع داود. فكل البر الذي يظهر
في حياة داود أو حياتنا ليس هو استحقاق صلاتنا وجهادنا الشخصي لكن بر الله فبئس
الإنسان الذي يكون بره من ذاته. هذا هو السر أننا بعد أن نتقدم روحياً نعثر إذ نظن
أننا أبرار. لأن غاية الناموس هو المسيح للبر لكل من يؤمن (رو4:10) فربنا هو برنا.
ونلاحظ أن داود لم يقل رفعت عني الشدة بل في الشدة فرجت عني أو رحبت لي، فهو مازال
في شدته لكنه شعر براحة (هذه هي طريقة الله، وهذا ما حدث مع الثلاثة فتية فالله لم
يرفعهم من الأتون بل جاء إليهم وأعطاهم راحة وسط النيران). وبعد أن حصل داود على
هذه الراحة لم يكف عن الصلاة كما يفعل الكثيرون فيدخلوا إلى الفتور بل استمر في
صلواته قائلاً=تراءف علىّ واسمع صلاتي (مثال: بعد التناول علينا أن نستمر في
جهادنا).
آية
(2): "يا بني البشر حتى متي يكون مجدي عاراً. حتى متى تحبون الباطل وتبتغون
الكذب. سلاه."
يا
بني البشر حتى متى يكون مجدي عاراً= لماذا تثقل قلوبكم (سبعينية) لماذا تحبون
الباطل. الإنسان بطبعه ترابي يميل للأرضيات (ثقل القلب). وهذا يحدث لنا بالخطية
والهموم العالمية ومحبة الدنيويات والإنشغال بها عوضاً عن الاهتمام بالسماويات
التي ترفع القلب إلى فوق. ونفهم الآية عن داود، بأنه يعاتب مقاوميه بأنهم يسيرون
وراء الأكاذيب التي أطلقها إبشالوم وأخيتوفل وحولوا مجد داود إلى عار. وهم بوقوفهم
ضد داود الممسوح من الله يخطئون إلى الله الذي اختاره وهذا راجع لثقل قلوبهم بسبب
خطاياهم. وبسبب خطاياهم صدقوا الأكاذيب (فالشيطان كذاب). ولكن هذه الآية توجه لكل
خاطئ أحب العالم والخطية فثقل قلبه وسار وراء الباطل (العالم وأكاذيبه وخداعاته)
حقاً قال سليمان عنه باطل الأباطيل. من إلهه المال يسعى وراء باطل. وهؤلاء يحولون
مجد الله في حياتهم إلى عار في حياتهم.
آية
(3): "فاعلموا أن الرب قد ميز تقيه. الرب يسمع عندما أدعوه."
الرب
قد ميز تقيه= قد جعل قدوسه عجباً (سبعينية) إن من يحبه الله يحيطه بعنايته ورعايته
بطريقة عجيبة، حدث هذا مع المسيح ومع داود ومع كل من يطلب الله بأمانه هي دعوة لكل
متألم أن يحول أفكاره عن أحزانه الداخلية إلى الرب السماوي غير المنظور. ونحن
نتمجد في السيد المسيح إن قبلنا الحياة المقدسة بعمل روحه القدوس فينا.
آية
(4): "ارتعدوا ولا تخطئوا تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واستكنوا.
سلاه."
اغضبوا
ولا تخطئوا= استشهد بولس الرسول بهذه الترجمة في (اف26:4) وهي تعني أنه إن كان
هناك مبرر للغضب فلا يوجد مبرر للخطأ. وعلى الإنسان أن يتخلص من حالة الغضب هذه
بأسرع ما يمكن، ويا حبذا لو كان الغضب على أنفسنا بسبب خطايانا فنقدم توبة، هذا
أفضل من أن نغضب على أحد. الذي تقولونه في قلوبكم إندموا عليه في مضاجعكم= بحسب
السبعينية ومعناه الذي أخطاتم فيه وفكرتم فيه بسبب أي إثارة مفاجئة، قدموا عنه
توبة وأنتم على فراشكم. داود هنا يحول الفراش إلى مذبح للصلاة فيبتعد عن الفكر أي
أفكار شريرة وتشتيت للفكر، لأن الفكر مشغول بحساب النفس وإدانة النفس. وفي الترجمة
العربية طبعة بيروت نجدها ارتعدوا ولا تخطئوا= فهي دعوة أن نخاف من الله فلا نخطئ،
وهي دعوة داود لشعبه أن يرتعد من التمرد عليه الذي هو تمرد على الله وبهذا يخطئ.
آية
(5): "اذبحوا ذبائح البر وتوكلوا على الرب."
إذبحوا
ذبيحة البر= بعد تبكيت النفس، والتوبة، إذا اتخذت النفس قرار بالامتناع عن الخطية
المحببة فكأنها قدمت ذبيحة بر "قدموا أنفسكم ذبائح حية". هذه النفس تقدم
نفسها ذبيحة على مذبح الإيمان، فهي تتوقف عن ممارسة خطية محببة.
آية
(6): "كثيرون يقولون من يرينا خيراً. ارفع علينا نور وجهك يا رب."
كثيرون
يقولون من يرينا خيراً= هناك مسيحيون شكليون، إذا طلبت منهم أن يمتنعوا عن الخطية
المحببة إليهم يقولون.. من يرينا الخيرات. أي ماذا يضمن لنا أننا لو توقفنا عن
الخطية المحببة لنا الآن أن الله سيجازينا خيراً في الأبدية. فهم محبون لخطاياهم
متذمرون على الرب، ناكرون أعماله الحسنة، بدون إيمان، ناقدين للرب والإجابة التي
يجيب بها داود، إن عربون عطايا الله في الأبدية لعبيده الأتقياء يظهر هنا على وجوه
عبيده "قد أضاء علينا نور وجهك يا رب" فالله وهو نور يضئ علينا ونحن في
ظلمة هذا العالم ويملأهم سلاماً يظهر أمام الآخرين كدليل على عمله الداخلي فيهم.
وحسب الترجمة ليرى هؤلاء المتشككين أي سلام نحن فيه، وبنورك هذا نضئ لهم ولكل
متشكك.
الآيات
(7،8): "جعلت سروراً في قلبي أعظم من سرورهم إذ كثرت حنطتهم وخمرهم. بسلامة
أضطجع بل أيضاً أنام لأنك أنت يا رب منفرداً في طمأنينة تسكنني."
هي
شهادة داود عن عمل الله معه، فهو يشبعه ويقوده إلى ينابيع ماء حية وهكذا كل مسيحي
ملأه الله بروحه القدوس، ويشبع من ذبيحة القداس، ويتغذى على كلمة الله في كتابه
المقدس وصار الرب يسوع موضوع شبعه، يشبع أكثر ممن يشبعون من خيرات هذا العالم،
الحنطة والخمر.. الخ. بل هو يحيا في سلام وينام في سلام.
ونصلي هذا المزمور في صلاة باكر لنطلب نور الله
وسلامه بالرغم من المضايقين.
هذا
المزمور رتله داود وهو ممتلئ مرارة من أخيتوفل ومن شابهه، الذين كانوا أصدقاء
ومخلصين له ثم شعر بخيانتهم له. وهذا ما حدث للمسيح إذ خانه تلميذه يهوذا وقام
عليه من شفاهم وكان يجول وسطهم يصنع خيراً، طالبين صلبه، وكانوا يستهزئون به.
وهناك من يرون أن الشخص الخائن هنا القائم ضد المسيح هو رمز لضد المسيح الذي سيأتي
في نهاية الأيام.
ونجد
في هذا المزمور تضاد بين الخيرات التي ينالها ابن الله الذي يحتمي بهيكل قدس الله
وبين الأخطار التي تحيق بالأشرار. والمزمور يبدأ أيضاً بصورة المفرد وينتهي بصورة
الجمع، ففي عبادتنا لا يمكن الفصل بين العبادة الفردية والعبادة الجماعية.
آية
(1): "لكلماتي أصغ يا رب. تأمل صراخي."
لكلماتي
إصغ يا رب= هي صرخة داود في ألمه، وصرخة كل إنسان لله الذي يثق في أن الله يسمع
ويخلص، هي صرخة الكنيسة عموماً التي تثق في عريسها أنه يستجيب. إسمع صراخي= هو
صراخ القلب. فالله قال لموسى مالك تصرخ إلىّ هكذا" وهم لم يصرخ على الإطلاق
(خر15:14). ولذلك جاءت كلمة صراخي بمعنى فكري (الكتاب بشواهد).
آية
(2): "استمع لصوت دعائي يا ملكي وإلهي لأني إليك أصلي."
في
آية (1) قال يا رب وهنا يقول يا ملكي وإلهي. وهذا التكرار المثلث يشير للثالوث.
فنحن نصلي للآب وصلاتنا مشفوعة بشفاعة المسيح الكفارية وبأنات الروح القدس (الروح
لا يئن بل بعمله فينا نحن نئن شاكرين ومسبحين). ولذلك يقول داود يا رب (وذلك لأن
اليهود يعرفونه). داود هنا يمثل الكنيسة التي تعرف الابن والروح القدس فتقول ملكي
وإلهي. ولم تقل يا ربي فهي الوحيدة التي تعرفت على الابن وعلى الروح. والتكرار
يشير أيضاً إلى لجاجة داود في صلاته.
آية
(3): "يا رب بالغداة تسمع صوتي. بالغداة أوجه صلاتي نحوك وانتظر."
بالغداة
تسمع صوتي= أي في الصباح فأول عمل يعمله هو الصلاة (لذلك نصلي هذا المزمور في صلاة
باكر). والغد يشير لعهد النعمة المشرق المملوء فرحاً بخلاص الرب يسوع وأحضانه
المفتوحة لنا. أما البارحة فتشير للعهد القديم. والغد يشير للحياة الأبدية حياة
التسبيح الدائم. ونصلي دائماً كل صباح متوقعين مراحم الرب الجديدة كل صباح.
والصباح يشير للقيامة سبب كل بركة لنا. ويشير للتبكير في الصلاة لتكريس اليوم كله
لله وهذا يعطي سلام لنا وبركة لليوم كله.
آية
(4-6): "لأنك أنت لست إلهاً يسر بالشر. لا يساكنك الشرير. لا يقف المفتخرون
قدام عينيك. أبغضت كل فاعلي الإثم. تهلك المتكلمين بالكذب. رجل الدماء والغش يكرهه
الرب."
لنحرص
قبل أن نقف أمام الله أن نكون في حالة استعداد وندم على خطايانا، وفي حالة توبة من
كل إثم وشر ومخالفة للناموس وكذب وسفك دم وغش. هكذا قال المسيح "إذا قدمت
قربانك.... (مت23:5،24). ورجل الدماء والغش هنا قد يشير للشعب اليهودي الذي صلب
المسيح. وقد يشير لضد المسيح وأتباعه الأشرار. هنا نرى ليل وسواد الخطية ولذلك أتى
المسيح نور العالم بعدما إسودَّ العالم. وكأن داود في هذا الوصف يصور نفسه يقف كل
صباح ينتظر أن يشرق نور المسيح.
آية
(7): "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك. أسجد في هيكل قدسك بخوفك."
هذه
الآية نقولها دائماً عند دخولنا للكنيسة. وداود هنا يقول أنه يدخل بيت الله عكس
الأشرار الذين ذكرهم سابقاً فهم لا يدخلونه وأن دخلوه فهم لا يكونون في شركة مع
الله فلا شركة للنور مع الظلمة. فبكثرة رحمتك أدخل بيتك= ليس من حقي الدخول إلى
بيتك إلا برحمتك. وإذا قدسنا الهيكل هكذا ينبغي أيضاً أن نحافظ على أجسادنا فهي
هيكل الله. وربما داود بهذه الكلمات وهو منفي بعيداً عن أورشليم يعبر عن ثقته في
أن الله سيعيده لأورشليم ويدخل الهيكل ثانية.
آية
(8): "يا رب اهدني إلى برك بسبب أعدائي. سهل قدامي طريقك."
هي
صلاة لداود ليقوده الرب، وإن قاده الرب سيكون في مأمن من أعدائه. ونحن نفهم أن
أعدائنا هم الأعداء الروحيين الذين يحمينا الله منهم،ويسهل لنا طريقنا في العالم.
حقاً فالعالم خاضع للظلم، ولكن الله يعتني بأولاده ويظهر لهم رحمته ويدافع عنهم
ويحفظهم وهو الطريق، وطريق المسيح هو الصليب، وفي رحلة حياتنا سيكون لنا آلام
لنقبلها كصليب والمسيح يعطينا أن يشترك معنا معطياً لنا راحة وسلام.
الآيات
(9،10): "لأنه ليس في أفواههم صدق. جوفهم هوة. حلقهم قبر مفتوح. ألسنتهم
صقلوها. دنهم يا الله ليسقطوا من مؤامراتهم بكثرة ذنوبهم طوح بهم لأنهم تمردوا
عليك."
الله
يدين الخطاة لأجل أولاده، ويسقطهم في مؤامراتهم (هامان ومردخاي) ثم يستأصلهم.
ولاحظ مواصفاتهم حلقهم قبر مفتوح= لسانهم مميت كالسيف، وضد المسيح هذا سيضل كثيرين
بأكاذيبه. ولأنه قبر مفتوح فهو لا يشبع من القتلي، يضم كل يوم قتلى إنكار الإيمان.
ألسنتهم صقلوها= أما لنشر عدم الإيمان، أو الأكاذيب أو النميمة والإشاعات الكاذبة
أو التجديف والشتائم والكلام البطال والمعثر. وقابل هذا بقول داود عن نفسه أن
لسانه قلم كاتب ماهر أي يكتب ويرتل ما يعلمه إياه الروح القدس. لهذا حسب كلام
الأشرار سيف فهو قاتل وحسب كلام داود قلم فهو معلم. وحلقهم قبر فكلامهم ميت بلا
روح وبلا حياة. ليسقطوا من مؤامراتهم= هذه نبوة وليست لعنة.
الآيات
(11،12): "ويفرح جميع المتكلين عليك. إلى الأبد يهتفون وتظللهم ويبتهج بك
محبو إسمك. لأنك أنت تبارك الصديق يا رب كأنه بترس تحيطه بالرضا."
هي
صورة عكسية للآيات (9،10) فهنا نجد نصيب أولاد الله وفرحهم وبركتهم ونتيجة جهادهم
وسهوهم يأخذون بركتهم ونصيبهم السماوي ميراثهم. لذلك ففي الترجمة السبعينية نجد
اسم المزمور للتمام من أجل الوراثة. كأنه بترس تحيطه بالرضا= رضا الله على المؤمن
البار هو ترس له، فكأن ترسنا هو مسرة الله ورضاه علينا.
نصلي هذا المزمور في صلاة باكر لنذكر مقاومي
الرب ونمتلئ رجاء في أن الله يسندنا وسط ضيقات وخيانات الأشرار في وسط هذا العالم.
هذا
المزمور من أروع مزامير التوبة ويجب على المؤمن أن يردده باستمرار. وداود كان
نبياً باكياً مثل أرمياء. وعلى كل متألم أن يفعل مثله. والمزامير الثلاثة السابقة
كانت تتحدث عن ألام الأبرار بسبب مضايقين خارجيين، وفي هذا المزمور وباقي مزامير
التوبة نجد أن داود البار يعاني بسبب خطيته هو (مزامير التوبة 6، 32، 38، 51، 102،
130، 143). وغالباً قالها داود بسبب خطاياه وأشهرها خطيته مع امرأة أوريا.
ولهجة
المزمور تناسب الإنسان التائب فهي تعبر عن شدة الحزن على إرتكاب الخطية، وفيها
بكاء وفيها كراهية للخطية وفيها أيضاً رجاء في مراحم الله. ونرى هنا داود يرى أثار
الخطية وكيف أنها أثرت على نفسه (حزن شديد) وعلى جسده (عظامي قد رجفت).
الآيات
(1-3): "يا رب لا توبخني بغضبك ولا تؤدبني بغيظلك. ارحمني يا رب لأني ضعيف
اشفني يا رب لأن عظامي قد رجفت. ونفسي قد ارتاعت جداً. وأنت يا رب فحتى متى."
اعتراف
بالخطايا بالرغم من كل إنذارات الله وسماع صوته، وإذا وقفنا أمام الله فلا نطلب
إلا الرحمة، فنحن دنسنا أجسادنا وأسأنا لربنا الذي قدم لنا دمه وأسأنا لروحه
القدوس الساكن فينا، ليس لنا وجه أن نطلب سوى الرحمة.
إشفني=
من أمراضي الجسدية= عظامي قد رجفت وأمراضي النفسية= نفسي قد ارتاعت والمسيح هو
الطبيب الماهر الذي يقدم الشفاء للأمراض المستعصية. وداود لم يطلب أن لا يبكته الله
أو يوبخه "فالروح القدس هذا هو عمله أن يبكت" (يو8:16) ولكن داود يطلب
أن لا يكون هذا التبكيت مصاحبه سخط وغضب الله= لا توبخني يا رب بغضبك بل بكتني كأب
يبكت إبنه، لا أريد أن أشعر أنني إنسان منبوذ، وغضب الله يفنى أما حبه الأبوي
فيصلح ويجبر ويخلص. وهنا نجد اعتراف داود بأنه ضعيف= وهكذا ينبغي أن نقف أمام الله
شاعرين بأننا لا نقدر أن نخلص أنفسنا طالبين مراحم الله. وأنت يا رب فحتى متي= هنا
شعر المرتل بعجزه، وأن خطيته تستحق الغضب الإلهي وأن كيانه كله (جسده ونفسه) أخذ
في الأنهيار، فصرخ لا تتركني إلى النهاية، إلى متى تتركني أعاني، إلى متى يا رب
تنسانا نتيجة لأعمالنا الشريرة.
الآيات
(4،5): "عد يا رب نج نفسي. خلصني من أجل رحمتك. لأنه ليس في الموت ذكرك. في
الهاوية من يحمدك."
لا
تتركني ولا تهملني ولا تنساني بسبب خطاياي بل قم يا رب أيقظ جبروتك وهلم لخلاصنا،
لأجل مراحمك نجني، لأن العمر الحاضر فقط هو زمان التوبة= ليس في الموت ذكرك. وقوله
عُد يا رب= الله موجود في كل زمان وفي كل مكان. ولكن قوله عد إشارة لحضور النعمة
حيث يسكن وسط شعبه، في داخل قلوبهم، معلناً إتحادهم به. وإذ يشعرون بوجوده تكون
لهم راحة، فأمَّر الضيقات على الإنسان هي التي فيها يشعر بغياب الله. لذلك يقول
إرجعوا إلىّ أرجع إليكم (زك3:1). فقوله عد تفهم بأن إجعلني أعود يا رب إليك لتعود
بحضورك إلىَّ. خلصني من أجل مراحمك= أنا لا أستحق الخلاص ولكن خلصني من أجل رحمتك.
الآيات
(6،7): "تعبت في تنهدي. أعوم في كل ليلة سريري بدموعي أذوب فراشي. ساخت من
الغم عيني. شاخت من كل مضايقي."
هي
آيات تظهر أن المزمور مزمور توبة. هنا يحقق ما قاله في (مز4:4). ساخت من الغم
عيني= تعكرت من الغضب عيناي (سبعينية). وغضبه هنا موجه إلى أعدائه الروحيين الذين
أسقطوه في الخطية وهم محبة العالم وإغراءاته وشهوات الجسد والشيطان وحيله (فحربنا
ليست مع لحم ودم بل مع قوات شر روحية). ولاحظ أنه يبكي في الليل، حيث لا يراه
إنسان فعلاقتنا مع الله علاقة خاصة في المخدع وهو في الليل يبكي يشير للخطية
فالليل يشير لظلمة الخطية (في المساء يحل البكاء وفي الصباح السرور). أعوم كل ليلة
سريري= التوبة هي معمودية ثانية. كل هذا الإنسحاق وهو الملك العظيم، لكن مركزه لم
يمنعه من الإنسحاق أمام الله. ومن لا يخاف ويبكي إذا تذكر دينونة الله الرهيبة.
الآيات
(8-10): "ابعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم. لأن الرب قد سمع صوت بكائي. سمع
الرب تضرعي. الرب يقبل صلاتي. جميع أعدائي يخزون ويرتاعون جداً. يعودون ويخزون
بغتة."
علامة
التوبة الحقيقية هي ترك كل أصدقاء السوء وكل علامات الخطية فمتى ترك مكان الجباية،
وزكا ترك أمواله وداود هنا يقول إبعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم وتأمل إضطراب داود
في أول المزمور وثقته في استجابة الله وقبوله لتوبته. ولنعلم أن من ضمن فاعلي
الإثم هم الشياطين الذين يشككون في قبول التوبة. ولذلك يرد داود عليهم بثقة الرب
سمع صوت تضرعي. وسلاح داود في محاربة هؤلاء الأعداء هو الصلاة، وهو أحس وشعر بأن
الله استجاب لدموعه، إذ ملأه قوة جديدة فتغيرت نغمة صلاته واستعاد هدوءه بل صار
يتكلم بفرح، فالذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج (مز5:126). ونصلي المزمور في
باكر لنذكر هذه القوة والفرح وقبول التوبة.
هو
مزمور تسبيح لله على كل أعماله التي تنطق بمجده. ويلخص داود أعمال الله في:-
1.
مجد الله ظاهر في السموات فهي عمل يديه.. القمر
والنجوم وكل ما فوقنا.
2.
التسبيح الذي يخرج من فم الأطفال. فالطفل بصعوبة
يتعلم ولكنه بسهولة يسبح الله ويحبه.
3.
الله الديان بعدل يظهر في دينونته قداسته وفي
دينونته يسكت العدو والمنتقم.
4.
خلقة الله للإنسان، وكون الإنسان ينقص قليلاً عن
الملائكة، وأن الله يعطي سلطاناً للإنسان.
5. قد
ينشأ في داخل الإنسان شعور بتفاهته وأنه لا يساوي شئ (هذا شعور هام من الناحية
الروحية لاكتساب فضيلة التواضع).. ولكننا نرى الجانب الآخر ليكون مفهوم التواضع
صحيحاً أن الله يحب الإنسان وأعطاه سلطاناً ومن أجله تجسد وافتدى الإنسان. إذاً
فالإنسان مهم جداً عند الله. وأن الله أعد مجداً للإنسان.
وهذا
المزمور إتخذ رمزاً ونبوة صريحة عن المسيح في العهد الجديد ولنراجع:-
1. (مت16:21)
فتسبيح الأطفال فعلاً في دخول المسيح إلى أورشليم. وكلما عدنا لمرحلة الطفولة
وبساطتها يسهل أن نسبح الله "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل هؤلاء الأطفال..
" (مت3:18).
2. (عب6:2-8) ونقارنه مع
الآيات (4-6) من المزمور. فبولس الرسول رأى في هذا نبوة عن المسيح الذي أنقص عن
الملائكة بكونه صار إنساناً ومات. ولكنه تكلل بالمجد والكرامة في قيامته وصعوده
وجلوسه عن يمين الآب.
3. (1كو27:15) ونقارنها مع
آية (6) تسلطه على أعمال يديك جعلت كل شئ تحت قدميه ونرى هنا خضوع الخليقة كلها
للمسيح. فالله خلق آدم وأعطاه سلطاناً على جميع المخلوقات وفقده بالخطية، وخسر كل
المجد الذي كان فيه. ولكن المسيح جاء ليعيد للإنسان المجد الذي خسره "بمجد وبهاء
تكلله"، فأي مجد صار لنا بالخلاص الذي قدمه المسيح. لقد صار لنا مجد أولاد
الله لأننا سنصير مثله تماماً. (1يو1:3،2 + في21:3)
فهذا
المزمور الذي يتحدث عن مجد الله عن خلقته للطبيعة وللإنسان يتحدث أيضاً عن عمل
المسيح ليعيد المجد للإنسان بعد أن فقده بخطيته. فنرى في هذا المزمور محبة الله
للإنسان وعنايته به، والمجد الذي أعد لنا وشركة الحياة الأبدية مع الرب يسوع.
على
الجتية= ربما هي آلة موسيقية، أو لحن موسيقي مشهور في جت (مدينة فلسطينية وكان
لداود علاقة وثيقة بها، وكان حرسه الخاص من جت. وفي العبرية كلمة جت تعني معصرة
لذلك ترجمتها السبعينية على المعاصر. ولنقارن مع عنوان المزمور التاسع "على
موت الابن" لنرى الارتباط، فالابن يسوع حين مات داس المعصرة وحده بصليبه
(أش3:63)
آية
(1): "أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض حيث جعلت جلالك فوق
السموات."
ما
أمجد اسمك= فاسمه يدعي عجيباً (اش6:9)، باسم يسوع الناصري قم وإمش (أع6:3 +
أع12:4). (تدريب= الالتزام بصلاة يسوع "يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا
الخاطئ" جعلت جلالك فوق السموات= فالملائكة في السموات عملها تسبيح الله.
والنفس التي تسبح الله تكون في السموات وتشترك مع الملائكة في تسابيحها.
آية
(2): "من أفواه الأطفال والرضع أسست حمداً بسبب أضدادك لتسكيت عدو
ومنتقم."
من
أفواه الأطفال والرضع أسست حمداً= الأطفال هم المولودين جديداً في المعمودية
وبالتوبة، هم من عادوا من خطيتهم بتوبتهم ليشبهوا الأطفال في بساطتهم وطهارتهم
والرضع هم من يرضعون تعاليم الكتاب المقدس (1كو1:3،2). بسبب أضدادك لتسكيت عدو
ومنتقم= إختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء، وإختار ضعفاء العالم ليخزي
الأقوياء.. (1كو27:1،29). فهؤلاء الأطفال الروحيين يهزمون جبابرة العالم
(2كو4:10،5).
آية
(3): "إذا أرى سمواتك عمل أصابعك القمر والنجوم التي كونتها."
القمر
يشير للكنيسة والنجوم يشيرون للقديسين. ما جعلهم نوراً هكذا هو عمل الروح القدس =
أصابعك.
آية
(4): "فمن هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده."
من
هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده= الإنسان عزيز جداً في عيني الله وهنا
المرتل يتعجب لهذه المحبة التي بسببها افتقدنا الله بفدائه.
آية
(5): "وتنقصه قليلاً عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله."
هي
عن المسيح الذي بتجسده صار أنقص قليلاً عن الملائكة لأنه أخذ جسدنا ومات ثم تمجد
في قيامته. والإنسان بوضع عام أقل قليلاً من الملائكة بسبب جسده الذي إتخذه المسيح
فشابه الإنسان تماماً، وذلك ليعيد للإنسان مجده= بمجد وبهاء تكلله هذه تقال عن
المسيح بعد صعوده، وتقال للإنسان الذي آمن وثبت في المسيح فصار وارثاً.
الآيات
(6-8): "تسلطه على أعمال يديك. جعلت كل شئ تحت قدميه. الغنم والبقر جميعاً
وبهائم البر أيضاً وطيور السماء وسمك البحر السالك في سبل المياه."
هذا
السلطان كان للإنسان قبل سقوطه (تك28:1). ونرى صورة للسلطان الذي عاد للإنسان على
الخليقة بعد الفداء في قصة مثل الأنبا برسوم العريان والثعبان.
الآية
(9): "أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض."
لا
يختم المرتل تأملاته في المزمور بسلطان الإنسان بل بمجد الله وهو نفس ما قاله في
آية (1) فالمجد في البداية والنهاية هو لله، ومجد الإنسان عطية منه.
نصلي هذا المزمور في باكر، فبعد ما صلينا (مز6)
مزمور التوبة نرى هنا أمجاد التوبة. ونرى المسيح الذي توج بالمجد والكرامة بعد أن
قام وصعد للسموات.
يقول
البعض أن داود كتب هذا المزمور في أثناء فترة حكم شاول وانتشار الأكاذيب ضده في
القصر الملكي، فالكل يُداهِنْ الملك شاول وينشر إشاعات مغرضة ضد داود لإرضاء شاول،
وداود يصرخ لله واثقاً في كلام الله ووعوده. ونحن هنا أمام ثلاث أنواع من الكلام.
1.
كلام الأشرار: كذب ورياء وكبرياء ينطقون بفم
أبيهم إبليس الكذاب وأبو الكذاب.
2.
كلام الأبرار: تنهدات المساكين بسبب ما يعانوه
من ضيق ومتاعب، والله يسمع لهم.
3.
كلام الله: كلام نقي، محل ثقة، مصدر الخلاص.
كفضة مصفاة بلا شوائب.
وإن
قيل هذا المزمور في أيام شاول أو غيره، فهذه حقيقة واقعة أن كلام الأشرار
المتكبرين وأكاذيبهم تنتشر لفترة، وربما يتعالون وينتصرون لفترة ما بسماح من الله
وخلال هذه الفترة يكون الأبرار المساكين يتنهدون ويصرخون لله واضعين وعوده بأنه يخلص
نصب عيونهم، وتكون فترة انتظار الرب هي فترة طول أناة على الأشرار لعل طول أناته
تقتادهم للتوبة، وتكون فترة الانتظار هذه للأبرار فرصة تنقية فهي فترة صراخ لله
وصلاة والتصاق بالله، وفي هذا يتنقون كما تتنقى الفضة من الشوائب في البوطة (فرن
الصهر). ثم يتدخل الله وينصف الأبرار ويقطع شفاه الأشرار.
آية
(1): "خلص يا رب لأنه قد انقرض التقي لأنه قد انقطع الأمناء من بني
البشر."
البار
قد فني= داود رأي أن الكذب قد انتشر، والخيانة انتشرت، لم يرى واحد بار، فشاول
يخونه ومعه رجاله وكذلك أهل زيف وقعيلة، ورأى مذبحة الكهنة بسببه فصرخ خلص يا رب،
فلم يبق ولا بار. فمن كثرة الاضطهاد فنى الأبرار. ولأن الشر ساد العالم كله احتاج
العالم لمخلص، وكأن صرخة داود خلص يا رب هي بروح النبوة صرخة نداء لله ليتجسد
المسيح إذ زاغ الجميع وفسدوا. داود هنا شابه إيليا حين تصوَّر أن الأبرار انتهوا من
الأرض ولم يبق سواه (1مل10:19).
الآيات
(2-4): "يتكلمون بالكذب كل واحد على صاحبه بشفاه ملقة بقلب فقلب يتكلمون.
يقطع الرب جميع الشفاه الملقة واللسان المتكلم بالعظائم. الذين قالوا بألسنتنا
نتجبر. شفاهنا معنا. من هو سيد علينا."
رأى
داود قلة الأمانة والكذب ينتشران بين الناس. (ونرى في يع3 كيف أن اللسان عطية الله
لو استخدم في الباطل يكون كدفة سفينة تقودها للهلاك) ومن علامات الرياء إزدواج
القلب= بقلب فقلب يتكلمون= هم غير أمناء ولا يقولون الحق والله سيقطع هذه الشفاه،
كما قطع لسان فرعون الذي قال في تجبر "إني لست أعرف الرب" وقطع شعب
اليهود ورؤسائهم الذين تجبروا على المسيح، وقطع لسان كل من تجبر على الكنيسة الذين
قالوا من هو سيد علينا.
آية
(5): "من اغتصاب المساكين من صرخة البائسين الآن أقوم يقول الرب. أجعل في وسع
الذي يُنْفَث فيه."
هنا
نسمع صراخ الأبرار في ظلمهم وألمهم. تدخل الله في الوقت الذي يراه صالحاً (ملء
الزمان) ليصنع لهم الخلاص علانية.
آية
(6): "كلام الرب كلام نقي كفضة مصفاة في بوطة في الأرض ممحوصة سبع
مرات."
هنا
نسمع عن كلمة الله التي هي كفضة مصفاة نقية، والكتاب المقدس كلمة الله منزه عن كل
خطأ وشبه خطأ أو تضاد أو كلمة بشرية ساقطة، فالكتاب كله موحى به من الله. والأبرار
يثقون في وعود الله التي لا تسقط أبداً، فليس في وعوده غش. هنا نرى التناقض بين عش
ورياء البشر وصدق كلمة الله النقية ووعوده التي لا تسقط. بل كلام الله ينقي النفس
"أنتم أنقياء من أجل الكلام الذي كلمتكم به" فالرب حين يعطينا من مواهب
الروح القدس تنقي حياتنا 7 أضعاف ورقم (7) رقم كامل. وهناك من رأى أن رقم 7 يشير
لقول أشعياء روح الرب. وروح الحكمة والفهم.. (أش2:11)
الآيات
(7،8): "أنت يا رب تحفظهم تحرسهم من هذا الجيل إلى الدهر. الأشرار يتمشون من
كل ناحية عند ارتفاع الأرذال بين الناس."
نرى
هنا خلاص الرب لعبيده وأنه سينجيهم في هذا الجيل وكل جيل وإلى نهاية الدهر رغم أن
الأشرار ينجحون= إن الأشرار يتمشون من كل ناحية ويرتفعون.
نصلي هذا المزمور في باكر فنبدأ يومنا بالثقة في
حماية الله رغماً عن كل المؤامرات حولنا. ونرى فيه أنه بالرغم من مؤامرات اليهود
على المسيح وصلبه إلا أنه سيقوم ويصنع الخلاص علانية فنذكر القيامة في بدء يومنا=
الآن أقوم يقول الرب.
يرى
البعض أن هذا المزمور قاله داود وهو هارب من وجه إبشالوم، وهذا سبب إحساسه بغضب
الله وأن الله نساه، هذا الحزن الواضح في بداية المزمور تعبير عن الحزن الداخلي إذ
تذكر خطيته وها هو يعاني من نتائجها. ولكننا نرى في هذا المزمور الطريق الصحيح
الذي يجب أن يتبعه كل من يشعر بخطيته فيقدم عنها توبة ويصرخ إلى الله ولا يكف عن
الصراخ إلى أن يشعر بالاستجابة، وهنا نرى داود يصرخ 4 مرات إلى متى طالباً العون
ثم وكأنه يعاتب الله، هل تقبل يا رب أن يفرح أعدائي بحالتي هذه. ولا يتوقف في
صلاته عند هذا الحد، بل نجد إيمانه يتشدد ويقول أما أنا فعلي رحمتك توكلت بل يتقدم
أكثر ويسبح بفرح. "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج" (مز5:126)
وهذا الأسلوب نجده دائماً في مزامير داود، فهو يبدأ بالصراخ والدموع وينتهي مسبحاً
الله بفرح ونرى في هذا المزمور صورتين.
1.
تعبير عن حالة نفس في فتورها الروحي وشعورها
بألام نسيان الله.
2. ربما
يعبر هذا المزمور عن قول المسيح على الصليب "إلهي إلهي لماذا تركتني"
ولكنه ينتهي بتسبيح الله على خلاصه أي قيامة المسيح وانتصاره لذلك نصلي هذا
المزمور في باكر.
|