تفسير رسالة يوحنا الأولى - الأصحاح 1 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 13:
1. الكلمة الإلهي

يبدأ الإنجيل بحسب القديس يوحنا بافتتاحية أو مقدمة تختلف عن افتتاحية بقية الأناجيل الإزائية. افتتاحية مرقس الرسول تقدم وصفُا للقديس يوحنا المعمدان وعمله كملاكٍ يهيئ الطريق أمام السيد المسيح الذي طالما اشتهى الآباء والأنبياء أن يروا يوم مجيئه. وافتتاحية متى البشير تقدم تسلسل يسوع المسيح عن إبراهيم، وقصة ميلاده بكونه الملك الفريد الذي جاء ليقيم مملكة داود الساقطة، ويجعل من مؤمنيه شعبًا ملوكًيا. ويفتتح لوقا الرسول إنجيله بمقدمة أدبية رسمية (1:1-4)، يتبعها عرض لميلاد المعمدان ثم ميلاد يسوع المسيح الذي يشبع بحبه الباذل وصداقته الفريدة كل قلبٍ، ويملأ كل فراغ في الداخل. أما يوحنا فيبدأ بالكشف عن شخص ربنا يسوع قبل التجسد بكونه الكلمة الأزلي، لكي نتخطى كل زمن وننطلق إلى حضن الآب الأزلي، فنتعرف على خطة الله من نحونا ومشيئته لخلاصنا ومجدنا الأبدي. يعرفنا على ذاك الذي نشاركه مجده ونعيش معه إلى الأبد. أبرزت المقدمة (1-18) ما ورد في السفر ككل أن اللَّه يعلن عن نفسه خلال كلماته (1-13) كما خلال أعماله (2-5)، وأخيرًا خلال التجسد الإلهي لمجد الآب (14-18).

كُتبت الافتتاحية في أغلبها كقطعة شعرية متميزة من جهة الأسلوب والمفردات عن بقية السفر مما جعل بعض الدارسين يتساءلون إن كانت هذه الافتتاحية هي لحن كنسي اقتبسه الرسول، أو إضافة قدّمها الرسول بعد أن كتب بقية السفر كملخص يكشف عن هدف السفر ويفسر معناه. أو هي مقدمة كتبها ليُعلن عن موضوع كتابته مقدمًا. لكن الحقيقة هي أن غاية الافتتاحية أن تقدم للقارئ شخص يسوع المسيح موضوع السفر، بكونه الكلمة الأزلي، العامل مع الآب في الخليقة. بكونه اللَّه نفسه يعلن عن الآب، ويقدمه لنا كما يقدم نفسه لنا. إنه حكمة اللَّه المتحدث معنا، والذي يقدم ذاته كلمة اللَّه لكي نقتنيه سرّ حياة أبدية. إنه حياة الكل، ونور كل إنسان. هذا الأزلي صار جسدًا وعاش كإنسانٍ، رفضه خاصته اليهود بالرغم من شهادة القديس يوحنا المعمدان له. لكن وُجدت بقية أمينة قبلته فصاروا أبناء الله وأعضاء في العائلة الإلهية.

في كل صباح نتغنى بهذه المقدمة وما يليها (يو1:1-17)، لكي ما ندرك أن بدايتنا اليومية الجديدة مصدرها الالتقاء بذاك الذي وحده يرفعنا إلى ما فوق الزمن ليدخل بنا إلى حضن أبيه، دون أن يحتقر الزمن أو يستخف به، بل يقدسه كطريق للعبور إلى ما وراء الزمن. في صلاة باكر نتذكر أن مسيحنا المخلص هو الألفا والأومجا، البداية والنهاية، فنتمتع ببداية مقدسة ونهاية مجيدة.

يقول القديس أغسطينوس أن صديقه سمبليشيوس Simplicius أخبره بأن فيلسوفًا أفلاطونيًا قال بأن هذه العبارات التي جاءت في بداية إنجيل يوحنا تستحق أن تُكتب بحروفٍ من ذهبٍ.

وذكر متى هنري عن فرنسيس جوني Francis Junius الذي فقد كل القيم الدينية في شبابه، وقد استعادها بنعمة اللَّه خلال قراءته لهذه الأعداد عن غير قصدٍ منه، قدمها له والده. شعر بقوتها وسلطانها عليه فقضى يومه كله لا يُدرك أين هو ولا ما كان يفعله، وكان جسمه مرتعبًا. وكان ذلك اليوم هو بداية حياته الروحية.

تقدم لنا العبارات (1-13) ثمان حقائق عظمى عن شخص ربنا يسوع المسيح، وهي:

أ - كان ولا يزال الأزلي: "في البدء كان الكلمة" (1).

ب - كان ولا يزال الأقنوم المتمايز عن أبيه: "وكان عند اللَّه" (1).

ج - كان الكلمة ولا يزال هو اللَّه (2).

د - هو شريك مع الآب في الأزلية (2).

ه - هو خالق المسكونة (3).

و - هو مصدر كل حياة ونور (4، 5، 9).

ز - الإله الذي يعلن عن ذاته للعالم الساقط (10).

خ - دخل إلى عالم الإنسان، وخاصته لم تقبله (11)، أما الذين قبلوه فنالوا ميلادًا جديدًا (12-13).

اللوغوس

جاء في النسخة الكلدانية Chaldee في إعادة صياغة العهد القديم دعوة المسيّا بكلمة Memra أي "كلمة يهوه"، وأن الكثير من الأمور الواردة في العهد القديم التي تحققت بالرب إنما تمت بكلمة الرب. وأيضًا تعلم اليهود بوجه عام أن "كلمة اللَّه" كانت مع اللَّه.

تُستخدم كلمة "لوغوس" بمعنيين:

v الكلمة التي يُحبل بها endiathetas Logos، أي الفكر الذي تحبل به النفس، خلاله تتحقق كل الأعمال، وهي واحدة مع النفس. لذلك لاق بالأقنوم الثاني أن يُحسب كلمة اللَّه، مولودًا من الآب بكونه الحكمة الأساسي الأزلي؛ ليس شيء أكثر يقينًا من أننا نفكر، وليس شيء أكثر غموضًا من معرفة كيف نفكر.

v الكلمة المنطوق بها Logos prophorika، التي هي الكلام، وهو الإشارة الطبيعية لما في الذهن. هكذا المسيح هو الكلمة التي تحدث به الآب في آخر الأيام (عب 2:1)، ويوجهنا لكي نسمع له (مت 5:17). خبرنا عن ذهن الآب كما يخبرنا الكلام عما في فكر الإنسان. إنه الكلمة الذي يحدثنا بما للآب، إذ هو الحق والآمين، والشاهد الصادق للذهن الإلهي. هنا يختلف عن يوحنا المعمدان الذي هو "صوت صارخ" وليس الكلمة الإلهي.

يقارن القديس أغسطينوس بين الخبز الذي يشبع البطن والكلمة التي تشبع الذهن. فإنه إن قدم خبزًا للشعب لا يستطيع أن يقدم ذات الخبزة لكل الحاضرين، أما الكلمة فيقدمها للكل، وتستقبلها أذهان جميع الشعب بالكامل. حقًا عجيبة هي كلمة الإنسان يقدمها ليسمعها الكل بلا نقص فكم تكون كلمة الله الخالق؟

v إن كنت أود أن أطعمكم فلا أملأ أذهانكم بل بطونكم، وأقدم لكم خبزًا لأشبعها بها، أما تقسمون الخبز فيما بينكم؟ هل يمكن لخبزي أن يأتي إلى كل واحدٍ منكم؟ فإن ناله أحد لا ينال البقية شيئًا. لكن الآن انظروا، فإني أتحدث وأنتم جميعًا تستقبلون الكلمة. لا، ليس فقط جميعكم تستقبلونها، وإنما أيضًا الكل يستقبلون الكلمة بالكامل. يا لعجب كلمتي! فماذا عن كلمة الله؟! استمعوا أيضًا، إني أتحدث ما أنطق به فيأتي إليكم الكلام ولا يفارقني. يبلغ إليكم ولا ينفصل عني. قبل أن أتكلم كنت أملك الكلمة ولم تكن لديكم. لقد تكلمت وبدأتم تنالونها دون أن أفقد شيئًا منها. يا لعجب كلمتي! فماذا تكون إذن كلمة الله؟!

القديس أغسطينوس

v يا لكم من أغبياء، تتحدثون كمن لا يميزون بين الكلمة المنطوق بها والكلمة الإلهي، الثابت سرمديًّا، مولود من الآب؛ أقول أنه مولود وليس فقط منطوق به. الذي لا يوجد فيه مقاطع كلمات، بل كمال اللاهوت السرمدي، والحياة التي بلا نهاية (كو19:1؛ 9:2؛ 4:3؛ يو4:1؛ 26:5؛ 25:11؛ 6:14؛ رؤ18:1).

القديس أمبروسيوس

"في البدء كان الكلمة،

والكلمة كان عند اللَّه،

كان الكلمة اللَّه" (1).

جاءت هذه العبارة في ثلاثة مقاطع موزونة موسيقيًا في اللغة العبرية، حيث يتكرر في الثلاثة الاسم "الكلمة" والفعل "كان". هنا الفعل يدل على الكينونة الدائمة القائمة في البدء لا على الزمن. في هذه المقاطع: كان الكلمة في البدء، وكان مع الله، وكان هو الله.

"في البدء": بدأ سفر التكوين بعبارة "في البدء خلق اللَّه"، أي أنه يتكلم عن بداية المخلوقات، أي بدء الزمن بالخلقة. أما البدء في إنجيل يوحنا فهو ما قبل الخلق والزمن والتاريخ، حيث لم يوجد سوي الله الكائن بذاته. يبدأ ببداية الكينونة "في البدء كان الكلمة" أي أن الكلمة أزلي هو بدأ بما لا بداية له. وقد كرر الرسول هذا الفكر حين قال الرب لليهود: "أنا من البدء ما أكلمكم أيضًا به" (يو 25:8)، أي أنا الكائن المتكلم في الأصل أو منذ الأزل. جاء أيضًا في بداية رسالته الأولى: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا" (1 يو 1:1). وقد قال أيضًا للجموع: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يري يومي فرأي وفرح... قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (56:8، 58).

قدم العلامة أوريجينوس معانً كثيرة لكلمة "البدء"، كما ميز بين البدء في علاقته بالخالق، والبدء في علاقته بالخليقة. إنه البدء بكونه حكمة الله وقوة الله (١ كو ١: ٢٤).

يؤكد الرسول أن الكلمة هو "في البدء"، ليس فقط قبل التجسد بل قبل كل الأزمنة. جاء العالم إلى الوجود بخلقه من البدء، أما الكلمة فكان موجودًا في البدء، أي قبل الأزمنة. لقد عبر المرتل عن أزلية اللَّه أنه قبل وجود الجبال (مز 2:90؛ أم 23:8).

إنه مع اللَّه، فلا يظن أحد أن الإيمان بالكلمة يسحبه عن اللَّه، وكان الكلمة عند اللَّه إذ لا ينفصل عنه قط، من ذات جوهره (عب 3:1). وهو موضوع سروره (يو 5:17)، ابن محبته (أم 30:8).

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا لم يبدأ الإنجيلي بالحديث عن الآب، بل بدأه بالابن الوحيد الجنس، ولماذا لم يبدأ بدعوته الابن الوحيد الجنس بل الكلمة. ويجيب على ذلك بأنه بدأ بالإعلان عن شخص السيد المسيح بكونه "الكلمة" المتجسد، ليتحدث بفيض فيما بعد أنه "ابن اللَّه". لقب "الكلمة" يؤكد الوحدة، ولقب "الابن الوحيد الجنس" يؤكد التمايز، لذا فاللقبان مكملان لبعضهما البعض. ويقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تبريرًا لذلك بقوله أن الإنسان غالبًا ما يفصل بين الأب والابن. فيظن أن بميلاد الابن حدث في الله تغيير، فصار الآب، ولم يكن قبل الولادة هكذا، إذ نظن أن الولادة حسية مثلما يحدث في الخليقة، وأنها لم تتم أزليًا. فلو أن الإنجيلي بدأ بالحديث عنه أنه "ابن اللَّه" لدخل الشك لدى البعض أنهما إلهان منفصلان. لذا بدأ باللقب "الكلمة" الذي لا يتخيل الإنسان أنه منفصل عن اللَّه.

v يدعوه "الكلمة" لأنه يستعد للتعليم بأن هذا الكلمة هو ابن اللَّه الوحيد، فلا يظن أحد أنه ولادته حسّية. فبإعطائه لقب "الكلمة" ينزع مقدمًا ما يتعرض له الشخص من وهمٍ شرير ويزيله عنه. لقد أظهر أن الابن من الآب، وأنه ولد دون ألم (تغيير).

v لئلا يظن أحد عند سماعه "في البدء" أنه ليس بمولود أيضًا، عالج هذا في الحال بقوله أنه كان "عند اللَّه" قبل أن يعلن أنه هو اللَّه. وهو يمنع أي أحد من افتراض أن الكلمة بسيطة كما لو كانت مجرد كلمة منطوقة أو مدركة، مضيفًا إليها أداة التعريف... إنه لم يقل "كان في اللَّه" بل "عند اللَّه" معلنًا سرمديته كأقنوم. بعد ذلك يعلن عنها بأكثر وضوح مضيفًا أيضًا "والكلمة كان اللَّه".

v لم يدعه "كلمة" بل أضاف أداة التعرف ليميزه عن البقية (كلمة الإنسان).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v هذا التعبير "في البدء كان" لا يعلن سوى الوجود being الدائم، وأنه وجود مطلق.

v "كان اللوغوس" لأن كلمة "وجود being " تستخدم للإنسان لتمييز الوقت الحاضر وحده، وأما بخصوص الله فتشير إلى السرمدية. لذلك عندما يستخدم "كان" بخصوص طبيعتنا تعني الماضي، وعندما تستخدم بخصوص الله تعلن عن السرمدية.

v هذا (الكلمة) هو جوهر إلهي حاصل في أقنوم بارز من أبيه خالٍ من انقسام عارض. وحتى لا تظن أن لاهوت الابن أدنى، وضع للحال الدلائل المُعرفة للاهوته فقال: "وكان الكلمة الله".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v إذ هو مولود فبسببٍ حسنٍ لم يجزم يوحنا أو غيره، سواء كان رسولاً أو نبيًا، أنه مخلوق. فإن هذا الذي تحدث عن نفسه بتواضع هكذا خلال تنازله لم يرد أن يقف صامتًا في هذا الأمر... لقد نطق بكلمات متواضعة (يو 5: 30؛ 12: 49)... لكنه لو كان مخلوقًا لتحدث قائلاً: "لا تظنوا إني مولود من الآب، بل أنا مخلوق غير مولود، ولست شريكًا في جوهره". لكن إذ هذا أمره، فعلى العكس نطق بكلمات تلزم البشر حتى بغير إرادتهم أو رغبتهم أن يقبلوا الفكر الآخر. كقوله: "أنا في الآب والآب فيّ" (يو 14: 11)، "أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9)، وأيضًا: "لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب" (يو 5: 23)، "لأنه كما أن الآب يقيم الموتى ويحيي، كذلك الابن أيضًا يحي من يشاء" (يو 5: 21). "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). "كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب" (يو 10: 15). "وأنا والآب واحد" (يو 10: 30).

v أصابت الدهشة إشعياء النبي عندما قال: "وميلاده من يخبر به؟ لأن حياته رُفعت من الأرض" (إش 8:53). حقًا لقد رفع من الأرض تمامًا كل آثار الميلاد الأزلي، لأنه يفوق الإدراك. وإذا كان فوق الإدراك فكيف يمكن أن نقول أنه مخلوق، لأننا نستطيع أن نحدد بوضوح زمن بداية المخلوقات وكيفية وجودها، أما البدء فنعجز عن تحديد زمن بدايته.

v في هذا "البدء Archi" الذي هو فوق الكل وعلى الكل "كان الكلمة"، ليس من الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه "في البدء"، أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب له طبيعة الذي ولده... منه ومعه له السيادة archi على الكل.

القديس كيرلس الكبير

v بالقول "في البدء كان"، وليس "بعد البدء" يعني أنه لم يكن بدء بدون اللوغوس، وبإعلانه " كان اللوغوس عند الله" يعني غياب أية شائبة في علاقة الابن بالآب، لأن اللوغوس يفكر فيه ككل مع كيان الله ككل.

v خشي الإنجيلي من أذهاننا التي ينقصها التمرن، ولا يثق في آذاننا ليقدم لقب "الآب"، لئلا يتصور الجسداني في فكرة وجود أم أيضًا. ولم يذكر في إعلانه "الابن" حتى لا يجعل أحد اللاهوت بشريًا بنوعٍ من الهوى. لهذا دعاه اللوغوس، فكما أن كلمتك تصدر عن ذهنك دون تدخل لهوى، هكذا أيضًا عند سماعك "الكلمة" لا تفهم ذلك عن شيءٍ صدر بهوى.

v أولئك الذين يقدمون لنا أية أفكار صالحة عن مثل هذه الأسرار، هم غير قادرين حقًا على التعبير عن الطبيعة الإلهية.

أنهم يتكلمون بالأحرى عن بهاء مجد اللّه ورسم جوهره (عب 3:1)، صورة اللّه، وفي البدء كان الكلمة والكلمة كان اللّه (يو1:1). كل هذه التعبيرات تبدو لنا نحن الذين لم نرَ الطبيعة الإلهية مثل الذهب من هذا الكنز. ولكن بالنسبة لهؤلاء القادرين على رؤية الحقيقة، فإنها شبه الذهب وليست ذهبًا لامعًا، إنها ذهب مع جمان من فضة (نش 1: 11). إن الفضة كما يقول الكتاب: "لسان الصديق فضة مختارة (أم 20:10)".

هنا نتكشف أن الطبيعة الإلهية تتجاوز كل مفهوم نحاول أن ندركه.

فهمنا للطبيعة الإلهية يشبه ما نهدف إليه. إن أحدًا ما لم يرها ولا يستطيع أن يراها، ولكن خلال مرآة ولغز (1 كو 12:13).

إنها تعطينا انعكاسًا لما نفكر فيه، أي انعكاس موجود في الروح بصورة معينة.

كل كلمة تمثل هذه المفاهيم تشبه نقطة ينقصها أن تمتد، حيث إنها قاصرة عن التعبير عما في العقل...

وكل كلمة تقال كمحاولة للتعبير عن اللّه تبدو مثل نقطة صغيرة غير قادرة للامتداد لتتناسب مع الغرض، إذ تقاد خلال مثل هذه المفاهيم لإدراك ما لا يمكن إدراكه سوى خلال الإيمان بها أن تقيم ذاتيًا طبيعة تفوق كل ذكاء.

القديس غريغوريوس النيسي

v يُدعى الكلمة والابن وقوة اللَّه وحكمة اللَّه. الكلمة لأنه بلا عيب، والقوة لأنه كامل، والابن لأنه مولود من الآب، والحكمة لأنه واحد مع الآب في السرمدية، واحد في اللاهوت. ليس أن الآب أقنوم واحد مع الابن. إذ يوجد تمايز واضح بين الآب والابن يأتي من الولادة، هكذا المسيح هو إله من إله، خالد من خالد، كامل من كامل.

القديس أمبروسيوس

v يوجد الله الواحد الذي أعلن عن نفسه بيسوع المسيح ابنه، الذي هو كلمته (اللوغوس)، ليس منطوقا به بل جوهري. لأنه ليس صوتًا لأداة نطق بل أقنوم مولود بالقوة الإلهية.

القديس أغناطيوس

كانت كلمة "لوغوس" معروفة لدي اليهود والأمم، عرفها هيرقليتس Heracllitus حوالي 500 ق.م بأنها العقل الجامع الذي يحكم العالم ويخترقه، وقد تبناه الرواقيون وأشاعوه. وفي اليهودية الهلينية "اللوغوس" هو أقنوم مستقل، تطورت فكرته ليكون مصاحبًا للحكمة (صوفيا) (الحكمة 9: 1، 2؛ 18: 15). إذ ربط فيلون السكندري بين تعبيرات فلسفية ومفاهيم كتابية قال أن اللوغوس هو نموذج إلهي جاء العالم صورة له.

v "لوغوس" في اليونانية لها معان كثيرة. فهي تعني الكلمة والعقل والتقدير وعلة الأشياء الفردية التي عليها تقوم. بكل هذه جميعًا نحن نعلن عن المسيح.

القديس جيروم

v لكننا نعلم أن المسيح لم يُولد كمثل كلمة منطوق بها، بل هو الكلمة الكائن الجوهري الحي، لا يُنطق بشفتين ولا ينتشر متبددًا، بل هو مولود من الآب أبديًا، لا يُوصف في الجوهر. إذ" في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند اللَّه، وكان الكلمة اللَّه". إنه جالس عن يمين اللَّه، الكلمة يفهم إرادة الآب، خالد، كل الأشياء كائنة بأمره.

الكلمة نزل وصعد، أما الكلمة التي ننطق نحن بها فإنها تنزل ولا تصعد.

ينطق "الكلمة" قائلاً: "أنا أتكلم بما رأيت عند أبي" (يو 38:8).

للكلمة سلطان، يملك على كل شيء، إذ أعطى الآب كل شيء للابن (مت 27:11، يو 22:5).

القديس كيرلس الأورشليمي

v إن كان قد وُجد وقت لم يكن فيه الابن، يكون الأب نورًا قاتمًا. فإنه كيف لا يكون نورًا قاتمًا إن كان ليس له بهاء؟ فالآب موجود دائمًا، والابن موجود دائًمًا... البهاء يتولد من النور، ومع ذلك فالبهاء أزلي مع النور الذي يلده. النور دائم والبهاء دائم. النور يولد بهاءه، لكن هل وُجد بدون بهائه؟... لتقبلوا أن الله يلد ابنه السرمدي.

القديس أغسطينوس

يفهم "عند" هنا "معه أزليا"، أي أن الكلمة مع الآب شريك معه في أزليته دون انفصال.

v "والكلمة كان عند الله"؛ لهذا فهو أزلي كالآب نفسه، لأنه لم يكن الآب بدون الكلمة، بل كان الله (الكلمة) مع الله، كل في أقنومه الخاص.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يؤكد القديس أمبروسيوس مساواة الكلمة للآب من أن الإنجيلي أورد الكلمة قبل الآب، ولو أن الآب أعظم من جهة طبيعة اللاهوت لما تجاسر وفعل هذا. وأيضًا بولس الرسول ذكر نعمة المسيح قبل محبة الآب (2 كو 4:13). [ترتيب الكلمات (الخاصة بالثالوث) غالبًا ما تتغير لذا لاق ألا تتساءل عن الترتيب والدرجات. ففي اللَّه الآب والابن ولا يوجد فصل في وحدة اللاهوت.

عالج القديس يوحنا الذهبي الفم اعتراض الأريوسيين على مساواة الابن أو الكلمة للآب بدعوى أنه جاءت الكلمة "اللَّه" هنا بدون أداة التعريف: "وكان الكلمة إلهًا". وهو ذات الفكر الذي يقتبسه شهود يهوه حاليًا. وقد فنّد القديس هذه الحجة موضحًا أن الكتاب المقدس أشار أحيانًا إلى الآب والروح القدس دون ربط اسميهما بأداة التعريف، بل وأحيانًا أشار إلى الابن والكلمة أنه اللَّه مرتبطًا بأداة التعريف. هذا وأنه في ذات الموضع هنا ينسب للكلمة سمات خاصة باللَّه بكونه الأزلي، والخالق وواهب الحياة والإنارة. فلو أنه أقل من اللَّه لكان قد تحدث صراحة عن ذلك حتى لا يحدث لبس.

v إنه لم يستخدم تعبيرًا يشير إلى وجود حدود إذ لم يقل: "له بداية" بل "في البدء". بفعل "كان" يحملكم إلى فكرة أن الابن بلا بداية. ربما يقول أحد: "لاحظ أن الآب قد أضيف إليه أداة التعرف (اللَّه)، أما الابن فبدونها "إله". ماذا إذن عندما يقول الرسول: "الإله العظيم ومخلصنا يسوع" (تي 2: 13). مرة أخرى: "الذي فوق الكل إله (الله)" (رو9: 5)؟

حقًا إنه يشير هنا إلى الابن دون أداة التعريف، لكنه يفعل نفس الشيء مع الآب أيضًا، على الأقل في الرسالة إلى أهل فيلبي (2: 6) حيث يقول: "الذي في شكل إله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً للَّه"، وأيضًا في الرسالة إلى أهل رومية: (نعمة لكم وسلام من اللَّه (دون التعريف) أبينا والرب يسوع المسيح" (رو 1: 7)... وأيضًا عند الحديث عن الآب يقول: اللَّه (إله) هو روح" (يو 4: 24)، فليس لأن أداة التعريف لم ترتبط بكلمة "روح" ننفي طبيعة اللَّه الروحية. هكذا هنا وإن كانت أداة التعريف لم تلحق بالابن، فالابن بسبب هذا ليس بأقل من اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هذا كان في البدء عند اللَّه" (2).

v قول يوحنا عن السيد المسيح "هذا كان في البدء عند الله" أظهر لنا اتفاقه مع أبيه في أزليته. فإذا سمعت في وصف الوحيد أنه "كان في البدء" فافهم أنه كان قبل الخلائق العقلية كلها وقبل كل الدهور.

v لم يكن الآب قط بدون الكلمة، بل كان اللَّه دائمًا مع اللَّه، ولكن كل واحد في أقنومه اللائق به.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v "والكلمة كان عند اللَّه": الآب والابن ليسا واحدًا في الأقنوم، بل كل منهما أقنوم يمكن رؤيته في الآخر بسبب وحدة الجوهر، لأنه إله من إله، الابن من الآب.

v "هذا كان في البدء عند اللَّه"، أي الابن، الذي هو مع الآب، والمولود من جوهره، فالابن الوحيد هو الذي يشار إليه بكلمة "هذا".

القديس كيرلس الكبير

v يمكن أيضًا للوغوس أن يكون "ابن الله" إذ هو يخبر بأسرار أبيه الذي هو "العقل"، مقابل (analogous) للابن أنه يُدعى "الكلمة". فكما أن الكلمة فينا هي رسول لما يدركه العقل هكذا كلمة الله، إذ هو يعرف الآب يعلن عن ذاك الذي يعرفه، إذ لا تستطيع خليقة أن تدخل في علاقة معه دون إرشاد. لا يعرف أحد الآب إلاَّ الابن ومن يعلن له الابن عنه (راجع مت ١١: ٢٧). وبكونه الكلمة فهو رسول المشورة العظيم الذي على كتفه تستريح السلطة (إش ٩: ٥ LXX)، وقد صار ملكًا إذ احتمل الصليب. وقد جاء في سفر الرؤيا أن الكلمة الأمين والحق ركب على فرس أبيض (رؤ ١٩: ١١)، وفي رأيي لكي يوضح الصوت الذي يقوده (يمتطيه) كلمة الحق، ويأتي لكي يقطن فينا.

العلامة أوريجينوس

يقول العلامة أوريجينوس أن أنبياء العهد القديم تمتعوا بكلمة الرب التي صارت لهم (هو ١: ١؛ إش ٢: ١؛ إر ١٤: ١). فقيل "قول (كلمة) الرب الذي صار إلى هوشع بن بئيري" (هو ١: ١). كلمة هوشع معناها "المخَلِّص" وبئيري معناها "الآبار"، فإن كل من تمتع بالخلاص هو ابن الآبار التي تفيض من أعماق حكمة الله. فهو ابن الحكمة، وكما جاء في الكتاب المقدس "الحكمة تبررت من بنيها" (راجع لو ٧: ٣٥؛ مت ١١: ١٩). أما بالنسبة للآب فقد قيل: "وكان الكلمة عند الله" ولم يقل: "الكلمة صار إلى الآب"، إذ الكلمة أزلي مع الآب.

v على أي الأحوال صار الكلمة إلى البشر الذين لم يستطيعوا قبلاً أن يتقبلوا رحلة ابن الله الذي هو الكلمة. من الجانب الآخر، لم يأتِ الكلمة لكي يصير عند الله كما لو لم يكن الكلمة قبلاً عند الله؛ وإنما لأنه هو مع الآب على الدوام؛ قيل: "والكلمة كان عند الله" (يو ١: ١)، إذ لم يأت ليصير مع الله.

v نفس الفعل "كان" يشير إلى الكلمة عندما كان في البدء، وحين كان مع الله. إنه لم ينفصل عن البدء، ولا يفارق الآب. مرة أخرى إنه لم يأتِ ليصير في البدء كمن هو ليس في البدء، ولا عبر من عدم وجود مع الله لكي يصير معه. فإنه قبل كل زمان منذ الأزل "في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله".

v يضيف أنه بمجيئه إلى الأنبياء ينيرهم بنور المعرفة، ويجعلهم يرون الأمور التي لم يدركوها قبل مجيئهم كمن يرونها بأعينهم. أما بكونه عند الله، والكلمة هو الله إذ هو عنده.

العلامة أوريجينوس

"كل شيء به كان،

وبغيره لم يكن شيء مما كان" (3).

قدم الإنجيلي الكلمة بكونه "الخالق" إذ به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان. لم يقدم هذا إلا بعد الحديث عن العلاقة الأزلية بين الآب والكلمة. فالآب والابن (أو الكلمة) مع الروح القدس فيه التقاء ذاتي داخلي، كلي الحب والحياة. هذه الطبيعة الإلهية التي تفيض حبًا ليست في حاجة إلى الخليقة السماوية أو الأرضية لتحقق الحب عمليًا. الحب عامل بين الأقانيم الإلهية أزليًا، وقد جاءت الخلقة من فيض الحب الإلهي، لا كضرورة لتحقيق حب الله بل ثمرة هذا الحب. وما نقوله عن الخلقة نكرره عن الخلاص بكونه الخلقة الجديدة.

الكلمة الأزلي هو الخالق والمخلص، يحقق مشيئة الآب، التي هي واحدة مع مشيئة الابن.

بقوله "كل شيء به كان"؛ فرز نفسه من كل الخلائق السماوية والبشرية والمادية، فهو خالق كل أحد وكل شيء أينما وجد.

يقصد بـ "به كان" أنه به قد صار إلى الوجود، أو خلق كل شيء. فعل "كان" هنا في اليونانية مختلف عما ورد بخصوص الكلمة، هنا يعني الخلق، وهناك الكينونة الذاتية.

وجاء الحرف "به" يحمل معنى بواسطته ومن خلاله وفيه، فقد خلق وبقي مدبرًا لخليقته معتنيًا بها وحافظًا لها. هذا ما عبر عنه الرسول بولس: "فإن فيه خلق الكل"... به وله قد خلق... وفيه يقوم الكل" (كو1:16-17). "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1: 3). "لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 17: 28).

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن الإنجيلي يركز على وحدة العمل الخاص بالخلقة بين الكلمة والآب، لإظهار لاهوت الكلمة ومساواته للآب. بالقول: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" يؤكد أن دور الكلمة في الخلق أساسي، بدونه استحالة تحقيق الخلقة أو استمرارها.

عندما تحدث موسى النبي عن بدء الخليقة: "في البدء خلق اللَّه السماوات والأرض" خشي لئلا يظن أحد أن الأرض أزلية فأكد أن لها بداية، وأنها من إبداع الخالق. فلو أن الكلمة مخلوق لالتزم الإنجيلي بتأكيد خلقته، لا بالحديث عنه كخالق للكل.

v من هو هذا الذي يسقط في هذا الخطأ، إذ يعلن عمن يخلق ويصنع كل الأشياء أنه مخلوق؟ إني أسأل: هل خلق الرب نفسه؟... من يفكر هذا؟ إن اللَّه خلق كل شيء في حكمة (مز 24:104). إن كان الأمر هكذا، فكيف نفترض أن الحكمة قد خُلقت في نفسها؟

القديس أمبروسيوس

v إن كنت تظن أن تعبير "به" هو علامة على أنه أقل، إذ تجعل من المسيح أداة للخلقة، اسمع (داود) قائلاً: "في البدء يا رب أسست الأرض والسماء عمل يديك" (مز 101 (102): 25). ما قاله عن الآب كخالق يقوله بخصوص الابن، الأمر الذي ما كان يقوله ما لم يحسبه الخالق، وليس مساعدًا لآخر. إن كان تعبير "به" يستخدم هنا أنه ليس لسبب سوى أنه لا يشك أحد في أن الابن غير مولود. بخصوص لقب الخالق ليس هو بأقل من الآب في شيء. اسمع ما يقوله بنفسه: لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضا يحي من يشاء" (يو 5: 21).

v ألا ترون أنه بهذه الإضافة: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" قد عالج كل الصعاب المحدقة، لأن القول: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" ثم يضيف "به كان كل شيء"، فإنه يضم الأشياء التي يمكن إدراكها بالعقل (أي التي في العالم غير المنظور) لكنها لا تضم الروح (القدس)...

لئلا يقول أحد: "إن كان كل شيءٍ به كان، فالروح أيضا كان مخلوقًا". أجيبه:" إنني أجزمت أن ما خُلق إنما خلق به، سواء كان غير منظور أو غير مادي، أو في السماء. لهذا لم أقل بطريقة مطلقة "كل شيءٍ" بل قال: "كل شيء كان"، أي المخلوقات، وأما الروح فهو غير مخلوق. أترون دقة تعليمه... لقد استبعد الروح القدس عن كل الخليقة.

بنفس الروح إذ استمد بولس ذات النعمة قال: "به خلق الكل" (كو 1: 16). لاحظوا هنا الدقة عينها. فإن ذات الروح (القدس) هو حرك هذه النفس أيضًا. فلا يوجد أي استثناء من المخلوقات من كونها أعمال الله... " سواء كان عروشًا أم سلاطين، أم رؤساء أم قوات". فإن تعبير "سواء" يضم الكل، مظهرًا لنا أنه ليس شيء آخر إلا هذا أن "به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v هل يمكن أن يكون الكلمة من صنع اللَّه؟ لا، لأنه هو أيضًا عند اللَّه في البدء. هل الأشياء التي خلقها اللَّه غير التي خلقها الكلمة؟ لا، لأن كل شيء به كان. بأية وسيلة خلقت بواسطته؟ لأنه فيه كانت الحياة، وقبل خلقتها كانت الحياة موجودة. ما قد خُلق ليس بالحياة، بل خلقت بحكمة اللَّه، وقبل خلقتها كانت الحياة. ما قد خلق يعبر ويزول، وأما ما في الحكمة لا يمكن أن يعبر.

v إن قلت: "كل شيء" ففي هذا لا تكذب، لأن هذا الكلمة يُدعي حكمة الله. ولدينا المكتوب: "خلقت كل شيء في الحكمة" (مز ١٠٤: ٢٤).

القديس أغسطينوس

v تتمعن العروس بتأمل في يد العريس التي تمثل قدرته على العمل "حبيبي مد يده من الكوّة" (نش 5: 4) لا تتمكن الطبيعة البشرية من احتواء الطبيعة الإلهية الغير محدودة. تقول العروس: "فأنّت على أحشائي" (نش 5: 4)... تتعجب كل نفس بما لها من قدرة للفهم بالأعمال المبهرة ليد اللّه التي تفوق قدرات الإنسان، لأن الطبيعة الإلهية التي تعمل هذه العجائب لا يمكن فهمها أو احتوائها. فكل مخلوق حي هو من عمل هذه اليد التي ظهرت في الكوّة. لذلك يصرخ يوحنا في إنجيله قائلاً: "كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو3:1). ويعبر النبي إشعياء عن نفس الفكرة، فيسمى اليد قوة اللّه للعمل: "كل هذه صنعتها يدي، فكانت كل هذه يقول الرب" (إش 2:66). لا يتمكن عقل الإنسان من فهم هذا الإنجاز: جمال السماء بما فيها من نجوم والشمس وعجائب الخليقة الأخرى. غير أن قلب الإنسان يخاف من قوة اللّه. فإذا كان الإنسان لا يفهم كل أعمال اللّه، فكيف يتمكن من فهم اللّه الذي يعلو على ما في الخليقة؟

v دعونا نعيد هذه الآية حتى نستفيد مما سقناه ونجعله يتمشى مع كلمات الوصيفات: "ما حبيبك من حبيب، أيتها الجميلة بين النساء؟ ما حبيبك من حبيب حتى تحلفينا هكذا؟" (نش 5: 9)

دعينا نستمع بانتباه بعدما رُفعت براقعنا، ونلتفت إلى الحق بعيون نفوسنا.

كيف تصف العروس لوصيفاتها ذاك الذي تبحث عنه؟

كيف تصف العروس هيئة من ترغبه في كلمات؟

كيف تُحضر العذارى من لا يعرفونه؟ المسيح غير مخلوق وأيضا مخلوق: ونعلم أن الغير مخلوق هو أبدى وموجود قبل إنشاء العالم، وهو خالق الكل. وعلى الجانب الآخر يرشدنا الجزء المخلوق، لأنه تكوّن حسب جسدنا الوضيع (في 21:3). ويمكننا فهم الكلمات بطريقة أفضل إذا فحصناها حسب ما جاء بالكتاب المقدس. نحن نعرف أنه في البدء كان الكلمة وأنه كان دائما مع اللّه وأن الكلمة لم يُخلق، وبدونه لم يكن شيء مما كان (يو 1: 1-3). والكلمة كان مع اللّه وكان الكلمة اللّه، وبه كان كل شيء. وُلد المسيح، أي أنه أخذ جسدًا وحلّ بيننا. وأظهر تجسده عظمته بوضوح، أنه اللّه، الابن الوحيد للّه الذي هو في حضن الآب، ظهر في الجسد، وقال عنه يوحنا: "والكلمة صار جسدًا وحل بيننا ورأينا مجده كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمة وحقًا" (يو 14:1).

القديس غريغوريوس النيسي

v "كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان". لأننا نؤمن أن كل شيء قد خُلق بواسطة الابن لا نستطيع أن نحسبه كواحدٍ من الكل (المخلوقات)، بل هو غيّرها تمامًا، لأنه ليس ضمن الطبائع المخلوقة، بل نعترف أنه وحده بالطبيعة الإله الحق.

v لم ينل قوة من آخر لكي يُخلق، وإنما هو قوة اللَّه الآب، الابن الوحيد، الذي يعمل كل شيء مع الآب والروح القدس. لأن كل شيء من الآب بالابن، لأنه لو خلق الابن منفصلاً عن الآب لما استطاع الابن أن يقول: "أنا في الآب والآب فيّ" (يو10:14).

القديس كيرلس الكبير

يقول القديس أغسطينوس ]أن البعض مثل اتباع ماني يحسبون الشيطان خالقًا لبعض الكائنات كالذباب. ويرد القديس على هؤلاء بأن اللَّه خالق كل شيء، ويستخدم حتى الكائنات التي تبدو تافهة ومضرة لصالح الإنسان، لتنزع عنه كبرياءه. [لتعلموا يا اخوة أنه من أجل ترويض كبريائنا خُلقت هذه الأشياء لكي تسبب لنا متاعب، فقد استطاع اللَّه أن يحط من كبرياء شعب فرعون لا بالدببة والأسود والحيات بل أرسل عليهم ذبابًا وضفادع، ليخضع كبرياءهم بأتفه المخلوقات].

"فيه كانت الحياة،

والحياة كانت نور الناس" (4)

يميز الإنجيلي بين "الحياة" الخالقة "والحياة" الزمنية المخلوقة. فيتحدث عن أقنوم الكلمة ليس بكونه حيًا فحسب لكنه "الحياة". وكما يقول السيد المسيح عن نفسه أنه بمولده الأزلي "له الحياة في ذاته" ( يو5: 26). فهو جوهر الحياة التي لا تُدرك، لذلك يقول الإنجيلي: "الحياة أظهرت" (1 يو 1: 2)، وذلك خلال التجسد.

هذه الحياة الخالقة تهب حياة للغير، "لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضا يحي من يشاء" (يو 5:21). فهو ليس فيه حياة، لكنه هو الحياة في ذاتها، لهذا "به كان كل شيء". قيل: "تحب الرب إلهك وتسمع لصوته، وتلتصق به، لأنه هو حياتك" (تث 30: 20). ويرنم المرتل: "لأن عندك ينبوع الحياة، وبنورك نعاين النور" (مز 36:9).

"والحياة كانت نور الناس" (4)، فإذ نقتنيه بكونه حياتنا نستنير، فندرك أن حياتنا الزمنية على الأرض هبة إلهية تدفعنا للانجذاب نحو "الحياة الأبدية"، حيث بهاء المجد الأبدي. نتمتع في السماء بمعرفة كاملة للسيد المسيح ورؤيته وكمال الاتحاد معه والثبوت فيه، فتكون له "الحياة الأبدية". "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 17: 3).

كما أن الكلمة هو الحياة الخالقة واهبة الحياة المخلوقة، هكذا هو النور الجوهري الخاص بالطبيعة الإلهية والذي لا يُدني منه، يشرق علينا بنعمته فنصير نورُا يعكس بهاء نوره أينما حللنا. عندما أعلن السيد نفسه لشاول الطرسوسي، قال شاول: "أبرق حولي من السماء نور عظيم، فسقطت على الأرض" (أع22: 7).

v يدعوه كلاً من "النور" و"الحياة". فإنه يهبنا النور مجانًا، هذا الذي يصدر عن المعرفة، والحياة التي تتبعه. في اختصار لا يكفي اسم واحد ولا اثنان أو ثلاثة أو أكثر أن يعلمنا ما يخص اللَّه. يلزمنا أن نكون مستعدين أن ندرك سماته الغامضة بوسائل كثيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح بكونه الحياة، أو مصدر الحياة، لا يمكن إلا أن يكون أزليًا، وإلا فمن وهب الحياة إن كان هو نفسه غير موجود في وقتٍ ما؟

v هو الحياة... التي بلا بداية ولا نهاية، فإنها بهذا تكون بالحقيقة الحياة كما يلزم. فإنه إن كان يوجد وقت ما لم تكن فيه الحياة، فكيف يمكنها أن تكون حياة للآخرين إن كانت هي نفسها غير موجودة؟!.

v يقول يوحنا عن المسيح: "فيه كانت الحياة"، فكما أن الآب يمتلك الحياة في ذاته، هكذا أعطى الابن أن يمتلك الحياة في ذاته.

لم يقل يوحنا: "والحياة كانت نور اليهود"، لكنه قال بطريقة جامعة: "والحياة كانت نور الناس"، لأن النور لم يكن لليهود وحدهم وإنما مقدم للجميع عامة، فقد جاءوا إلى هذه المعرفة بعينها، إذ أن هذا النور وُضع مشاعًا للكل.

وإن سألت: ولأي سبب لم يضف "الملائكة" للناس لكنه قال: "والحياة كانت نور الناس"؟ نقول: لأن مقاله في الوقت الحاضر مُقدم لطبيعة البشر، لهم قد جاء يحمل الأخبار السارة للعطايا الصالحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v ليس شيء مخلوق صُنع بدونه، لأنه هو الحياة التي جعلت الخليقة ممكنة.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

v "فيه كانت الحياة": إنه يمنح الخليقة نعمة الوجود، يعطي أيضًا نعمة البقاء، ويمنح من عنده الأبدية للكائنات التي بطبيعتها ليست أبدية. فيصبح بذلك هو الحياة لكل من جاء إلى الوجود، لكي يبقى في الحياة حسب حدود طبيعته.

v لو كان الابن ليس من جوهر الآب بل هو من خارجه لصار خاضعًا للآب كالمخلوقات، فكيف إذن يحيي كل الأشياء، وهو من بين الأشياء المخلوقة؟... كيف نفهم كلمات الرسول بولس الخاصة بطبيعة اللَّه: "الذي يُحي الكل" (1 تي 13:6) لو كان الابن مخلوقًا، وهو قادر على أن يحي الكل، لأصبحت الخليقة قادرة على أن تحيي نفسها، وليست محتاجة بالمرة للَّه، ولم يعد في الطبيعة الإلهية ما يميزها عن المخلوقات، ولأصبحت مثل اللَّه قادرة على أن تفعل ما يفعله اللَّه.

v إذا لم يكن الابن من جوهر اللَّه الآب... فكيف يمكن للمرتل وهو يرى أنه لأمر عجيب يستحق الإعجاب في ذلك الذي هو بالطبيعة اللَّه: "بنورك نعاين النور" (مز9:36)، وإذا كان الابن كمخلوقٍ ينير كل الأشياء المخلوقة؟ إذن الخليقة تنير نفسها ولا تحتاج لنور اللَّه خالقها.

القديس كيرلس الكبير

v من يريد أن يقتني هذا الكلمة، من يريد أن يكون له الكلمة، لا يبحث عن شيء خارج عنه ليقدمه، بل يقدم نفسه. وإذ يفعل ذلك لا يفقد ذاته كمن يفقد الثمن عندما يشتري شيئًا.

v من يقتني الكلمة فليقدم نفسه؛ هذا هو ثمن الكلمة. وكما قيل أن الذي يعطي لا يخسر نفسه، بل يقتني الكلمة الذي يهب ذاته له، كما يربح نفسه أيضًا في الكلمة واهب ذاته.

v نقرأ في الكتاب المقدس عن الحكمة: "إنها بهاء النور السرمدي". مرة أخرى نقرأ: "مرآة عظمة الله التي بلا عيب" (حك ٧: ٢٦)... من هذا لنأخذ تماثلاً فنجد مشاركة بين أمرين معاصرين منها ندرك المشاركة في السرمدية. النار تبعث النور، والنور يبعث النار. فإن سألنا أيهما من الآخر. كل يوم ونحن نشعل شمعة نتذكر أمرًا غير منظور ولا موصوف، أن الشمعة كما لو كانت في فهمنا يجب أن تُنار في ليل هذا العالم... قدم لي نارًا بلا بهاء، فأصدق أن الآب كان بدون الابن.

القديس أغسطينوس

يرى العلامة أوريجينوس أن المسيح جاء روحيًا قبل مجيئه جسديًا. جاء في العهد القديم إلى الكاملين الذين صاروا ناضجين وليسوا أطفالاً في عهدة معلمين ومربين، إذ بلغوا إلى ملء زمانهم الروحي (غلا٤:٤)، مثل الآباء البطاركة والأنبياء الذين تأملوا مجد المسيح. وكما افتقد المسيح الكاملين قبل رحلته المنظورة حسب الجسد هكذا لا يفتقد الذين بقوا أطفالاً بعد مجيئه ولا يريدون النضوج.

v إن فهمنا أن "فيه كانت الحياة" ذاك القائل: "أنا هو الحياة" (يو ١١: ٢٥)، نقول ليس أحد خارج الإيمان بالمسيح هو حي، لكن كل الذين لا يعيشون لله هم أموات. حياتهم هي حياة للخطية وليس للعقل (اللوغوس)، أو أقول إنها حياة الموت.

v لنتطلع أولاً إلى العبارة: "إنه ليس إله أموات بل إله أحياء" (مر ١٢: ٢٧)، التي تعادل القول: "ليس إله خطاة بل إله قديسين"... إنه إله الآباء وكل القديسين. لا يجد أحد تسجيلاً في أي موضع أن الله إله أي أحد شرير. لذلك إن كان هو إله القديسين وقد قيل أنه إله الأحياء، فالقديسون هم أحياء، والأحياء هم قديسون. ليس قديس خارجًا عن الأحياء، ولا يُدعى أحد حيًا إن لم يكن له مع حياته حقيقة أنه قديس.

v إن كانت الحياة تعادل "نور الناس"، فإنه ليس أحد في الظلمة هو حي، وليس أحد حي هو في الظلمة، بل كل من هو حي هو أيضًا في النور، وكل من في النور هو حي. لهذا فإن من هو حي وحده هو ابن النور، وابن النور هو ذاك الذي تشرق أعماله أمام الناس (مت ٥: ١٦).

v يقول بولس أنه كان قبلاً "ظلمة والآن نور في الرب" (١ كو ٢: ١٤ - ١٥). هكذا يمكن للظلمة أن تتحول إلى نور. إنه ليس من الصعوبة لمن يدرك إمكانية كل إنسان أن يتغير إلى ما هو أسوأ أو ما هو أفضل.

v إنه يمكن لمن يملك نور الناس ويشترك في أشعته أن يحقق أعمال النور ويعرف نور المعرفة (هو ١٠: ١٢ LXX) لأنه مستنير. لكن يلزمنا أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار الحالة التي للضد، أي أن كل من الأعمال الشريرة والمدعوة معرفة ليست حسب الحق، هذه تملك أسس الظلمة.

العلامة أوريجينوس

v هذا النوع من النور لا يخص الحواس بل العقل، ينير النفس ذاتها. وإذ يقول المسيح نفسه فيما بعد: "لا يقدر أحد أن يقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب" (يو 5: 44)، فإنه يسبق الرسول في هذا الموضع ويقدم اعتراضًا معلنًا أنه هو (الابن) الذي "ينير" [9]، فإنكم وإن سمعتم قولاً كهذا عن الآب فلا تظنوا أن هذا يخص الآب وحده، وإنما يخص الابن أيضًا. إنه يقول: "كل ما هو للآب فهو لي" (يـو 15: 16).

v "والنور يضيء في الظلمة" (5). يدعو الموت والخطأ ظلمة. فإن النور موضوع الحواس لا يشرق في الظلمة بل خارجًا عنها؛ أما كرازة المسيح فتشرق في وسط الخطأ المسيطر فتبدده. باحتماله الموت غلب الموت، وشفى الذين أُمسكوا فعلاً فيه. هكذا لا يقدر الموت أن يغلبها ولا الخطأ، لأنها بهية في كل موضع، ومشرقة بقوته اللائقة به.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v نور الأذهان أسمى من الأذهان ويتعدى كل الأذهان. هذه هي الحياة التي بها كان كل شيء.

v لا تكونوا أيها البشر في الظلمة، في عدم الإيمان، في الظلم، في الشر، في السلب، في الطمع محبين للعالم، فإن هذه في الظلمة. النور ليس غائبًا، بل أنتم الغائبون عن النور.

القديس أغسطينوس

"والنور يضيء في الظلمة،

والظلمة لم تدركه" (5).

عمل الكلمة "شمس البر" أن يشرق بنوره على العالم، لكنه لا يلزم الذين في الظلمة أن يقبلوا نوره. الإنسان الذي يرفض النور، ويتمسك بالظلمة، يصير ظلمة لا تُدرك النور ولا تطيقه. كما إن الذي يقبل النور يصير نورًا للعالم ولا يطيق الظلمة.

إن كان الكلمة المتجسد هو "النور الحقيقي"، فإن إبليس باعتزاله مصدر النور صار "ظلمة" يبذل كل الجهد ليجتذب البشرية نحو مملكته، فيحمل سلطانًا عليهم. لهذا دعاه السيد المسيح "سلطان الظلمة" (لو 22: 53).

تقوم مملكة الظلمة على غياب النور الحقيقي، حيث تنفصل عن الكلمة الإلهي، فلا تكون لها "الحياة" ولا "النور" ولا "الحق" ولا "السلام"، بل لها أعمال الظلمة من موت روحي وبطلان وكذب وبغضة وانشقاقات وفساد الخ.

لا تدرك الظلمة النور ولا تطيقه، لذا تأخذ موقف العداوة منه لعلها تحجز النور عنه. وقد ظنت الظلمة إنها قادرة أن تطفئ شمس البرّ بصلبه، ولم تدرك أنه بالصليب حطمت نفسها، ليشرق شمس البرّ على الجالسين في الظلمة. "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا؛ الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور" (إش 9: 2).

v "الظلمة" هي الطبيعة التي تحتاج إلى استنارة، أي الطبيعة المخلوقة... يعلن أن الخليقة العاقلة بدون الطبيعة الإلهية هي ظلمة، وهي عاجزة عن أن تلد شيئًا من نفسها وبقدراتها.

v يشرق الكلمة على كل الأشياء القادرة أن تستقبل إشعاعه وإنارته.

v الابن الكلمة غير معروف عند الظلمة، لأن المخلوق العاقل على الأرض، أي الإنسان، عبَدَ المخلوق دون الخالق (رو 25:1). إنه لم يدرك النور، لأنه لم يعرف الخالق.

القديس كيرلس الكبير

v النور يضيء في الظلمة، في هذه الحياة وفي الجسد، والظلمة تطارده، لكنها لن تهزمه. أقصد أن القوة المضادة تثب في عارها ضد آدم المنظور لكنها تصطدم بالله فتنهزم، حتى إذ ننزع الظلمة نقترب إلى النور، عندئذ نصير نورًا كاملاً، أبناء النور الكامل.

القديس غريغوريوس اللاهوتي

v

يقول: "الظلمة لم تدركه"، إذ من المستحيل أن يوجد المسيح مقهورًا، ولا يمكن أن يسكن في النفوس التي لا تريد أن تستنير. لكن لا تضطربوا إن النور لا يضم الكل، فإنه لا يحل بالقسر والإلزام بل برضى الشخص وقبوله يحضرنا الله إليه. لا تغلقوا أبوابكم في وجه هذا النور، فتتمتعون بسعادة عظيمة. لكن هذا النور يحل بالإيمان. وإذ يحل ينير بفيضٍ على من يقبله. وإن سلكتم الحياة الطاهرة اللائقة بالنور يبقي ساكنًا في الداخل بلا توقف، إذ يقول: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي وإليه نأتي أنا وأبي، وعنده نصنع منزلاً" (راجع يو 14: 23).

وكما إن الشخص لا يقدر أن يتمتع بنور الشمس ما لم يفتح عينيه، هكذا لا يقدر أحد أن يشترك في هذا النور الأبدي ما لم يفتح عين نفسه ويجعلها حاذقة البصر بكل وسيلة.

كيف يحدث هذا؟ عندما تتطهر النفس من كل الأهواء. فإن الخطية ظلمة، وظلمة عميقة، كما هو واضح من أن الناس يمارسونها لا شعوريًا وخفية. "لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور، لئلا توبخ أعماله" (يو 3: 20) "لأن الأمور الحادثة منهم سرًا ذكرها أيضا قبيح" (أف 5: 12). وكما أنه في الظلمة لا يعرف الشخص صديقًا ولا عدوًا، ولا يقدر أن يدرك أية سمة من سمات الأشياء، هكذا أيضًا في الخطية. فالذي يطمع في ربح أكثر لا يميز بين صديقٍ وعدوٍ، والحاسد يحمل عداوة حتى لمن هو ملتصق به جدًا. وواضع المكائد دومًا في صراع مع الكل على السواء…

في اختصار من يرتكب الخطية ليس بأفضل من السكارى والمجانين. وكما أنه بالليل يبدو لنا الخشب والقصدير والحديد والفضة والذهب والحجارة الكريمة متشابهة بسبب غياب النور الذي به نميز بينهم، هكذا من يسلك حياة فاسدة لا يميز سمو ضبط النفس ولا جمال الفلسفة (الحكمة).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v من ينصرف عن النور الحقيقي، أي عن الله، يصير للحال أعمى، ومع هذا لا يشعر بعقوبته وإن كان قد نالها فعلاً.

القديس أغسطينوس

v يعبر عن شوقنا بالمرتل: "ويل لي فقد طالت غربتي عليّ، فأسكن معهم في قيدار، تقوم نفسي برحلة طويلة" (مز5:120، 6 Vulgate). "قيدار" معناها "ظلمة"، والظلمة تمثل العالم الحاضر، إذ قيل لنا: "النور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه" (5).

القديس جيروم

"كان إنسان مرسل من اللَّه اسمه يوحنا" (6).

فعل "كان" هنا في اليونانية يعني "صار" على عكس فعل "كان" في الآية 1 "كان الكلمة"، إذ جاء في صيغة فعل الكينونة، بمعني أنه كائن لا زمني.

لم يقل الإنجيلي: "أرسل الله يوحنا المعمدان" بل ركز على الإرسالية ذاتها "إنسان مرسل من الله"، غايتها الشهادة لشخص الكلمة الإلهي بكونه النور المُشرق على الجالسين في الظلمة.

v إذا سمعت أن يوحنا مُرسل من الله فلا تظن أنه يتكلم بأقواله، لكنه إنما يتكلم أقوال مرسله، ولهذا ُسمى ملاكًا (ملا 3: 1)، وفضيلة الملاك ألا يقول قولاً من ذاته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هذا جاء للشهادة ليشهد للنور،

لكي يؤمن الكل بواسطته" (7).

ما يشغل ذهن الإنجيلي يوحنا هو الإعلان عن شخص السيد المسيح، حتى نؤمن به، فنتمتع بالحياة الأبدية نورًا لنا في هذا العالم، ومجدًا في الحياة العتيدة، لذا قدم شهادات كثيرة. فتكرر فعل "يشهد" 33 مرة في هذا السفر، واسم "شهادة " 14 مرة.

أما الشهادة فهي شهادة الآب له (5: 31)، وشهادته لنفسه (8: 14)، وشهادة الروح القدس (15: 26)، وشهادة أعمال المسيح له (5: 36)، وشهادة الآباء والأنبياء (5: 39)، وشهادة يوحنا المعمدان (1: 7)، وشهادة التلاميذ (15: 27)، وأيضا شهدت له السامرية والسامريين (ص4) والمولود اعمي الذي أبصر (ص9)، وبعد قيامته شهد توما له.

يقول العلامة أوريجينوس أن الصوت شهد للكلمة مقدمًا ست شهادات:

١. شهد عن عظمته إذ يأتي بعده مع أنه الأزلي السابق له، وأنه واهب النعم والمخبر عن الآب (يو ١: ١٥ - ١٨). يرى أن هذه العبارات كلها هي شهادة القديس يوحنا السابق وليس كما يظن البعض أن جزءً منها هو شهادة الإنجيلي يوحنا.

٢. شهادته أمام إرسالية الكهنة واللاويين القادمين من أورشليم (يو ١:١٩-٢٧).

٣. للمرة الثالثة يشهد عن عظمة المسيح موضحًا أنه غير مستحق أن يحل سيور حذائه (يو ١: ٢٦
العدد 14- 18:
الباب الأول: الكلمة المتجسد ص 1.

الباب الثاني: آياته وأعماله تعلن عن لاهوته ص 2- ص 12.

الباب الثالث: إعلانه عن ذاته لخاصته ص 13- ص 17.

الباب الرابع: ابن الله الذبيح ص 18- ص 19.

الباب الخامس: قيامته تشهد للاهوته ص20.

الباب السادس: خاتمة ص 21.

الباب الأول

الكلمة المتجسد واهب النعمة

والشهود له

ص 1

v الكلمة المتجسد واهب النعمة ع 1-18.

v شهود للكلمة المتجسد ع 19-51.

v ملحق للإصحاح الأول عن النعمة الإلهية.

الأصحاح الأول

الكلمة المتجسد

في دهشة تقف النفس لتشهد في سكون عميق الإنجيلي القديس يوحنا الحبيب وقد صار أشبه بنسرٍ طائرٍ، يحلق لا في جو السماء المنظورة، بل في جو الإلهيات التي لا يُنطق بها. إنه كمن يدعونا أن نعبر معه إلى ما وراء الزمن لنرى كلمة الله الذي لا يفارق العقل الإلهي، والعقل الذي لن ينفصل عن كلمته؛ الابن الوحيد الجنس الواحد مع أبيه في ذات الجوهر. إنه يدعونا لنرى ونلمس واهب الحياة ومصدر النور، خالق الزمن، ومُوجد كل خليقة في السماء وعلى الأرض وكأنه لا يشغله أمر ما سوى الإنسان محبوبه الفريد!

بإعلان الروح القدس لا يسجل لنا الإنجيلي كتابًا مجردًا، بل يحملنا إلى حقائق إلهية تمس كياننا ومستقبلنا الأبدي ومجدنا، نغرف من فيض الحب الإلهي الذي لا يُعبر عنه بلسان بشري.

الشهادة للسيد المسيح

في هذا الاصحاح يتحدث القديس يوحنا عن لاهوت السيد المسيح فيقدم لنا شهادته هو (1-5؛ 10-14؛ 16-18)، وشهادة القديس يوحنا المعمدان (6-9؛ 15؛ 19-37)، وإعلان السيد المسيح نفسه لأندراوس (38-42)، ولفيلبس (43-51)، وشهادتهما له.

1. شخص يسوع المسيح بكونه اللوغوس الأزلي الواحد في الجوهر مع الآب والأقنوم المتمايز عنه (1-2). هو واهب الحياة والنور، وفيه ننال سلطان التبني للآب (3-13).

2. يفتتح معلمنا يوحنا البشير السفر بتقديم الكلمة الإلهي كمصدر النعم الإلهية، خاصة نعمة الخلق ونعمة البنوة لله مع فيضٍ من النعم "نعمة فوق نعمة" (16-18)، يتحدث عنها بفيض في الاصحاحات التالية.

3. شهادة القديس يوحنا المعمدان أمام إسرائيل الرسمي: "كهنة ولاويين" الذين جاءوا يقدمون له ثلاثة أسئلة، وكانت إجابته عليهم مختصرة للغاية. شهادة تمثل مجابهة علنية بينه وبينهم. إجابته تتلخص في أنه ليس له اسم، إنما هو مجرد "صوت صارخ" أمام المسيح (19-28).

4. شهادة القديس يوحنا المعمدان أمام تلاميذه (29-37) حيث يبادر بالكلام ويسهب فيه. لأنه يتحدث مع البقية التي تنبأ عنها إشعياء النبي: "ترجع البقية، بقية يعقوب إلى الله القدير" (إش 21:10). يتحدث القديس يوحنا المعمدان مع إسرائيل الجديد الذين يؤمنون بالسيد المسيح، ليدخل بهم إلى العهد الجديد. يؤكد لهم أن المسيّا يأتي لا في صورة ملوكية مجيدة كما يظن اليهود بل كمتألم ومخذول، مجده الحب وحمل خطايا العالم (36).

5. تبعية تلاميذ القديس يوحنا المعدان للسيد المسيح، حيث يتم لقاء حقيقي شخصي وعميق يؤول إلى تغيير كامل للحياة كما للكيان والاسم. فنرى السيد المسيح يدخل إلى صميم نفس سمعان، ويحتل أعماقها، ليحوله إلى بطرس الرسول؛ فيغير اسمه ورسالته وحياته وكيانه كله (42).

6. دعوة السيد المسيح لبقية تلاميذه في الجليل منذ البداية. يعلن الإنجيلي عن رؤية السرّ الأخروي المخفي، حيث يؤكد انفتاح السماء وصعود الملائكة ونزولهم على شخص السيد المسيح (50-51).

1. الكلمة الإلهي 1-13.

2. الكلمة صار جسدًا 14-18.

3. شهادة يوحنا المعمدان له 19-34.

4. شهادة تلاميذه الأولين له 35-53.

1. الكلمة الإلهي

يبدأ الإنجيل بحسب القديس يوحنا بافتتاحية أو مقدمة تختلف عن افتتاحية بقية الأناجيل الإزائية. افتتاحية مرقس الرسول تقدم وصفُا للقديس يوحنا المعمدان وعمله كملاكٍ يهيئ الطريق أمام السيد المسيح الذي طالما اشتهى الآباء والأنبياء أن يروا يوم مجيئه. وافتتاحية متى البشير تقدم تسلسل يسوع المسيح عن إبراهيم، وقصة ميلاده بكونه الملك الفريد الذي جاء ليقيم مملكة داود الساقطة، ويجعل من مؤمنيه شعبًا ملوكًيا. ويفتتح لوقا الرسول إنجيله بمقدمة أدبية رسمية (1:1-4)، يتبعها عرض لميلاد المعمدان ثم ميلاد يسوع المسيح الذي يشبع بحبه الباذل وصداقته الفريدة كل قلبٍ، ويملأ كل فراغ في الداخل. أما يوحنا فيبدأ بالكشف عن شخص ربنا يسوع قبل التجسد بكونه الكلمة الأزلي، لكي نتخطى كل زمن وننطلق إلى حضن الآب الأزلي، فنتعرف على خطة الله من نحونا ومشيئته لخلاصنا ومجدنا الأبدي. يعرفنا على ذاك الذي نشاركه مجده ونعيش معه إلى الأبد. أبرزت المقدمة (1-18) ما ورد في السفر ككل أن اللَّه يعلن عن نفسه خلال كلماته (1-13) كما خلال أعماله (2-5)، وأخيرًا خلال التجسد الإلهي لمجد الآب (14-18).

كُتبت الافتتاحية في أغلبها كقطعة شعرية متميزة من جهة الأسلوب والمفردات عن بقية السفر مما جعل بعض الدارسين يتساءلون إن كانت هذه الافتتاحية هي لحن كنسي اقتبسه الرسول، أو إضافة قدّمها الرسول بعد أن كتب بقية السفر كملخص يكشف عن هدف السفر ويفسر معناه. أو هي مقدمة كتبها ليُعلن عن موضوع كتابته مقدمًا. لكن الحقيقة هي أن غاية الافتتاحية أن تقدم للقارئ شخص يسوع المسيح موضوع السفر، بكونه الكلمة الأزلي، العامل مع الآب في الخليقة. بكونه اللَّه نفسه يعلن عن الآب، ويقدمه لنا كما يقدم نفسه لنا. إنه حكمة اللَّه المتحدث معنا، والذي يقدم ذاته كلمة اللَّه لكي نقتنيه سرّ حياة أبدية. إنه حياة الكل، ونور كل إنسان. هذا الأزلي صار جسدًا وعاش كإنسانٍ، رفضه خاصته اليهود بالرغم من شهادة القديس يوحنا المعمدان له. لكن وُجدت بقية أمينة قبلته فصاروا أبناء الله وأعضاء في العائلة الإلهية.

في كل صباح نتغنى بهذه المقدمة وما يليها (يو1:1-17)، لكي ما ندرك أن بدايتنا اليومية الجديدة مصدرها الالتقاء بذاك الذي وحده يرفعنا إلى ما فوق الزمن ليدخل بنا إلى حضن أبيه، دون أن يحتقر الزمن أو يستخف به، بل يقدسه كطريق للعبور إلى ما وراء الزمن. في صلاة باكر نتذكر أن مسيحنا المخلص هو الألفا والأومجا، البداية والنهاية، فنتمتع ببداية مقدسة ونهاية مجيدة.

يقول القديس أغسطينوس أن صديقه سمبليشيوس Simplicius أخبره بأن فيلسوفًا أفلاطونيًا قال بأن هذه العبارات التي جاءت في بداية إنجيل يوحنا تستحق أن تُكتب بحروفٍ من ذهبٍ.

وذكر متى هنري عن فرنسيس جوني Francis Junius الذي فقد كل القيم الدينية في شبابه، وقد استعادها بنعمة اللَّه خلال قراءته لهذه الأعداد عن غير قصدٍ منه، قدمها له والده. شعر بقوتها وسلطانها عليه فقضى يومه كله لا يُدرك أين هو ولا ما كان يفعله، وكان جسمه مرتعبًا. وكان ذلك اليوم هو بداية حياته الروحية.

تقدم لنا العبارات (1-13) ثمان حقائق عظمى عن شخص ربنا يسوع المسيح، وهي:

أ - كان ولا يزال الأزلي: "في البدء كان الكلمة" (1).

ب - كان ولا يزال الأقنوم المتمايز عن أبيه: "وكان عند اللَّه" (1).

ج - كان الكلمة ولا يزال هو اللَّه (2).

د - هو شريك مع الآب في الأزلية (2).

ه - هو خالق المسكونة (3).

و - هو مصدر كل حياة ونور (4، 5، 9).

ز - الإله الذي يعلن عن ذاته للعالم الساقط (10).

خ - دخل إلى عالم الإنسان، وخاصته لم تقبله (11)، أما الذين قبلوه فنالوا ميلادًا جديدًا (12-13).

اللوغوس

جاء في النسخة الكلدانية Chaldee في إعادة صياغة العهد القديم دعوة المسيّا بكلمة Memra أي "كلمة يهوه"، وأن الكثير من الأمور الواردة في العهد القديم التي تحققت بالرب إنما تمت بكلمة الرب. وأيضًا تعلم اليهود بوجه عام أن "كلمة اللَّه" كانت مع اللَّه.

تُستخدم كلمة "لوغوس" بمعنيين:

v الكلمة التي يُحبل بها endiathetas Logos، أي الفكر الذي تحبل به النفس، خلاله تتحقق كل الأعمال، وهي واحدة مع النفس. لذلك لاق بالأقنوم الثاني أن يُحسب كلمة اللَّه، مولودًا من الآب بكونه الحكمة الأساسي الأزلي؛ ليس شيء أكثر يقينًا من أننا نفكر، وليس شيء أكثر غموضًا من معرفة كيف نفكر.

v الكلمة المنطوق بها Logos prophorika، التي هي الكلام، وهو الإشارة الطبيعية لما في الذهن. هكذا المسيح هو الكلمة التي تحدث به الآب في آخر الأيام (عب 2:1)، ويوجهنا لكي نسمع له (مت 5:17). خبرنا عن ذهن الآب كما يخبرنا الكلام عما في فكر الإنسان. إنه الكلمة الذي يحدثنا بما للآب، إذ هو الحق والآمين، والشاهد الصادق للذهن الإلهي. هنا يختلف عن يوحنا المعمدان الذي هو "صوت صارخ" وليس الكلمة الإلهي.

يقارن القديس أغسطينوس بين الخبز الذي يشبع البطن والكلمة التي تشبع الذهن. فإنه إن قدم خبزًا للشعب لا يستطيع أن يقدم ذات الخبزة لكل الحاضرين، أما الكلمة فيقدمها للكل، وتستقبلها أذهان جميع الشعب بالكامل. حقًا عجيبة هي كلمة الإنسان يقدمها ليسمعها الكل بلا نقص فكم تكون كلمة الله الخالق؟

v إن كنت أود أن أطعمكم فلا أملأ أذهانكم بل بطونكم، وأقدم لكم خبزًا لأشبعها بها، أما تقسمون الخبز فيما بينكم؟ هل يمكن لخبزي أن يأتي إلى كل واحدٍ منكم؟ فإن ناله أحد لا ينال البقية شيئًا. لكن الآن انظروا، فإني أتحدث وأنتم جميعًا تستقبلون الكلمة. لا، ليس فقط جميعكم تستقبلونها، وإنما أيضًا الكل يستقبلون الكلمة بالكامل. يا لعجب كلمتي! فماذا عن كلمة الله؟! استمعوا أيضًا، إني أتحدث ما أنطق به فيأتي إليكم الكلام ولا يفارقني. يبلغ إليكم ولا ينفصل عني. قبل أن أتكلم كنت أملك الكلمة ولم تكن لديكم. لقد تكلمت وبدأتم تنالونها دون أن أفقد شيئًا منها. يا لعجب كلمتي! فماذا تكون إذن كلمة الله؟!

القديس أغسطينوس

v يا لكم من أغبياء، تتحدثون كمن لا يميزون بين الكلمة المنطوق بها والكلمة الإلهي، الثابت سرمديًّا، مولود من الآب؛ أقول أنه مولود وليس فقط منطوق به. الذي لا يوجد فيه مقاطع كلمات، بل كمال اللاهوت السرمدي، والحياة التي بلا نهاية (كو19:1؛ 9:2؛ 4:3؛ يو4:1؛ 26:5؛ 25:11؛ 6:14؛ رؤ18:1).

القديس أمبروسيوس

"في البدء كان الكلمة،

والكلمة كان عند اللَّه،

كان الكلمة اللَّه" (1).

جاءت هذه العبارة في ثلاثة مقاطع موزونة موسيقيًا في اللغة العبرية، حيث يتكرر في الثلاثة الاسم "الكلمة" والفعل "كان". هنا الفعل يدل على الكينونة الدائمة القائمة في البدء لا على الزمن. في هذه المقاطع: كان الكلمة في البدء، وكان مع الله، وكان هو الله.

"في البدء": بدأ سفر التكوين بعبارة "في البدء خلق اللَّه"، أي أنه يتكلم عن بداية المخلوقات، أي بدء الزمن بالخلقة. أما البدء في إنجيل يوحنا فهو ما قبل الخلق والزمن والتاريخ، حيث لم يوجد سوي الله الكائن بذاته. يبدأ ببداية الكينونة "في البدء كان الكلمة" أي أن الكلمة أزلي هو بدأ بما لا بداية له. وقد كرر الرسول هذا الفكر حين قال الرب لليهود: "أنا من البدء ما أكلمكم أيضًا به" (يو 25:8)، أي أنا الكائن المتكلم في الأصل أو منذ الأزل. جاء أيضًا في بداية رسالته الأولى: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا" (1 يو 1:1). وقد قال أيضًا للجموع: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يري يومي فرأي وفرح... قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (56:8، 58).

قدم العلامة أوريجينوس معانً كثيرة لكلمة "البدء"، كما ميز بين البدء في علاقته بالخالق، والبدء في علاقته بالخليقة. إنه البدء بكونه حكمة الله وقوة الله (١ كو ١: ٢٤).

يؤكد الرسول أن الكلمة هو "في البدء"، ليس فقط قبل التجسد بل قبل كل الأزمنة. جاء العالم إلى الوجود بخلقه من البدء، أما الكلمة فكان موجودًا في البدء، أي قبل الأزمنة. لقد عبر المرتل عن أزلية اللَّه أنه قبل وجود الجبال (مز 2:90؛ أم 23:8).

إنه مع اللَّه، فلا يظن أحد أن الإيمان بالكلمة يسحبه عن اللَّه، وكان الكلمة عند اللَّه إذ لا ينفصل عنه قط، من ذات جوهره (عب 3:1). وهو موضوع سروره (يو 5:17)، ابن محبته (أم 30:8).

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا لم يبدأ الإنجيلي بالحديث عن الآب، بل بدأه بالابن الوحيد الجنس، ولماذا لم يبدأ بدعوته الابن الوحيد الجنس بل الكلمة. ويجيب على ذلك بأنه بدأ بالإعلان عن شخص السيد المسيح بكونه "الكلمة" المتجسد، ليتحدث بفيض فيما بعد أنه "ابن اللَّه". لقب "الكلمة" يؤكد الوحدة، ولقب "الابن الوحيد الجنس" يؤكد التمايز، لذا فاللقبان مكملان لبعضهما البعض. ويقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تبريرًا لذلك بقوله أن الإنسان غالبًا ما يفصل بين الأب والابن. فيظن أن بميلاد الابن حدث في الله تغيير، فصار الآب، ولم يكن قبل الولادة هكذا، إذ نظن أن الولادة حسية مثلما يحدث في الخليقة، وأنها لم تتم أزليًا. فلو أن الإنجيلي بدأ بالحديث عنه أنه "ابن اللَّه" لدخل الشك لدى البعض أنهما إلهان منفصلان. لذا بدأ باللقب "الكلمة" الذي لا يتخيل الإنسان أنه منفصل عن اللَّه.

v يدعوه "الكلمة" لأنه يستعد للتعليم بأن هذا الكلمة هو ابن اللَّه الوحيد، فلا يظن أحد أنه ولادته حسّية. فبإعطائه لقب "الكلمة" ينزع مقدمًا ما يتعرض له الشخص من وهمٍ شرير ويزيله عنه. لقد أظهر أن الابن من الآب، وأنه ولد دون ألم (تغيير).

v لئلا يظن أحد عند سماعه "في البدء" أنه ليس بمولود أيضًا، عالج هذا في الحال بقوله أنه كان "عند اللَّه" قبل أن يعلن أنه هو اللَّه. وهو يمنع أي أحد من افتراض أن الكلمة بسيطة كما لو كانت مجرد كلمة منطوقة أو مدركة، مضيفًا إليها أداة التعريف... إنه لم يقل "كان في اللَّه" بل "عند اللَّه" معلنًا سرمديته كأقنوم. بعد ذلك يعلن عنها بأكثر وضوح مضيفًا أيضًا "والكلمة كان اللَّه".

v لم يدعه "كلمة" بل أضاف أداة التعرف ليميزه عن البقية (كلمة الإنسان).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v هذا التعبير "في البدء كان" لا يعلن سوى الوجود being الدائم، وأنه وجود مطلق.

v "كان اللوغوس" لأن كلمة "وجود being " تستخدم للإنسان لتمييز الوقت الحاضر وحده، وأما بخصوص الله فتشير إلى السرمدية. لذلك عندما يستخدم "كان" بخصوص طبيعتنا تعني الماضي، وعندما تستخدم بخصوص الله تعلن عن السرمدية.

v هذا (الكلمة) هو جوهر إلهي حاصل في أقنوم بارز من أبيه خالٍ من انقسام عارض. وحتى لا تظن أن لاهوت الابن أدنى، وضع للحال الدلائل المُعرفة للاهوته فقال: "وكان الكلمة الله".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v إذ هو مولود فبسببٍ حسنٍ لم يجزم يوحنا أو غيره، سواء كان رسولاً أو نبيًا، أنه مخلوق. فإن هذا الذي تحدث عن نفسه بتواضع هكذا خلال تنازله لم يرد أن يقف صامتًا في هذا الأمر... لقد نطق بكلمات متواضعة (يو 5: 30؛ 12: 49)... لكنه لو كان مخلوقًا لتحدث قائلاً: "لا تظنوا إني مولود من الآب، بل أنا مخلوق غير مولود، ولست شريكًا في جوهره". لكن إذ هذا أمره، فعلى العكس نطق بكلمات تلزم البشر حتى بغير إرادتهم أو رغبتهم أن يقبلوا الفكر الآخر. كقوله: "أنا في الآب والآب فيّ" (يو 14: 11)، "أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9)، وأيضًا: "لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب" (يو 5: 23)، "لأنه كما أن الآب يقيم الموتى ويحيي، كذلك الابن أيضًا يحي من يشاء" (يو 5: 21). "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). "كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب" (يو 10: 15). "وأنا والآب واحد" (يو 10: 30).

v أصابت الدهشة إشعياء النبي عندما قال: "وميلاده من يخبر به؟ لأن حياته رُفعت من الأرض" (إش 8:53). حقًا لقد رفع من الأرض تمامًا كل آثار الميلاد الأزلي، لأنه يفوق الإدراك. وإذا كان فوق الإدراك فكيف يمكن أن نقول أنه مخلوق، لأننا نستطيع أن نحدد بوضوح زمن بداية المخلوقات وكيفية وجودها، أما البدء فنعجز عن تحديد زمن بدايته.

v في هذا "البدء Archi" الذي هو فوق الكل وعلى الكل "كان الكلمة"، ليس من الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه "في البدء"، أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب له طبيعة الذي ولده... منه ومعه له السيادة archi على الكل.

القديس كيرلس الكبير

v بالقول "في البدء كان"، وليس "بعد البدء" يعني أنه لم يكن بدء بدون اللوغوس، وبإعلانه " كان اللوغوس عند الله" يعني غياب أية شائبة في علاقة الابن بالآب، لأن اللوغوس يفكر فيه ككل مع كيان الله ككل.

v خشي الإنجيلي من أذهاننا التي ينقصها التمرن، ولا يثق في آذاننا ليقدم لقب "الآب"، لئلا يتصور الجسداني في فكرة وجود أم أيضًا. ولم يذكر في إعلانه "الابن" حتى لا يجعل أحد اللاهوت بشريًا بنوعٍ من الهوى. لهذا دعاه اللوغوس، فكما أن كلمتك تصدر عن ذهنك دون تدخل لهوى، هكذا أيضًا عند سماعك "الكلمة" لا تفهم ذلك عن شيءٍ صدر بهوى.

v أولئك الذين يقدمون لنا أية أفكار صالحة عن مثل هذه الأسرار، هم غير قادرين حقًا على التعبير عن الطبيعة الإلهية.

أنهم يتكلمون بالأحرى عن بهاء مجد اللّه ورسم جوهره (عب 3:1)، صورة اللّه، وفي البدء كان الكلمة والكلمة كان اللّه (يو1:1). كل هذه التعبيرات تبدو لنا نحن الذين لم نرَ الطبيعة الإلهية مثل الذهب من هذا الكنز. ولكن بالنسبة لهؤلاء القادرين على رؤية الحقيقة، فإنها شبه الذهب وليست ذهبًا لامعًا، إنها ذهب مع جمان من فضة (نش 1: 11). إن الفضة كما يقول الكتاب: "لسان الصديق فضة مختارة (أم 20:10)".

هنا نتكشف أن الطبيعة الإلهية تتجاوز كل مفهوم نحاول أن ندركه.

فهمنا للطبيعة الإلهية يشبه ما نهدف إليه. إن أحدًا ما لم يرها ولا يستطيع أن يراها، ولكن خلال مرآة ولغز (1 كو 12:13).

إنها تعطينا انعكاسًا لما نفكر فيه، أي انعكاس موجود في الروح بصورة معينة.

كل كلمة تمثل هذه المفاهيم تشبه نقطة ينقصها أن تمتد، حيث إنها قاصرة عن التعبير عما في العقل...

وكل كلمة تقال كمحاولة للتعبير عن اللّه تبدو مثل نقطة صغيرة غير قادرة للامتداد لتتناسب مع الغرض، إذ تقاد خلال مثل هذه المفاهيم لإدراك ما لا يمكن إدراكه سوى خلال الإيمان بها أن تقيم ذاتيًا طبيعة تفوق كل ذكاء.

القديس غريغوريوس النيسي

v يُدعى الكلمة والابن وقوة اللَّه وحكمة اللَّه. الكلمة لأنه بلا عيب، والقوة لأنه كامل، والابن لأنه مولود من الآب، والحكمة لأنه واحد مع الآب في السرمدية، واحد في اللاهوت. ليس أن الآب أقنوم واحد مع الابن. إذ يوجد تمايز واضح بين الآب والابن يأتي من الولادة، هكذا المسيح هو إله من إله، خالد من خالد، كامل من كامل.

القديس أمبروسيوس

v يوجد الله الواحد الذي أعلن عن نفسه بيسوع المسيح ابنه، الذي هو كلمته (اللوغوس)، ليس منطوقا به بل جوهري. لأنه ليس صوتًا لأداة نطق بل أقنوم مولود بالقوة الإلهية.

القديس أغناطيوس

كانت كلمة "لوغوس" معروفة لدي اليهود والأمم، عرفها هيرقليتس Heracllitus حوالي 500 ق.م بأنها العقل الجامع الذي يحكم العالم ويخترقه، وقد تبناه الرواقيون وأشاعوه. وفي اليهودية الهلينية "اللوغوس" هو أقنوم مستقل، تطورت فكرته ليكون مصاحبًا للحكمة (صوفيا) (الحكمة 9: 1، 2؛ 18: 15). إذ ربط فيلون السكندري بين تعبيرات فلسفية ومفاهيم كتابية قال أن اللوغوس هو نموذج إلهي جاء العالم صورة له.

v "لوغوس" في اليونانية لها معان كثيرة. فهي تعني الكلمة والعقل والتقدير وعلة الأشياء الفردية التي عليها تقوم. بكل هذه جميعًا نحن نعلن عن المسيح.

القديس جيروم

v لكننا نعلم أن المسيح لم يُولد كمثل كلمة منطوق بها، بل هو الكلمة الكائن الجوهري الحي، لا يُنطق بشفتين ولا ينتشر متبددًا، بل هو مولود من الآب أبديًا، لا يُوصف في الجوهر. إذ" في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند اللَّه، وكان الكلمة اللَّه". إنه جالس عن يمين اللَّه، الكلمة يفهم إرادة الآب، خالد، كل الأشياء كائنة بأمره.

الكلمة نزل وصعد، أما الكلمة التي ننطق نحن بها فإنها تنزل ولا تصعد.

ينطق "الكلمة" قائلاً: "أنا أتكلم بما رأيت عند أبي" (يو 38:8).

للكلمة سلطان، يملك على كل شيء، إذ أعطى الآب كل شيء للابن (مت 27:11، يو 22:5).

القديس كيرلس الأورشليمي

v إن كان قد وُجد وقت لم يكن فيه الابن، يكون الأب نورًا قاتمًا. فإنه كيف لا يكون نورًا قاتمًا إن كان ليس له بهاء؟ فالآب موجود دائمًا، والابن موجود دائًمًا... البهاء يتولد من النور، ومع ذلك فالبهاء أزلي مع النور الذي يلده. النور دائم والبهاء دائم. النور يولد بهاءه، لكن هل وُجد بدون بهائه؟... لتقبلوا أن الله يلد ابنه السرمدي.

القديس أغسطينوس

يفهم "عند" هنا "معه أزليا"، أي أن الكلمة مع الآب شريك معه في أزليته دون انفصال.

v "والكلمة كان عند الله"؛ لهذا فهو أزلي كالآب نفسه، لأنه لم يكن الآب بدون الكلمة، بل كان الله (الكلمة) مع الله، كل في أقنومه الخاص.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يؤكد القديس أمبروسيوس مساواة الكلمة للآب من أن الإنجيلي أورد الكلمة قبل الآب، ولو أن الآب أعظم من جهة طبيعة اللاهوت لما تجاسر وفعل هذا. وأيضًا بولس الرسول ذكر نعمة المسيح قبل محبة الآب (2 كو 4:13). [ترتيب الكلمات (الخاصة بالثالوث) غالبًا ما تتغير لذا لاق ألا تتساءل عن الترتيب والدرجات. ففي اللَّه الآب والابن ولا يوجد فصل في وحدة اللاهوت.

عالج القديس يوحنا الذهبي الفم اعتراض الأريوسيين على مساواة الابن أو الكلمة للآب بدعوى أنه جاءت الكلمة "اللَّه" هنا بدون أداة التعريف: "وكان الكلمة إلهًا". وهو ذات الفكر الذي يقتبسه شهود يهوه حاليًا. وقد فنّد القديس هذه الحجة موضحًا أن الكتاب المقدس أشار أحيانًا إلى الآب والروح القدس دون ربط اسميهما بأداة التعريف، بل وأحيانًا أشار إلى الابن والكلمة أنه اللَّه مرتبطًا بأداة التعريف. هذا وأنه في ذات الموضع هنا ينسب للكلمة سمات خاصة باللَّه بكونه الأزلي، والخالق وواهب الحياة والإنارة. فلو أنه أقل من اللَّه لكان قد تحدث صراحة عن ذلك حتى لا يحدث لبس.

v إنه لم يستخدم تعبيرًا يشير إلى وجود حدود إذ لم يقل: "له بداية" بل "في البدء". بفعل "كان" يحملكم إلى فكرة أن الابن بلا بداية. ربما يقول أحد: "لاحظ أن الآب قد أضيف إليه أداة التعرف (اللَّه)، أما الابن فبدونها "إله". ماذا إذن عندما يقول الرسول: "الإله العظيم ومخلصنا يسوع" (تي 2: 13). مرة أخرى: "الذي فوق الكل إله (الله)" (رو9: 5)؟

حقًا إنه يشير هنا إلى الابن دون أداة التعريف، لكنه يفعل نفس الشيء مع الآب أيضًا، على الأقل في الرسالة إلى أهل فيلبي (2: 6) حيث يقول: "الذي في شكل إله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً للَّه"، وأيضًا في الرسالة إلى أهل رومية: (نعمة لكم وسلام من اللَّه (دون التعريف) أبينا والرب يسوع المسيح" (رو 1: 7)... وأيضًا عند الحديث عن الآب يقول: اللَّه (إله) هو روح" (يو 4: 24)، فليس لأن أداة التعريف لم ترتبط بكلمة "روح" ننفي طبيعة اللَّه الروحية. هكذا هنا وإن كانت أداة التعريف لم تلحق بالابن، فالابن بسبب هذا ليس بأقل من اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هذا كان في البدء عند اللَّه" (2).

v قول يوحنا عن السيد المسيح "هذا كان في البدء عند الله" أظهر لنا اتفاقه مع أبيه في أزليته. فإذا سمعت في وصف الوحيد أنه "كان في البدء" فافهم أنه كان قبل الخلائق العقلية كلها وقبل كل الدهور.

v لم يكن الآب قط بدون الكلمة، بل كان اللَّه دائمًا مع اللَّه، ولكن كل واحد في أقنومه اللائق به.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v "والكلمة كان عند اللَّه": الآب والابن ليسا واحدًا في الأقنوم، بل كل منهما أقنوم يمكن رؤيته في الآخر بسبب وحدة الجوهر، لأنه إله من إله، الابن من الآب.

v "هذا كان في البدء عند اللَّه"، أي الابن، الذي هو مع الآب، والمولود من جوهره، فالابن الوحيد هو الذي يشار إليه بكلمة "هذا".

القديس كيرلس الكبير

v يمكن أيضًا للوغوس أن يكون "ابن الله" إذ هو يخبر بأسرار أبيه الذي هو "العقل"، مقابل (analogous) للابن أنه يُدعى "الكلمة". فكما أن الكلمة فينا هي رسول لما يدركه العقل هكذا كلمة الله، إذ هو يعرف الآب يعلن عن ذاك الذي يعرفه، إذ لا تستطيع خليقة أن تدخل في علاقة معه دون إرشاد. لا يعرف أحد الآب إلاَّ الابن ومن يعلن له الابن عنه (راجع مت ١١: ٢٧). وبكونه الكلمة فهو رسول المشورة العظيم الذي على كتفه تستريح السلطة (إش ٩: ٥ LXX)، وقد صار ملكًا إذ احتمل الصليب. وقد جاء في سفر الرؤيا أن الكلمة الأمين والحق ركب على فرس أبيض (رؤ ١٩: ١١)، وفي رأيي لكي يوضح الصوت الذي يقوده (يمتطيه) كلمة الحق، ويأتي لكي يقطن فينا.

العلامة أوريجينوس

يقول العلامة أوريجينوس أن أنبياء العهد القديم تمتعوا بكلمة الرب التي صارت لهم (هو ١: ١؛ إش ٢: ١؛ إر ١٤: ١). فقيل "قول (كلمة) الرب الذي صار إلى هوشع بن بئيري" (هو ١: ١). كلمة هوشع معناها "المخَلِّص" وبئيري معناها "الآبار"، فإن كل من تمتع بالخلاص هو ابن الآبار التي تفيض من أعماق حكمة الله. فهو ابن الحكمة، وكما جاء في الكتاب المقدس "الحكمة تبررت من بنيها" (راجع لو ٧: ٣٥؛ مت ١١: ١٩). أما بالنسبة للآب فقد قيل: "وكان الكلمة عند الله" ولم يقل: "الكلمة صار إلى الآب"، إذ الكلمة أزلي مع الآب.

v على أي الأحوال صار الكلمة إلى البشر الذين لم يستطيعوا قبلاً أن يتقبلوا رحلة ابن الله الذي هو الكلمة. من الجانب الآخر، لم يأتِ الكلمة لكي يصير عند الله كما لو لم يكن الكلمة قبلاً عند الله؛ وإنما لأنه هو مع الآب على الدوام؛ قيل: "والكلمة كان عند الله" (يو ١: ١)، إذ لم يأت ليصير مع الله.

v نفس الفعل "كان" يشير إلى الكلمة عندما كان في البدء، وحين كان مع الله. إنه لم ينفصل عن البدء، ولا يفارق الآب. مرة أخرى إنه لم يأتِ ليصير في البدء كمن هو ليس في البدء، ولا عبر من عدم وجود مع الله لكي يصير معه. فإنه قبل كل زمان منذ الأزل "في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله".

v يضيف أنه بمجيئه إلى الأنبياء ينيرهم بنور المعرفة، ويجعلهم يرون الأمور التي لم يدركوها قبل مجيئهم كمن يرونها بأعينهم. أما بكونه عند الله، والكلمة هو الله إذ هو عنده.

العلامة أوريجينوس

"كل شيء به كان،

وبغيره لم يكن شيء مما كان" (3).

قدم الإنجيلي الكلمة بكونه "الخالق" إذ به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان. لم يقدم هذا إلا بعد الحديث عن العلاقة الأزلية بين الآب والكلمة. فالآب والابن (أو الكلمة) مع الروح القدس فيه التقاء ذاتي داخلي، كلي الحب والحياة. هذه الطبيعة الإلهية التي تفيض حبًا ليست في حاجة إلى الخليقة السماوية أو الأرضية لتحقق الحب عمليًا. الحب عامل بين الأقانيم الإلهية أزليًا، وقد جاءت الخلقة من فيض الحب الإلهي، لا كضرورة لتحقيق حب الله بل ثمرة هذا الحب. وما نقوله عن الخلقة نكرره عن الخلاص بكونه الخلقة الجديدة.

الكلمة الأزلي هو الخالق والمخلص، يحقق مشيئة الآب، التي هي واحدة مع مشيئة الابن.

بقوله "كل شيء به كان"؛ فرز نفسه من كل الخلائق السماوية والبشرية والمادية، فهو خالق كل أحد وكل شيء أينما وجد.

يقصد بـ "به كان" أنه به قد صار إلى الوجود، أو خلق كل شيء. فعل "كان" هنا في اليونانية مختلف عما ورد بخصوص الكلمة، هنا يعني الخلق، وهناك الكينونة الذاتية.

وجاء الحرف "به" يحمل معنى بواسطته ومن خلاله وفيه، فقد خلق وبقي مدبرًا لخليقته معتنيًا بها وحافظًا لها. هذا ما عبر عنه الرسول بولس: "فإن فيه خلق الكل"... به وله قد خلق... وفيه يقوم الكل" (كو1:16-17). "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1: 3). "لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 17: 28).

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن الإنجيلي يركز على وحدة العمل الخاص بالخلقة بين الكلمة والآب، لإظهار لاهوت الكلمة ومساواته للآب. بالقول: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" يؤكد أن دور الكلمة في الخلق أساسي، بدونه استحالة تحقيق الخلقة أو استمرارها.

عندما تحدث موسى النبي عن بدء الخليقة: "في البدء خلق اللَّه السماوات والأرض" خشي لئلا يظن أحد أن الأرض أزلية فأكد أن لها بداية، وأنها من إبداع الخالق. فلو أن الكلمة مخلوق لالتزم الإنجيلي بتأكيد خلقته، لا بالحديث عنه كخالق للكل.

v من هو هذا الذي يسقط في هذا الخطأ، إذ يعلن عمن يخلق ويصنع كل الأشياء أنه مخلوق؟ إني أسأل: هل خلق الرب نفسه؟... من يفكر هذا؟ إن اللَّه خلق كل شيء في حكمة (مز 24:104). إن كان الأمر هكذا، فكيف نفترض أن الحكمة قد خُلقت في نفسها؟

القديس أمبروسيوس

v إن كنت تظن أن تعبير "به" هو علامة على أنه أقل، إذ تجعل من المسيح أداة للخلقة، اسمع (داود) قائلاً: "في البدء يا رب أسست الأرض والسماء عمل يديك" (مز 101 (102): 25). ما قاله عن الآب كخالق يقوله بخصوص الابن، الأمر الذي ما كان يقوله ما لم يحسبه الخالق، وليس مساعدًا لآخر. إن كان تعبير "به" يستخدم هنا أنه ليس لسبب سوى أنه لا يشك أحد في أن الابن غير مولود. بخصوص لقب الخالق ليس هو بأقل من الآب في شيء. اسمع ما يقوله بنفسه: لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضا يحي من يشاء" (يو 5: 21).

v ألا ترون أنه بهذه الإضافة: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" قد عالج كل الصعاب المحدقة، لأن القول: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" ثم يضيف "به كان كل شيء"، فإنه يضم الأشياء التي يمكن إدراكها بالعقل (أي التي في العالم غير المنظور) لكنها لا تضم الروح (القدس)...

لئلا يقول أحد: "إن كان كل شيءٍ به كان، فالروح أيضا كان مخلوقًا". أجيبه:" إنني أجزمت أن ما خُلق إنما خلق به، سواء كان غير منظور أو غير مادي، أو في السماء. لهذا لم أقل بطريقة مطلقة "كل شيءٍ" بل قال: "كل شيء كان"، أي المخلوقات، وأما الروح فهو غير مخلوق. أترون دقة تعليمه... لقد استبعد الروح القدس عن كل الخليقة.

بنفس الروح إذ استمد بولس ذات النعمة قال: "به خلق الكل" (كو 1: 16). لاحظوا هنا الدقة عينها. فإن ذات الروح (القدس) هو حرك هذه النفس أيضًا. فلا يوجد أي استثناء من المخلوقات من كونها أعمال الله... " سواء كان عروشًا أم سلاطين، أم رؤساء أم قوات". فإن تعبير "سواء" يضم الكل، مظهرًا لنا أنه ليس شيء آخر إلا هذا أن "به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v هل يمكن أن يكون الكلمة من صنع اللَّه؟ لا، لأنه هو أيضًا عند اللَّه في البدء. هل الأشياء التي خلقها اللَّه غير التي خلقها الكلمة؟ لا، لأن كل شيء به كان. بأية وسيلة خلقت بواسطته؟ لأنه فيه كانت الحياة، وقبل خلقتها كانت الحياة موجودة. ما قد خُلق ليس بالحياة، بل خلقت بحكمة اللَّه، وقبل خلقتها كانت الحياة. ما قد خلق يعبر ويزول، وأما ما في الحكمة لا يمكن أن يعبر.

v إن قلت: "كل شيء" ففي هذا لا تكذب، لأن هذا الكلمة يُدعي حكمة الله. ولدينا المكتوب: "خلقت كل شيء في الحكمة" (مز ١٠٤: ٢٤).

القديس أغسطينوس

v تتمعن العروس بتأمل في يد العريس التي تمثل قدرته على العمل "حبيبي مد يده من الكوّة" (نش 5: 4) لا تتمكن الطبيعة البشرية من احتواء الطبيعة الإلهية الغير محدودة. تقول العروس: "فأنّت على أحشائي" (نش 5: 4)... تتعجب كل نفس بما لها من قدرة للفهم بالأعمال المبهرة ليد اللّه التي تفوق قدرات الإنسان، لأن الطبيعة الإلهية التي تعمل هذه العجائب لا يمكن فهمها أو احتوائها. فكل مخلوق حي هو من عمل هذه اليد التي ظهرت في الكوّة. لذلك يصرخ يوحنا في إنجيله قائلاً: "كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو3:1). ويعبر النبي إشعياء عن نفس الفكرة، فيسمى اليد قوة اللّه للعمل: "كل هذه صنعتها يدي، فكانت كل هذه يقول الرب" (إش 2:66). لا يتمكن عقل الإنسان من فهم هذا الإنجاز: جمال السماء بما فيها من نجوم والشمس وعجائب الخليقة الأخرى. غير أن قلب الإنسان يخاف من قوة اللّه. فإذا كان الإنسان لا يفهم كل أعمال اللّه، فكيف يتمكن من فهم اللّه الذي يعلو على ما في الخليقة؟

v دعونا نعيد هذه الآية حتى نستفيد مما سقناه ونجعله يتمشى مع كلمات الوصيفات: "ما حبيبك من حبيب، أيتها الجميلة بين النساء؟ ما حبيبك من حبيب حتى تحلفينا هكذا؟" (نش 5: 9)

دعينا نستمع بانتباه بعدما رُفعت براقعنا، ونلتفت إلى الحق بعيون نفوسنا.

كيف تصف العروس لوصيفاتها ذاك الذي تبحث عنه؟

كيف تصف العروس هيئة من ترغبه في كلمات؟

كيف تُحضر العذارى من لا يعرفونه؟ المسيح غير مخلوق وأيضا مخلوق: ونعلم أن الغير مخلوق هو أبدى وموجود قبل إنشاء العالم، وهو خالق الكل. وعلى الجانب الآخر يرشدنا الجزء المخلوق، لأنه تكوّن حسب جسدنا الوضيع (في 21:3). ويمكننا فهم الكلمات بطريقة أفضل إذا فحصناها حسب ما جاء بالكتاب المقدس. نحن نعرف أنه في البدء كان الكلمة وأنه كان دائما مع اللّه وأن الكلمة لم يُخلق، وبدونه لم يكن شيء مما كان (يو 1: 1-3). والكلمة كان مع اللّه وكان الكلمة اللّه، وبه كان كل شيء. وُلد المسيح، أي أنه أخذ جسدًا وحلّ بيننا. وأظهر تجسده عظمته بوضوح، أنه اللّه، الابن الوحيد للّه الذي هو في حضن الآب، ظهر في الجسد، وقال عنه يوحنا: "والكلمة صار جسدًا وحل بيننا ورأينا مجده كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمة وحقًا" (يو 14:1).

القديس غريغوريوس النيسي

v "كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان". لأننا نؤمن أن كل شيء قد خُلق بواسطة الابن لا نستطيع أن نحسبه كواحدٍ من الكل (المخلوقات)، بل هو غيّرها تمامًا، لأنه ليس ضمن الطبائع المخلوقة، بل نعترف أنه وحده بالطبيعة الإله الحق.

v لم ينل قوة من آخر لكي يُخلق، وإنما هو قوة اللَّه الآب، الابن الوحيد، الذي يعمل كل شيء مع الآب والروح القدس. لأن كل شيء من الآب بالابن، لأنه لو خلق الابن منفصلاً عن الآب لما استطاع الابن أن يقول: "أنا في الآب والآب فيّ" (يو10:14).

القديس كيرلس الكبير

يقول القديس أغسطينوس ]أن البعض مثل اتباع ماني يحسبون الشيطان خالقًا لبعض الكائنات كالذباب. ويرد القديس على هؤلاء بأن اللَّه خالق كل شيء، ويستخدم حتى الكائنات التي تبدو تافهة ومضرة لصالح الإنسان، لتنزع عنه كبرياءه. [لتعلموا يا اخوة أنه من أجل ترويض كبريائنا خُلقت هذه الأشياء لكي تسبب لنا متاعب، فقد استطاع اللَّه أن يحط من كبرياء شعب فرعون لا بالدببة والأسود والحيات بل أرسل عليهم ذبابًا وضفادع، ليخضع كبرياءهم بأتفه المخلوقات].

"فيه كانت الحياة،

والحياة كانت نور الناس" (4)

يميز الإنجيلي بين "الحياة" الخالقة "والحياة" الزمنية المخلوقة. فيتحدث عن أقنوم الكلمة ليس بكونه حيًا فحسب لكنه "الحياة". وكما يقول السيد المسيح عن نفسه أنه بمولده الأزلي "له الحياة في ذاته" ( يو5: 26). فهو جوهر الحياة التي لا تُدرك، لذلك يقول الإنجيلي: "الحياة أظهرت" (1 يو 1: 2)، وذلك خلال التجسد.

هذه الحياة الخالقة تهب حياة للغير، "لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضا يحي من يشاء" (يو 5:21). فهو ليس فيه حياة، لكنه هو الحياة في ذاتها، لهذا "به كان كل شيء". قيل: "تحب الرب إلهك وتسمع لصوته، وتلتصق به، لأنه هو حياتك" (تث 30: 20). ويرنم المرتل: "لأن عندك ينبوع الحياة، وبنورك نعاين النور" (مز 36:9).

"والحياة كانت نور الناس" (4)، فإذ نقتنيه بكونه حياتنا نستنير، فندرك أن حياتنا الزمنية على الأرض هبة إلهية تدفعنا للانجذاب نحو "الحياة الأبدية"، حيث بهاء المجد الأبدي. نتمتع في السماء بمعرفة كاملة للسيد المسيح ورؤيته وكمال الاتحاد معه والثبوت فيه، فتكون له "الحياة الأبدية". "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 17: 3).

كما أن الكلمة هو الحياة الخالقة واهبة الحياة المخلوقة، هكذا هو النور الجوهري الخاص بالطبيعة الإلهية والذي لا يُدني منه، يشرق علينا بنعمته فنصير نورُا يعكس بهاء نوره أينما حللنا. عندما أعلن السيد نفسه لشاول الطرسوسي، قال شاول: "أبرق حولي من السماء نور عظيم، فسقطت على الأرض" (أع22: 7).

v يدعوه كلاً من "النور" و"الحياة". فإنه يهبنا النور مجانًا، هذا الذي يصدر عن المعرفة، والحياة التي تتبعه. في اختصار لا يكفي اسم واحد ولا اثنان أو ثلاثة أو أكثر أن يعلمنا ما يخص اللَّه. يلزمنا أن نكون مستعدين أن ندرك سماته الغامضة بوسائل كثيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح بكونه الحياة، أو مصدر الحياة، لا يمكن إلا أن يكون أزليًا، وإلا فمن وهب الحياة إن كان هو نفسه غير موجود في وقتٍ ما؟

v هو الحياة... التي بلا بداية ولا نهاية، فإنها بهذا تكون بالحقيقة الحياة كما يلزم. فإنه إن كان يوجد وقت ما لم تكن فيه الحياة، فكيف يمكنها أن تكون حياة للآخرين إن كانت هي نفسها غير موجودة؟!.

v يقول يوحنا عن المسيح: "فيه كانت الحياة"، فكما أن الآب يمتلك الحياة في ذاته، هكذا أعطى الابن أن يمتلك الحياة في ذاته.

لم يقل يوحنا: "والحياة كانت نور اليهود"، لكنه قال بطريقة جامعة: "والحياة كانت نور الناس"، لأن النور لم يكن لليهود وحدهم وإنما مقدم للجميع عامة، فقد جاءوا إلى هذه المعرفة بعينها، إذ أن هذا النور وُضع مشاعًا للكل.

وإن سألت: ولأي سبب لم يضف "الملائكة" للناس لكنه قال: "والحياة كانت نور الناس"؟ نقول: لأن مقاله في الوقت الحاضر مُقدم لطبيعة البشر، لهم قد جاء يحمل الأخبار السارة للعطايا الصالحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v ليس شيء مخلوق صُنع بدونه، لأنه هو الحياة التي جعلت الخليقة ممكنة.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

v "فيه كانت الحياة": إنه يمنح الخليقة نعمة الوجود، يعطي أيضًا نعمة البقاء، ويمنح من عنده الأبدية للكائنات التي بطبيعتها ليست أبدية. فيصبح بذلك هو الحياة لكل من جاء إلى الوجود، لكي يبقى في الحياة حسب حدود طبيعته.

v لو كان الابن ليس من جوهر الآب بل هو من خارجه لصار خاضعًا للآب كالمخلوقات، فكيف إذن يحيي كل الأشياء، وهو من بين الأشياء المخلوقة؟... كيف نفهم كلمات الرسول بولس الخاصة بطبيعة اللَّه: "الذي يُحي الكل" (1 تي 13:6) لو كان الابن مخلوقًا، وهو قادر على أن يحي الكل، لأصبحت الخليقة قادرة على أن تحيي نفسها، وليست محتاجة بالمرة للَّه، ولم يعد في الطبيعة الإلهية ما يميزها عن المخلوقات، ولأصبحت مثل اللَّه قادرة على أن تفعل ما يفعله اللَّه.

v إذا لم يكن الابن من جوهر اللَّه الآب... فكيف يمكن للمرتل وهو يرى أنه لأمر عجيب يستحق الإعجاب في ذلك الذي هو بالطبيعة اللَّه: "بنورك نعاين النور" (مز9:36)، وإذا كان الابن كمخلوقٍ ينير كل الأشياء المخلوقة؟ إذن الخليقة تنير نفسها ولا تحتاج لنور اللَّه خالقها.

القديس كيرلس الكبير

v من يريد أن يقتني هذا الكلمة، من يريد أن يكون له الكلمة، لا يبحث عن شيء خارج عنه ليقدمه، بل يقدم نفسه. وإذ يفعل ذلك لا يفقد ذاته كمن يفقد الثمن عندما يشتري شيئًا.

v من يقتني الكلمة فليقدم نفسه؛ هذا هو ثمن الكلمة. وكما قيل أن الذي يعطي لا يخسر نفسه، بل يقتني الكلمة الذي يهب ذاته له، كما يربح نفسه أيضًا في الكلمة واهب ذاته.

v نقرأ في الكتاب المقدس عن الحكمة: "إنها بهاء النور السرمدي". مرة أخرى نقرأ: "مرآة عظمة الله التي بلا عيب" (حك ٧: ٢٦)... من هذا لنأخذ تماثلاً فنجد مشاركة بين أمرين معاصرين منها ندرك المشاركة في السرمدية. النار تبعث النور، والنور يبعث النار. فإن سألنا أيهما من الآخر. كل يوم ونحن نشعل شمعة نتذكر أمرًا غير منظور ولا موصوف، أن الشمعة كما لو كانت في فهمنا يجب أن تُنار في ليل هذا العالم... قدم لي نارًا بلا بهاء، فأصدق أن الآب كان بدون الابن.

القديس أغسطينوس

يرى العلامة أوريجينوس أن المسيح جاء روحيًا قبل مجيئه جسديًا. جاء في العهد القديم إلى الكاملين الذين صاروا ناضجين وليسوا أطفالاً في عهدة معلمين ومربين، إذ بلغوا إلى ملء زمانهم الروحي (غلا٤:٤)، مثل الآباء البطاركة والأنبياء الذين تأملوا مجد المسيح. وكما افتقد المسيح الكاملين قبل رحلته المنظورة حسب الجسد هكذا لا يفتقد الذين بقوا أطفالاً بعد مجيئه ولا يريدون النضوج.

v إن فهمنا أن "فيه كانت الحياة" ذاك القائل: "أنا هو الحياة" (يو ١١: ٢٥)، نقول ليس أحد خارج الإيمان بالمسيح هو حي، لكن كل الذين لا يعيشون لله هم أموات. حياتهم هي حياة للخطية وليس للعقل (اللوغوس)، أو أقول إنها حياة الموت.

v لنتطلع أولاً إلى العبارة: "إنه ليس إله أموات بل إله أحياء" (مر ١٢: ٢٧)، التي تعادل القول: "ليس إله خطاة بل إله قديسين"... إنه إله الآباء وكل القديسين. لا يجد أحد تسجيلاً في أي موضع أن الله إله أي أحد شرير. لذلك إن كان هو إله القديسين وقد قيل أنه إله الأحياء، فالقديسون هم أحياء، والأحياء هم قديسون. ليس قديس خارجًا عن الأحياء، ولا يُدعى أحد حيًا إن لم يكن له مع حياته حقيقة أنه قديس.

v إن كانت الحياة تعادل "نور الناس"، فإنه ليس أحد في الظلمة هو حي، وليس أحد حي هو في الظلمة، بل كل من هو حي هو أيضًا في النور، وكل من في النور هو حي. لهذا فإن من هو حي وحده هو ابن النور، وابن النور هو ذاك الذي تشرق أعماله أمام الناس (مت ٥: ١٦).

v يقول بولس أنه كان قبلاً "ظلمة والآن نور في الرب" (١ كو ٢: ١٤ - ١٥). هكذا يمكن للظلمة أن تتحول إلى نور. إنه ليس من الصعوبة لمن يدرك إمكانية كل إنسان أن يتغير إلى ما هو أسوأ أو ما هو أفضل.

v إنه يمكن لمن يملك نور الناس ويشترك في أشعته أن يحقق أعمال النور ويعرف نور المعرفة (هو ١٠: ١٢ LXX) لأنه مستنير. لكن يلزمنا أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار الحالة التي للضد، أي أن كل من الأعمال الشريرة والمدعوة معرفة ليست حسب الحق، هذه تملك أسس الظلمة.

العلامة أوريجينوس

v هذا النوع من النور لا يخص الحواس بل العقل، ينير النفس ذاتها. وإذ يقول المسيح نفسه فيما بعد: "لا يقدر أحد أن يقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب" (يو 5: 44)، فإنه يسبق الرسول في هذا الموضع ويقدم اعتراضًا معلنًا أنه هو (الابن) الذي "ينير" [9]، فإنكم وإن سمعتم قولاً كهذا عن الآب فلا تظنوا أن هذا يخص الآب وحده، وإنما يخص الابن أيضًا. إنه يقول: "كل ما هو للآب فهو لي" (يـو 15: 16).

v "والنور يضيء في الظلمة" (5). يدعو الموت والخطأ ظلمة. فإن النور موضوع الحواس لا يشرق في الظلمة بل خارجًا عنها؛ أما كرازة المسيح فتشرق في وسط الخطأ المسيطر فتبدده. باحتماله الموت غلب الموت، وشفى الذين أُمسكوا فعلاً فيه. هكذا لا يقدر الموت أن يغلبها ولا الخطأ، لأنها بهية في كل موضع، ومشرقة بقوته اللائقة به.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v نور الأذهان أسمى من الأذهان ويتعدى كل الأذهان. هذه هي الحياة التي بها كان كل شيء.

v لا تكونوا أيها البشر في الظلمة، في عدم الإيمان، في الظلم، في الشر، في السلب، في الطمع محبين للعالم، فإن هذه في الظلمة. النور ليس غائبًا، بل أنتم الغائبون عن النور.

القديس أغسطينوس

"والنور يضيء في الظلمة،

والظلمة لم تدركه" (5).

عمل الكلمة "شمس البر" أن يشرق بنوره على العالم، لكنه لا يلزم الذين في الظلمة أن يقبلوا نوره. الإنسان الذي يرفض النور، ويتمسك بالظلمة، يصير ظلمة لا تُدرك النور ولا تطيقه. كما إن الذي يقبل النور يصير نورًا للعالم ولا يطيق الظلمة.

إن كان الكلمة المتجسد هو "النور الحقيقي"، فإن إبليس باعتزاله مصدر النور صار "ظلمة" يبذل كل الجهد ليجتذب البشرية نحو مملكته، فيحمل سلطانًا عليهم. لهذا دعاه السيد المسيح "سلطان الظلمة" (لو 22: 53).

تقوم مملكة الظلمة على غياب النور الحقيقي، حيث تنفصل عن الكلمة الإلهي، فلا تكون لها "الحياة" ولا "النور" ولا "الحق" ولا "السلام"، بل لها أعمال الظلمة من موت روحي وبطلان وكذب وبغضة وانشقاقات وفساد الخ.

لا تدرك الظلمة النور ولا تطيقه، لذا تأخذ موقف العداوة منه لعلها تحجز النور عنه. وقد ظنت الظلمة إنها قادرة أن تطفئ شمس البرّ بصلبه، ولم تدرك أنه بالصليب حطمت نفسها، ليشرق شمس البرّ على الجالسين في الظلمة. "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا؛ الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور" (إش 9: 2).

v "الظلمة" هي الطبيعة التي تحتاج إلى استنارة، أي الطبيعة المخلوقة... يعلن أن الخليقة العاقلة بدون الطبيعة الإلهية هي ظلمة، وهي عاجزة عن أن تلد شيئًا من نفسها وبقدراتها.

v يشرق الكلمة على كل الأشياء القادرة أن تستقبل إشعاعه وإنارته.

v الابن الكلمة غير معروف عند الظلمة، لأن المخلوق العاقل على الأرض، أي الإنسان، عبَدَ المخلوق دون الخالق (رو 25:1). إنه لم يدرك النور، لأنه لم يعرف الخالق.

القديس كيرلس الكبير

v النور يضيء في الظلمة، في هذه الحياة وفي الجسد، والظلمة تطارده، لكنها لن تهزمه. أقصد أن القوة المضادة تثب في عارها ضد آدم المنظور لكنها تصطدم بالله فتنهزم، حتى إذ ننزع الظلمة نقترب إلى النور، عندئذ نصير نورًا كاملاً، أبناء النور الكامل.

القديس غريغوريوس اللاهوتي

v

يقول: "الظلمة لم تدركه"، إذ من المستحيل أن يوجد المسيح مقهورًا، ولا يمكن أن يسكن في النفوس التي لا تريد أن تستنير. لكن لا تضطربوا إن النور لا يضم الكل، فإنه لا يحل بالقسر والإلزام بل برضى الشخص وقبوله يحضرنا الله إليه. لا تغلقوا أبوابكم في وجه هذا النور، فتتمتعون بسعادة عظيمة. لكن هذا النور يحل بالإيمان. وإذ يحل ينير بفيضٍ على من يقبله. وإن سلكتم الحياة الطاهرة اللائقة بالنور يبقي ساكنًا في الداخل بلا توقف، إذ يقول: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي وإليه نأتي أنا وأبي، وعنده نصنع منزلاً" (راجع يو 14: 23).

وكما إن الشخص لا يقدر أن يتمتع بنور الشمس ما لم يفتح عينيه، ?
العدد 19- 34:
3. شهادة يوحنا المعمدان له

دُعي القديس يوحنا المعمدان رسولاً أو ملاك الله (ملا ٣: ١). لم يذكر عنه الكتاب أنه صنع معجزة ما، ولا أنه رأى رؤى وإعلانات إلهية، لكنه شهد للحق، وجذب الكثيرين للتوبة بحياته الجادة الصارمة مع طهارة وعفة ووضوح الهدف. كان يشتهي خلاص العالم، ونمو ملكوت الله على الأرض، فشهد للمخلص الملك الحقيقي.

لم يكن النور محتاجًا إلى من يشهد له، فهو شاهد لنفسه بنوره، لكن إذ أغلق الإنسان عينيه وصمم أن يفسد قلبه بالشهوات والعصيان أصيب بعمى، لذلك صار في حاجة إلى من يحثه شاهدًا للنور الحقيقي. كان يوحنا كحارس الليل يعلن أن نور الصباح قد أشرق حتى يستيقظ النائمون ويفتحون أعينهم لمشاهدة النور.

جاء يوحنا يعلن أن المسيا الذي طال انتظار المؤمنين لمجيئه قد جاء فعلاً، مخلصًا لكل العالم، وواهبًا المجد لشعبه إسرائيل الجديد.

السيد المسيح هو النور الحقيقي، أما يوحنا فلم يكن بالنور الباطل أو الغاش، إنما المصباح الحامل لنور المسيح فيه. لم يكن العريس الحقيقي، لكنه ليس بمن يغتصب العروس، إنما صديق العريس الذي يفرح بعرسه واتحاده بالعروس.

تمتع يوحنا بمعرفة أعمق عند عماد السيد المسيح وظهور الثالوث القدوس. أعلن يوحنا عن السيد المسيح أنه حمل اللَّه الذبيح (29؛ خر 12؛ إش 7:53؛1 بط 19:1).

"وهذه هي شهادة يوحنا

حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه:

من أنت" (19).

هذه هي المرة الثالثة في هذا الاصحاح يقدم الإنجيلي يوحنا المعمدان شاهدًا (1: 7،15،19-34). لم يلتفت الإنجيلي إلى شخصية المعمدان، وإنما إلى شهادته، إذ يحصر التقليد الرسولي ظهور السيد المسيح وعمله منذ معمودية المعمدان إلى يوم صعوده (أع 1: 21- 22؛ 10: 37-38؛13: 23-24).

أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين" (9)؛ جاء تعبير "اليهود" في هذا السفر غالبًا ما يشير إلى مجمع السنهدرين بكونه الهيئة العليا للرئاسة الدينية. فقد شكل المجمع لجنة لتقصي حقيقة شخصية يسوع وتقييم أعماله وشعبيته. وهم في هذا يحسبون أنفسهم أنهم يتممون وصية من صُلب الناموس، مع أنهم كانوا غير مخلصين في أعماقهم. تحقق فيهم القول: :وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلامًا لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي" (تث 18: 20).

هؤلاء الكهنة واللاويون المذكورون هنا غالبًا ما كانوا أعضاء في مجمع السنهدرين، على مستوى عالٍ في العلم والثقافة، وأصحاب سلطة ونفوذ. لما كان يوحنا المعمدان نفسه من نسل هرون، إذ كان والده كاهنًا لذا لفحص قضيته وخدمته لاق أن يُرسل إليه كهنة ولاويون (وهم من الكتبة والفريسيين من سبط لاوي، لكنهم ليسوا من عشيرة هرون بالذات).

أرسلوا إليه لا ليتحققوا من رسالته فيتجاوبوا معه، لأنهم يحسبون أنفسهم القادة العظماء للشعب. لكنهم أرادوا التعرف عليه من قبيل حب الاستطلاع، أو من قبيل ممارسة السلطة كأصحاب سلطان يشعرون بالمسئولية أن يكشفوا عن حقيقة شخص مثل هذا للشعب، إن كان ذلك وفقًا لمصالحهم. ولعلهم فعلوا هذا ليجدوا فيه علة، فيكتموا هذا الصوت الذي صدر من مصدر آخر غير السنهدرين صاحب السلطة العليا في الأمور الدينية.

سُئل القديس يوحنا المعمدان من السلطات الدينية اليهودية: "من أنت؟" (19، 22). أوضح أنه ليس المسيا، ولا إيليا (2 مل 11:2)، ولا النبي المخلص (تث 15:18). أعلن أنه مجرد "صوت" (إش 40:3)، يتنبأ عن مجيء المسيا [23]. عندئذ سألته السلطات: "إن كنت لا تحتل مركزًا رسميًا في الخدمة فلماذا تعمد؟" كانت أجابته أن عماده ليس غاية في ذاته، بل تهيئة لعمل روحي أعظم يحققه ذاك الذي يأتي بعده وهو كائن قبله، وأن يوحنا غير مستحق أن ينحني ليحل سيور حذائه.

v أرسلوا كهنة ولاويين من أورشليم، وهم أوفر كرامة من غيرهم...

وإن سألت: لماذا سأل اليهود يوحنا المعمدان هذا السؤال: "من أنت؟" أجيبك... لقد ظنوا أن خضوع يوحنا للمسيح شيء لا مبرر له، لأن أمورًا كثيرة كانت تُظهر يوحنا عندهم بهيًا جليلاً، أولها جنسه وجلالته وظهور شرفه، لأنه كان ابنًا لرئيس كهنتهم، ثم طعامه وصعوبة طريقته، وإعراضه عن الممتلكات الإنسانية كلها، ولأنه كان مهوبًا بثوبه ومائدته وسكنه وطعامه بعينه، فقد أقام زمانه السالف في البرية. وجميع ما أبصروه في المسيح كان يخالف ذلك، لأن جنس المسيح كان عندهم حقيرًا، إذ قد هاجموه مرارًا قائلين: "أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم واخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا" (مت 13: 55)، وكان التعيير يتجه نحو الموضع المظنون أنه وطنه على ما ذكر نثنائيل: "أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟" (يو ا: 46). علاوة على أنه ما كان على حقويه منطقة جلد، ولا كان لباسه من وبر الإبل، ولا أكل عسلاً وجرادًا، لكنه كان تدبير حياته يشبه كل الحاضرين، وقد حضر في مجالس شرب مع أناس أشرار وعشارين ليستميلهم إليه. هذا الذي فعله المسيح لم يفهمه اليهود، فعيروه لأجل هذه الأفعال، وقد قيل: "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فيقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة، والحكمة تبررت من بنيها" (مت 11: 19).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v بينما كان الرعاة يحرسون قطيعهم وجدوا "حمل اللَّه"، الذي جزّته البهية والطاهرة كانت مبللة بندى السماء، بينما كانت كل الأرض بجانبه جافة (قض 37:6). هذا الذي إذ يُرش دمه على قوائم الأبواب يطرد مُهلك مصر (خر 21:12-23)، وينزع خطايا العالم.

القديس جيروم

"فاعترف ولم ينكر،

وأقر أني لست أنا المسيح" (20).

من الجانب السلبي أكّد القديس يوحنا أنه ليس بهذه العظمة، فهو ليس بالمسيح المنتظر. إنه لن يقبل أن يسلب المسيح مركزه أو كرامته. كان يوحنا المعمدان مهوبًا، فظنه البعض أنه المسيا. "وإذ كان الشعب ينتظر والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح…" (لو 3: 15). لهذا أسرع يوحنا يؤكد بطلان الإشاعات، معلنًا أنه ليس المسيح.

v كان سمو يوحنا عظيمًا جدًا حتى ظن الناس أنه المسيح، وفي هذا قدم برهانًا على تواضعه، إذ قال إنه ليس المسيح.

v بينما كانوا يترجون مجيئه، إذ صار حاضرًا قاوموه وتعثّروا فيه كما بحجر منخفض. إذ كان لا يزال حجرًا صغيرًا، قُطع بالحق من جبل بدون يدين، كما يقول دانيال النبي، أنه رأى حجرًا مقطوعًا من الجبل بدون يدين، كما يقول دانيال النبي، أنه رأى حجرًا مقطوعًا من الجبل بدون يدين (دا 2: 34-35)... لم يرَ اليهود العميان الحجر الأسفل، لكن يا لعظم عماهم أنهم لا يرون الجبل.

القديس أغسطينوس

"فأسالوه: إذًا ماذا؟

إيليا أنت؟

فقال: لست أنا.

ألنبي أنت؟

فأجاب: لا" (21).

أعلن أنه ليس بإيليا النبي، وإن كان قد حمل روحه الناري الذي يهيئ الطريق للمسيا (لو ١: ١٧). لذلك قال السيد المسيح أن إيليا جاء ولم يعرفوه (مت ١٧: ١٢). لكنه ليس إيليا حسبما كان يفكر اليهود. فقد كانوا يتوقعون نزوله بالمركبة النارية التي صعد بها إلى السماء، وأنه يقدم لليهود امتيازات مادية أرضية معينة. وأنه ليس النبي الذي تنبأ عنه موسى النبي (تث ١٨: ١٥، ١٨)، ولا أيضًا كأحد أنبياء العهد القديم الذين انشغلوا بأمور إسرائيل وتصحيح أوضاعهم السياسية.

v لو أنه قال: "أنا إيليا" يكون ذلك بمعنى أن المسيح قادم فعلاً في مجيئه الثاني للدينونة، وليس في مجيئه الأول ليُحاكم... لقد جاء كرمزٍ (لو 1: 17) حيث يأتي فيما بعد إيليا بشخصه اللائق به، أما الآن ففي شبهه جاء يوحنا.

القديس أغسطينوس

v لم يقولوا ليوحنا: أنبي أنت؟ أي هل أنت واحد من الأنبياء؟ لكنهم سألوه قائلين "ألنبي أنت؟" بإضافة أداة التعريف. بمعنى هل أنت النبي الذي سبق موسى فأخبر عنه (تث 18: 15)؟ أنكر هذا المعنى، ولم ينكر أنه نبي، لكنه أنكر أنه هو ذاك النبي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقالوا له: من أنت لنعطي جوابًا للذين أرسلونا؟

ماذا تقول عن نفسك" (22).

سألوه أن يجيبهم من هو لا لكي يؤمنوا به، أو يطلبوا العماد منه، وإنما لمجرد تقديم إجابة لمرسليهم. كانوا يتوقعون منه أن ينالوا إجابة واضحة، خاصة وأنه قد حمل ملامح الجدية والصراحة، وقد كان.

v لاحظوا كيف يضغطون عليه بأكثر عنف ليحثوه على الإجابة، مكررين أسئلتهم دون توقف، أما هو فبلطفٍ أزال عنهم المفاهيم الخاطئة بخصوص شخصه، ليقدم لهم ما هو حقيقي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قال: أنا صوت صارخ في البرية،

قوَّموا طريق الرب كما قال إشعياء النبي" (23).

جاء صريحًا في إجابته فنطق بالحق، موضحًا أنه جاء يتمم ما ورد في الكتب، وأنه يحمل سلطانًا إلهيًا كسابقٍ للمسيح، يهيئ له الطريق.

تحدث القديس يوحنا المعمدان عن نفسه أنه الصوت الصارخ في البرية (إش ٤٠: ٣-٤). وحين شهد عن المسيح "صرخ" (١٥). فماذا يعني بالصراخ. إنه لا يعني الصوت الخارجي المرتفع أو الصياح، لكنه يتكلم مع الله والناس بلغة الروح التي يسمعها الله حتى وإن صمت اللسان، والتي تخترق قلوب الناس. لقد اعتمد السيد المسيح نفسه شهادة يوحنا المعمدان أنها حق. إذ يقول: "الذي يشهد لي هو آخر، وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حق. أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق" (يو 5: 32-33).

v إن كان الصوت العقلي للذين يصلون يلزم ألا يكون عاليًا بمبالغة، إلاَّ أنه ليس ضعيفًا، ويليق بهم ألا يرفعوا صرخة أو صيحة، فإن الله يسمع الذين يصلون هكذا.

إنه يقول لموسى: "لماذا تصرخ إليَّ"؟ (خر ١٤: ١٥) بينما لم يصرخ بصوت عالٍ (إذ لم يُذكر ذلك في سفر الخروج)، وإنما خلال الصلاة صرخ بصوت عالٍ بذاك الصوت الذي يسمعه الله وحده.

ولهذا يقول أيضًا داود: "أنا صرخت إلى الرب بصوتي، والرب سمع لي" (مز ٧٦: ٢).

العلامة أوريجينوس

يرى العلامة أوريجينوس أن البرية هنا تشير إلى النفوس الرافضة لله وللفضيلة، فقد عرف القديس يوحنا أن يتحدث إلى قلوبهم كما بصرخة الروح.

v جاء في الأمثال: "لا تمل يمينًا أو يسارًا" (أم ٤: ٢٧). فمن يميل إلى أحد الجانبين يفقد الاستقامة، ولا يعود يتأهل للرعاية الإلهية عندما يتعدى استقامة الطريق. فإن الرب عادل ويحب العدل، ووجهه يتطلع إلى الاستقامة (مز ١٠: ٧) وما ينظره ينيره.

العلامة أوريجينوس

v إذ قال يوحنا المعمدان في المسيح وصفًا عظيمًا عاليًا التجأ في الحال إلى إشعياء النبي، جاعلاً قوله بهذا الوجه مؤهلاً لتصديقه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v

كما أن الصوت يختلف عن الكلمة (الكلام) عندنا، فأحيانًا يمكن أن يصدر صوت بلا معنى بدون كلام، ويمكن أيضًا أن يُعلن الكلام للذهن دون صوت كما يحدث عندما نتأمل في داخلنا، هكذا يوحنا الذي يشبه الصوت في علاقته بالمسيح الذي هو الكلمة، فهو يختلف عن المخلص الذي من جانب معين هو الكلمة.

العلامة أوريجينوس

v جعل المذيع الناس يقفون خلف الديان، ودعا يوحنا الديان (ليأتي). نعم بالحقيقة يدعو يوحنا البشرية لذاك المتواضع حتى لا يختبروا ما سيكون عليه كديّان ممجد.

القديس أغسطينوس

v تهدى العروس المديح العريس: "حلقه حلاوة وكله مُشتهيات" (نش 16:5). نفس هذه الكلمات كالآتي: يوجد الحلق أسفل الذقن ويصدر الصوت من القصبة الهوائية والحنجرة بواسطة حركة الهواء. بما أن كلمات العريس لذيذة مثل العسل في حلاوتها، فصوته هو عضو الكلمة. وصوته الذي يصدر من الحلق قد يطلق عليه راعٍ ومُفسر للكلمة التي يتكلمها السيد المسيح. وسوف نتمكن من فهم حلق العريس بهذه الطريقة. عندما سُئل يوحنا المعمدان: من أنت؟ قال: "أنا صوت صارخ في البرية" (يو 23:1). يقدم الرسول بولس برهانًا على أن السيد المسيح يتكلم بداخله وبواسطته أصبح صوته عذبًا (2 كو 23:13). قدم جميع الأنبياء أنفسهم كأعضاء الصوت للروح القدس وأصبحت أصواتهم عذبة بتثبيت العسل المقدس في حناجرهم. يأكل الملوك والشعوب العسل لما له من فوائد صحية. ولا يقلل التمتع بأكله الرغبة في الاستزادة منه. لذلك تُسمى العروس عريسها "أنه هو كله المرغوب فيه دائمًا" ويعتبر هذا تعبيرًا عن من تبحث عنه. كم هي نعمة عظيمة لأرجل العريس التي تجعله مرغوبًا فيه بشدة. فأرجله كاملة في كل شيء خيّر وتتكون هيئته وجمالها المرغوب فيه من جميع أعضاؤه. فهو مرغوب فيه ليس فقط من أجل عيونه ويداه وخصلات شعره بل أيضا من أجل قدميه ورجليه وحنجرته. فلكل عضو من الأعضاء أهميته الخاصة ولا يقلل من هذه الأهمية ارتفاع أهمية أحد الأعضاء على الأعضاء الأخرى.

القديس غريغوريوس النيسي

"وكان المرسلون من الفريسيين" (24).

"فسألوه وقالوا له:

فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟" (25).

كان العماد شائعًا جدًا بين اليهود حيث كانوا يعمدون الداخلين إلى الإيمان اليهودي لكي يتمتع الدخيل بكمال الحقوق التي للمؤمن. لهذا حمل هذا السؤال خبثا، فقد أرادوا أن يصطادوه. لأنه إذ يعمد اليهود القادمين بالتوبة يكون قد تعامل معهم كمن هم من الأمم الوثنيين. ففي معموديتهم إنكار أنهم شعب مختار طاهر، وكأن عمادهم إهانة إلى قدسية الأمة ككل، وإلى كرامة اليهود كشعب الله المختار، وإلى السلطات الدينية كأنها عاجزة عن تحقيق قدسية الشعب. ومن جانب آخر خشوا إن تكون معموديته مسيانية، خاصة بالمسيا المنتظر، يجريها إنسان ليس عضوًا في الهيئة الكهنوتية أو الفريسية، فيكون كمن سحب سلطانهم واعتزل عنهم.

v ألا ترون أنهم ليس بدون سبب أرادوا أن يصلوا به إلى هذا (أن يكف عن العماد أو يدعي أنه هو المسيح)؟ أما لماذا لم يقولوا هذا من البداية فقد خشوا لئلا يكتشفهم كل الناس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أجابهم يوحنا قائلاً:

أنا أعمد بماء،

ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه" (26).

بحكمة سماوية وبشهادة حق أعلن لهم: "ما بالكم تنشغلون بمعموديتي؟ إنها كلا شيء إن قورنت بمعمودية تتحقق على الأبواب. معموديتي تهيئة لما هو أعظم: معمودية المسيا المنتظر، وقد جاء الوقت وحلّ بينكم وأنتم لا تعرفونه، وهذه هي خطيتكم. أود ألا تنشغلوا بي ولا بمعموديتي، بل بمن أشهد له ولمعموديته!" هكذا بروح إيليا الناري الذي لم يخشَ آخاب الملك وإيزابيل الشريرة بل أرعب قلبيهما، نطق أيضا يوحنا الجديد أمام اللجنة المرسلة من السنهدرين في شجاعة وجرأة بلا خوف. لم ينطق بكلمة فيها تشامخ، بل بروح التواضع وفي نفس الوقت شهد بروح الحق.

إلى الآن المسيح قائم أقرب إلى الإنسان مما يتصور الإنسان نفسه، لكنه غير قادر على معرفة ذلك. وكما قال القديس أغسطينوس أن السيد المسيح كان في داخله عميقًا أعمق من عمقه، وعاليًا أعلى من علوه، وأنه في غباوته خرج خارجًا يبحث عنه، وهو في داخله.

v قال يوحنا المعمدان عن المسيح: "في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه"، لأنه كان لائقًا بالمسيح أن يختلط بالشعب كواحدٍ من كثيرين، إذ يعلمنا في كل موضع طبيعته الخالية من الكبرياء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v لتظهروا أهلاً أن يكون المسيح في وسطكم.

لأنه حيث يوجد السلام يوجد المسيح، إذ المسيح هو السلام.

وحيث يوجد البرّ يكون المسيح، لأن المسيح هو البرّ.

ليكن في وسطكم لكي تروه، لئلا يُقال لكم أنتم أيضًا: "ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه" (26). لم يره اليهود هؤلاء الذين لم يؤمنوا به. إننا ننظر إليه بالورع، نتطلع إليه بالإيمان.

ليقف إذن في وسطكم، لكي تنفتح لكم السماوات التي تعلن مجد اللَّه (مز1:19)، فتعلموا مشيئته، وتعملوا أعماله. من يرى يسوع تنفتح السماوات له كما انفتحت لاستفانوس (أع 56:7).

القديس أمبروسيوس

"هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي،

الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه" (27).

كأن يوحنا يقول إن المسيح أكرم مني قدرًا وأبهى مكانًا.

v لم يعمد يوحنا بالروح لكنه كرز بالمسيح وبالروح... إذ لم يعتمدوا لا باسم المسيح ولا بالإيمان بالروح القدس لم يستطيعوا نوال سرّ العماد.

القديس أمبروسيوس

v كأنه يقول: "لا تبدأوا تظنوا أن كل شيء هو في معموديتي، فلو أنها كاملة، لما قام آخر بعدي ليقدم معمودية مختلفة. معموديتي هي مجرد ظل وصورة. لكن يأتي من يضيف إليها الحقيقة. حتى أن مجيئه نفسه بعدي يُظهر بالأحرى كرامته. لو أن الأولى كاملة لما كان يوجد موضع للأخرى. الذي يأتي بعدي أكثر كرامة وبهاءً... ولكي يظهر عدم إمكانية المقارنة قال: "الذي لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه".

القديس يوحنا الذهبي الفم

v إنه لأمر عظيم أن نحمل حذاء يسوع، ولكنه لأمر عظيم أيضًا أن ننحني إلى أموره الجسدية التي حدثت أسفل (على الأرض)، وذلك لكي نتأمل صورته أسفل وأن نحل كل صعوبة تخص سرّ التجسد، كما لو كانت كل سيور حذائه. إنه لأمر واحد هو رباط الغموض وكأنه مفتاح المعرفة (لو ١١: ٥٢) الواحد. فإنه حتى الأعظم بين مواليد النساء (لو ٧: ٢٨) لم يجد في نفسه الكفاءة أن يحل أو يفتح هذه المصاعب، حيث أن الذي ربط وأغلق وحده يمنح لمن يريد أن يحل ويفتح سير حذائه والأمور المغلقة.

v إن كانت العبارة الخاصة بالحذاءين لها معناها الخفي يلزمنا ألا نعبر عن ذلك. أظن أن التجسد، حيث أخذ الابن لحمًا وعظامًا هو أحد الحذاءين، ونزوله إلى بيت الجحيم أينما وُجد، والرحلة بالروح إلى السجن هو الحذاء الآخر. جاء في مز ١٥ عن النزول إلى بيت الجحيم: "لا تترك نفسي في الجحيم" (مز ١٥: ١٠)...

العلامة أوريجينوس

v ليس أحد هو العريس سوى المسيح الذي يقول عنه القديس يوحنا: "من له العروس فهو العريس" (يو 29:3). لذلك هؤلاء (موسى ويشوع بن نون وغيرهما) خلعوا أحذيتهم، أما حذاؤه فلا يقدر أحد أن يحل سيوره، وكما قال القديس يوحنا: "أنا لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه" (27).

القديس أمبروسيوس

يستعير البابا غريغريوس (الكبير) عن العلامة أوريجينوس فهمه للحذاء أنه يشير إلى الجسد القابل للموت، لأنه مصنوع من جلد الحيوانات بعد ذبحها. وكأن الكلمة بتجسده ارتدى الجسد القابل للموت مخفيًا لاهوته. ولم يكن ممكنًا ليوحنا أن يحل سيوره، أي أن يتعرف بعد على أسراره خلال روح النبوة.

v كيف تواضع جدًا! لذلك ارتفع جدًا!، لأن من يتواضع يرتفع (لو 14: 11)... لقد قال: "لا أنا بل هو"، أما هم فقالوا: "نحن". يوحنا غير مستحق أن يحل سيور حذائه. كم كان تواضعه لو أنه قال أنه مستحق لذلك، وأما بقوله: "يأتي بعدي من هو كان قبلي، الذي لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه" فقد ظهر تواضعه عظيمًا. عندما يقول أنه غير مستحق لفعل هذا. بالحقيقة كان مملوءً من الروح القدس الذي بهذا عرف كخادم سيده، وتأهل أن يكون صديقًا عوض خادم.

القديس أغسطينوس

"هذا كان في بيت عبرة في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد" (28).

"بيت عبرة" أو بيت العبور، وهو عبر الأردن. ويرى البعض أنه في هذا الموضع عبر إسرائيل الأردن متجهين نحو أرض الموعد تحت قيادة يشوع.

v ذكر البشير المكان لكي يوضح مجاهرة يوحنا المعمدان النذير العظيم بصوته، لأنه ما شهد بالمسيح في بيت ولا في زاوية، لكنه توجه إلى الأردن وأنذر به في وسط جماعة الناس الحاضرين الذين اعتمدوا منه كلهم، ونادى لديهم بذلك الاعتراف العجيب.

v النسخ الأكثر صحة تذكر "بيت عبرة" وليست "بيت عنيا"، لأن بيت عنيا ليست عبر الأردن، ولا في البرية بل بالقرب من أورشليم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v معنى اسم "بيت عبرة" مناسب لمعمودية ذاك الذي يعد شعبًا للرب، إذ تُترجم "بيت الإعداد". "بيت عنيا" يعني "بيت الطاعة". أي إذن مناسب لذاك الذي أُرسل كملاك أمام وجه المسيح ليعد طريقًا أمامه ليعمد مثلما يكون في "بيت الإعداد".

العلامة أوريجينوس

"وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه،

فقال: هوذا حمل اللَّه الذي يرفع خطية العالم" )29).

في شهادة يوحنا له نلاحظ الآتي:

v أنه حمل الله فقد اعتادت البشرية أن تقدم الذبائح لله لمراضاته. أما هنا فالذي يُعد الذبيحة هو الله الآب نفسه الذي يقدم ابنه الوحيد ذبيحة.

v أنه ذبيحة كفارة أو ذبيحة إثم، قادرة بالحق أن ترفع الخطايا، وليست ظلاً أو رمزًا كالذبائح الحيوانية.

v يمتد عملها إلى البشرية كلها. هذا ما كان غريبًا عن الفكر اليهودي، إذ يقول Yalcut Rubeni على سبيل المثال: سوف يحمل المسيا خطايا الإسرائيليين". أما أن يمتد إلى العالم كله، فهذا ما لا يقبله اليهود.

هنا هو اللقاء الثاني بين شخص السيد المسيح والسابق له يوحنا المعمدان. أما اللقاء الأول فيرويه لنا لوقا الإنجيلي (لو ١: ٣٩-٤١) حيث التقى الجنين الذي في أحشاء القديسة مريم بالجنين في أحشاء القديسة اليصابات. وقد قدم لنا العلامة أوريجينوس نوعًا من المقارنة بين اللقاءين.

أولاً: في اللقاء الأول سكب المسيا وهو جنين في بطن أمه نوعًا من مجده على الجنين يوحنا المعمدان، حتى حمل نوعًا من الشبه، لذلك لم يستطع البعض التمييز بين الأصل والصورة. فحسب البعض يوحنا هو المسيا (يو ١: ٢٠)، وظن آخرون السيد المسيح يوحنا قائمًا من الأموات (لو ٣: ٥؛ مت ١٤: ٢؛ مر ٦: ١٤).

ثانيًا: إن كان المسيح هو الكلمة ويوحنا هو الصوت، فقد كان هذا الصوت عاليًا في أحشاء اليصابات حين امتلأت بالروح القدس عند سماعها تحية مريم، فصرخت بصوتٍ عالٍ وقدمت شهادتها (لو ١: ٤٢). وكما يقول العلامة أوريجينوس [هذا هو السبب الذي لأجله ركض يوحنا وصارت الأم كما لو كانت الفم ونبية عن الابن (الكلمة) عندما صرخت بصوت عالٍ وقالت: "مباركة أنتِ في النساء، ومباركة هي ثمرة بطنكِ" (لو ١: ٤٢)].

يتساءل العلامة أوريجينوس لماذا دُعي المخلص حملاً مع أن ذبائح العهد القديم هي ثلاثة أنواع من الحيوانات ونوعان من الطيور: الثور، الحمل، الماعز، يمامتان، فرخا حمام (لا ٥: ٦ - ٧، ١٨). يجيب على ذلك بأن خروفين حوليين كانا يُقدمان كل يوم دائمًا، واحد كتقدمة صباحية دائمة، والآخر كتقدمة مسائية دائمة. [أية ذبيحة دائمة يمكن أن تكون روحية تقدم للكائن الروحي أفضل من الكلمة في أولويته، الكلمة الذي يُدعى رمزيا "الحمل" الذي أُرسل حتى تستنير النفس (لأن هذه هي الذبيحة الصباحية) وترفع أيضًا في نهاية (المساء) وقت العقل المنشغل بالأمور السماوية؟] هكذا نبدأ فجر حياتنا بذبيحة الحمل لنقضي يومنا كله مشغولين بخلاصه حتى يحل مساء عمرنا، فننعم بذات الذبيحة التي تحملنا إلى يومنا الجديد، الأبدية التي لا تنقطع، فنراه في السماء مع القديس يوحنا الحبيب: "الحمل كأنه مذبوح" (رؤ ٥: ٦).

v ماذا يلزمنا أن نفهم، وأية عظمة لحمل الله الذي ذُبح لكي يرفع الخطية ليس عن قليلين بل عن كل العالم (٢٩)، الذي من أجله تألم؟ "لأنه إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا العالم أيضًا" (١ يو ٢: ١-٢). إذ هو مخلص كل بشر ولاسيما المؤمنين (١ تي ٤: ١٠). إنه هو الذي محا الصك الذي كان علينا بدمه، ورفعه من الوسط، فلم يعد أثر للخطايا التي وُجدت بل مُحيت، مسمرًا إياها على الصليب، هذا الذي إذ جرد الرئاسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم في الصليب (كو ٢: ١٤-١٥). هكذا تعلمنا أن نكون فرحين حينما نتألم في العالم. نتعلم علة فرحنا، وهو أن العالم قد انهزم (يو ١٦: ٣٣). وبالتأكيد خضع لمن غلبه. لهذا كل الأمم تتحرر ممن سيطروا عليهم، وصاروا يخدمونه، إذ ينقذ الفقراء من الجبار وذلك بقوة آلامه، ويخلص المسكين الذي لا معين له (مز ٧٢: ٤-٥).

v صار حمل الله حملاً صغيرًا بريئًا يُقاد للذبح لكي ينزع خطية العالم (إش ٥٣: ٧؛ يو ١: ٢٩). الذي يهب الكلام (الكلمة) للكل صار مقارنًا بحملٍ صامتٍ أمام جازيه (إش ٥٣: ٧)، لكي نتطهر نحن جميعًا بموته، الذي يُوزع كدواءٍ ضد تأثيرات العدو، وضد خطية الذين يشتاقون إلى قبول الحق. فإن موت المسيح أبطل القوات المقاومة للجنس البشري، وأباد بسلطان لا يوصف الحياة في الخطية في حياة كل مؤمن.

العلامة أوريجينوس

v إذ عمده يوحنا مع كثيرين (آخرين) فلئلا يظن أحد أنه أسرع إلى يوحنا بذات الهدف مثل البقية، أي يعترف بخطايا، ويغتسل في النهر للتوبة، لهذا أعطي ليوحنا الفرصة ليقدم الرأي السليم مرة أخري بالقول: "هوذا حمل الله الذي ينزع خطايا العالم"، فيزيل كل شكٍ.

من الواضح تمامًا أن الذي هو طاهر هكذا حتى يستطيع أن ينزع خطايا الآخرين، لا يأتي لكي يعترف بخطايا، بل ليعطي فرصة لذاك المذيع العجيب أن يعلن ما قاله قبلاً بأكثر تحديد لمن سمعوه قبلاً، كما يسمعه آخرون أيضا.

استخدم كلمة "هوذا" لأن كثيرين بحثوا عنه، لهذا السبب الذي يقوله (يحمل خطاياهم) ولمدة طويلة. لهذا أشار إليه عند حضوره، قائلاً: "هوذا" الذي تبحثون عنهم زمانًا طويلاً، إنه "الحمل".

دعاه حملاً، مُذكرًا اليهود بنبوة إشعياء النبي التي تقول: "ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاةٍ تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها، فلم يفتح فاه" (إش 53: 7).

ذكرهم بالظل الذي تحت ناموس موسى، لكي يقودهم إلى ما هو أفضل، من الرمز إلى الحقيقة. حمل موسى لم ينزع للحال خطايا أحد، أما هذا فيزيل خطايا كل العالم. كان العالم في خطر الدمار فأسرع إليه وخلصه من غضب الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v لا تخجل من صليب مخلصنا بل بالأحرى افتخر به. لأن "كلمة الصليب عند اليهود عثرة، وعند الأمم جهالة"، أما بالنسبة لنا فخلاص (1 كو 2:1، 3). إنه عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهو قوة اللَّه (1 كو 18:1،23). لأنه كما سبق أن قلت أنه لم يكن إنسانًا مجردًا ذاك الذي مات عنا، بل هو ابن اللَّه، اللَّه المتأنس.

بالأحرى إن كان الحمل في أيام موسى جعل المُهلك يعبر، أفلا ينزع عنا خطايانا ذاك الذي هو حمل اللَّه الذي يرفع خطايا العالم؟!

دم الخراف غير الناطقة وهب خلاصًا، أليس بالأحرى دم ابن اللَّه الوحيد يخلص؟!

من ينكر قوة المصلوب فليسأل الشياطين!

من لا يؤمن بالكلام فليؤمن بما يرى، فكثيرون صُلبوا في العالم، لكن الشياطين لم تفزع من واحدٍ منهم، لكنها متى رأت مجرد علامة صليب المسيح الذي صُلب عنا يُصعقون، لأن هؤلاء الرجال صُلبوا بسبب آثامهم، أما المسيح فصُلب بسبب آثام الآخرين... "لأنه لم يعمل ظلمًا ولم يكن في فمه غش" (إش 9:53، 1 بط 22:2). لم ينطق بهذه العبارة وحده، وإلا لشككنا في أنه منحاز لمعلمه. لكن إشعياء قال أيضًا، ذاك الذي لم يكن حاضرًا معه بالجسد لكنه تنبأ بالروح عن مجيئه بالجسد.

ما بالنا نستشهد بالنبي وحده هنا؟ فها هو بيلاطس نفسه الذي حكم عليه يقول: "لا أجد في هذا الإنسان علة" (لو 23:14) ولما أسلمه غسل يديه قائلاً: "أنا بريء من دم هذا البار".

هناك شهادة أخرى عن يسوع البار الذي بلا خطية، هي شهادة اللص أول الداخلين الفردوس، إذ بكَّت زميله منتهرًا إياه قائلاً: "أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله (لو 23:41)، لأن كلينا تحت قضائه.

القديس كيرلس الأورشليمي

v "الزهور ظهرت في الأرض، بلغ أوان القضب، وصوت اليمامة سمع في أرضنا" (نش 2: 12).

يقول العريس: "انظروا فان المروج مزدهرة بأزهار الفضيلة. هل ترى هذا النقاء في جمال النرجس العبق؟ هل ترى ورد التواضع والبنفسج الذي يمثل رائحة السيد المسيح الذكية؟ لماذا إذن لا تعمل تاجًا من هذه الزهور؟ فهذا هو موسم قضب الزهور. لتعمل فرع تاج لتزين بها نفسك. قد حلّ موسم التقليم. يشهد بذلك صوت اليمامة أي أنه يشبه "صوت صارخ في البرية" (متى 3:3)، فيوحنا المعمدان هو اليمامة. هو الذي تقدم هذا الربيع المنير الذي أنبت لبنى البشر الزهور الرائعة للقضب، وقدمها لكل من رغب في جمعها. إنه هو الذي بيّن لنا الزهرة التي من أصل يسى (إش 1:11)، "حمل الله الذي يحمل خطية العالم" (يو 29:1). وهو الذي أوضح لنا التوبة عن الخطية، والحياة حسب الفضيلة. يقول النص: "سُمع صوت اليمامة في أرضنا"، وهي تنادى: "يا أرض" تنادي هؤلاء الذين أُدينوا لخطيتهم، هؤلاء الذين يطلق عليهم الإنجيل "العشارين والزناة"، سمعوا صوت يوحنا المعمدان، بينما لم تقبل البقية تعاليمه.

v "أذهب إلى تل المر وإلى جبل اللبان" (نش 6:4)...

خلصت الطبيعة البشرية ومن وصمة الخطية بعد أن رفع حمل اللّه خطية العالم وحطم الإثم (يو 29:1). لذلك يقول النشيد: "كلك جميل يا حبيبتي، ليس فيك عيبة" ويضيف إلى ذلك سرّ الانفعال الذي يرمز إليه المرّ (نش 6:4)، ثم يذكر خليط الأعشاب العطرة والبخور التي تُشير إلى ألوهية المسيح. أن الذي يشارك المسيح في المرّ سوف يحصل على رائحة الأعشاب العطرة والبخور، لأن الذي يتألم معه سينال معه المجد (رو 17:8). وعندما يكون في المجد الإلهي سيحصل على الجمال الكامل ويكون بعيدًا جدًا عن كل عيب بغيض بواسطة المسيح ومن خلال المسيح ينفصل عن الخطية. إنه مات وقام من الأموات لأجلنا، وله المجد والقوة الآن وإلى الأبد آمين.

القدديس غريغوريوس النيسي

v "هوذا حمل اللَّه". إنه ليس بفرعٍ ممتدٍ من آدم، إنما استمد منه الجسد ولم يأخذ خطية آدم. إنه لم يأخذ الخطية عليه من العجين الذي لنا، إنما هو الذي ينزع خطايانا.

القديس أغسطينوس

v النزع (للخطية) يعمل في كل واحدٍ في العالم حتى تُمحى الخطية من العالم كله، ويسلم المخلص مملكة معدة (١ كو ١٥: ٢٤) للآب، ليس فيها خطية ما قط، مملكة تسمح بحكم الآب وتأتي بالكل إلى الله بكاملها، فيتحقق القول "يكون الله الكل في الكل" (١ كو ١٥: ٢٨).

v نؤمَر بذبح الحمل في العشية (خر 12: 6)، حيث أتى الحمل الحقيقي، مخلصنا، إلى العالم (يو 1: 29) في الساعة الأخيرة (1 يو 2: 18).

v كل إنجيل يجلب فرحًا بسبب صالح.

v المسيح هو الصلاح الذي كان ينتظره الشعب.

العلامة أوريجينوس

v لنتأمل في نفع الإيمان المستقيم. إنه نافع لي أن أعرف أنه من أجلي احتمل المسيح ضعفاتي، وخضع لعواطف جسدي. ومن أجلي، أقول من أجل كل إنسانٍ، صار خطية ولعنة (2 كو 21:5؛ غلا 13:3)، من أجلي وفي تواضع وخضوع. ومن أجلي هو الحمل والكرمة والصخرة (يو 36:1؛ 1:15؛ 1 كو4:10)، والعبد وابن أمة (مر 45:10؛ يو 4:13، 5؛ مز 16:86؛ 14:116، يو 38:1)، وغير عارف ليوم الدينونة، من أجلي جهل اليوم والساعة (مت 36:24) .

القديس أمبروسيوس

ماذا يُقصد بالعالم؟

يميل العلامة أوريجينوس الذي يؤمن بخلاص كل البشرية أن العالم كله سيخلص معتمدًا على قول الرسول بولس: "لأننا قد ألقينا رجاءنا على الله الحي الذي هو مخلص جميع الناس، ولاسيما المؤمنين" (١ تي ٤:١٠). غير أن الرأي السائد في الكنيسة في أيامه غالبًا ما كان يقصد بالعالم هنا العالم الذي استنار بالمخلص فصار كنيسته المقدسة بدمه. وقد عبر عن ذلك العلامة أوريجينوس بقوله: [يرى البعض أن العالم يعني الكنيسة وحدها، بكونها زينة العالم. إذ قيل أيضًا أنها نور العالم، إذ يقول الكتاب: "أنتم نور العالم" (مت ٥: ١٤). الكنيسة هي زينة العالم حيث أن المسيح الذي هو نور العالم الأول هو زينتها... ليته يُقال عن الكنيسة أنها العالم المستنير بالمخلص].

في تسبحة الملائكة في صلاة (تسبحة) باكر نترنم قائلين: "يا حمل الله، يا حامل خطية العالم ارحمنا". يرى البعض إنها من أقدم التسابيح في الشرق والغرب. ففي الغرب قبيل التناول يرددون: "يا حمل الله الرافع خطية العالم، ارحمنا".

"هذا هو الذي قلت عنه:

يأتي بعدي رجل صار قدامي،

لأنه كان قبلي" (30).

يكرر المعمدان هذه الشهادة أنه وإن سبق في الزمن مجيئه عن مجيء الكلمة المتجسد إنما ليهيئ الطريق، أما من جهة الوجود، فالكلمة كائن أزلي سابق له، وأعظم منه في الكرامة.

v يقول المعمدان: "مجيئي ليس له هدف إلا أن يعلن عن المحسن العام لكل العالم المسكون، وأن يقدم معمودية الماء، أما هذا فيطّهر كل البشرية ويهب طاقة الروح. يأتي بعدي ذاك الذي يظهر أكثر مني بهاءً، "لأنه كان قبلي".

القديس يوحنا الذهبي الفم
"وأنا لم أكن أعرفه،

لكن ليظهر لإسرائيل،

لذلك جئت أعمد بالماء" (31).

غاية رسالة يوحنا هو تقديم يسوع المسيح لشعب إسرائيل مع أنه لم يكن بعد قد رأى وجهه ولا عرفه، ولم يكن قادرًا أن يصفه سوى أنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم.

v كانا قريبين حسب الجسد... ولئلا يبدو إنه يقدم مجدًا له بسبب القرابة استمر يقول: "وأنا لم أكن أعرفه".

v كيف تكون يا يوحنا شاهدًا مؤهلاً للتصديق، كيف تُعلم أناسًا آخرين إن كنت جاهلاً به؟! إلا أن يوحنا لم يقل: "لم أعرفه"، لكنه قال: "أنا لم أكن أعرفه". وبهذه الشهادة صار مؤهلاً لتصديقه كثيرًا، إلا أنك إن سألته: فكيف عرفته؟ يقول لك: عرفته بنزول الروح عليه...

أما كان يمكن ليوحنا أن ينذر بالمسيح بدون التعميد، ويقتاد الجموع بسهولة؟ فأجيبك: لم يكن ذلك ممكنًا البتة، لأنه لو كان قد نادى وأنذر بدون معمودية لما كان أهل ذلك البلد تقاطروا إليه كلهم على هذا المثال في كثرتهم، ولا عرفوا من المقايسة بينهما سمو أحدهما، إذ أن جموع الشعب خرجت إليه ليس لأنهم سمعوا الأقوال التي قالها، لكنهم خرجوا إليه ليعتمدوا ويعترفوا بخطاياهم، فلما جاءوا إليه علَّمهم وعرَّفهم ما شهد به في وصف المسيح والفرق بين المعمودية التي له والتي للمسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v وإن كان قد عرفه وهو لا يزال في رحم أمه (لو ١: ٤١-٤٤) بالتأكيد لم يعرف كل شيء عنه، وربما لم يكن يعرف أنه ذاك "الذي يعمد بالروح القدس ونار". عندما رأى الروح نازلاً ومستقرًا عليه (٣٣).

العلامة أوريجينوس
"وشهد يوحنا قائلاً:

إني قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء،

فاستقر عليه" (32).

v لا تظن أن هذا تجسد، بل ظهور. لقد جلب المظهر أمامه، حتى بالمظهر يؤمن ذاك الذي لم يرَ الروح. وبالمظهر يعلن أنه شريك مع الآب والابن في كرامة السلطة، عمل واحد في السرّ، عطية واحدة في الغطس.

v قال بما يليق: "استقر عليه"، لأن الروح أوحى بالكلام أو العمل للأنبياء كيفما شاء، لكنه مستقر على الدوام في المسيح.

v لا تهتز من القول: "عليه" إذ هو يتحدث عن "ابن الإنسان"، إذ اعتمد بكونه ابن الإنسان. فهو ليس عليه حسب اللاهوت، بل فيه، كما أن الآب في الابن والابن في الآب.

القديس أمبروسيوس

يقول البابا أثناسيوس الرسولي أنه إذ استقر الروح على يسوع [فذلك من أجل تقديسنا حتى ما نشارك مسحته.]

v لم يكن ممكنًا أن يصيروا أبناء، لأنهم بالطبيعة مخلوقات، ما لم يتقبلوا روح ذاك الذي بالطبيعة الابن الحقيقي. فلكي يتحقق ذلك "صار الكلمة جسدًا"، لكي ما يجعل الإنسان قادرًا على اللاهوت

v يعمل الآب كل الأشياء بالكلمة في الروح القدس، بهذه الوسيلة تحفظ وحدة الثالوث القدوس.

البابا أثناسيوس الرسولي

v لست أتحدث عن المسيح الذي يسكن الروح فيه، ليس كمن يهب طاقة energoun ouchos، بل كرفيق لذاك الذي له ذات الكرامة.

القديس غريغوريوس النزينزي

لم يتردد القديس يوحنا الذهبي الفم عن أن يعلن أن يسوع كان مملوءً بالروح، إذ "هو روحي، لأن الروح نفسه شكله (من جهة تأنسه)، إنه كلمة اللَّه كما أنه طاقة الروح".

كان القديس غريغوريوس أسقف نيصص معارضًا للقول بأن الروح عمل في المسيح: "أضيف الإشارة إلى أن المسيح الذي سكن في الروح ليس كمن يعطيه طاقة بل كمن هو رفيق بكونه مساوٍ له في الكرامة. كان يلذ للقديس غريغوريوس أسقف نيصص أن يتحدث عن الروح القدس كرفيق للكلمة المتجسد، ويجعل أعماله مُعلنة.

خصص القديس كيرلس الكبير الأناثيما 9 للتعليم الخاص بحضور الروح القدس في المسيح. لا يحتاج اللَّه الكلمة إلى الشبع خلال الروح، لأنه هو قدوس بالطبيعة. على العكس فإن جسد الكلمة المتجسد صار يستقبل الروح، بكونه هيكل اللاهوت.

v إنه آدم الثاني الذي يشبه واحدًا منا، تقبل الروح من الآب، لكي يحفظ طبيعتنا... الروح قد فارقنا بسبب الخطية، وقد صار ذاك الذي لا يعرف خطية يشبه واحدًا منا، حتى يبقى الروح فينا بلا انقطاع.

v بسبب الخطية لم يجد الروح راحة في الكائنات البشرية، ولكن إذ صار كلمة اللَّه إنسانًا، فإنه عليه وحده، البكر الثاني للجنس البشري، استقر الروح على الطبيعة البشرية، لكي يستقر أيضًا علينا.

v بعد أن صار إنسانًا، كان له أن يقبل الروح، وإذ فعل هذا ولم يعرف خطية أراد الروح أن يسكن فيه ويستقر عليه بكونه بكر الجنس البشري، وأصله الثاني.

v إذ كان جسمه كله مملوء بطاقة الروح المحيية، لهذا دعا جسده روحًا، دون أن ينكر أنه جسد.

القديس كيرلس الكبير

v يأتي المسيح؛ والروح يهيئ طريقه. يأتي في الجسد والروح لا ينفصل عنه قط، يعمل عجائب ويمنح أشفية من الروح القدس. الشياطين تخرج بالروح القدس. حضور الروح يفسد الشيطان. غفران الخطايا يعطى بعطية الروح. لقد اغتسلتم وتقدستم... باسم الرب يسوع المسيح وبروح إلهنا" (1 كو 6: 11).

القديس باسيليوس الكبير

v "عيناه كالحمام على مجارى المياه" (نش 5: 12)... يُعبر النص عن الحياة الروحية النقية بالحمام، الذي شاهد شبيهها يوحنا عندما حلَّ الروح القدس على المياه (يو 32:1)، لذلك فإن الذي يُعيّن بواسطة اللّه كعيون لجسد الكنيسة يجب عليه أن يغسل أي شيء يعوق بصره، لكي يقوم بوظيفة المراقبة والرؤية كما يجب. يقول اللّه أنه لا يوجد نوع واحد من المياه لغسل عيوننا، بل توجد أنواع كثيرة. فتوجد فضائل عديدة تمثل عدة ينابيع لتنقية المياه التي نغسل بها عيوننا لكي تُصبح نقية. والأمثلة على هذه الينابيع لتنقية المياه هي: المثابرة والعمل الدءوب، والتواضع، والصدق، والبر، والحزم والشجاعة، والرغبة في عمل الخير، والبعد عن الشر. تفيض أنواع هذه المياه وغيرها من نبع واحد وهو يضم مجاريها في مجرى واحد وبواسطتها تتنقى العيون من أي إفرازات للانفعالات.

القديس غريغوريوس النيسي
"وأنا لم أكن أعرفه،

لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي:

الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه،

فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس" (33).

v يسوع المسيح هو ابن اللُه، ومع هذا لم يكرز قبل العماد بالإنجيل (الذي صُلبه التمتع بالتبني للُه خلال السيد المسيح).

إن كان السيد نفسه قد اتبع هذا الوقت المناسب اللائق، فهل يجوز لنا نحن خدامه أن نخالفه النظام؟! إذ (من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز) عندما "نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة" (مت 17:4، لو 22:3)، لا لكي يراه يسوع فيعرفه، إذ هو يعرفه قبلما يأتي عليه على هيئة جسمية، إنما لكي يراه يوحنا الذي يعمده إذ يقول: "لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس" (يو 23:1).

إن كنت أنت أيضًا تحمل درعًا قويًا فإن الروح القدس يحل عليك، والآب يكلمك من فوق من الأعالي ليس قائلاً: "هذا هو ابني" بل "الآن صرت ابني"، لأن فعل المضارع في "هذا هو ابني" يخص الابن وحده الذي "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند اللُه وكان الكلمة اللُه" (يو 1:1)، فهو وحده الذي يقال له: "هو ابني" إذ هو على الدوام ابن اللٌه. أما أنت فيُقال لك: "الآن تكون" إذ لا تحمل بنوة طبيعية بل تتقبلها بالتبني. هو ابن سرمدي، أما أنت فتقبلت النعمة مؤخرًا.

القديس كيرلس الأورشليمي

v ما الذي لم يكن قد عرفه؟ إنها قوة معمودية الرب، فهي لن تنتقل من الرب إلى أي إنسانٍ، بل تتم خدمتها بكل وضوح هكذا. لا تنتقل القوة من الرب إلى أي أحدٍ، يقوم بالخدمة الشخص الصالح أو الشرير. لا ترتد الحمامة عن خدمة (الخادم الشرير) بل تتطلع إلى قوة الرب. أي ضرر يليق بكم من الخادم الشرير ما دام الرب صالح؟

v لقد عرف (يوحنا المعمدان) أنه هو الرب، واعترف أنه هو الحق، وأنه (يوحنا) إنسان حق مُرسل من الحق، هذا ما عرفه يوحنا. ولكن ماذا كان في (المسيح) لم يعرفه يوحنا؟ إنه قد حان الوقت أن يحتفظ لنفسه بقوة عماده، ولا يحولها إلى أي خادم... ما الذي لم يكن يعرفه؟ إن سلطان المعمودية العظيم هو للرب وأنه يرده لنفسه سواء وهو حاضر هنا على الأرض أو عند غيابه بالجسد في السماء، وحضور جلاله، لئلا يقول بولس: "معموديتي"، ولئلا يقول بطرس: "معموديتي". انظروا وانتبهوا لكلمات الرسل. لم يقل أحدهم: "معموديتي". مع وجود إنجيل واحد للكل، لكنك تجدهم يقولون: "إنجيلي"، ولا تجدهم يقولون "معموديتي". هذا ما تعلمه يوحنا يا اخوتي. ما تعلمه يوحنا بالحمامة فلنتعلمه نحن أيضًا. لأن الحمامة لم تعلم يوحنا دون تعليم الكنيسة، هذه التي قيل عنها: "واحدة هي حمامتي" (نش 6: 8). ليت الحمامة (الروح القدس) تعلم الحمامة (الكنيسة).

v تقول لي: هذا الشخص أو ذاك عمدك، لكن بالحمامة (الروح القدس) يُقال لي ولك: "إنه هو (الرب) الذي يعمدك. من الذي أصدقه: الحدأة أم الحمامة؟

v هذا السرّ مقدس جدًا حتى أن خدمة قاتل له لن يفسده.

v أي نفع كان في أن تتقبل عماد خادمٍ معين لكي ما لا تزدري من قبول عماد الرب؟...

إن كنت قد جئت إلى الخادم فهل تستنكف من المجيء إلى الرب؟ إن كنت قد قبلت معمودية الخادم، فهل تستنكف من أن تتعمد بواسطة الرب؟

v لو أنه كان يجهله تمامًا لما قال له عند مجيئه إلى النهر ليعتمد: "أنا محتاج أن أعتمد منك، فكيف تأتي إليّ؟"... لقد عُرف الرب بواسطة الحمامة، لا لذاك الذي لم يعرفه، بل لذاك الذي عرفه بطريقة ما، ولم يعرفه من جانب آخر. إنه من أجلنا لكي نكتشف ما هو فيه، الأمر الذي لم يعرفه يوحنا وتعلمه بالحمامة.

القديس أغسطينوس

v أظن أننا لا نستطيع أن نكف عن رؤية تلك النار عندما نقرأ أن الرب يسوع يعمد بالروح القدس ونار (33)، كما يقول يوحنا في إنجيله... لذلك يقول إرميا بعد قبوله الروح: "صارت في قلبي كنارٍ حارقة ملتهبة في عظامي، وأنا كحقير لا أحتملها " (إر 9:20)... ماذا يعني هذا - أعني أن هذه النار تصير ماءً، والماء يستدعي نارًا - إلا تلك النعمة الروحية التي تحرق خطايانا بالنار وتغسلها بالماء؟ فإن الخطية تُغسل وتحترق.

القديس أمبروسيوس

v قَبِلْ العماد من يوحنا لهذا الهدف، وهو إذ يقبل ما هو أقل ممن هو أقل، يحثنا نحن الأقل أن نقبل ما هو أسمى.

v لو أن ربنا يسوع المسيح وحده اعتمد بمعمودية يوحنا، لظن البعض أن معمودية يوحنا أعظم من معمودية المسيح. إذ يقولون: إن هذه المعمودية هي الأعظم، لأن المسيح وحده هو الذي تأهل لها. لهذا كمثال للتواضع يقدمه لنا الرب أن ننال خلاص المعمودية.

قبل المسيح ما هو ليس ضروري له، لكنه ضروري لحسابنا نحن.

مرة أخرى لئلا ما تقبله المسيح من يوحنا يُفضل عن عماد المسيح سمح للآخرين أيضًا أن يعتمدوا بواسطة يوحنا. وأما الذين اعتمدوا بواسطة يوحنا فمعموديتهم لم تكن كافية، إذ كان يلزمهم أن يعتمدوا بمعمودية المسيح.

v كما كان المسيح هكذا كانت معموديته: معمودية الرب، إلهية لأن الرب هو اللَّه.

القديس أغسطينوس

"وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن اللَّه" (34).

v لما كان يوحنا قد عمد، والمسيح قد عمد، فلكي لا يتوهم متوهم من الحاضرين أن القول الذي قيل من أجل يوحنا، جاء الروح متلافيًا هذا التوهم واستقر على المسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم
العدد 35- 53:
4. شهادة تلاميذه الأولين له

- شهادة يوحنا لمسيحانية يسوع (35-37) كسبت أندراوس (38-40).

- شهادة أندراوس بالتالي كسبت سمعان الذي دعاه يسوع صفا (42).

- دعي فيلبس من بيت صيدا على بحر الجليل، فكسب نثنائيل (45-51) الإسرائيلي الذي لا غش فيه.

"وفي الغد أيضا كان يوحنا واقفًا هو واثنان من تلاميذه" (35).

"فنظر إلى يسوع ماشيًا فقال:

هوذا حمل اللَّه" (36).

"نظر إلى يسوع"؛ ما أحوجنا إلى التطلع نحو السيد المسيح لننظره. نتطلع إليه فنراه يتطلع إلينا، مهتمًا بخلاصنا.

v لقد شهد يوحنا المعمدان عن المسيح أن هذا هو ابن الله (34)، فلم يصغِ أحدهم إلى قوله ولا سأله، ولا قال له ما بالك تقول هذه الأقوال ولأجل من تقولها. وقال أيضًا هنا: "هوذا حمل الله!"، ولا على هذه الجهة لذع حسهم الزائل، فكانت طبيعتهم عنده طبيعة أرض صلبة ليَّنها بفلاحته، وأنهض تمييزهم الطيني بكلامه، لأنه اجتهد في غرض واحد وهو أن يقدمهم إلى المسيح، ويلصقهم به، لأنه عرف أنهم إذا قبلوا قوله هذا منه لا يحتاجون فيما بعد إلى الشاهد له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v عندما حان الوقت لكي يرحم اللَّه، جاء الحمل.

أي حمل هذا الذي تخافه الذئاب؟

من أي نوع هذا الحمل الذي عندما يُذبح يُذبح أسدًا؟ لأن الشيطان يُدعى أسدًا، يجول زائرًا يلتمس من يفترسه (1 بط 5: 8). بدم الحمل انهزم الأسد...

إنه لأمر عظيم أن ترى في العالم كله الأسد ينهزم بدم حملٍ؛ وأعضاء المسيح يخلصون من أنياب الأسود، ويرتبطون بجسم المسيح.

v يريد المسيح أن يمتلك ما قد اشتراه وحده، ولا يرغب أن يشاركه أحد في الملكية، إنما.

لقد دفع ثمنًا عظيمًا هكذا، لكي يمتلك وحده.

إنك تجعله شريكًا مع الشيطان هذا الذي بعت نفسك إليه.

"ويل لذوي القلبين" (ابن سيراخ 2: 12)، هؤلاء الذين يعطون جزءً من قلوبهم للَّه والآخر لإبليس.

إذ يغضب اللَّه لأن الشيطان صار له نصيب في القلب، يفارق القلب ويمتلك الشيطان على القلب كله. ليس باطلاً يقول الرسول: "لا تعطوا مكانًا لإبليس" (أف 4: 27).

لنعرف إذن أيها الاخوة الحمل، ولندرك ثمننا.

القديس أغسطينوس

"فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع" (37).

إذ سمعا عن الخلاص التصقا بالمخلص دون تأجيل وبغير حوارٍ. كل لحظة تأجيل تمثل خطرًا على النفس، إذ يليق بها أن تسعى إليه، وتطلبه بلا توانٍ.

كان التلميذان اللذان تبعاه مشتاقين إلى قبول كلمة نعمة من فمه، لا من فم السابق له رقم 2 يشير إلى الحب وكأن التلميذين يشيران إلى كل الذين قبلوا تبعيته بكمالٍ، وهم الذين يكرسون حياتهم بالحب لله والحب للقريب. هذان هما التلميذان اللذان يحملاننا إلى تبعية المسيح الصادقة.

يروي لنا الإنجيلي يوحنا دعوة تلميذين من تلاميذ يوحنا ليتبعاه، وهما أندرواس ويوحنا الإنجيلي نفسه (غالبًا). وقام الأول بدعوة أخيه سمعان بطرس. هؤلاء الثلاثة هم باكورة تلاميذ السيد. هكذا بدأت الكنيسة صغيرة جدًا تضم ثلاثة يتمتعون بالنظر إلى يسوع والملكوت معه.

"فالتفت يسوع ونظرهما يتبعان،

فقال لهما:

ماذا تطلبان؟

فقالا: ربي، الذي تفسيره يا معلم أين تمكث؟" (38).

يليق بنا أن نجيب دومًا على سؤال السيد المسيح في كل عمل وفي كل كلمة ننطق بها أو فكر ننشغل به: ماذا تطلب؟ هل نطلب مسيحنا في كل تصرف؟ هل ننشغل باستنارتنا بروحه القدوس؟ هل نشتهي حضن الآب؟ هل نطلب بنياننا ونمونا في المعرفة الصادقة، وتقديسنا المستمر، ومجدنا الداخلي؟ هل نطلب ما لمجد الله وبنيان الكنيسة؟

سؤال السيد المسيح المستمر لكل إنسان: ماذا تطلب؟ هل يطلب ممتلكات العالم وملذاته، أم يطلب مديح الناس والكرامة الباطلة؟ أم أن يمكث مع المسيح أينما وجد؟ لم يكن للسيد موضع يستريح فيه، بل عاش كغريبٍ، هكذا من يطلبه يمكث معه كغريبٍ على الأرض. فلا يكفي أن نطلب من السيد أن نتبعه بين حين وآخر، وإنما يلزمنا أن نمكث معه. كلما اقتربنا إليه نتمتع ببهاء مجده، وننعم بغنى حبه، ونشتهي ألا نفارقه.

إننا في حاجة أن نلتقي به ونمكث معه فنجلس عند قدميه ونرتوي من ينابيع حبه، ونستنير بروحه القدوس فنتعرف على أسراره الخفية غير المنطوق بها. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "لم يقولا علمنا تعليمًا في الآراء والمعتقدات أو غير ذلك من الأمور الضرورية، لكنهما قالا: "أين تمكث؟"

إذ طلبا المكوث معه جاءت الإجابة سريعة أن يأتيا وينظرا في الحال ليمكثا معه دون تأجيل. الوقت الآن مقبول (٢ كو ٦: ٢).

كان ربنا يسوع المسيح يدرك تمامًا ما في قلبيهما أنهما يطلبان أن يتبعاه فلماذا سألهما؟

أولاً: ليهبهما الثقة، فيعلنان رغبتهما، ويظهر مسرته بغيرتهما نحو الخلاص والحياة المقدسة لكي يسندهما.

ثانيًا: ليعلن أنه من جانبه مستعد أن يبدأ معنا رحلة نفوسنا نحو الحق والمجد الأبدي، لكنه لن يبدأ بدون إرادتنا. إنه يقدس الحرية التي وهبنا إياها.

v نتعلم أن إلهنا لا يعوق بمواهبه إرادتنا، لكننا إذا بدأنا نحن يعطينا الإرادة عينها (يلهب شوقنا إليه بالأكثر)، ويهبنا أسبابًا كثيرة لخلاصنا.

v "ماذا تطلبان؟… بسؤاله هذا جعلهما أكثر ائتلافا له، ووهبهما جرأة أعظم، وأظهر أنهما مستحقان أن يسمعاه؛ لأنه من المحتمل أنهما كانا خجولين وخائفين، كمن هما ليسا معروفين لديه، وقد سمعا عنه شهادة معلمها له. فلكي ينزع عنهما خجلهما وخوفهما سألهما ولم يدعهما يذهبان معه إلى البيت في صمتٍ… سألهما لكي كما قلت يهب هدوءً لعقليهما اللذين قد ارتبكا بالخجل والقلق، ويهبهما ثقة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثالثًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أعطاهما من الدالة عنده أكثر قدرًا، وأظهر أنهما مؤهلان للاستماع منه. لأنه كان لائقًا بحالهما أن يخجلا ويرهبا من جهة إنهما لم يعرفاه. فبسؤاله إياهما نزع خجلهما وخوفهما وأوهامهما كلها ولم يتركهما يذهبا إلى المنزل صامتين.]

يقول العلامة أوريجينوس ]أنه بعد أن قدم يوحنا المعمدان ست شهادات عن السيد المسيح الكلمة، جاء دور الكلمة نفسه ليشهد عن نفسه أمام تلميذي يوحنا[.

"فقال لهما: تعاليا وانظرا. فأتيا ونظرا أين كان يمكث،

ومكثا عنده ذلك اليوم، وكان نحو الساعة العاشرة" (39).

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح في محبته للتلميذين اللذين تبعاه بعد سماعهما شهادة معلمهما القديس يوحنا المعمدان دخل معهما في حوار في الطريق، حتى يشعرا أنهما ليسا بغريبين عنه، بل صارت لهما معه ألفة، ولكي يمتعهما بصوته الإلهي.

حقا ما أحوجنا أن نسير معه في طريق حياتنا ونطلب أن نسمع صوته الإلهي، ونعطيه الفرصة للحديث معنا، وذلك كما حدث مع تلميذيه وهما في طريقهما إلى عمواس يوم قيامته (لو 24)

يعلن القديس الذهبي الفم على الحوار الوارد مع تلميذي المعمدان بالقول: [ليتنا إذن نتعلم أن نحسب كل الأمور ثانوية بجانب سماعنا لكلمة الله، ولا نحسب وقتًا ما أنه غير مناسب لذلك… ليت الطعام والحمامات وكل أمور هذه الحياة يكون لها زمنها المعين، أما تعليم الفلسفة السماوية فلا يكون لها وقت خاص، بل كل الأوقات مناسبة لها. يقول بولس: "في وقت مناسب وغير مناسب وبخ، انتهر، عظ" (2 تي 4: 2). ويقول أيضا النبي: "في ناموسه يلهج نهارًا وليلاً" (مز 1: 3)].

جاء التلميذان إلى السيد المسيح نحو الساعة العاشرة ليمكثا معه حيث كان يمكث. فمن يقبل وصاياه (العشرة) ويعلن شوقه للطاعة يمكث مع مخلصه كل يوم حياته لا يفارقه حتى يأتي يوم لقائه به وجهًا لوجه في الدهر الآتي.

v لم يتبعاه بأية طريقة، بل التصقا به.

القديس أغسطينوس

يرى القديس أغسطينوس أن رقم 10 يشير إلى الناموس حيث الوصايا العشرة. فقد ذهب إلى السيد المسيح بكونه واهب الناموس ومكمله (مت 5: 17)، لكي يتعلما الناموس من واهب الناموس نفسه لأن الرحمة على لسانه (أم 31: 26)، ويكمل قائلاً: [إن كنت لا تقدر أن تتمم الناموس اهرب إلى الرحمة. إن كنت لا تقدر أن تحقق الناموس استخدم ذاك العهد، استخدم الرباط، استخدم الصلوات التي وضعها ونظمها السماوي مختبر الناموس؟].

يرى العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح دعا التلميذين للتمتع به وبسكناه خلال حياة العمل مع التأمل. فبقوله: "تعاليا" دعاهما للحياة العاملة، وبقوله "انظرا" دعاهما لربط العمل بالتأمل فيه.

"كان أندراوس أخو سمعان بطرس

واحدًا من الاثنين اللذين سمعا يوحنا وتبعاه" (40).

كلمة "أندراوس" في اليونانية تعنى "رجولة". إذ يتبع السيد المسيح من كان جادًا في شوقه للتمتع به والحياة معه. وكما يقول المرتل: "ليتشدد وليتشجع قلبك، وانتظر الرب" (مز 14:27).

لم يعرفنا البشير اسم الآخر، لأنه هو الكاتب لهذه الأقوال.

"هذا وجد أولاً أخاه سمعان فقال له: قد وجدنا مسيا،

الذي تفسيره المسيح" (41).

بقوله: "وجد" يشير الإنجيلي إلى اهتمام أندراوس بأخيه وبحثه عنه ليشاركه خبرته الجديدة التي تمتع بها بلقائه مع يسوع المسيح. في تواضع قال: "لقد وجدنا مسيا"، إذ لم ينسب هذا الاكتشاف لنفسه وحده بل كان معه آخر. يتحدث بلغة النصرة والاعتزاز بمن وجداه، إذ وجدا اللؤلؤة الكثيرة الثمن، الكنز الحقيقي. لم يردد ما قاله معلمه القديس يوحنا المعمدان: "حمل الله" بل قال كما أعلن عنه الكتاب أيضًا "المسيا"، وهو موضوع شهوة كل يهودي أن يلتقي به.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في دعوة أندراوس لأخيه سمعان، ودعوة آخرين لبعضهما البعض صورة حية لتحقيق الصداقة في الرب، والتعاون في ملكوت الله. يقول إن الله حين خلق آدم لم يدعه وحيدُا، بل أعطاه زوجة معينة له ليعيشا معًا في رفقة، وإن كانت قد أساءت حواء لهذه الرفقة. أما الإنسان الحكيم فيجد منافع كثيرة في الرفقة، ليس فقط مع زوجته وأولاده، بل ومع اخوته، لذلك يقول النبي: "ما أحسن وأبهج أن يجتمع الاخوة معًا" (مز 133: 1). كما يحثنا الرسول بولس ألا نهمل اجتماعنا معًا (عب 10: 25).

v قوله "قد وجدنا" تعبير عن نفس تجاهد من أجل حضرة الرب، وتبحث عن مجيئه من العلا، وتتهلل عندما يتحقق ما تبحث عنه، وتسرع لتهب الآخرين أخبارًا سارة. هذا هو دور الحب الأخوي، خلال الصداقة الطبيعية، وتدبير مخلص، لبسط اليد للغير لتقديم الروحيات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

دعوة فيلبس ونثنائيل

"فجاء به إلى يسوع، فنظر إليه يسوع وقال:

أنت سمعان بن يونا، أنت تدعى صفا،الذي تفسيره بطرس" (42).

دُعي فيلبس مباشرة ليس خلال يوحنا المعمدان مثل أندراوس ويوحنا، ولا من خلال أندراوس مثل سمعان بطرس. يستخدم السيد المسيح كل وسيلة لدعوة أولاده.

وجد يسوع فيلبس، كمن كان يفتش عليه ويبحث عنه حتى يجده. ولم يقف الأمر عند الشهادة ليسوع المسيح، بل جاء بأخيه إليه، لكي يتمتع بنفسه بالينبوع، يسمع صوته ويتمتع بأعماله.

دعاه السيد المسيح باسمه وغيَّر اسمه، ليدرك الرسالة التي يلتزم بها كشاهدٍ للإيمان بالمسيح.

دعاه والداه "سمعان" الذي يعنى "مستمع" أو "مطيع". وبالحق بروح الطاعة التقى بالمسيح ليهبه اسمًا آخر: "صفا" أو "بطرس" حيث يتمتع بصخرة الإيمان. أما الصخرة فهي المسيح (1 كو 4:10) هذا الذي أحبه سمعان بطرس.

v لعلك تسأل: ولِمَ عمل المسيح هذا العمل؟ فأجيبك: ليبين أنه هو الذي أعطانا الشريعة العتيقة، وهو الذي أحال فيها الأسماء وقوّمها، وهو الذي سمى إبرام إبراهيم وساراى سارة ويعقوب إسرائيل، وقد وضع لكثيرين أسماءهم منذ مولدهم كما وضع لاسحق وشمشون، ووضع أسماء للذين في نبوة إشعياء وهوشع، ووضع أسماء لأناس بعد الأسماء التي سماهم بها الوالدان.

لقد أخذ كل واحد من أولئك أسماء مختلفة، أما الآن فقد أخذنا كلنا لقبًا واحدًا، وهو ذلك اللقب الأعظم من الأسماء كلها أن نكون مسيحيين وبنين لإلهنا وأصدقاءه وجسده، لأن هذا اللقب أفضل من تلك الألقاب كلها، وفيه كفاية أن ينهضنا ويجعلنا أشد الناس إسراعًا إلى عمل الفضيلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"في الغد أراد يسوع أن يخرج إلى الجليل،

فوجد فيلبس فقال له:

اتبعني" (43).

ذهب السيد المسيح إلى الجليل ليدعو فيلبس. كلمة "الجليل" تعنى "عمل هجرة" أو "إعلان"، أو "دائرة"، فقد أراد ربنا يسوع أن يظهر التزام تلاميذه بالهجرة من آلام الزمان الحاضر للتمتع بمباهج المجد الأبدي، إذ بهجرة القلب من الارتباك بالأمور الزمنية إلى خبرة سلام السماويات الفائق أو إلى دائرة السماء.

بحسب القديس اكليمنضس الإسكندري كان متداولاً أن هذا التلميذ هو الذي طلب منه الرب أن يتبعه، فطلب منه أن يسمح له أن يذهب ويدفن أباه (مت ٨: ٢١- ٢٢). وقد وردت كرازته كشماس في أع ٦: ٥. يرى ثيؤدورت أسقف كورش أنه كرز في فريجية (المنطقتين بنفس الاسم). وبحسب يوسابيوس دفن في فريجية باستينيا Phrygia Pacatiana.

"وكان فيلبس من بيت صيدا

من مدينة أندراوس وبطرس" (44).

"بيت صيدا" أو بيت الصيد، لأن أغلب سكانها كانوا صيادين للسمك. كان هذا الموضع يتسم بالشر (مت ١١: ٢١) لكن وُجد فيه بقية مقدسة للرب، مختارة حسب نعمة الله.

لم يذكر الإنجيلي المدينة اعتباطًا بل تحمل معنى رمزيًا، فبيت صيدا تعني: "بيت الصيادين". بالحق من يقبل دعوة السيد المسيح ليتبعه إنما يصير صيادًا للناس (مت 19:4). وقد كان أول صيد لفيلبس هو نثنائيل، الذي جاء به إلى يسوع المسيح.

v كان الرسول فيلبس من نفس البلدة التي جاء منها أندراوس وبطرس بحسب ما جاء في الإنجيل (يو 44:1). إني أظن أن فيلبس قد مُجد لأنه كان صديقًا للأخوّين أندراوس وبطرس، أول من كرمهما الإنجيل.

فهم أندراوس سرّ المسيح وتبعه بعدما أشار يوحنا المعمدان إليه قائلاً: "هذا هو حمل اللّه الذي يحمل خطية العالم".

تعلم أندراوس حيث كان يسكن وحمل الأخبار المفرحة من النبوات التي صدرت منذ أمد بعيد إلى أخوه سمعان بطرس. ويلزم أن يسبق السمع الإيمان. لأن الشخص الذي يرتبط من كل قلبه بالحمل يصير مقدسًا بتغيير الاسم: فبدلاً من سمعان ناداه السيد المسيح بطرس، وأصبح اسمه بطرس.

ينطبق تغيير الاسم أيضا على إبراهيم وسارة اللذين مرا في مراحل روحية عديدة ثم استقبلا الوعد بالبركات من اللّه، وأصبح إبراهيم وسارة جدان لأمم كثيرة من خلال تغيير الاسم.

ويشبه ذلك ما حدث ليعقوب الذي صار اسمه إسرائيل بعد مصارعته الطويلة خلال الليل مع الملاك.

ونمى بطرس العظيم بمثل هذه النعمة، بعد ما عرف إيمان أخوه في حمل اللّه ثم اكتمل من خلال الإيمان وأصبح صخرة. لذلك كان فيلبس مستحقا أن يكون رفيقًا لبطرس وأندراوس بعدما وجده يسوع. كما يقول الإنجيل وجد فيلبس الذي صار تابعًا لكلمة اللّه؛ "اتبعني" (يو 43:1).

وبعد ما امتلأ فيلبس من نور الإيمان، دعا نثنائيل لكي يتقرب من المسيح ويتعرف على سرّ الإيمان ويمتلئ بنوره. فقال له فيلبس: "وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف من الناصرة" (يو 45:1). استقبل نثنائيل رسالة الإنجيل بانتباه ووجد سرّ النبوة عن السيد المسيح صدى في أذنيه. علم أن بيت لحم هي أول مكان لظهور اللّه في الجسد، ولكنه بعد ذلك عاش في الناصرة لذلك سُمى السيد المسيح الناصري.

وقد تبين لنثنائيل من فحص النبوات أن السيد المسيح لابد أن يولد حسب الجسد من نسل داود في بيت لحم، وأن هذا السرّ لابد أن يحدث في مغارة وفيها أقمطة من قماش لكي يلف بها الطفل المولود ومعهم رجل يرعاهم. وكانت الجليل تُعرف حسب الكتاب المقدس بأنها موّطن الأمم (إش 1:9). لذلك ظهر نور المعرفة لنثنائيل الذي قال: "أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟" (يو 46:1) ومن هنا ترك نثنائيل شجرة التين التي أخفى ظلها النور، وتمسك بالواحد الذي لعن شجرة التين الغير مثمرة فجفت أوراقها. وشهد كلمة اللّه أن نثنائيل كان إسرائيليًا حقًا لا غش فيه، فلقد أظهر نفسه نقيًا مثل أبينا إبراهيم (تك 27:25). قال المسيح: "هوذا إسرائيلي حقًا لا غش فيه".

القديس غريغوريوس النيسي


"فيلبس وجد نثنائيل وقال له:

وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء،

يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة" (45).

نثنائيل هو نفسه برثلماوس Bartholomew للأسباب التالية:

‌أ. الإنجيليون الذين أشاروا إلى برثلماوس لم يذكروا نثنائيل، والذين ذكروا نثنائيل لم يشيروا إلى برثلماوس.

‌ب. كلمة برثلماوس ليست اسمًا لشخص ما، بل تعني "ابن بطليموس"، وأن اسمه الحقيقي هو نثنائيل.

‌ج. تحدث عنه الإنجيلي يوحنا كواحدٍ من الرسل عندما ذهب مع الرسل للتصيد وظهر لهم السيد المسيح بعد قيامته (يو ٢١: ٢-٤).

قول فيلبس يكشف عن غيرته في البحث في الكتاب المقدس خاصة الناموس والأنبياء، حيث ألهب قلبه بالشوق لرؤية "يسوع" أو "المسيا" القادم من بيت داود. أخيرًا قد وجد ذاك الذي يعلن ذاته لطالبيه.

ذكر فيلبس عن السيد المسيح إنه "يسوع" أي "يهوه مخلص"، ليعلن لنثنائيل إنه المخلص الذي طالما تحدث عنه الناموس والأنبياء. أما دعوته "ابن يوسف" فلا يعني إنه من زرعه، وإنما ليؤكد إنه من بيت داود الذي جاء منه يوسف.

"فقال له نثنائيل:

أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟

قال له فيلبس: تعال وانظر" (46).

v هذه ليست كلمات غير مؤمن، ولا من يستحق اللوم بل المديح. كيف هذا؟ وبأية كيفية؟ لأن نثنائيل كان يهتم بكتابات الأنبياء أكثر من فيلبس. فقد سمع من الكتب المقدسة أن المسيح يأتي من بيت لحم، من قرية داود... شخصية نثنائيل لا تنخدع بسرعة. لكنه لم يرذل من جاء إليه بل دخل إلى (المسيح) نفسه برغبة عظيمة شعر بها من نحوه. شعر في داخله أن فيلبس ربما أخطأ في الموضع (لا في الشخص).

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى الأب Bede أن كلمة "ناصرة" تتناسب مع أسرار المسيح، فهي تترجم "عن النقاوة"، أو "زهرته" أو "منفصل". فالرب مخلص العالم هو القدوس الذي بلا دنس، المنعزل عن الخطايا. يقول في نشيد الأناشيد: "أنا زهرة السهل، زنبقة الوادي" (نش 1:2 LXX) ويقول عنه إشعياء النبي: "ويخرج قضيب من جزع يسى وينبت غصن من أصوله" (1:11).
"ورأى يسوع نثنائيل مقبلاً إليه فقال عنه:

هوذا إسرائيلي حقًا لا غش فيه" (47).

امتدحه الرب بكونه إسرائيليًا لا غش فيه، أي بالحق جاء من نسل يعقوب الذي يجاهد من أجل الرب، فتأهل أن يُدعى "إسرائيل" (تك 32: 28). بقوله "إسرائيلي حقًا" يعني أنه أهل لأن يكون من نسل يعقوب، ليس فقط يؤمن بإلهه، وإنما أيضًا يتعبد له مجاهدًا بإخلاص وبحق. وبقوله: "لا غش فيه" يعني أنه وسط الفساد الذي اتسم به الشعب في ذلك الوقت احتفظ نثنائيل باخلاصه في إيمانه وحياته، يسلك بالبرّ والاستقامة.

v كمن يقول له: "وأنت تحت ظل الخطية أنا اخترتك"، وإذ تذكر نثنائيل أنه كان تحت شجرة التين حين لم يكن أحد هناك عرف لاهوته وأجاب: "أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل". ذاك الذي كان تحت شجرة التين لم يصر شجرة تين جافة، فقد عرف المسيح.

القديس أغسطينوس

"قال له نثنائيل:

من أين تعرفني؟

أجاب يسوع وقال له:

قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك" (48).

ماذا تعنى شجرة التين؟

أولاً: يرى الأب Bede أن شجرة التين أحيانًا تشير إلى عذوبة الحب الإلهي، ولكن إذ أبوانا الأولان صنعا لنفسيهما ثيابًا من أوراق التين صارت شجرة التين تشير إلى الميل للخطية، والتستر عليها عوض العذوبة الإلهية. فإن كان "نثنائيل" معناه "عطية الله"، فقد فسدت العطية بالتجائها وتسترها بالميل نحو الخطية.

ثانيًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الحديث الذي دار بين فيلبس ونثنائيل كان تحت شجرة تين.

v في هذا الموضوع تفهم شجرة التين أنها الخطية... فأنتم تعلمون أن الإنسان الأول غطى نفسه بورق التين عندما أخطأ. بهذه الأوراق التي غطيا بهما عُريهما عندما أحمر وجهيهما بسبب خطيتهما (تك ٣: ٧). وما قد صنعه الله لهما كأعضاء جعلوها بالنسبة لهم مجالاً للخزي. لو أن الشر لم يتقدم ما كان العري يسبب عدم حياء.

القديس أغسطينوس

v ليت يسوع يلقي بنظره إليّ وأنا لازلت تحت شجرة التين غير المثمرة، وليت شجرة التين التي لي تأتي بثمر بعد ثلاث سنوات (لو 6:13 الخ).

القديس أمبروسيوس

"أجاب نثنائيل وقال له:

يا معلم أنت ابن اللَّه،

أنت ملك إسرائيل" (49).

إذ تلامس نثنائيل مع شخص ربنا يسوع المسيح دعاه: "معلمًا"، "ابن الله"، و"ملك إسرائيل". إن السيد قد مدحه بأنه إسرائيلي لا غش فيه، فقد انحنى نثنائيل ليقبله ملكًا عليه وعلى كل إسرائيل.

هذا الاعتراف كان كما يقول القديس يوحنا الذهبى الفم ناقصًا. قال: "أنت ملك إسرائيل" ولم يدرك إنه ملك العالم كله ومخلصه، لهذا وإن كان قد نطق بذات كلمات سمعان بطرس: "أنت ابن الله" (مت 16:16) لم يطَّوبه الرب كما طّوب سمعان بطرس. لم يدرك نثنائيل لاهوت السيد وحقيقة شخصه، بل ظنه معلمًا ساميًا فحسب.

"أجاب يسوع وقال له:

هل آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة؟

سوف ترى أعظم من هذا" (50).

يرى البعض أن نثنائيل اعتاد مثل بعض الحاخامات أن يجلس تحت شجرة تين في هدوء يقرأ في الكتاب المقدس ويناجي الله، ويطلب خلاص نفسه وخلاص إسرائيل. عينا الله على أولاده، خاصة في جلساتهم الهادئة للتمتع بالتأمل في الله وفي أعماله الخلاصية.

"وقال له:

الحق الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة،

وملائكة اللَّه يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (51).

يرى البعض أن هذا التشبيه مأخوذ مما كان متبعًا حين يذهب أمير إلى بلد ما يأتي سفراء بلده ذاهبين إليه وراجعين إلى بلده يحملون إليه ومنه رسائل. هكذا فإن الملائكة السمائيين هم رسل يُرسلون لخدمة ملكهم الذي تنازل وتجسد ليسلك على الأرض كابن الإنسان.

بينما شهد له نثنائيل: "أنت ابن الله؛ أنت ملك إسرائيل" )٤٩(، إذا به في تواضعه يدعو نفسه ابن الإنسان.

ربما يتحدث هنا عن ظهوره في مجيئه الثاني ليدين العالم.

v أرأيت كيف يصعد المسيح بنثنائيل من الأرض قليلاً قليلاً، ويجعله ألا يظنه إنسانًا مجردًا؟ لأن من تخدمه الملائكة وتصعد عليه وتنزل كيف يكون هذا إنسانًا؟ لهذا السبب قال له: "سوف ترى أعظم من هذا" )50( ولتأكيد ذلك قدم خدمة الملائكة له.

ما قاله يعنى هذا "هل تحسب يا نثنائيل أنه أمر عظيم بان تعترف بي إني ملك إسرائيل؟ فما الذي تقوله عني إذا رأيت الملائكة صاعدين ونازلين إليَّ؟" بهذه الأقوال حقق المسيح عند نثنائيل أنه رب الملائكة، لأن الملائكة يصعدوا وينزلوا إليه كخدام لابن ملكهم الحقيقي.

حدث ذلك في وقت صلبه وفي وقت قيامته، وعند صعوده، وقبل ذلك حين تقدموا وخدموه (مت 4: 11)، وحين بشروا بمولده لما قالوا: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" (لو 2: 14)، وعندما جاءوا إلى مريم، وجاءوا إلى يوسف.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v إن كانوا يصعدون وينزلون إليه فهو موجود فوق وهنا في نفس الوقت. فإنه لا يمكن بأية حال أن يصعدوا وينزلوا إليه ما لم يكن موجودًا هناك حيث يصعدون وهنا حيث ينزلون...

لنرى المسيح فوق وأسفل خلال شاول، فقد جاء صوت الرب نفسه من السماء قائلاً: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟" (أع ٩: ٤) ماذا؟...

من أين صرخ؟ من السماء، فهو إذن فوق.

ويقول لماذا تضطهدني؟ "فهو أيضًا تحت (لأن بولس لم يصعد إلى السماء ليضطهده).

القديس أغسطينوس

يرى القديس أغسطينوس أن رؤيتنا للسيد المسيح والملائكة يصعدون وينزلون إليه أعظم من وجودنا تحت ظل شجرة التين أو تحت ظل الموت. أما الملائكة فهم رسل السيد المسيح وتلاميذه. كمثال صعد بولس حين اختطف إلى السماء الثالثة وهو في الجسد أو خارج الجسد لا يعلم، لكنه سمع أمورًا لا يُنطق بها (2 كو 12: 2-4). وهو بنفسه نزل حينما لم يتكلم مع أهل كورنثوس كروحيين بل كجسديين كأطفالٍ في المسيح، يطعمهم لبنًا لا لحمًا (1 كو 3: 1-2). ذاك الذي صعد إلى السماء الثالثة من أجل المسيح، من أجله نزل إلى الشعب ليتحدث معهم بلغة الأطفال غير الناضجين متشبهًا بالأمهات عند حديثهن مع أطفالهن الصغار. لقد صعد ونزل حيث يقول: "إننا إن صرنا مختلين فللَّه، أو كنا عاقلين فلكم" (2 كو 5: 13).

يقول القديس أغسطينوس: [إن كان الرب نفسه صعد ونزل، فواضح أن الكارزين به يصعدون بالاقتداء به، وينزلون بالكرازة].
أسفار الكتاب المقدس
أعلى