|
من تفسير وتأملات
الآباء الأولين
صموئيل الأول
القمص تادرس يعقوب ملطي
كنيسة الشهيد مار
جرجس باسبورتنج
باسم الآب والابن
والروح القدس
الله الواحد، آمين
اسم
الكتاب: تفسير صموئيل الأول.
المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.
الطبعة:
الناشر: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج.
المطبعة:
رقم
الإيداع:
مقدمة في سفر صموئيل الأول
تسميته :
سفرا صموئيل الأول والثاني في الأصل العبري سفر واحد يحمل اسم "صموئيل"، ليس فقط
لأن صموئيل يحتل الدور الرئيسي في الجزء الأول من السفر، وإنما أيضًا لأنه هو أول
من مسح ملوكًا لإسرائيل: شاول، داود، وهو أول من قدم هذا النوع من الكتابة النبوية
التاريخية بوحي الروح القدس، كما قام بأدوار رئيسية أخرى وردت في هذا لسفر.
كلمة "صموئيل" ليس كما
يظن البعض تعني "سأل الله"؛ معتمدين على العبارة: "ودعت اسمه صموئيل، قائلة: "لأني
من الرب سألته" (1 صم 1: 20)؛ إنما تعني "سمع الله"، فإن كانت حنة قد قالت "من الرب
سألته" إنما عنت أن "الله سمع سؤالها". عبارة "سألت الله" أقرب إلى "شاول" منها إلى
صموئيل.
ويرى البعض إن كلمة "صموئيل" تعني "اسم الله" أو "اسمه إله".
قُسم السفر إلى اثنين
في الترجمة السبعينية لمجرد أسباب عملية، إذ كانت هناك حاجة إلى استخدام درجين
(لفتين roll)
عوض درج واحد. واعتبرتهما ضمن "أسفار المملكة"، حيث ضمت الأسفار الحالية الأربعة (1
صم، 2 صم، 1 مل، 2 مل) بكونها تحوي تاريخًا كاملاً لمملكتي إسرائيل ويهوذا. وقد
اتبع القديس جيروم ذات التقسيم في ترجمة الفولجاتا اللاتينية، ودعاها "أسفار
الملوك"Regum
(1 مل، 2 مل، 3 مل، 4
مل)،
عوض "أسفار المملكة".
أُخذ بهذا التقسيم في
الكتاب المقدس العبري في القرن الرابع عشر، وظهر في الطبعة الثانية لدانيال بومبرج
Danial Bomberg
في فينيسيا عام 1517.
إذن جاءت التسمية
الحالية "صموئيل الأول وصموئيل الثاني" عن العبرية، مع استخدام التقسيم اليوناني.
كاتبهما :
بحسب التقليد اليهودي
الذي تسلمته كنيسة العهد الجديد كاتب السفرين هما صموئيل النبي - رئيس مدرسة
الأنبياء ومؤسسها - إلى ما قبل خبر نياحته وجاد وناثان لتكملة السفرين (1 أي 29:
29-30).
واضح أن مدرسة الأنبياء
التي أسسها صموئيل النبي كانت مركز الثقافة اليهودية، لذا احتفظت بسجلات خاصة
بمعاملات الله مع شعبه، كما يظهر من القول: "فكلم صموئيل الشعب بقضاء المملكة وكتبه
في السفر ووضعه أمام الرب" (1 صم 10: 25). يشير (2 أي 9: 29) إلى ناثان النبي ومعه
أنبياء آخرون كمصدر لتاريخ مُلك سليمان.
موضوعه :
1. إقامة مملكة في
الشعب؛ يحوي تاريخ حوالي 115 سنة من ميلاد صموئيل سنة 1171 ق.م. إلى موت شاول.
لقد قدمت لنا الأصحاحات
الستة الأولى صموئيل كنبي ومن الأصحاح السادس أبرز السفر دوره أيضًا كقاضٍ. أما
صموئيل الثاني فيُبرز داود كملك لا منازع له، يستولى على أورشليم ويقيمها مركزًا
جديدًا للعبادة بإحضار التابوت وإقامته في المدينة (2 صم 5-6).
2. بالنسبة لإقامة ملك
لإسرائيل، فقد كان الله نفسه ملكًا على الشعب، هو يختار لهم القادة كأنبياء مثل
موسى، وصموئيل أو قضاة كجدعون وشمشون وصموئيل. ولكن لما زاغ الشعب والكهنة عن الحق
حلّت بهم تأديبات الرب المتكررة في سفر القضاة، حتى متى شعروا بخطاياهم ورجعوا إلى
الله بالتوبة يستجيب لهم ويرسل لهم قاضيًا يُخلصهم. بهذا لم تكن وظيفة القاضي رسمية
تُسلم بالخلافة ولا مقصورة على سبط معين. وقد بلغ الانحطاط ذروته حتى ارتكب أبناء
الكهنة والقضاة الشرور، وصاروا عثرة للشعب مثل ابني عالي الكاهن وأولاد صموئيل. شعر
الشعب بما وصلوا إليه من انحطاط هم وقادتهم، ففكروا في العلاج بأسلوب بشري، بإقامة
ملك يدافع هو وأولاده عنهم.
إذ تحدث هذا السفر عن
بدء إقامة ملوك لإسرائيل، لذا نجده لأول مرة في الكتاب المقدس يُلقب الله "رب
الجنود" (1: 3)، ليُذكر هذا اللقب بعد ذلك أكثر من 280 مرة. وكأن الوحي قد أراد
تأكيد أن الله هو الملك المهتم بشيءون شعبه ومدبر أمورهم.
إذ تحدث السفر عن مسح
الملوك، لأول مرة أيضًا نسمع في الكتاب المقدس عن "مسح الرب": "الرب يدين أقاصي
الأرض ويعطي عزًا لملكه ويرفع قرن مسيحه" (2: 10). وقد دُعي الملوك مسحاء الرب
بكونهم رمزًا للسيد المسيح الذي يملك على الصليب، ويقيم ملكوته في القلب. لهذا لا
نعجب إن رأينا داود لا يمد يده ضد شاول بالرغم من رفض الله له، ذلك لأنه مسيح الرب
(1 صم 26: 11). هذا وقد صار داود نفسه رمزًا للملك المسيح الذي جاء من نسله حسب
الجسد. لذا أكد العهد الجديد نسب ربنا يسوع المسيح لداود في سلسلة الأنساب، وأنه
وُلد في مدينة داود، وأنه بالحقيقة ابن داود (راجع أع 2: 25-31؛ رو 1: 3).
هذا ويلاحظ أن هذا
السفر [وتكملته (2 صم)] لا يهدف إلى تقديم تاريخ للدين، إنما ركز اهتمامه الأساسي
في عرضه لتاريخ إسرائيل على الكشف عن دور الله في حياة شعبه، إذ هو يحكم التاريخ
ويوجهه، خاصة في سلسلة الأحداث التي بها أدخل الله النظام الملكي أو سمح به، حيث
وجهه إلى بيت داود ليملك إلى الأبد، كبيت مسياني يحمل وعدًا بديمومته.
سماته :
1. يعتبر العرض التاريخي في سفري صموئيل الأول والثاني أول عرض
تاريخي رائع في تاريخ البشرية. فقد سبق الكاتب - بالوحي الإلهي - كل
المؤرخين في منهجه.
فيما يلي تعليقات بعض
الدارسين في هذا الأمر:
[قال أحد العلماء في
العصر الحديث: "إن سفر صموئيل سفر رائع للغاية، لا يفوقه شيء في تاريخيته وفي تبصره
بالطبيعة البشرية وأسلوبه الأدبي وقوة تصويره للحوادث". ويُظهر هذا السفر طرائق
الله في معاملته للأشخاص سواء كانوا خيرين أم أشرارًا، وكذلك يظهر طرائق معاملة
الله للشعوب، ويعطينا صورة صادقة لأعمال الله في قضائه وعقابه (تأديباته) كما في
غفرانه ورحمته].
[يلزمنا أن ندرك أن
سفري صموئيل يحويان بطريقة غير عادية تاريخًا موضوعيًا وأصيلاً، خاصة تاريخ داود
الملوكي. لأول مرة نجد كتابات ما يمكن أن يُسمَّى بالتاريخ في معناه العادي الحديث
بمعنى الكلمة. واضح أن تاريخ القصر (الملكي) كُتب بيد شاهد عيان للأحداث، أو باليد
التي تقدم المعلومات لأول مرة. لقد كتب القصة بصراحة بأقل ما يمكن من الوعظ. لقد
رأى يد يهوه في الأحداث، لكنه كان يفكر في يهوه العامل خلال الأشخاص والأحداث في
الحياة العلمانية أكثر مما هو خلال المعجزات. وفي رأي بعض الدارسين أن واضع هذا
التاريخ الملوكي هو أول مؤرخ في القديم بطريقة جازمة].
كتب
Robert H. Pfeiffer
عن واضع سفري صموئيل الأول والثاني بكونه رائد التاريخ الذي سبق كل المؤرخين،
قائلاً: [هو أبو التاريخ بكل ما تحمل الكلمة من معنى أكثر من هيروديت الذي جاء بعده
بحوالي نصف ألف سنة. حسب معرفتنا هو الذي خلق التاريخ كفن، يستعرض الأحداث الماضية
خلال فكر عظيم... من غير أن يكون أمامه نموذج سابق له يقتدي به. كتب نموذجًا
رائعًا، لم يتخطَّ الحقيقة التاريخية، حاملاً نظرة سيكلوجية، بأسلوب أدبي في إخراج
(تمثيل) قوي].
2. ألقى سفرا صموئيل
الأول والثاني ضوءًا على أهم المؤسسات الدينية في ذلك الوقت، مثل النبوة [مدرسة
الأنبياء] والكهنوت [العمل الروحي للكاهن ودوره التعبدي الطقسي غير المنفصل عن حفظ
الوصية والطاعة لله بفهم روحي] والمسيانية [الملوك كمسحاء الرب يلتزمون بالطاعة لله
في اتضاع لخدمة الشعب].
هذه المؤسسات يقودها
روح الله القدوس بكونه أقنومًا إلهيًا، إذ هو:
·
يهب
النبوة [1 صم 10: 6].
·
يمنح
القلب الجديد [1 صم 10: 9].
·
يعطي
الغيرة الصالحة [1 صم 11: 6].
·
يمنح
المواهب [1 صم 16: 13، 18].
·
يحفظ
الإنسان من الأرواح الشريرة [1 صم 16: 14].
3. يمكن اعتبار سفر
صموئيل الأول مقالاً عن الصلاة وثمارها في حياة المؤمنين:
·
جاء
صموئيل النبي بركة للشعب ثمرة صلوات أمه [1 صم 1: 10-28].
·
نال
إسرائيل النصرة بصلوات صموئيل النبي [1 صم 7: 5-10].
·
إذ رفض
الشعب الله كملك عليهم لجأ صموئيل إلى الصلاة فعزاه الله
[1 صم 8: 5-6].
·
الصلاة
تهب إعلانًا عن الأسرار الإلهية [1 صم 9: 15].
·
اعتبر
صموئيل كفه عن الصلاة من أجل شعبه خطية [1 صم 12: 13].
·
إذ رفض
الله شاول سد أذنيه عن صلاته [1 صم 28: 6].
يمكننا القول بأن آية
هذا السفر الرئيسية هي: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطئ إلى الرب فأكف عن الصلاة من
أجلكم" (1 صم 12: 23).
أقسامه :
1. صموئيل النبي
والقاضي [1 صم 1-7].
2. شاول
الملك [1 صم 8-15].
3. داود
الملك [1 صم 16-31].
وحدة السفر :
يرى بعض النقاد إن سفري
صموئيل الأول وصموئيل الثاني قد كررا الحديث عن بعض الأحداث، فقال بعضهما بأنهما
جاءا تجميعًا لمصدرين،
أحدهما مصدر مبكر Early Source
يحبذ النظام الملكي، والآخر مصدر متأخرLate Source
كتب في عصر السبي أو ما بعد السبي يُضاد النظام الملكي ويحمل جانبًا وعظيًا أكثر
منه تاريخيًا، حيث ظهرت مساوىء النظام الملكي وفساده. بلغ بالبعض أن قسم عبارة
واحدة إلى شطرين، ينسبون جزءًا منها للمصدر المبكر والآخر للمتأخر. كما نادى فريق
آخر بأن السفرين جاءا عن ثلاثة مصادر
أو أكثر.
وإنني أذكر هنا كلمات القديس أغسطينوس القائل: [بإن المصاعب التي يثيرها
البعض عن الكتاب المقدس تدفعنا بالأكثر إلى التمتع بأعماق جديدة خلال دراستنا
للكتاب المقدس].
قدم
Oesterley and Robinson
وغيرهما عرضًا لأهم الأحداث التي ركز عليها النقاد بكونها تكررت في السفرين،
وسأقدم ردّ بعض الدارسين إلى ذلك:
1. تأسيس النظام الملكي
في مجموعة معادية للنظام الملكي (مثل 1 صم 8؛ 10: 17-25)، وأخرى محبذة للنظام
الملكي (مثل 1 صم 9: 1-16؛ 11: 1-15).
إذا رجعنا إلى النصوص
لا نجد تعارضًا بينها بل انسجامًا، إذ يلاحظ الآتي:
أ. في (1 صم 8) استاء
صموئيل النبي من طلب الشعب إقامة ملك لهم، وهذا أمر طبيعي، إذ يعني هذا الطلب
الآتي:
I.
نكرانًا لخدمة صموئيل النبي الذي عاش بينهم باذلاً ومحبًا. لقد انحرف أولاده لكنه
لم يلزمهم بقبولهم قضاة لهم، وكان يليق بهم أن ينتظروا عمل الله الذي يقيم لهم
قاضيًا يخلصهم كما حدث قبلاً معهم.
II.
تجاهلاً لعمل الله المستمر معهم في عصر القضاة، فكان يليق بهم أن ينسبوا الفشل لا
إلى نظام الحكم الإلهي Theocaratical System
(بطلب النظام الملكي
Monarchy)
بل إلى انحرافهم عن الله وفسادهم الروحي.
III.
رغبتهم في التشبه بالأمم (1 صم 8: 5)، مهتمين بالمظاهر الخارجية.
أما نسبة مثل هذا النص
إلى مصدر متأخر كُتب أثناء السبي أو بعده حيث ظهرت مساوىء النظام الملكي وأنه لم
يُكتب في أيام صموئيل النبي، فيرد عليه بأن الشعب كان قد احتك بالأمم والشعوب
المجاورة، وإن كانوا قد طلبوا أن يكون لهم ملك مثل سائر الشعوب لكنهم شعروا كيف تئن
هذه الشعوب من نير الملوك الطغاة المستغلين لشعوبهم، فقد عانى آباؤهم أيضًا من
مرارة الأستعباد على يد الفراعنة. أما ما هو أهم من ذلك فهو أن النقاد في كتاباتهم
تجاهلوا العنصر الإلهي أو الوحي، لذا ينسبون بعض الأسفار إلى عصور متأخرة عن
كتابتها لمجرد إشارتها إلى أحداث مستقبلية، حاسبين أن الكاتب لابد أن يكون معاصرًا
أو لاحقًا للأحداث، إذ لا يقبلون قدرة الوحي عن الحديث عن أمور مستقبلية خلال
النبوة. هنا نجد صموئيل النبي يعارض طلب الشعب على الله، وفي صراحة يعلن استياءه من
الطلب، وبالرغم من استجابة الطلب إلا إن الله كشف لصموئيل عما سيحدث من مساوىء
للملوك القادمين، وقد نقل صموئيل هذه الصورة بأمانة للشعب. إذن استياء صموئيل
وحديثه الذي يبدو معاديًا للنظام الملكي لا ينسب لعصر السبي أو ما بعد السبي كما
يدعي بعض النقاد إنما هو حديث نبوي فيه يكشف النبي عما سيحل بهم من جور الملوك.
ب. أما بالنسبة للنصوص
التي تبدو محبذة للنظام الملكي، مثل قول الرب لصموئيل النبي: "غدًا في مثل الآن
أُرسل لك رجلاً من أرض بنيامين، فامسحه رئيسًا لشعبي إسرائيل فيخلص شعبي من يد
الفلسطينيين، لأني نظرت إلى شعبي لأن صراخهم قد جاء إليّ" (1 صم 9: 16)، فلا يعني
هذا تناقضًا للعبارات أو النصوص السابقة؛ إنما هذه هي طبيعة الله الصالحة إنه يراعي
الحرية البشرية، خاصة إن كان الطلب جماعيًا. لقد أعطاهم سؤل قلبهم، مستخدمًا بصلاحه
شرهم للخير. هذا ما سبق أن فعله مع أخوة يوسف حيث استخدم بيعهم لأخيهم عبدًا فرصة
لإقامة النبتة الأولى لشعبه في مصر. لقد عزّى قلب نبيَّه صموئيل قائلاً له: "لأنهم
لم يرفضوك أنت بل إياي رفضوا حتى لا أملك عليهم"(1 صم 8: 7)، وفي نفس الوقت قال له:
"فالآن أسمع لصوتهم" (1 صم 8: 9).
2. أصل المثل "أشاول
أيضًا من الأنبياء؟!".
قيل هذا المثل حين حلّ روح الرب على شاول وتنبأ بين الأنبياء يوم مسحه ملكًا (1 صم
10: 11)، وأيضًا حين طارد داود إلى نابوت حيث كان يسكن صموئيل، إذ تنبأ أمام صموئيل
وداود بعد أن خلع ثيابه (الخارجية) وانطرح عريانًا النهار كله والليل كله (1 صم 19:
24). لقد ادعى Welhausen
أن النص الثاني وليد عصر متأخر مبغض للملكية، إذ يظهر شاول في صورة مزرية يستمتع
بها صموئيل وداود.
يُرد على ذلك بأن المثل
قيل في المرة الأولى عند مسحه لأن الله أعطاه قلبًا أخر (1 صم 10: 9)، وصار المثل
بين عارفيه بكونه لم يدخل مدرسة الأنبياء ولم يتوقع أحد نواله نعمة النبوة كعطية
إلهية، فصارت مثلاً في حدود ضيقة بين عارفيه وأصدقائهم (1 صم 10: 11-12). أما
تكرارها في المرة الثانية بعد زيغان قلبه فهو أمر طبيعي لشخص مثل شاول عُرف بتقلبه
المستمر وانفعالاته القوية المتغيرة، كما يظهر في معاملاته مع داود، تارة يبكي
أمامه ويمدحه وأخرى يصوب الرُّمح ضده ليعود فيقيم معه عهدًا ثم ينقصه... لقد رأى
صموئيل وداود فثارت فيه ذكريات كثيرة هزت نفسه فترنح، وخلع ثوبه الخارجي ليهذ في
النبوة... هنا يتكرر المثل الذي بدأ يُشاع ليتثبت أكثر، إذ تنبأ شاول الذي سبق
فانحرف مقاومًا الحق. أما صموئيل وداود فلم ينظرا إليه بهزء كما ظن
Welhausen.
3. يدعى بعض النقاد أن
مبايعة شاول في المصفاة (1 صم 10: 17-27) جاءت عن مصدر متأخر مقاوم للنظام الملكي
بينما تجديد المملكة في الجلجال (1 صم 11: 14) جاء عن مصدر مبكر محبذ للنظام
الملكي. يُرد على ذلك بأنه كان لزامًا على صموئيل النبي عند مبايعته لشاول في
المصفاة أن يبرز أن الله استجاب لطلب الشعب وأعطاهم سؤل قلبهم بالرغم من رفضهم
لملكه، مبرزًا صلاح الله ومعاملاته الرقيقة مع الإنسان. أما في الجلجال إذ صارت
غلبة على الأعداء وقد رفض شاول قتل بني بليعال (من شعبه) لأنهم رفضوا قبلاً قائلاً:
"لا يُقتل أحد في هذا اليوم، لأنه في هذا اليوم صنع الرب خلاصًا في إسرائيل" (1 صم
11: 13)، لهذا كان لائقًا أن يُمدح شاول وتجدد مملكته ويكون فرح وسط الشعب.
هنا نود تأكيد أن
صموئيل النبي لم يهدف إلى مقاومة نظام سياسي معين أو تحبيذه إنما كان يرفض كل فساد
داخلي وكل علاج مقنّع يحمل مظهرًا خارجيًا دون إصلاح روحي داخلي. حين كان شاول يسلك
حسب الوصية امتداحه صموئيل النبي علانية وحين انحرف صار يوبخه في شجاعة وبصراحة.
هذا ونجد صموئيل مسح داود وكان سندًا له حتى النهاية.
4. أورد السفر قصتين
متشابهتين بخصوص
سماحة داود النبي
عندما سقط شاول مطارده بين يديه (1 صم 24، 26). ويلاحظ أن القصتين تمثلان واقعتين
مختلفتين:
أ.
تكرارهما أمر طبيعي لما عاناه شاول من مرض نفسي، فكان متقلب المزاج، فبعد أن رفع
شاول صوته وبكى معلنًا لداود: "أنت أبر مني لأنك جازيتنني خيرًا وأنا جازيتك شرًا"
(1 صم 24: 17) عاد ليُطارد مرة أخرى.
ب. في المرة الأولى (1
صم 24) أبلغ الزيفيون شاول عن موقعه في تل حخيلة إذ كانوا أعداء له، أما في المرة
الثانية (1 صم 26) ففعلوا ذلك خوفًا من الانتقام.
ج. مع وجود تشابه في
القصتين مثل تقدير رجال شاول بـ 3000 حارس، لأنهم حرسه المرافق له، فإن القصتين
تكشفان عن مناسبتين مختلفتين:
أ. في الأولى كان شاول
في كهف نهارًا، أما في الثانية فكان في معسكر ليلاً.
ب. في الأولى هرب داود
مسرعًا، أما في الثانية التجأ إلى الفلسطينيين لأن داود النبي فقد الثقة تمامًا في
شاول بعد تكرار الأمر، (هكذا يؤكد حدوث الأمر مرتين).
لكي لا أطيل الحديث
فإنني سأعرض للأحداث التي أوردها النقاد بكونها متكررة في دراستنا لصلب السفر
وتفسير ذلك. هنا أود أن أكرر ما ذكره بعض الدارسين الذين فندوا آراء هؤلاء النقاد،
وهو:
أ. أن العمل ليس وليد
مصدرين - واحد لاحق وآخر سابق، إنما هو عمل مترابط يحمل هدفًا واضحًا بعرض رائع
منسجم معًا.
ب. لم يُوضع السفران
بهدف تاريخي بل بقصد الكشف عن خطة الله ومعاملاته مع شعبه، لذا جاءت الأحداث
الواردة فيهما ليست دائمًا مرتبة على أساس زمني.
ج. أجمعت الآراء أن
سفري صموئيل الأول والثاني امتازا باللغة العبرية الفصحى التي تدل على أن الوقت
الذي كتب فيه كان العصر الذهبي للأدب العبري. فلو كان السفران أجزاء متناثرة من
عصور مختلفة لما حملت هذا الطابع الأدبي الرائع.
د. يقولDriver
إن السفر حوى بعض عبارات شائعة الاستعمال في ذلك الوقت (العصر المبكر) مثل: "حية هي
نفسك"، "بنو بليعال"، "رب الجنود"، "وهكذا يعمل الرب وهكذا يزيد"، "مبارك أنت من
يهوه (الله)" الخ...
الباب الأول
صموئيل الأول
[1
صم 1-7]
1.
ميلاد صموئيل [1].
2.
نشأة صموئيل [2].
3.
دعوة صموئيل [3].
4.
خدمة صموئيل [4-7].
مرحلة انتقالية
[1 صم 1-7]
تمثل حياة صموئيل النبي
والقاضي مرحلة انتقالية، خلالها عبر إسرائيل من حكم القضاة إلى النظام الملكي. وُلد
صموئيل من والدين تقيين كثمرة لصلاة أمه
وإيمانها،
تعهده عالي الكاهن والقاضي، رجل تقي ضعيف الشخصية خاصة أمام ابنيه.
تربى صموئيل في بيت
الرب بشيلوه حيث استقرت خيمة الاجتماع هناك حوالي 300 سنة، إذ خربها الفلسطينيون في
إحدى هجماتهم، غالبًا بعد معركة افيق (1 صم 4)، إذ لم يرجع التابوت بعد ذلك إليها.
جاء تاريخ حياته كقاضٍ
(1 صم 7: 6، 15-17) مثل عالي الكاهن له سمة خاصة هو الدور الروحي العامل بالصلاة
وتقديم المشورة دون قيادة الجيوش للخلاص بواسطة الحروب. اتسم بالإصلاح الروحي قدر
المستطاع إذ اتسم الشعب بالزيغان عن الله والجهل وهما السمتان اللتان غلبتا عليهم
في عصر القضاة، لذا سمح الله لهم بالمذلة على أيدي الفلسطينيين.
طلب الشعب إقامة ملك
لهم مثل سائر الأمم. حسب صموئيل النبي ذلك رفضًا لمُلك الله وله، لكن بأمر إلهي مسح
لهم شاول ملكًا الذي اتسم بالعصيان فرفضه الله. مُسح داود ملكًا في الخفاء وبقى
شاول يطارده طالبًا قتله مهما كلفه الثمن.
الأصحاح الأول
ميلاد صموئيل
وُهب صموئيل لأمه التقية والعاقر حنَّة من قبل الرب، إذ جاء ابنًا لإيمانها
وصلواتها، وتربى في هيكل الرب، ليكون سبب بركة للكثيرين.
1. حنة التقية
العاقر [1-8].
2. ابن الصلاة
[9-18].
3. ميلاد
صموئيل [19-23].
4. صموئيل عارية
الرب [34-28].
1.
حنة التقية العاقر :
كان لألقانة امرأتان:
فننة وتعني "مرجانة" أو "لؤلؤة"، وحنّة وتعني "حنان" أو "نعمة".
أ. قيل عن ألقانة إنه
أفرايمي [3] لأنه سكن في جبل أفرايم، لكنه كان من سبط لاوي من عشيرة قيهات (1 أي 6:
22-28، 32-38)، لكنه لم يمارس منصب اللاويين. كان رأسًا لعشيرة صوفيم التي تسمى بها
قرية "رمتايم صوفيم" أي "رابيتا الصوف" أو "مرتفعتا الصوف"،
وقد دعيت هكذا لتمييزها عن المدن الأخرى التي حملت ذات الأسم "رامة". ربما هي "رام
الله" الحالية.
ب. اعتاد ألقانة أن
يأخذ كل أفراد أسرته إلى شيلوه ليسجد ويذبح للرب، أي يقدم ذبيحة سلامة (لا 7:
11-21). يرى البعض أنه كان يصعد لتقديم ذبيحة خاصة بعائلته، بخلاف التزامه بالصعود
في الأعياد الثلاثة: عيد الفطير أو الفصح، عيد الحصاد أو الخمسين، عيد المظال (خر
23: 14)، غير أن بعض الدارسين يرون أن اليهود في ذلك الوقت اكتفوا بالصعود مرة
واحدة سنويًا للاحتفال بعيد الحصاد بفرح عظيم، وهذ ما جعل عالي الكاهن يظن أن حنة
سكرى.
كانت شيلوه أو شيلو
(غالبًا سيلون الحالية) هي مركز العبادة، اختارها يشوع مقرًا للخيمة والتابوت،
وفيها قسم البلاد عن الأسباط (يش 18: 1، 8). سكنها عالي الكاهن وصموئيل النبي، كما
سكنها أخيّا النبي (1 مل 14: 2)، وهي تبعد حوالي 17 ميلاً شمال أورشليم.
ج. كان ألقانة يحب حنة
العاقر، ويعطيها نصيب اثنين الأمر الذي غالبًا ما ألهب قلب ضرتها فننّة ليزداد
حسدًا وغيرة. لعل ألقانة -وهو رجل- قد أخطأ في هذا إذ وسّع الهوة بين المرأتين. على
أي الأحوال حملت المرأتان رمزًا لكنيستي العهدين القديم والجديد. فإن كانت فننة
تعني "لؤلؤة" أو "مرجانة" وأنجبت أولادًا، فإن كنيسة العهد القديم قد تمتعت بكنوز
الله إذ تسلمت الشريعة ونالت المواعيد وأنجبت رجال الله الآباء والأنبياء إلخ...
لكن هذه الأم الولود صارت عاقرًا عندما رفضت الإيمان بالسيد المسيح، وكما ترنمت
حنة، قائلة: "العاقر ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت" (1 صم 2: 5). أما حنة فاسمها
يعني "حنانًا" أو "نعمة"، إذ تمتعت كنيسة العهد الجديد بحنان الله الفائق المعلن
خلال ذبيحة الصليب ونعمة الروح القدس واهب البنوة لله والشركة معه. إنها الكنيسة
المحبوبة لديه، جمعت من الأمم من كانوا عواقر لينجبوا بنين الله.
لقد سمح الله لحنة
التقية أن تشبع نفسها من المرارة لتصرخ من أعماق قلبها فيهبها الابن الذي سبق أن
أعده لها، بل ولكل شعبه، والذي صارت حياته وخدمته جزءًا لا يتجزأ من الكتاب المقدس.
هكذا يسمح الله لكنيسته في تقواها أن تدخل تحت الآلام لتشاركه ضيقة الصليب وتختبر
موته فيها فتثمر بهجة داخلية وسلامًا فائقًا للعقل. "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد
أيضًا معه" (رو 8: 17).
لقد تركها الرب وسط
الآلام "سنة بعد سنة" [7]، لكنها إذ انتظرت إلى ملء زمانها قدم لها الرب أكثر مما
سألت أو فكرت، فنالت "صموئيل" العظيم بين الأنبياء.
د. تأمل عتاب رجلها
الذي يحبها، واهبًا إياها نفسه قبل أن يقدم لها نصيبًا مضاعفًا، إذ يقول لها: "يا
حنة، لماذا تبكين؟ ولماذا لا تأكلين؟ ولماذا يكتئب قلبك؟ أمَا أنا خير لكِ من عشرة
بنين؟!" [8]. هكذا يعاتبنا رب المجد يسوع عريس نفوسنا: "لماذا تحزن على أمور زمنية؟
أو بسبب ضيقات وقتية؟ أما أستطيع أن أشبعك وأُعزيك؟ أما يكفيك أني عريس نفسك
الأبدي؟!".
ليتنا نردد مع الرسول
بولس قائلين: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضًا معه
كل شيء؟!... من سيفصلنا عن محبة المسيح؟! أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم
خطر أم سيف؟!... فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا
أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة
الله التي في المسيح يسوع ربنا" (رو 8: 32-39).
لنحب الله من أجل
شخصيه، لنقبله ساكنًا فينا، فيعلن ملكوته الإلهي في داخلنا ولا يحرمنا حتى من
البركات الزمنية مادامت لبنياننا... هكذا تمجد الله في حنة وأعطاها صموئيل ثمرة
إيمانها وصلواتها.
2.
ابن الصلاة :
أ. كانت حنة مُرّة
النفس [10]، هذه المرارة لم تمنعها عن أن تشترك في الأكل مما قُدم للرب، إذ لم يكن
هذا الأكل للتنعم واللذة إنما علامة شركة المؤمنين معًا في الذبيحة ليكون الكل
مصالحًا معًا في الله. مرارة نفسها لم تجلب لها كراهية أو حقدًا ضد ضرتها إنما طلبت
العون الإلهي ليحقق لها ما ينزع عنها عارها. اشتهت أن تنجب ليس كرغبة طبيعية في
الإنجاب وممارسة الأمومة، وإنما لما هو أقوى؛ فإن كل سيدة يهودية كانت تترقب أن
يأتي المسيا من نسلها، كما يظهر من تسبحة حنة نفسها عندما قدمت ابنها عارية للرب كل
أيام حياته (1 صم 2: 1-10).
بعد الأكل قامت لتمارس
صلاة شخصية سرية أمام هيكل الرب (دعيت الخيمة هيكل الرب لأنها كانت قد استقرت حوالي
300 سنة في شيلوه، وأقيمت حولها أبنية وأمامها باب وقائمة ومكان لجلوس رئيس الكهنة
لأجل القضاء).
صارت تُصلي وعالي رئيس
الكهنة يُراقبها لكنه لم يقدر أن يدرك سر قوة صلاتها، بل حسب المرأة سكرى [14]، أما
الرب فاستجاب لها.
صارت حنة مثلاً حيًا -
عبر الأجيال - للصلاة الصامتة النابعة عن إيمان عميق داخلي، وقد امتزجت صلاتها
بإيمانها وأيضًا بوداعتها.
فيما يلي تعليقات بعض
الآباء على صلاة حنة الصامتة، إذ تحدثت بقلبها كما بدموعها:
v
بالنسبة
لحنّة، ما أن حملت فكرًا حتى وُهب الحبل بالطفل صموئيل. يقول الكتاب: اسألوا وأنا
أعمل، فكروا وأنا أعطي. إننا نسمع عن الله أنه يعرف القلب، ولا يحكم مثلنا نحن
البشر من خلال الحركات (الظاهرة) للنفس ولا من الأحداث (الخارجية)؛ فمن السخافة أن
تفكر هكذا.
v
الصلاة
هي أن تتكلم بعظم دالة، محاورًا لله. إن كنا بالهمس دون فتح الشفتين نتحدث في صمت
فإننا نصرخ من الداخل. الله يسمع على الدوام كل حديث داخلي...
الآن إن كان البعض يحدد
ساعات معينة للصلاة - مثل الساعات الثلاثة والسادسة والتاسعة - لكن الغنوسي
(الإنسان الروحي صاحب المعرفة) يصلي خلال حياته كلها، ساعيًا أن تكون له شركة مع
الله بالصلاة.
v
يمكن
النطق بالصلاة بدون صوت، وذلك بتركيز الطبيعة الروحية الداخلية كلها على تغيير
الذهن، بدون تشتيت له عن التفكير في الله.
القديس أكليمندس الإسكندري
v
حنة -
المذكورة في الكتاب الأول من الملوك (1 صم) - رمز الكنيسة تمسكت بالصلاة لله لا
بطلبات صاخبة وإنما في صمت ووداعة في أعماق قلبها. نطقت بصلاة خفية بإيمان واضح. لم
تتكلم بصوتها إنما بقلبها، إذ عرفت أن الله يسمع مثل هذا نالت - بطريقة فعّالة - ما
طلبته، لأنها سألت بإيمان. هذا ما يؤكده الكتاب قائلاً: "كانت تتكلم في قلبها
وشفتاها فقط تتحركان، وصوتها لم يُسمع (والله سمع لها)" [13]. نقرأ في المزامير:
"تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واسكتوا" (مز 4: 4).
القديس كبريانوس
v
لم يُسمع
صوت حنة؛ لقد حققت كل رغبتها إذ كان قلبها يصرخ! أما هابيل فصلى ليس فقط وهو صامت
وإنما وهو ميت إذ كان دمه يصرخ في وضوح أكثر من أي بوق!
v
دموعها
سبقت لسانها، بها ترجت أن يذعن الله لقبول طلبتها.
v
كانت
دموعها تصرخ في أكثر وضوح من أي بوق، لذلك فتح الله رحمها، وجعل الصخرة الصماء
حقلاً مثمرًا.
إن بكيتَ تصير هكذا
تابعًا لربك، نعم فقد بكى على لعازر وعلى المدينة، كما اضطرب جدًا بخصوص يهوذا.
هكذا الأمر (البكاء) كثيرًا ما كان يفعله، لكنه لم يوجد قط ضاحكًا.
القديس يوحنا الذهبي
الفم
لم يكن ممكنًا لرئيس
الكهنة عالي أن يميز بين امرأة منسحقة الروح تستجيب السماء لتنهداتها الداخلية وبين
ابنة بليعال (اسم عبري معناه "عديم النفع" أو "شرير"، ينعت به كل شرير لا يخاف الله
(2 كو 6: 15)) سكرى... لكن الله فاحص القلوب وحده يقدر أن يميز بين هذه وتلك.
مزجت حنة صلاتها الخفية
بوداعتها فعندما اتهمها عالي الكاهن بالسكر أجابته في وداعة: "لا يا سيدي، إني
امرأة حزينة الروح ولم أشرب خمرًا ولا مسكرًا بل أسكب نفسي أمام الرب. لا تحسب أمتك
ابنة بليعال، لأني من كثرة كربتي وغيظي قد تكلمت إلى الآن" [15-16]. لقد تأثر
القديس يوحنا الذهبي الفم بهذه الوداعة فمدحها أكثر من مرة، إذ يقول: [هنا
برهان القلب المنسحق، عندما لا نكون في غضب ضد من يسبنا فلا نسخط عليهم، بل نُجيب
في حدود الدفاع عن النفس].
لقد تحدثت بأدب ولطف
واتضاع، قائلة: "لتجد جاريتك نعمة في عينيك" [18].
يظهر إيمان حنة
من قول الكتاب: "مضت المرأة في طريقها ولم يكن وجهها بعد مغيرًا" [18]. هكذا استراح
قلبها بعد الصلاة.
ليت الرب يهبنا هذا
الإيمان فلا نقلق ولا نضطرب، خاصة بعد الصلاة وتسليم أمورنا بين يدي الله أبينا.
إذ يتحدث العلامة
أوريجانوس عن فاعلية الصلاة في حياة حنة العاقر وغيرها، يتطلع إلى النفوس
المجدبة التي بلا ثمر لكي تنعم بما نالته حنة قائلاً: [النفوس التي بقيت مجدبة
(عاقرًا) إلى زمان طويل، إذ تدرك عقم عقلها وجدب فكرها تحبل بالروح القدس وتلد
كلمات خلاصية مملوءة بمفاهيم الحق وذلك بالمثابرة في الصلاة].
بمعنى آخر، نحن في حاجة أن نكتشف عمقنا الداخلي ليتمرر داخلنا وتنسحق نفوسنا أمام
الرب، نسأله بإيمان واثقين أنه وحده قادر أن يحول عمقنا إلى خصوبة، مانحًا إيانا من
ثمر روحه القدوس في داخلنا.
3.
ميلاد صموئيل :
رجوع حنة إلى أسرتها
بوجه باش لتُشاركهم الحياة الأسرية بلا تذمر يكشف عن إدراكها أن علاج المشاكل ليس
في يد إنسان ولا في الظروف الخارجية إنما في الدخول إلى أعماق النفس واكتشاف
إمكانيات الله فينا. هكذا دخلت حنة إلى أعماقها والتقت بإلهها خلال صلاتها السرية،
عندئذ شعرت بقوة الله القادرة أن تحل كل المشاكل. لذا عندما كرز الرسول بولس لأهل
كورنثوس قدم لهم "قوة الله" (1 كو 2: 4-5) وليس سمو الكلام والحكمة الإنسانية
المقنعة.
لقد حان الوقت ليهب
الله حنة ابنًا، دعته صوئيل، وبقيت مع طفلها حتى تفطمه لتحقق نذرها بتقديمه عارية
للرب، يتراءى أمامه ويقيم في بيته كل أيام حياته [22].
4.
صموئيل عارية الرب :
أ. "ثم حين فطمته
أصعدته معها" [24]. ربما يتساءل البعض: كيف قدمته لبيت الرب بعد الفطام مباشرة (بعد
حوالي 9 شهور)؟ اعتادت الأمهات في منطقة الشرق الأوسط ألا تفطم الولد تمامًا إلا في
الثالثة من عمره وفي بعض الحالات يُترك حتى الخامسة،
ربما كنوع من التدليل.
ب. ماذا تعني بقولها:
"وأنا أيضًا قد أعرته للرب جميع أيام حياته هو عارية للرب" [28] لقد سبق أن وعدت:
"إني أعطيه للرب كل أيام حياته" [11]، والآن لا تقول: "أعطيه" بل "أعرته" للرب،
فإنها وإن كانت لم تتراجع عن الوعد إذ سلمته للرب ليكون خادمًا له كل أيام حياته،
لكنها أرادت تأكيد ارتباطها به كأم لذا حسبته "عارية". لقد وهبها الله إياه،
وهي تتمسك به كابن لها وفي نفس الوقت تقدمه للرب كل أيام حياته. إنها صورة حية للحب
العائلي في الرب!
v
أيتها
النساء اقتدين بهؤلاء النساء العجيبات. هل أنجبت إحداكن طفلاً؟ فلتتمثَّل بحنة
[24]، ولتنظر ماذا فعلت. لقد أحضرته إلى الهيكل. من منكن لا تُريد أن يكون أبنها
صموئيل فيصير أفضل من ملك على العالم ربوات المرات؟!
v
إنها لم
تقل "لمدة عام" أو "عامين" كما نفعل نحن، ولا قالت: "إن أعطيتني طفلاً أقدم لك
مالاً"، بل "أرد لك العطية بكاملها، أقدم ابني البكر، ابن صلاتي". بالحق إنها ابنة
إبراهيم.
لقد قدم إبراهيم (ابنه)
عندما طُلب منه، أما هي فقدمته حتى قبلما يُطلب منها.
القديس يوحنا الذهبي
الفم
لقد أعارت حنة ابنها
صموئيل للرب كل أيام حياته، فأقامه الرب نبيًا عظيمًا (3: 20)، أدرك اسمه في العهد
القديم مع موسى وهرون (مز 99: 6، إر 15: 1)، وأُشير إليه في العهد الجديد كأول
الأنبياء (أع 3: 24). ويعتبر صموئيل مؤسس مدارس الأنبياء (19: 20) في الرامة والتي
تبعتها مدارس أخرى في بيت إيل (2 مل 2: 3) وأريحا (2 مل 2: 5) والجلجال (2 مل 4:
38). كما يعتبر مؤسس النظام الملكي بالرغم من استيائه أولاً منه، فمسح شاول الذي
نجح إلى حين، ثم داود الذي توارث نسله الملوكية. عاش صوئيل ليمسح داود ملكًا لكنه
تنيح قبل أن يتوج داود.
إذ فُطم صموئيل صعدت به
أمه [24]، ولم يذكر الكتاب أن أباه هو الذي أصعده، ليس لأن حنة اغتصبت رئاسة البيت،
وإنما لأجل إيمانها السامي سبقت رجلها وارتفعت عليه في عيني الله، فنسب إليها
الصعود إلى بيته بصموئيل والتقدمات التي هي:
أ. ثلاثة ثيران، قدم
منها ثور محرقة (لا 1: 1-9، 1 صم 1: 25). لأن صموئيل قُدم كمحرقة للرب، يقدم كل
حياته وامكانياته ذبيحة حب ملتهبة لحساب الرب وحده؛ أما الثوران الآخران فكانا
تقدمة ألقانة السنوية: ذبيحة سلامة وذبيحة خطية (لا 3، 4).
ب. إيفة دقيق، أي نحو
عشرة أرطال (رقم 10 يشير إلى إتمام الناموس).
ج. زق خمر، يشير إلى
الفرح... إذ قدمت ابنها للرب بفرح، تشعر أنها كرامة عظيمة لها أن يتقبل الرب ابنها
تقدمة حب، وليس خسارة وفقدان لابنها.
الأصحاح الثاني
نشأة صموئيل
إذ
قدمت حنة ابنها صموئيل عارية للرب جميع أيام حياته تطلعت إليه وهو في مسكن الرب
فرأت فيه رمزًا للمسيا المنتظر الذي يفتح المقادس الإلهية أمام المؤمنين، عندئذ
انطلق لسانها يسبح الله لا على عطيته لها – أي إنجابها صموئيل، وإنما بالأكثر
عطيته لكل شعبه بتقديم العمل الخلاصي خلال المسيا.
بينما كسر الكاهنان ابنا عالي الشريعة والناموس وأفسدا شعب الله والمقدسات إذا
بصموئيل النبي ابن حنة – امراة إيمان وصلاة وتسبيح – ينشأ في حياة مقدسة في الرب.
بمعنى آخر بينما نشأ ابنا كاهن في جو ديني لكنهما لم يتمتعا بالحياة الداخلية
القدسية، إذ بصموئيل يتلامس مع أعماق روحانية أسرته ليحمل ثمرًا مباركًا.
1. تسبحة حنة
الخلاصية [1-10].
2. ابن ألقانة وابنا
عالي [11-17].
3. مباركة الرب لألقانة
وحنة [18-21].
4. تهاون عالي الكاهن
مع ابنيه [22-36].
1.
تسبحة حنة الخلاصية :
حقق الرب طلبة حنة
فقامت تشكره وتسبحه؛ كثيرون يلجأون إلى الرب وقت الضيق لكنهم ينسونه عند الفرج، أما
حنة فإنها لم تنسه بل ولم تشكره فقط على عطية صموئيل إنما بالأكثر دخلت إلى أعماق
جديدة إذ رأت فيه رمزًا لعمل الله الخلاصي. فجاءت تسبحتها تُقارب تسبحة القديسة
العذراء مريم (لو 1: 46-55)؛ حنة تسبح من أجل الرمز والقديسة مريم من أجل المسيا
نفسه.
يمكننا أن نقول إن
انفتاح لسان حنة الداخلي وبصيرتها الروحية وتجاوبها العميق مع عمل الله حمل
انعكاسًا على ابنها صموئيل الذي سمع صوت الرب الهادئ في الهيكل دون أن يسمعه عالي
رئيس الكهنة. لقد أرضعت ابنها حياة "التجاوب مع عمل الله ومع دعوته وكلماته"...
الأمر الذي حُرم منه كثير من أبنائنا بسبب انغلاق قلب الوالدين وعمى بصرتهم
الداخلية وثقل لسانهم في الحديث مع الله والتسبيح له.
نعود إلى تسبحة حنة أو
قل مزمورها الذي يحسب مزمورًا ملوكيًا
إن قورن مع (مز
2: 1؛ 4: 10)، مشيرًا إلى الملك الممسوح. ويلاحظ في هذا المزمور:
أ. بدأت حنة تسبحتها
بإعلان فرحها لا لمجرد نوالها "صموئيل" كعطية إنما اتمتعها بواهب العطية نفسه، إذ
تقول: "فرح قلبي بالرب" [1]. لقد امتلأت أعماقها الداخلية بالله نفسه مصدر
الفرح، وكما يقول الرسول بولس: "وأما ثمر الروح فهو محبةٌ وفرحٌ... " (غلا 5: 22).
هذا الفرح الداخلي يهب
للنفس قوة فلا تخور تحت أي ظرف، إذ يقول: "أرتفع قرني بالرب" [1]. استخدام
القرن (قرن الثور) ككناية عن "القوة" تعبير شائع في الأدب العبري.
نالت "قوة" لا لإغاظة
أعدائها أو مقاومتهم بل لكي يتسع فمها لتكرز لهم ببهجة الخلاص، إذ تقول: "اتسع فمي
على أعدائي، لأني قد ابتهجت بخلاصك" [1]. فإنه ليس شيء يقدر أن يُحطم عداوة الأعداء
مثل البهجة بخلاص الرب، الذي يجتذب الأعداء للتمتع ببشارة الإنجيل المفرحة.
ب. "ليس قدوس مثل
الرب، لأنه ليس غيرك، وليس صخرة مثل إلهنا" [2].
إن كان الله وحده هو
القدوس (رؤ 15: 4)، فقد جاء كلمة الله المتجسد القدوس (لو 1: 49) ليضمنا إليه فنحمل
الحياة القدسية فينا. هذا هو سر خلاصنا، ليس فقط غفر الرب خطايانا، وإنما حملنا فيه
لنشاركه حياته القدسية، وتتحق فينا وصيته: "تكونون قديسين لأني أنا قدوس" (لا 11:
44-45).
إنه الصخرة التي قدمت
ماء لشعب إسرائيل في وسط القفر ليشربوا ويرتوا (خر 17: 6، عد 20: 11)، إذ يقول
الرسول بولس: "لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح" (1
كو 10: 4).
ج. إذ اختبرت حنة نعمة
الله الفائقة أدركت أن موازين الله ومقاييسه تختلف عن موازين البشر ومقاييسهم، فقد
كانت ضرتها أمًا لأولاد كثيرين بينما كانت هي عاقرًا في مذلة وعار؛ نالت الأخيرة
عطية "صموئيل" فصارت كمن ولدت سبهة أولاد [5] بينما صارت ضرتها – كثيرة البنين –
كمن هي في ذبول! لهذا أعلنت:
"قسى الجبابرة انحطمت،
والضعفاء تمنطقوا بالبأس.
الشباعي آجروا أنفسهم
بالخبز والجياع كفوا.
حتى إن العاقر ولدت
سبعة وكثيرة البنين ذبلت.
الرب يميت ويحيي، يهبط
إلى الهاوية ويصعد،
الرب يفقر ويغني، يضع
ويرفع.
يقيم المسكين من
التراب، يرفع الفقير من المزبلة للجلوس مع الشرفاء ويملكهم كرسي المجد" [4-8].
هكذا انكسرت فننة
المتشامخة فتحطمت قسيها، صارت كمن يؤجِّر نفسه ليجد خبزًا يأكله، ذبلت بالرغم من
إنجابها للبنين، فقدت الحياة وصارت كمن هبط إلى الهاوية؛ افتقرت وانحطت إلى التراب.
وعلى العكس بروح الاتضاع تقبلت حنة من يد الله قوة فتمنطقت بالبأس وشبعت بعد الجوع،
وانجبت الكثيرين بعد العقر، تمتعت بالحياة بعد أن كانت كميتة، رفعها الله وأغناها
ووهبها كرامة لتجلس مع الشرفاء وتنعم بالمجد.
يمكننا أيضًا أن نقول
إن فننة تمثل جماعة اليهود الذين عاشوا زمانًا في الإيمان تحت الناموس فصاروا
كجبابرة بأس، شبعي، مثمرين، أغنياء، أصحاب كرامة الخ... ولكنهم جحدوا الإيمان
فانهاروا وافتقروا روحيًا وذبلت حياتهم وفقدوا كرامتهم، بينما حنة تمثل الأمم الذين
عاشوا ضعفاء وجياع عاقرين بل وأمواتًا، لكنهم إذ آمنوا بالرب المخلص تغير حالهم
تمامًا.
د. حتى إن العاقر
ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت" [5]. لم تكن حنة قد ولدت سبعة أبناء بل واحدًا
فقط وهو صموئيل، بعد ذلك أنجبت ثلاثة بنين وبنتين [21]، فماذا عنت بالسبعة؟ ربما
لأنها رأت في صموئيل – كرمز للسيد المسيح – أنه يُحسب كإنسان كامل يُقدر بسبعة
بنين، لأن رقم 7 يعني الكمال. ولعلها قصدت أنها وهي رمز لكنيسة العهد الجديد التي
جاء أعضاؤها من الأمم قد ولدت للرب كثيرين
خلال مياه المعمودية بينما ضرتها فننة التي رمزت لكنيسة العهد القديم قد أنجلت
قبلاً أولادًا لله ذبلت بسبب جحدها للإيمان بالمسيا.
v
إذ وُلد
صموئيل كان رمزًا للمسيح...
السبعة أبناء هم
الكنائس السبع، لذا كتب بولس أيضًا لسبع كنائس، وعرض سفر الرؤيا للكنائس السبع لكي
يحفظ رقم 7... مثل السبعة ملائكة الواقفين أمام وجه الله والداخلين والخارجين أمامه
كقول روفائيل الملاك في سفر طوبيا، والمنارة ذات السبعة سراج في خيمة الاجتماع،
والسبعة أعين الله التي تحفظ العالم، والحجر ذي السبعة أعين كما يقول زكريا، والسبع
أرواح، والسبع منارات في سفر الرؤيا، والسبعة أعمدة التي بنت عليها الحكمة بيتها
كما في سليمان.
القديس كبريانوس
هـ. لأن للرب أعمدة
الأرض وقد وضع عليها المسكونة" [8]. حديث مجازي يكشف عن رعاية الله لنا، فمن
أجلنا أسس الأرض كمُلك له وأقامنا عليها. إنه ضابط الكل، لا يفلت من رعايته شيء يمس
حياتنا. يهتم حتى بخطوات أقدامنا، مبطلاً فخاخ الأشرار التي ينصبونها لنا وسط
الظلام: "أرجل أتقيائه يحرس والأشرار في الظلام يصمتون" [9]. وكما يقول
المرتل: "لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك في كل طرقك" (مز 91: 11)، "لا يدع رجلك
تزلّ. لا ينعس حافظك" (مز 121: 3).
مادمنا أتقياء الله
تُحرس أرجلنا ولا نفقد سلامنا، يقول القديس جيروم: [مادمنا في حالة نعمة
تكون نفسنا في سلام، لكن ما أن نبدأ نلهو مع الخطية حتى تسقط نفسنا في ارتباك لتصير
كقارب تخطبه الأمواج].
يقول القديس
أغسطينوس: [إن أردت أن تسمع كيف تثبت قدميك على الدرجات بأكثر أمانٍ، فلا تتعب
أثناء الصعود ولا تتعثر أو تسقط، صَلِّ بهذه الكلمات: "لا يدع رجلك تزل" (مز 121:
3)... لا شيء يجعل الرِّجل تزل إلا الكبرياء. المحبة تحرك الرِّجل للسير والتقدم
والصعود، أما الكبرياء فتدفع الرِّجل إلى السقوط].
"لأنه ليس بالقوة يغلب
إنسان. مخاصمو الرب ينكسرون. من السماء يرعد عليهم. الرب يُدين أقاصي الأرض ويعطي
عزًا لملكه ويرفع قرن مسيحه" [9].
v
ينبغي
علينا أن نعرف أننا لا نستطيع أن نُجاهد بدون معونة الله، ولا يصير لجهادنا أي نفع
للحصول على عطية النقاوة العظمى ما لم توهب لنا بواسطة المعونة والرحمة الإلهية،
لأن "الفرس معد ليوم الحرب، أما النصرة فمن الرب" (أم 21: 31)، "لأنه ليس بالقوة
يلب الإنسان".
الأب بفوتيوس
2.
ابن ألقانة وابنا عالي :
أ. ما أبعد الفارق بين
ابن ألقانة وحنة، ابن الصلاة والإيمان، وابني عالي الكاهن. الأول تربى في خوف الله،
فكان سبب بركة لنفسه وعائلته وشعبه بل ولنا نحن إذ صار قدوة عبر الأجيال. وأما ابنا
عالي الكاهن فقد استغلا مركز أبيهما لصالحهما الذاتي. تركا الرعية بين الذئاب، بل
صارا ذئبين يصنعان الشر ويعثران الشعب معهما، وقد تهاون والدهما في تأديبهما. وحين
أراد توبيخهما تكلم في رخاوة، فجلبا على نفسيهما وعلى والدهما وعائلتهما والشعب
عارًا، وصار عبرة لكل من يتهاون في تربية أولاده.
يُلقب الكتاب المقدس
ابني عالي "بني بليعال" وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [دُعِيَ ذات
الشخصين "بني عالي" و"بني بليعال"... عندما دُعيا "بني عالي" أعلنت علاقة القرابة
الطبيعية لعالي، وإذ دُعيا "بني بليعال" أُعلن الشر الذي اختاراه، إذ لم يعودا
يتمثلان بأبيهما في حياتهما بل ركزا غرضهما في أن يخطئا].
ج. قيل عن ابني عالي
أنهما لم يعرفا الرب [12]. أنهما ككاهنين عرفا الكثير عن الرب خلال
التعليم والمعرفة النظرية، لكنهما لم يعرفاه في حياتهما العملية وسلوكهما. وكما
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
[إن الكتاب المقدس يحدثنا عن أنواع كثيرة من المعرفة، من ذلك قول الرسول بولس:
"يعترفون بأنهم يعرفون الله ولكنهم بالأعمال ينكرونه" (تي 1: 16)].
د. إذ فسد قلبا ابني
عالي استهانا بالطقس [13-16]، كما استخفا بالحياة الطاهرة والقداسة فأفسدا نساء شعب
الله [22]، وأهانا الله نفسه. فمن جهة الطقس كان من حق الكاهن أن يأكل الصدر والساق
اليمنى بعد حرق الشحم للرب (لا 3: 3-5)، ويقوم بتوزيع الباقي على أسرة مقدم الذبيحة
(لا 7: 29-34)، لكن ابني عالي تصرفا حسب هواهما فأفسدا المقدسات [17].
عندما يدب الفساد في
أعماق الإنسان يستهين بكل شيء: بالطقس كما بالطهارة وبحقوق الغير حتى بالنسبة لله
نفسه الخ...
3.
مباركة الرب لألقانة وحنة :
بدأ صموئيل خدمته أمام
الرب وهو صبي متمنطقًا بأفود من الكتان [18]، يلبسها كمعطف يُشد من الوسط بمنطقة.
هذا ويرى القديس جيروم أن الأفود التي كانت تقدمها حنة لابنها هي لباس
اللاويين لا الكهنة. هذه الأفود تختلف عن تلك صنعها جدعون (قض 8: 28) وميخا (قض 17:
5).
يؤكد الكتاب المقدس أن
صموئيل بدأ خدمته وهو صبي، بدأها في جو كهنوتي فاسد للغاية، لا يمكن إصلاحه أو
مقاومته... لكن الله الذي يخلص بالقليل كما بالكثير استخدم هذا الصبي للإصلاح.
كانت أمه تحضر له جبة
صغيرة كل سنة، وهي لباس الملوك والأنبياء والشرفاء. كانت لباسًا داخليًا مصنوعًا من
الصوف منسوجًا بدون خياطة يتدلى عن الرجلين (1 أي 15: 27؛ 1 صم 15: 27؛ أي 2: 2).
هذه الجبة السنوية تمثل تجديدًا مستمرًا للعلاقات الأسرية المملؤة حبًا، فقد قدمت
حنة ابنها للرب، هذه التقدمة لا تخلق جفافًا بينهما بل على العكس تؤكد حبًا في
الرب. بتقدمتها للجبة تجدد نذرها للرب وتؤكد صلواتها عن ابنها وتُذَكِّر الابن
برسالته كمكرس ونذير للرب. ربما لقاؤها السنوي حفظ ابنها صموئيل من الانحراف
والعثرة بسبب ابني عالي الكاهن.
4.
تهاون عالي الكاهن مع ابنيه :
أ. كان توبيخ عالي
الكاهن لبنيه برخاوة في غير حزم. لقد عرف أنهم يفسدون النساء المجتمعات في باب خيمة
الاجتماع، فصار مقدس الله مكان نجاسة وفساد، وتحوّل ميناء السلام إلى هلاك للنساء
المتجندات لخدمة الخيمة. كل ما فعله عالي أنه كشف لهم عن خطورة تصرفاتهم دون القيام
بأي تأديب ضدهم. لقد أعلن لهم: "تجعلون شعب الرب يتعدون. إذا أخطأ إنسان إلى إنسان
يدينه الله فإن أخطأ إنسان إلى الرب فمن يصلي من أجله؟!" [24-25].
استخدم نوفتيان
Novatian
العبارة الأخيرة للغلق على باب التوبة في وجه الساقطين. وقد ردّ عليه القديس
أمبروسيوس قائلاً: [لم يُكتب: "لا يُصلي أحد لأجله" بل كُتب "فمن يُصلي من
أجله؟" بمعنى أن السؤال هو: من يقدر أن يصلي عن هذه الحالة؟! (مستصعبًا الصلاة من
أجله) دون أن يمنع الصلاة عنه].
ب. وسط الفساد وُجد رجل
لله (نبي) أُرسل إلى عالي الكاهن قبل أن يجري عليه القصاص [27]، يذكّره بالشرف الذي
وهب الله عائلته منذ أيام هرون (خر 4: 14-16)، إذ منحها الصعود على مذبح الله
لتقديم صعائد، وايقاد بخور له ولبس أفود (ملابس كهنوتية أو أدوات تُستخدم لإعلان
الله عن إرادته لكهنته)، كما وهبهم نصيبًا كبيرًا من التقدمات (لا 10: 12-15). بهذا
لا يوجد عذر لعالي الكاهن في تهاونه في تأديب ابنيه المستخفين بالمقدسات الإلهية.
كان هذا الإنذار فرصة جديدة أُعطيت لعالي الكاهن من قبل الله ليضع الأمور في
نصابها، لكنه خلال ضعف شخصيته لم يكرم الله بردع ابنيه وتأديبهما، بل احتقره
بتكريمه لابنيه الشريرين أو بتهاونه في تأديبهما حسب الشريعة (تث 13: 6-9) التي
تأمر ألا تشفق عين الإنسان ولا ترق للقريب ولا تتستر عليه على حساب المقدسات
الإلهية.
ج. يقول الرب: "حاشا
لي. فإني أكرم الذين يكرمونني والذين يحتقرونني يصغرون" [30].
كيف نكرم الرب؟ يُجيب
القديس كبريانوس: [إننا نكرمه بقبولنا النبوة لله والامتثال به كأولاد له
(مت 5: 43-45). إنه مصدر فرح ومجد للبشر أن يكون لهم أبناء يتشبهون بهم... كم
بالأكثر يكون سرور الله عندما يُولد إنسان روحيُّ في أعماله وتسابيحه ويعلن السمو
الإلهي في حياته؟!].
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لنكرمه بالإيمان كما بالعمال، فننال أيضًا
المكافأة بتمجيده. "فإني أمجد (أكرم) الذين يمجدونني". حقًا فإنه إن لم توجد مكافأة
فإن مجرد تمجيدنا الله هو تمجيد لنا... لأنه أي مجد لنا أن يتمجد الله بنا؟!].
كما يقول: [في تكريمنا لله نكرم أنفسنا. من يفتح عينيه لينظر نور الشمس يتقبل
البهجة فيه... من يكرمون الله إنما يفعلون هذا لخلاصهم ولعظم نفعهم؛ كيف؟ لأن من
يتبع الفضيلة يمجد الله... لنمجد الله ولنحمله في أجسادنا وأرواحنا (1 كو 6: 20)].
د. يقارن القديس
يوحنا الذهبي الفم بين عالي رئيس الكهنة الذي نال كرامات عظيمة فسقط تحت
الدينونة القاسية بسبب تهاونه وبين صموئيل النبي الذي رفضه الشعب (8: 7) فكرمّه
الله نفسه، فيقول عن الرعاة: [الإهانة مكسب لهم والكرامة ثقل عليهم].
هـ. أعلن رجل الله
لعالي رئيس الكهنة تأديبات الرب له ولنسله.
I.
انتقال الكهنوت من نسله [30]، إذ عزل أبياثار في أيام سليمان وتعين صادوق من نسل
أليعازار وتسلمه نسله حتى أيام السيد المسيح.
II.
فقدان القوة من بيته إذ يموت نسله شبابًا [31].
III.
يرى ضيق المسكن [32]. حيث يأخذ الفلسطينيون التابوت (4: 11).
IV.
يشتهي نسله الموت ولا يجدونه: "ورجل لك لا أقطعه من أمام مذبحي يكون لإكلال عينيك
وتذويب نفسك" [33].
قدم له علامة مُرّة
للتأديب الإلهي وهي موت ابنيه في يوم واحد (2: 33؛ 4: 11). لكن الرب لم يختم الحديث
بهذا إنما فتح كعادته باب الرجاء ألا وهو مجيء الكاهن الحقيقي، المسيا المخلص، إذ
يرى القديس هيبوليتس في قول الله على لسان رَجُله: "وأُقيم لنفسي كاهنًا
أمينًا يعمل (كل شيء) حسب ما بقلبي ونفسي وأبني له بيتًا أمينا فيسير أمام مسيحيي
(مسحائي) كل الأيام، ويكون أن كل من يبقى في بيتك يأتي ليسجد له لأجل قطعة فضة
ورغيف خبز، ويقول ضمني إلى إحدى وظائف الكهنوت لآكل كسرة خبز" [35-36]. نبوة عن
مجيء السيد المسيح رئيس كهنة العهد الجديد. يقول: [كان كل الملوك والكهنة يدعون
مسحاء، إذ مسحوا بالدهن المقدس الذي أعده موسى قديمًا. هؤلاء حملوا اسم الرب في
أشخاصهم، مظهرين مقدمًا الرمز، ومقدمين صورة حتى يأتي الملك الكامل والكاهن الذي من
السماء، الذي وحده يعمل إرادة الآب].
|