شبكة الكنيسة
  الكتاب المقدس
  تفسير الكتاب المقدس
  منتدى الكنيسة
   الرد على الشبهات
  اسئلة و اجوبة
  المكتبة المسيحية
  الأختبارات
  الترانيم
  المرئيات
  مواقع صديقة
  من نحن
  أتصل بنا
  

تفسير سفر عاموس


 

 

من تفسير وتأملات

   الآباء الأولين

 

 

 

 

 

 

 

عاموس

 

 

 

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: عاموس.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة:

الناشر: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج.

المطبعة:

رقم الإيداع:


 

مقدمة

عاموس :

1. "عاموس" كلمة عبريَّة تعني "حامل الثقل" أو "ثقل" ويقول التقليد اليهودي أنه كان ثقيل اللسان، متلعثمًا في كلماته. ولعلَّ اسمه يتناسب مع السفر فقد كشف عن ثقل الخطيَّة التي لا يحتملها الله ولا يطيقها، أيَّا كان مرتكبها، فهو يعاقب الأمم كما اليهود على خطاياهم.

2. يعتبر عاموس هو أول الأنبياء الكتَّاب Writing Prophets، سجل لنا نبوَّاته في أسلوب شعري عذب وبسيط، وإن كان أقل فصاحة من يوئيل. جاء السفر مشحونًا بالتمثيليات والصور المأخوذة من أعمال الفلاَّحين وسكان القرى من ناحية، ومن البريَّة من ناحية أخرى. فقد عاش في جو زراعي ريفي يعاني من البريَّة القريبة إليه.

3. يظهر من حديثه (1: 1، 7: 10) أنه عاش في أيام عزِّيا ملك يهوذا ويربعام الثاني ملك إسرائيل قبل حدوث الزلزلة المشهورة (1: 1، 5: 9) والتي أشار إليها زكريَّا النبي بعد 300 عام (زك 14: 5). غالبًا ما يكون قد ظهر حوالي عام 760 ق.م. فعاصره هوشع النبي في أواخر أيامه، كما عاصر فترة بدء خدمة إشعياء النبي، وفي أيامه أيضًا تنبَّأ يونان ابن أمتاي في إسرائيل (2 مل 14: 25)­[1].

4. عاش في تقوع على بعد حوالي 12 ميلاً جنوب أورشليم في وسط أسرة مجهولة وفقيرة، كراع للغنم (1: 7) وجاني جمِّيز (7: 14). فلم يكن أحد أعضاء مدرسة الأنبياء هو أو والده، لذا في اتِّضاع قال عن نفسه أنه ليس بنبي (رسمي) ولا ابن نبي، إنما التزم بالعمل النبوي بناء على دعوة إلهيَّة.

مع أنه نشأ في تقوع - في مملكة يهوذا - لكنه ذهب إلى بيت إيل حيث الهيكل الرئيسي لمملكة إسرائيل - مملكة الشمال - وتحدَّث عن خراب هذه المملكة بسبب خطاياها. الأمر الذي أثار الكاهن الأول لبيت إيل "أمصيا"، فقدَّم عنه تقريرًا ليربعام الثاني ملك إسرائيل كخائنٍ، وأمره أن يترك المدينة. ولعلَّه كتب هذا الموجز لنبوَّاته بعد عودته إلى بلدته تقوع[2].

الظروف المحيطة به :

1. من الجانب السياسي عاصر عاموس النبي يربعام الثاني حفيد ياهو القائد العظيم الذي قتل الملكة إيزابل الملكة الشرِّيرة ونسلها، وقد اشتهر يربعام بالقوَّة والصلابة فامتدَّت مملكته وازدهرت وفي نفس الوقت كان عزِّيا ملك يهوذا رجلاً ناجحًا وقويًا، فكانت مملكة يهوذا أيضًا تتَّسم بالقوَّة والاستقرار.

هذا وقد سند الجانب السياسي آرام (سوريا) قد انشغلت في ذلك الوقت في الحرب مع آشور، الأمر الذي أنهك قوي آرام، ممَّا جعل إسرائيل تسترد الكثير من ممتلكاتها التي اغتصبها آرام منه. كما أن آشور - في عصر عاموس - قد صار يحمل جوًا هادئًا من جهة مصر، فلم يعد يقوم بغارات على مصر مخترقًا إسرائيل لينهب ويقتل ويُشرِّد أثناء عبوره عليها.

2. هذا الاستقرار السياسي وازدهار إسرائيل ويهوذا أدَّى إلى ازدهار التجارة الداخليَّة وامتدادها إلى دمشق ممَّا رفع من المستوى الاقتصادي للمملكتين، لكن كثرة الأموال والغنى الفاحش أدَّى إلى ظهور طبقتين، طبقة غنيَّة جدًا هي طبقة التجَّار يعيشون في حياة الترف الزائد، وطبقة فقيرة للغاية هي طبقة الفلاَّحين، يئنُّون من قسوة الطبقة الغنيَّة وظلمها الفادح، وقد نشأ عاموس وسط هذه الطبقة يمارس حياة الحرمان والفقر المدقع، ويلمس من بعيد حياة البذخ المفرط الذي يعيشه الأغنياء، فجاءت نبوَّته أشبه بثورة اجتماعيَّة ضد الظلم والاستعباد والفساد. فهو لا يطيق أن يرى غنيًا على سرير من عاج، بينما يُباع الاخوة الفقراء بزوج من النعال!

هذا التفاوت الاجتماعي والاقتصادي أدَّى إلى انحلال خلقي مُرَّ، كما تكشف النبوَّة عن ظهور صور بشعة من الزنا والغش والرشوة والكذب... الخ.

3. كثرة الأموال في أيدي الأغنياء جعلتهم يتطلَّعون إلى أن العبادة مجرد تقديم أموال للهيكل وتقدمات وذبائح لله؛ وكأن الله يُشترى بأموالهم أو يُرتشى بتقدماتهم... الأمر الذي أقام شرخًا بين الطقس والروح، فصارت الحياة التعبديَّة بعيدة كل البعد عن السلوك الروحي العملي، وفقدت الذبائح مفهومها اللآهوتي والروحي عندهم.

4. ربَّما الاستقرار السياسي مع كثرة الأموال أدَّى إلى نوع من القوميَّة اليهوديَّة المتعصِّبة التي بلا روح، فظنُّوا أن يهوه هو إله خاص بهم يحابيهم على حساب الأمم، مهما كان شرِّهم. لذا جاء هذا النبي يؤكِّد أن الله هو "إله الجميع" لا يطيق الخطيَّة، أيَّا كان مرتكبها سواء من الأمم أو من اليهود، وإذ يقدِّم الخلاص يدعو اسمه على جميع الأمم (عا 9: 12).

سمات عاموس النبي :

كشف هذا السفر عن سمات النبي نفسه من جهات كثيرة:

1. من جهة اتِّضاعه: إذ يسأله أمصيا كاهن بيت إيل عن حقيقة مركزه يُجيب "أنا راعٍ وجاني جمِّيز، فأخذني الرب من وراء الضأن" (7: 14-15)، دون أن يخجل من عمله القديم المتواضع.

2. شجاعته: بالرغم ممَّا اتَّسم به أمصيا من قوَّة لالتصاقه بالملك لكن عاموس بقى أمينًا لرسالته، لا يخشاه، بل يشهد للحق مُتنبِّئًا عن خراب بيته. تحدَّث بكلمة الله بأمانة دون مداهنة أو مجاملة.

3. اتَّسم بالحكمة، فلم يحدِّث الرؤساء والعظماء وحدهم، بل تحدَّث مع جميع فئات الشعب لأجل توبة الكل.

4. عمله كراعٍ وجاني جميز أعطاه فرصة للحياة التأملية، مقدمًا صورًا كثيرة من الواقع الذي عاشه بروح ملتهب وقلب مخلص جاد.

محتوياته :

إذ يتحدَّث هذا السفر عن دينونة الله لإسرائيل بسبب ما بلغ إليه من فساد كشف له عدل الله الذي يُدين كل الأمم المخطئة، وفي نفس الوقت إذ يُقدِّم تهديدًا وتوبيخًا يفتح أبواب الرجاء للجميع.

1. دينونة الأمم                       [1-2].

2.عظات لإسرائيل                    [3-6].

 3. الرؤى ووعد بالخلاص           [7-9].

 

 


 

[1] J.H. Raven: O.T. Introduction , N.Y., 1910 , P. 219.

[2] Ibid , 218.

 

 

الباب الأول

 

 

 

دينونة الأمم

 

ص 1-2

 

 

 

1. دينونة الأمم المجاورة                [ص 1].

2. دينونة يهوذا وإسرائيل               [ص 2].

 


 

لما كان هذا السفر في مجمله موجهًا لإسرائيل بسبب قبوله العبادة الوثنيَّة ممتزجة بالعبادة لله الحقيقي، وما بلغه من رجاسات وظلم واستبداد، لهذا هيَّأ لله بالحديث عن خطايا الأمم المحيطة وخطايا مملكة يهوذا، ليُعلن أنه الله القدُّوس الذي لا يطيق الخطيَّة أيَّا كان مصدرها.

وفيما يلي أسماء الأمم وأهم خطيَّة اتَّسمت بها:

1. سـوريا (آرام) : الكبرياء (الذات البشريَّة).

2. فلســــطين : تجارة العبيد (محبَّة العالم).

3. فينيقيَّة (صور) : نقض عهد الأخوة (1 مل 5: 1-12).

4. أدوم            : الكراهيَّة وحب سفك الدم.

5. بنــو عـمون : القسوة بسبب الطمع.

6. بنــو مـوآب : الكراهيَّة (سرقة عظام ملك آدوم).

7. يـهــــوذا : تجاهله الوصيَّة الإلهيَّة.

8. إســـرائيـل : سقوطه في عبادة الأوثان ورجاساتها،

 انحرافه بالطقس عن الروح،

 ظلمه واستبداده،

 جحده لله المعتني بها.

 


 

الأصحاح الأول

دينونة الأمم المجاورة

هيَّأ لله الحديث عن تأديب إسرائيل بإعلانه دينونة الأمم المجاورة، ليبرز مدى كراهيَّته للشرّ، وعدم تحيُّزه لأمَّة على حساب أمَّة، أو لشخص على حساب آخر:

1. مقدِّمة                            [1-2].

2. تأديب دمشق                      [3-5].

3. تأديب غزَّة                        [6-8].

4. تأديب صور                       [9-10].

5. تأديب أدوم                        [11-12].

6. تأديب بني عمون                 [13-15].

1. مقدِّمة :

"أقوال عاموس الذي كان بين الرعاة من تقوع التي رآها عن إسرائيل، في أيام عُزِّيا ملك يهوذا، وفي أيام يربعام بن يوآش ملك إسرائيل، قبل الزلزلة بسنتين" [1].

لم يخجل عاموس النبي من إبراز عمله كراعي غنم في تقوع، أي أنه من الطبقات الفقيرة، خاصة وأنه كان جاني جمِّيز، الأمر الذي لا يقوم به إلاَّ من كان في عوزٍ شديد. أمًا عدم ذكر اسم والده فلأنه من عائلة فقيرة ومجهول.

والعجيب أنه يقول: "أقوال عاموس... التي رآها"، وليس التي سمعها أو ألقاها، مؤكدًا أن ما يعلنه هنا من أقوال ليست من عنديَّاته لكنها ثمرة رؤى إلهيَّة وإعلانات بالروح القدس.

وقد حدَّد موقع نشأته وتاريخ قيامه بالعمل النبوي، الأمرين اللذين سبق لنا الحديث عنهما في المقدِّمة.

فقال: "إن الرب يزمجر من صهيون، ويعطي صوته من أورشليم، فتنوح مراعي الرعاة وييبس رأس الكرمل" [2].

هذه هي افتتاحيِّة نبوَّته، ولعلَّ سُكنى عاموس في تقوع على حافة البريَّة قدَّمت له خبرة زمجرة الأسد في البريَّة التي ترعب الرعاة وتبعث الهلع في حياة الفلاَّحين. وقد شبَّه عاموس النبي الله في غضبه على الخطيَّة بالأسد الذي يزمجر، قائلاً: "الأسد قد زمجر فمن لا يخاف؟! السيِّد الرب قد تكلَّم فمن لا يتنبَّأ؟!" (3: 8). زمجرة الأسد لا تنبعث عن فراغ، ولا تصدر بلا سبب "هل يزمجر الأسد في الوعر وليس له فريسة؟!" (3: 4).

لقد تحدَّث هوشع ويوئيل النبيَّان عن الله تبارك اسمه كأسد يعطي صوته فترتجف السماء والأرض، فيدرك الكل أنه ملجأ شعبه وحصنًا لهم، يسكن في وسطهم في جبل قدسه في أورشليم مقدسه فلا يقترب إليهم غريب (يؤ 3: 16-17). يزمجر فيجمع شعبه من مصر وأشور ويسكنهم في بيوتهم (هو 11: 10-11). أمًا هنا فعاموس النبي يرى الله القدُّوس كأسد رابض في صهيون يعطي صوته مزمجرًا بسبب خطايا إسرائيل ويهوذا وكل الأمم المحيطة. أنه لا يطيق الخطيَّة تقترب إلى مقدسه وتحيط به، لذا يُزمجر فيهز أساسات الخطيَّة ويحطِّم أعمال الإنسان القديم، تخرج نار من فمه فيحرق قصورها ويبدِّد كيانها!.

إذ يعطي الأسد صوته تنوح مراعي الرعاة، وييبس رأس الكرمل أخصب منطقة، إذ يدرك الكل أن صوت الرب يُجفف ما قام على الشرّ، ويحطِّم كل ثمر للفساد!.

لا تقول كلمة الرب على المجاملة أو المداهنة أو التعريج بين الخير والشرّ، إنما على تحطيم الشرّ لإقامة الخير، أو صلب الإنسان القديم لإعلان قيام الإنسان الجديد. فقد زمجر الأسد الخارج من سبط يهوذا مؤكدًا هذا: "ليس أحد يجعل رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق، لأن المِلء يأخذ من الثوب فيصير الخَرْق أردأ، ولا يجعلون خمرًا جديدة في زقاق عتيقة، لئلاَّ تنشق الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف، بل يجعلون خمرًا جديدة في زقاق جديدة فتُحفظ جميعًا" (مت 9: 16-17). وكما يقول القدِّيس أمبرسيوس: [لهذا يمنعنا الرب من الخلط بين الجديد والقديم، ويحرِّم الرسول ارتداء الثوب الجديد فوق العتيق، إنما نخلع العتيق ونلبس الجديد فلا نوجد عراة (2 كو 5: 2-4) [1]].

لقد أدرك ذلك يعقوب عندما بارك ابنه يهوذا، الذي من صلبه يخرج الأسد الذي يزمجر ضد الخطيَّة ويرعب الموت، إذ يقول: "يهوذا جرو أسد، من فريسة صعدت يا ابني، جثا وربض كأسد وكلبوة من ينهضه؟!" (تك 49: 9). فقد رآه رابضًا كأسد على الصليب، يزمجر على الخطيَّة التي أفسدت الحياة البشريَّة لكي يقتل فريسته إبليس وأعماله واهبًا للبشريَّة تقديسًا، جاعلاً منها صهيون وأورشليم المقدَّسة!

الحق أن نبوَّة عاموس في مجملها إنما هي زمجرة للأسد من صهيون، فقد بدأت بالتأديبات المرعبة، النار المحرقة للقصور، والمحطِّمة للحصون والمبددة للسكان، سواء من الأمم أو اليهود، لا لتبقى خرابًا بلا ساكن وإنما لكي يفتح أبواب الرجاء على مصراعيه في نهاية النبوَّة؛ فعِوض القصور يقيم خيمة داود الساقطة، وعِوض الحصون يُرمِّم شقوقها بنفسه ويقيم ردمها، ويبنيها كأيام الدهر ويسكن هو في وسطها فيدعى اسمه على جميع الأمم (9: 11-12). أنه يهدم ويبني، يقتلع ويغرس، يحطِّم الإنسان القديم ليقيم فينا الجديد! هذه هي زمجرة الأسد من صهيون، المعطي صوته من أورشليم مقدسه!

2. تأديب دمشق :

في تأديباته للأمم ويهوذا أخذ منهجًا واحدًا في الإعلان عن مقدِّم التأديب أي "الله نفسه"، وعن ذنوبهم الثلاثة والأربعة، وعن عدم الرجوع في التأديب، وعن إرسال نار محرقة... هذه كلها اشتركت معًا في الحديث عن تأديب جميع الأمم ويهوذا، لكن كل أمة اتَّسمت بخطيَّة أو خطايا معيَّنة خاصة بها.

في بدء كل تأديب يقول: "هكذا قال الرب..." (3، 6، 9، 11، 13، 2: 1، 4، 6)، فإن كانت ليست كل الأمم تتعبَّد له، لكنه هو ديَّان الجميع، إله الأرض كلها، يدين الكل ويهتم أيضًا بالكل!.

أما عن حديثه عن ذنوبهم الثلاثة والأربعة، فإن هذين الرقمين يُشيران هنا إلى مفاهيم كثير، نذكر منها:

أولاً: أن رقم 3 يُشير إلى النفس البشريَّة بكونها على صورة الثالوث القدُّوس ومثاله، ورقم 4 يُشير إلى الجسد بكونه مأخوذًا عن الأرض بجهاتها الأربع (الشرق، الغرب، الشمال، الجنوب)، فكأن لله يؤدِّبنا على خطايانا النفسيَّة (مثل الكبرياء والحقد) والخطايا الجسديَّة (مثل حب الترف والتخمة والشهوات الجسديَّة). وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [لأن الخطايا إمَّا أن ترتكب بالذهن كما بالإرادة وحدها، أو بأعمال الجسد أيضًا فتكون منظورة... فإن ثلاثة هي طبيعة النفس، وأربعة بسبب الجسد، إذ يتكوَّن الإنسان من كليهما[2]].

ثانيًا: يرى القدِّيس جيروم أن الذنوب الثلاثة والأربعة، إنما تعني الخطيَّة، وقد تطوَّرت إلى جيلها الثالث وجيلها الرابع، فتحوَّلت من مجرَّد فكرة في الذهن، إلى إعلانها خلال القول، فالعمل، وأخيرًا تصير عادة. فالله في طول أناته لا يعاقب الإنسان عندما تثور الخطيَّة في ذهن الإنسان، وإنما كما قيل: "يجعل ذنوب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والجيل الرابع" (عد 14: 18). هذا يعني أن لله لا يعاقبنا على أفكارنا في الحال، بل على الأفعال الشرِّيرة وعادات الخطيَّة التي تنبع عنها، كما قيل على فم عاموس: "من أجل ذنوب المدينة كذا وكذا الثلاثة والأربعة لا أرجع عنها"[3].

مرة أخرى يعلق القدِّيس جيروم على هذه الذنوب الثلاثة والأربعة أنها:

 أ. التفكير في الشرّ (الذنب الأول).

ب. عمل الشرّ (الذنب الثاني).

ج. عدم التوبة عنه أو الاستمرار فيه (الذنب الثالث).

 د. التعليم به (الذنب الرابع).

فمن كلماته: [الآن فإن ما يقوله (النبي) هو هذا: لقد قبلت الشرّ وأنا صفحت عنك، لقد فعلت الخطيَّة وغفرت لك، ولم تتب عنها وأعطيتك عذرًا؛ فهل تُعلَّم بالخطيَّة أيضًا؟!. هذا هو ما قصده الكتاب بخصوص الذنوب الثلاثة والأربعة[4]]. 

هذه هي الذنوب الثلاثة والأربعة التي لا يرجع عنها، بل يرسل نارًا تحرق قصور شرّهم، هي نار غضبه ضد الخطيَّة. إنه لا يطيق الخطيَّة لكنه محب للخطاة! لعلَّ هذه النار هي أيضًا الثمر الطبيعي للخطيَّة، النار الآكلة، فيترك الله الإنسان يجنى ثمر عمله، يحتضن نار خطيَّته فتحرق قصوره الباطلة التي تحمل مناظر برَّاقة مؤقَّتة.

هذا بالنسبة للأمم بوجه عام، والآن نتحدَّث عن كل أمَّة على حدة.

دمشق هي عاصمة سوريا (آرام)، وقد عاشت إسرائيل قرابة قرن من الزمان في حالة رعب من آرام، وشاهد بعض معاصري عاموس الحرب التي أثارها حزائيل ملك آرام وابنه بنهدد ضد إسرائيل (2 مل 8: 7-15، 28-29، 10: 32-33، 13: 3-7، 22-25)، وكانت جلعاد شرقي الأردن وشمال سوريا مسرحًا لهذه الحرب المريرة، والتي اتَّسمت بقسوة ووحشيَّة، حتى نرى إليشع يبكي، وإذ يسأله حزائيل - قبل اغتصابه المُلك - عن سرّ بكائه، يجيب: "لأني علمت ما ستفعله ببني إسرائيل من الشرّ، فإنك تطلق النار في حصونهم، وتقتل شُبَّانهم بالسيف، وتحطَِِّم أطفالهم، وتشق حواملهم" (2 مل 8: 12).

أما ثمر هذه القسوة فهو:

أولاً: تحرق النار قصر الملك حزائيل مثير الحروب وابنه بنهدد [4]. فإن كان هذا الملك وابنه يظنَّان أنهما قادران على تحطيم مملكة الله واحتلالها، فإن لله بنار عدله يرد عملهما إليهما، فترتد نار شرِّهما إلى قصرهما، مركز سلطانهما، وموضع تخطيطاتهما، ومكان اطمئنانهما وأمانهما... فيحترق ويتدمَّر.

في مرارة أقول أن حزائيلنا الداخلي إنما هو "الذات البشريَّة Ego"، التي تحتل القلب كقصر لها، فتقوم هي وما تولِّده من شرور (بنهدد) على استخدام الإنسان بكل طاقاته وإمكانيَّاته ومواهبه وقدراته للعمل لحساب الشرّ، عِوض أن يملك الرب في القلب ليعمل الإنسان كآلات برّ لله. بالحق فيما تظن "الأنا" أنها قادرة على أن تملك وتُسيطر وتسكن في قصرها الداخلي آمنة، إذا بها تجلب لنفسها نارًا تحرق إمكانيَّاتها وتفقد كل سلطان لها.

إذن لنترك قصرنا الداخلي لربنا يسوع عِوض حزائيل وبنهدد ليكون مسكنًا له ومركز مملكته، يُعلن ربنا فيه ملكوته بقوَّة، فلا تقدر نيران الخطيَّة خاصة "الأنا" أن تقترب إليه لأنه ملتهب بنار سماويَّة، بالروح القدس ذاته الذي يشكِّلها من يوم إلى يوم لعلَّها تبلغ قياس ملء المسيح، وينطلق بها من مجد إلى مجد، ليدخل بها في المسيح يسوع إلى حضن الآب وتستقر هناك إلى الأبد!

لنسلِّم قصرنا للملك السماوي بروحه الناري، فلا يقطن فينا حزائيل بعد مع ابنه بنهدد.

ثانيًا: كسّر الحصون المنيعة التي تحيط بدمشق، لا ليحيا الإنسان بلا حصون، وإنما عِوض الحصون الحجريَّة يجد الرب نفسه حصنه وملجأ حياته. فإنه إذ توجد الأذرع البشريَّة الحجريَّة يتَّكئ الإنسان عليها، لذا يُحطِّمها الرب ليهبنا الأذرع الأبديَّة عِوضًا عنها، فيقول: "أُحبَّك يا رب يا قوَّتي، الرب صخرتي وحصني ومنقذي، إلهي صخرتي به أحتمي، ترسي وقرن خلاصي وملجأي" (مز 18: 1-2).

لتنهدم أسوار دمشق الحجريَّة الزائلة، لكي يقدِّم لنا الله نفسه صخر الدهور سور صخر لا تقترب إليه الحيِّة، ولا تقدر أن تخدعنا ونحن فيه، ندخل إليه ونستريح فيكون سور نار إلهي متَّقد يحيط بنا ويلهب أعماقنا فنكون كالسمائيِّين "خدَّامه نارًا ملتهبة" (مز 104: 4).

ثالثًا: تحوَّيل بقعة آون إلى خراب بلا ساكن، وتدعى أيضًا وادي البطلان، أو وادي الأصنام... فحينما يعمل الشرّ في الإنسان يظن أنه قد أقتنى الحكمة البشريَّة القادرة أن تُغنيه، فيربح الكثير على حساب غيره، وإذا به يُقيم في قلبه واديًا للبطلان أو مركزًا لعبادة الأوثان. أنه يشتري بالشرّ فراغًا، ويقتني وراء الخبث والدهاء حرمانًا! هذا هو نصيب الأشرار الذين قال عنهم المرتِّل: "مثل الحشيش سريعًا يُقطعون ومثل العشب الأخضر يذبلون" (مز 37: 2).

رابعًا: يموت كل عظيم "ماسك قضيب" في بيت عدن، أو في بيت البهجة والتنعُّم، فيفقد الإنسان فيه كل ما هو عظيم وما هو قوي خلال انهماكه بالملذَّات والتنعُّمات الزمنيَّة.

خامسًا: سبي الأراميِّين إلى قير مملكة الماديِّين، وقد تحقَّق ذلك تاريخيًا كما جاء في (2 مل 16: 9)، (إش 22: 5-6).

من هم هؤلاء الأراميُّون سكان أورشليم الذين يملك عليهم حزائيل وابنه بنهدد إلاَّ طاقات الإنسان وقدراته ومواهبه النفسيَّة والعقليَّة (الفكريَّة) والجسديَّة؟! فإنه إذ يملك عليها حزائيل، أي "الأنا" تتحوَّل إلى العبوديَّة، فتعمل لحساب مملكة الماديِّين. يفقد الإنسان طاقاته، لا ليعيش بدونها وإنما يعيش بطاقات قد توجهت للشر، وأنحرفت عن رسالتها السامية. يتحوِّل الإنسان بكل إمكانيَّاته للعمل لحساب عدوّ الخير تحت عبوديَّة إبليس عِوض السمو بها بالروح القدس لحساب مملكة الله!

في اختصار إن ثمرة ما صنعه حزائيل وابنه بنهدد، أي ثمرة الكبرياء والاعتداد بالذات، يفقد الإنسان قصره الداخلي، وتنهدم حصونه التي التجأ إليها، ويفقد كل عظمة وقوَّة كما في بيت آون، ويقتني الحرمان في بيت البهجة، وتُسبى كل طاقاته لحساب عدوّ الخير! بمعنى آخر يفقد سلطانه (قصره)، وسلامه (حصونه) وبهجته (في بيت عدن) وطاقاته جميعها!

هذا ما عناه الرب بتأديب دمشق... لكي يدرك الإنسان ما بلغ إليه من حرمان كامل ودمار شامل فيلجأ إلى الله وحده يرد إليه ما فقده مضاعفًا، على مستوى سماوي فائق!

3. تأديب غزَّة :

كانت غزَّة عاصمة فلسطين في ذلك الحين وكانت خطيَّة فلسطين - في ذلك الوقت - هو استغلالهم بني يهوذا الهاربين إليهم من وجه سنحاريب ملك آشور، فيقبضون عليهم ويبيعونهم عبيدًا لبني آدوم ألدّ أعدائهم. لقد أرادوا إبادة اسم إسرائيل في ذلك الحين كقول المرتِّل: "قالوا هلمَّ نُبيدهم من بين الشعوب ولا يُذكر اسم إسرائيل بعد" (مز 83: 4). لهذا فإن النار التي ارتدت إليهم إنما لتلتهم قصور المدن الرئيسيَّة: غزَّة وأشدود وأشقلون وعقرون.

يرى القدِّيس أغسطينوس أن كلمة فلسطينيِّين تعني "الساقطين من السكر"[5]، فتُشير إلى النفوس التي تسكر بمحبَّة العالم وترفه. ويفسر القدِّيس جيروم هذا الاسم بمعنى "الموت بسبب جرعة سامة"، وفي رأيه أنهم يمثّلون من يشربون كأس غواية الشيطان كسمّ للنفس يهلكها فيسقطون سريعًا[6].

4. تأديب صور :

كانت فينيقيَّة وعاصمتها صور، تعتز بأسطولها البحري وتجارتها الضخمة على مستوى دولي قوي.

 لقد نسيت صور معاهدة الأخوة بين ملكهم حيرام والملك سليمان (1 مل 5: 1-12، 9: 10-14)، فباعوا الإسرائيليِّين الهاربين إليهم عبيدًا لعدوِّهم آدوم. لذا سمح الله بالنيران تحرق قصورهم من أجل خيانة العهد الأخوي، وقد تحقَّق ذلك حرفيًا حين حاصرها نبوخذنصر واستولى عليها في القرن السادس ق.م.

ويرى القدِّيسان جيروم[7] وأغسطينوس[8] إن كلمة "صور" تعني ضيق أو محنة. لذا ما جاء عن صور خاصة في سفر حزقيال (أصحاح 28) إنما يُشير إلى الشيطان الذي يدفع الناس إلى المحن والتجارب الشيطانيَّة.

5. تأديب أدوم :

آدوم هو عيسو أخو يعقوب، وقد أخذ بنو أدوم موقفًا معاديًا لبني إسرائيل (يعقوب) عند عبورهم في البريَّة، إذ لم يسمحوا لهم بالعبور (عد 20: 13-21)، وكانوا دائمًا يقفون موقف الشماتة من بني إسرائيل بل وأحيانًا يقومون بأعمال هجوميَّة تخريبيَّة[9].

 كلمة "أدوم" مأخوذة عن "آدم"، وتعني "إنسان دموي"، أو "أرضي"[10]، تُشير إلى حب سفك الدماء من أجل الأرضيَّات.

إن كان أدوم ملتهبًا بنار الشرّ وحب سفك الدم، فإن النار ترتد إليه، لتحرق قصور أهم أقاليمه تيمان (تيمان قبيلة تسمََّت باسم بكر أليفاز بن عيسو)، والأقاليم الذي تسكنه (تك 36: 11، 15، 42) ويقع الإقليم في شمال أدوم (حز 35: 13)، وقد عرف سكانه بحكمتكم (إر 49: 7)[11].

أما بصرة التي تحترق قصورها، فهى مدينة في بلاد أدوم (إش 34: 6، 63: 1). كلمة "بصرة" تعني بالعبريَّة "قلعة" أو "حظيرة"، وقد خُرِّبت تمامًا كما تنبَّأ عنها إرميا النبي (إر 49: 13)... فإن كانت بصرة بإمكانيَّاتها تمثل قلعة تيمان بأدوم فإن الشرّ يحرق خيراتها ويهدم إمكانيَّاتها ويجعلها خرابًا.

6. تأديب بني عمون :

في دراستنا لسفر حزقيال رأينا أن بني عمون نسل بني عمى بن لوط (تك 19: 38)، كانوا قساة القلب يقدِّمون أولادهم ذبائح للإله ملكوم (1 مل 11: 5 -33). وكانوا في حرب دائمة مع بني إسرائيل[12].

يمثِّل بني عمون القسوة القائمة على الطمع: "لأنهم شقُُّّوا حوامل جلعاد لكي يوسِّعوا تخومهم" [13]. هكذا يفسد الطمع إنسانيَّة الإنسان وحنوُّه الطبيعي، فمن أجل مكسب أرضي يُشق بطن الحوامل، فيقتلهن ويعذِّبهن ويفقدهن الأجنَّاء! صورة بشعة للقلب الذي تحوِّله الأرض إلى حيوان مفترس لا يترفَّق بالنساء الضعيفات ولا بالأجنَّاء الذين ليس لهم ذنب وبلا قوَّة!

أما ثمرها الطبيعي فإن النيران تلتهم أسوار عاصمتها ربَّة (عمان) وتحرق قصورها، وتتحوِّل إلى منطقة قتال وزوابع، ويسبي ملكها ورجاله العظماء. إن كانت "ربة" تعني "كبيرة" فإن الإنسان الذي يقسو على الآخرين ويحطِّمهم لأجل نفعه الخاص الأرضي ليكون كبيرًا على الجميع وأغنى من الكل، يفقد أسواره وتحترق قصوره وتتحوََّل حياته الداخليَّة إلى ميدان قتال مرّ، ويخسر سلامه الحقيقي، ويُسبى فكره وقلبه وكل طاقاته إلى ما هو للعدوّ. يصير في حالة فقدان تام لكل شيء! ففيما يظن أنه يقتني بقوَّته وسطوته إذا به يدخل في فراغ شديد، وخسارة حتى لحياته وسلامه وإمكانيَّاته!

 


 

[1] القدِّيس أمبروسيوس: تفسير لو 5: 27 الخ (ترجمة مدام عايدة حنا بسطا).

[2] Ser. on N.T. Lessons, Ser. 1:34.

[3] Ep. 130:8.

[4] On Ps. hom 1 ; Comm. on Amos 1:5.

[5] On Ps. 83:5.

[6] حزقيال، 1981م، ص174-175.

[7] Pl 25:240.

[8] On Ps. 83:5.

[9] حزقيال ص173-174.

[10] On Ps. 83:5.

[11] New Westminster Dict., of Bible , P. 929.

[12] حزقيال ص169-171.

الأصحاح الثاني

دينونة إسرائيل ويهوذا

في هذا الأصحاح أكمل حديثه عن دينونة الأمم المحيطة بيهوذا وإسرائيل ليتحدَّث عن دينونة يهوذا وينتقل إلى جوهر الموضوع وهو "دينونة إسرائيل" فيتكلَّم عنها بأكثر تفصيل.

1. تأديب موآب             [1-3].

2. تأديب يهوذا             [4-5].

3. تأديب إسرائيل           [6-16].

1. تأديب موآب :

في دراستنا لسفر حزقيال رأينا أن موآب هو من نسل لوط من ابنته الكبرى، وقد دعي "موآب"، لأن أمه أنجبته من أبيها، إذ الكلمة "موآب" تعني "من الآب"[1]. ويرى القدِّيس جيروم أن الابنة الكبرى استغلَّت سكْر أبيها فأنجبت منه موآب، ليشير إلى الشيطان وكل الخارجين عن الله أبيهم، والذين لا يفكِّرون فيه[2]. ويرى القدِّيس أغسطينوس أن بني موآب يشيرون إلى من يستخدم الناموس بطريقة غير ناموسيَّة خاطئة، فيتعثَّرون فيه كما استخدمت ابنة لوط أبيها بطريقة خاطئة[3].

إن جريمة بني موآب هي أنهم سرقوا عظام ملك أدوم وأحرقوها ليحوِّلوها إلى كلس، ومع أنها تبدو جريمة بسيطة، لكن الله يكره الخطيَّة مهما كأن معيارها بالنسبة لنا. والعجب أن العظام هي لملك مُعادٍ لشعب الله، لكن الله لا يحب القسوة أو العنف، ولو كانت موجَّهة ضد أموات أعداء.

أما ثمرة هذه القسوة فهي أنه يرد نار قسوتهم على أكثر مدنهم حصانة "قريوت"، والتي ربَّما كانت عاصمة موآب (هي خربة الربة تبعد 14 ميلاً جنوب نهر أرنون)، ويحوِّل موآب إلى منطقة حرب تموت من أصوات البوق، ويفقدها القاضي من وسطها، فلا يكون فيها عدل ولا حكمة ويقتل رؤساءها.

ما فعلته بالعظام الميِّتة بنفس شرِّيرة وقلبٍ قاسيٍ يرتد على مدنها ورؤسائها وشعبها!

2. تأديب يهوذا :

إن كانت كلمة "يهوذا" تعني "الاعتراف"، فإن من كان يلزمهم أن يُعلنوا إيمانهم ويعترفون به خلال طاعتهم للوصيِّة الإلهيِّة، هم أنفسهم "رفضوا ناموس الله، ولم يحفظوا فرائضه، وأضلَّتهم أكاذيبهم التي سار آباؤهم وراءها" [4]. عِوض الاعتراف بالحق قبلوا الباطل وساروا وراء الأضاليل والأكاذيب!

ممَّا يؤلم النفس أن النار ترتد لتحرق قصور أورشليم، فإن كانت أورشليم تعني "رؤية الله"، فإن الانحراف عن وصيَّة الله والجري وراء الأضاليل يفسد البصيرة الداخليَّة  فلا تعاين الله. لهذا يقول الرب: "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [لنُنقِّ قلوبنا بالإيمان لكي نتهيَّأ لذاك الذي لا يوصف، أي للرؤيا غير المنظورة[4]]. كما يقول: [إن كل ما تقدِّمه الكتب المقدَّسة الإلهيَّة لا يهدف إلاَّ إلى تنقية النظر الباطني، ممَّا يمنعه عن رؤية الله. وكما أن العين خُلقت لكي ترى هذا النور الزمني حتى إذا دخلها جسم غريب عكَّر صفوها وفصلها عن رؤية ذلك النور، كذلك هي عين قلبك فإنها إن تعكَّرت وجُرحت، مالت عن نور البرّ، وما تجاسرت أو تمكَّنت من النظر إليه... وما الذي يعكِّر صفاء عين قلبك؟ الشهوة والبخل والإثم واللذَّة العالميَّة، هذا كله يُعكِّر عين القلب و يغلقها و يعميها[5]].

3. تأديب إسرائيل :

قبل أن يُقدِّم لإسرائيل عظات، كشف لهم عن سرّ تأديبهم مُظهرًا ثلاثة أمور:

أولاً: الظلم الذي يمارسونه                    [6-8].

ثانيًا: مقابلة إحسانات الله لهم بجحود          [9-12].

ثالثًا: سقوطهم جميعًا تحت التأديب             [13-16].

أولاً: الظلم الذي يمارسونه [6-8]:

"هكذا قال الرب: من أجل ذنوب إسرائيل الثلاثة والأربعة، لا أرجع عنه، لأنهم باعوا البار بالفضَّة والبائس لأجل نعليْن" [6].

لعلَّ هذا هو أول اتهام كتابي يوجِّهه نبي من "الأنبياء الكتَّاب" ضد إسرائيل باسم الرب نفسه: "إنهم باعوا البار بالفضَّة". من هو هذا البار الذي بيع بالفضَّة إلاَّ السيِّد المسيح الذي وحده بار بلا خطيَّة باعه يهوذا الخائن بثلاثين من الفضَّة بثمن عبد (مت 27: 5؛ لو 22: 5)، هذا الذي اشترانا لا بذهب أو فضَّة، وإنما بدمه الثمين. السيِّد قدَّم حياته فدية عن العبد، والعبد باع سيِّده بالفضَّة خائنًا له. في مرارة يقول زكريَّا النبي: "فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضَّة. فقال ليّ الرب: ألقها إلى الفخَّاري الثمن الكريم الذي ثمَّنوني به" (زك 11: 12-13). هذا هو الثمن الكريم الذي ثُمّن به الرب!

إنها خطيَّة الأجيال كلها، تُبيع إسرائيل الرب بثلاثين من الفضَّة، إذ تعلو في عينيها فضَّة العالم عن الحياة مع الرب، وتقيّم الزمنيَّات أفضل من الإلهيَّات!

ماذا يعني أيضًا بيع البائس لأجل النعلين [6]؟ من هو هذا البائس الذي يُباع من أجل نعلين، إلاَّ السيِّد المسيح الذي يُقدِّم لنا ذاته خلال المتألِّمين والبائسين والمحتاجين؟! لقد طلب الله من نبيِّه موسى أن يخلع نعليه لكي يقدر أن يدخل المقدَّسات الإلهيَّة، ويُعاين أسرار الله، ويدخل معه في حديث وِدِّي، و يتسلَّم العمل الرعوي (خر 3)، ولنفس السبب طلب الرب من تلاميذه ألاَّ تكون لهم أحذية (مت 10: 10) حتى لا يسلكوا كأرضيِّين يسيرون بالأحذية على الأرض، وإنما يرتفعون بقلوبهم إلى السماء فيسحبون معهم كل قلب بالروح القدس إلى حيث المسيح جالس. لكن الإنسان في غباوته عِوض أن يخلع النعلين ليحيا في السموات ويرتفع إلى الإلهيَّات، يبيع المسكين "المسيح نفسه" بنعلين، مفضلاً بالحرى أن يرتبط بالأرضيَّات ويسلك في الزمنيَّات عِوض أن يتحرَّر من النعال ويحيا في السمويًّات.

يرى العلامة أوريجينوس[6] في النعلين إشارة إلى الحياة الميِّتة الزمنيَّة وإلى حب الظهور. فالنعال تُصنع من جلد الحيوان الميِّتة، والتي تُستخدم في الطبول التي تعطي أصواتًا بلا عمل. هكذا يُباع السيِّد المسيح بمجده الأبدي من أجل الحياة الميِّتة الزمنيَّة، أو لأجل اقتناء كرامة زمنيَّة باطلة لها المظهر البرَّاق دون العمل الجاد الداخلي!

عاد الرب ليكشف عن أمثلة غريبة من الرجاسات التي كان الإسرائيليُّون يرتكبونها فيها امتزجت النجاسة في أبشع صورها مع الظلم، ألاّ وهي:

أ. "الذين يتَّهممون تراب الأرض على رؤوس المساكين" [7]، وفي بعض الترجمات "يطأون رأس المسكين حتى تراب الأرض! ليس فقط لا يترفَّقون بأخوتهم المساكين، لكن في غلاظة قلبهم يظلمونهم، ساحبين رؤوسهم حتى التراب ليدوسوا عليها بأقدامهم.

من هو هذا رأس المساكين الذي يطأون عليه بأقدامهم إلاَّ السيِّد المسيح نفسه، رأس الكنيسة كلها، فيحتقرونه ويستخفُّون بخلاصة الثمين، وكما يقول الرسول بولس: "فكم عقابًا أشر تظنون أنه يُحسب مستحقًا من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قُدِّس به دنسًا، وازدرى بروح النعمة؟!" (عب 10: 29).

إذ نحتقر المسكين ونستهين به، إنما نحتقر رأسه المسيح يسوع نفسه، لهذا يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [يا لعظم مرتبة الفقراء لكونهم نظير خدر الإله والبارّ يختفي فيه. فالفقير يمد يده متسوّلاً، لكن الإله هو الذي يقبل صدقتك]، كما يقول على لسان السيِّد: [لقد بلغك عنّي أني متسربل النور كالرداء، لكنك متى كسوت عريانًا أشعر أنا بدفء وأنني تستََّرْت! [7]].

ب. "ويصدّون سبيل البائسين" [7]، أو يُغلقون الطريق أمام المتألِّمين... لا يقفون عند السلبيَّة، أي تجاهل الإنسان البائس والحزين، وإنما إن وجدوا قدَّامه طريقًا مفتوحًا لخلاصه يغلقونه. إنهم متطوِّعون للعمل لحساب مملكة الظلم.

ج. "ويذهب رجل وأبوه إلى صبيَّة واحدة حتى يدنّسوا اسم قدسي" [7]. إنها صورة بشعة للرجاسات أن يشترك الإنسان وأبوه في خطيَّة الزنا مع صبيَّة صغيرة واحدة! وكما يقول القدِّيس باسيليوس الكبير في رسالته إلى ديؤدور Diodorius: [إن الشريعة لم يسبق وذكرت شيئًا عن ارتكاب الإنسان وأبيه الزنا مع صبيَّة لأنه أمر بشع لا يحتاج إلى التحذير منه، وذلك كما قال الرسول بولس: "وأما الزنا وكل نجاسة أو طمع فلا يُسَمَّ بينكم كما يليق بقدِّيسين" (أف 5: 3)[8]].

د. "ويتمدّدون على ثياب مرهونة بجانب كل مذبح، ويشربون خمر المغرّمين في بيت آلهتهم" [8]. لا يقف الأمر عند إقامتهم لدى المذابح الوثنيَّة والاشتراك في ولائم بيت الآلهة الغريبة، إنما امتزج هذا العمل الرجس بالقسوة، ففيما يتظاهرون بالورع حيث يتمدَّدون بجانب كل مذبح، إذا بهم يتمدَّدون على ثياب المساكين الذين ارتهنوها لديهم، ولم يقدروا سداد المبلغ واستلام الثياب، ويشربون خمر الذين عليهم غرامات ماليَّة، وغير قادرين على سداد ما عليهم!! أنهم يتعبدون مستخدمين ثياب وخمر المساكين العاجزين عن اقتناء ضروريّات الحياة الأساسيَّة!.

ثانيًا: مقابلة إحسانات الله لهم بجحود [9-12]:

إن كان قد عدَّد صورًا لأمثلة مرَّة من رجاسات الإسرائيليِّين الممتزجة بالظلم والقسوة، فقد أراد تأكيد أنهم بلا عذر، إذ قدَّم الله لهم إحسانات كثيرة، وعِوض ردِّها بالحياة المقدَّسة اللطيفة، إذا بهم يسلكون في جحود.

"وأنا قد أبَدْت من أمامهم الأموري الذي قامته مثل قامة الأرز، وهو قوي كالبلوط، أبَدْت ثمره من فوقه وأصوله من تحت. وأنا أَصعدتكم من أرض مصر، وسرتُ بكم في البرِّيَّة أربعين سنة، لترثوا أرض الأموري، وأقمت من بينكم أنبياء ومن فتيانكم نذيرين، أليس هكذا يا بني إسرائيل يقول الرب؟! لكنكم سقيْتم النذيرين خمرًا وأوصيتم الأنبياء قائلين: "لا تتنبَّأوا" [9-12].

إنها قصّة الإنسان الدائمة، فالله في كل جيل يُقدِّم خلاصًا معلنًا محبَّته الإلهيَّة الفائقة للإنسان، والإنسان في غباوة قلبه يقابل الحب بالجحود!

فمن الجانب التاريخي أعدَّ الله الطريق لإسرائيل قديمًا، وإذ كان الأموريُّون عمالقة كالأرز وأقوياء كالبلّوط حطَّم الله ثمرهم واقتلع أصولهم من الأعماق، وانطلق بشعبه من أرض مصر محمولاً كما بجناحيّ محبَّته الفائقة، معتنيًا بهم طوال بقائهم في البريَّة أربعين عامًا، حتى سلَّمهم أرض الأموريِّين، وعلامة حبُّه لهم أنه جعل من بينهم أنبياء له، ومن فتيانهم نذيرين مكرَّسين باسمه! أمًا هم فقابلوا الحب بالكراهيَّة، وعطايا الله بالجحود والعصيان. علامة ذلك أنهم طلبوا من النذيرين أن يشربوا خمرًا، وأوصوا الأنبياء ألاَّ ينطقوا بكلمة الرب. وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [اتَّهم الله الإسرائيليِّين مُظهرًا أنهم يستحقُّون تأديبًا أعظم لأنهم أخطأوا بعدما وهبهم كرامات عظيمة هكذا[9]].

والعجيب أنه وضع سقْيْ النذيرين خمرًا قبل توصيتهم الأنبياء بألاَّ ينطقوا بكلمة الرب ونبوَّاته، لأن شرب الخمر إنما يُشير إلى فقدان الإنسان اتِّزانه وحكمته، فيخدم بيت الرب وهو في حالة سكر، ممَّا يفسد بيت الله ويحطِّم سلامه. وكما يقول القدِّيس جيروم: [كان هرون وغيره من الكهنة يمتنعون عن شرب كل مسكر عند دخولهم الهيكل لئلاَّ يموتوا. وهذا يعلِّمنا أن الذين يخدمون في الكنيسة بلا وقار يموتون[10]]، فإن كان إلزام الأنبياء أن يتوقَّفوا عن الشهادة لله بإعلان كلمة النبوَّة خطيَّة جسيمة، فبالأكثر من يدخل بيت الله لا يقف صامتًا عن الحق فحسب، وإنما في عدم وقار يشوِّش الحق ويفسد مقدِس الله ويعطِّل العمل الروحي.

نعود مرَّة أخرى إلى عمل الله مع إسرائيل لنرى عمله مع كل أحد منَّا، فالأموري الذي حطَّمه أمامنا ما هو إلاَّ عدوّ الخير إبليس الذي سيطر على الأرض زمانًا، يبدو كعملاق كالأرز وقويًا كالبلُّوط، فكنَّا نخافه ونرهبه، لكن الرب بصليبه حطَّم سلطانه، وبالكرازة به رآه ساقطًا من السماء كالبرق (لو 10: 18). أصعدنا الرب كما من أرض العبوديَّة، حاملاً إيَّانا بَروحه القدُّوس لنرث الأرض التي ملكها الأموري زمانًا، فصرنا ملوكًا وكهنة للرب. ليتنا لا نصنع ما فعله الإسرائيليُّون فنشرب من خمر العالم ونتوقَّف عن روح النبوَّة أو الشهادة للرب.

ثالثًا: سقوطهم جميعًا تحت التأديب [13-16]:

يؤكِّد الرب أنهم إذ أخطأوا فلا إمكانيّة للهروب من التأديب، وقد بدأ حديثه بالقول: "هأنذا أضغط ما تحتكم كما تضغط العجلة الملآنة حزمًا" [13]. وفي كثير من الترجمات: "هأنذا أضغط من تحتكم كما تضغط العجلة الملآنة". وكأن الله يشكو من ثقل خطايانا التي تضغط عليه، وكأننا عجلة مملوءة حزمًا.

الله الذي يحمل العالم كله بكلمة قدرته يئن من خطايانا وآثامنا! يقول: "لستُ أطيق الإثم والاعتكاف، رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضَتْها نفسي، صارت عليَّ ثقلاً، مللت حملها" (إش 1: 13-14). مرة أخرى إذ يرى يرّتد شعبه عنه يقول في مرارة: "قد انقلب عليَّ قلبي" (هو 11: 8).

ليتنا لا نكون كالعجلة المملوءة حزم شرّ، تثقل على نفس قلب أبينا السماوي، وتضغط على فادينا القائل: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت... يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنيَّ هذه الكأس" (مت 26: 38-39)، وإنما لنكن مركبة الله الناريَّة نحمل طبيعته السماويَّة عاملة فينا، فلا نُمثِّل ثقلاً وضغطًا عليه بل نطير بروح الله القدُّوس محلِّقين في السمويًّات، مُرتفعين من مجد إلى مجد بلا عائق!

ليتنا عِوض أن نكون عجلة مثقَّلة بحزم الشرّ المعطِّلة لعمل الله الخلاصي، نكون كسحابة خفيفة سريعة حاملة للرب الراكب عليها، متَّجهًا نحو مصر ليُقيم له مذبحًا في وسطها (إش 19).

يُكمل الرب حديثه: ويبيد المناص عن السريع، والقوي لا يشدِّد قوَّته، والبَطل لا ينجيَّ نفسه وماسك القوس لا يثبت، وسريع الرجلين لا ينجو، وراكب الخيل لا يُنجيَّ نفسه، والقوي القلب بين الأبطال يهرب عريانًا في ذلك اليوم يقول الرب" [14-19].

يا لها صورة قاسية وصعبه، فإنه لا يستطيع أحد مهما بلغت حكمته وإمكانيَّاته الهروب من التأديب. فيبيد المناص عن السريع، أي يهرب الملجأ أو المفر عمن يظن في نفسه أنه سريع البديهة، قادر على الفرار. فإنه في ذلك الوقت إذ يسقط الإنسان تحت ثمر خطاياه لا تنقذه إمكانيَّاته الفكريَّة في ذلك الوقت على التصرُّف (السريع)، ولا قوَّة الجسد تشدِّده، ولا بطولته التي اشتهر بها، ولا القوس الذي في يديه ولا الخيل الذي يركبه ولا قوَّة القلب التي عُرف بها... أنه لا يقدر على النجاة، بل يقف عاريًا لأنه يوجد غير لابس "المسيح" برِّنا!

ليتنا نقتني "المسيح يسوع" ربنا في داخلنا، هو وحده الذي نلبسه فيسترنا، ندخل فيّه فنحتمي، نمسك بصليبه كقوس قوي لا يخيب، تتشدَّد أرجلنا فنسلك طريق الحق، ويكون لنا إمكانيَّة الانطلاق لا بخيل بل بمركبة سماويَّة ويتشدّد قلبنا به، فيتحوَّل يوم الرب إلى يوم بهجة ونصرة. يسوعنا وحده هو قوَّتنا ونصرتنا وسلاحنا الروحي وثوبنا الأبدي ومجدنا وفرحنا الذي لا يُنزع عنَّا.

في القديم كان عمل الناموس أن يُعلن بطلان كل إمكانيَّاتنا البشريَّة في الخلاص لا لنعيش محطَّمين وإنما لنقبل مسيحنا كمصدر حق لخلاصنا.

تطلَّع المرتِّل إلى من حوله لعلَّه يجد في الرؤساء عونًا لكنه أدرك ضعفهم، إذ يقول: "لا تتَّكلوا على الرؤساء ولا على ابن آدم حيث لا خلاص عنده، تخرج روحه فيعود إلى ترابه" (مز 146: 3). وفي مرارة لم يجد حتى في والديه إمكانيَّة الخلاص: "أبي وأمي قد تركاني والرب يضمّني" (مز 27: 10). وإذ لم يجد في كل البشر معينًا قال: "أنا قلت في حيرتي كل إنسان كاذب" (مز 116: 10). وإن ظنَّ الإنسان في نفسه جبَّارًا أو صاحب إمكانيَّات يوبِّخه الرب "لا يفتخرن الحكيم بحكمته، ولا يفتخر الجبَّار بجبروته، ولا يفتخر الغني بغناه" (إر 9: 23). وإن اتَّكل على خيله يسمع: "باطل هو الفرس لأجل الخلاص" (مز 23: 17)، "قلتم لا بل على خيل نهرب، لذلك تهربون، وعلى خيل سريعة نركب لذلك يسرع طاردوكم" (إش 30: 16).

إذن لنقبل الله نفسه هو مخلِّصنا، حكمتنا، غنانا، قوَّتنا، وكل شيء بالنسبة لنا!

 


 

[1] حزقيال ص171-173.

[2] On Ps. hom. 34.

[3] On Ps. hom. 83:5.

[4] . In Ioan 5:8.

[5] خواطر فيلسوف في الحياة الروحيِّة (الخوري يوحنا الحلو) بيروت 1970م، ص291-292.

[6] للمؤلف: الخروج، 1981م، ص31-32.

[7] للمؤلف: الحب والعطاء، 1970م، ص43.

[8] Ep. 160:3.

[9] On Priesthood 6:11

[10] Adv. Javinian 2:15

الباب الثاني

 

 

 

عظات لإسرائيل

 

ص 3-8

 

 

عظة 1: إلى بني إسرائيل                            [ص 3.]

عظة 2: إلى بقرات باشان                           [ص 4.]

عظة 3: مرثاة على عذراء إسرائيل                 [ص 5: 1-17.]

مجموعة الويلات الأولى                             [ص 5.]

مجموعة الويلات الثانية                             [ص 6.]


 

تحوي هذه الأصحاحات الأربعة (3-6) ثلاث عظات ومجموعتين من الويلات، تبدأ كل عظة "اسمعوا هذا القول"، وكل مجموعة ويلات بكلمة "ويل".

1. عظة 1 [ص 3] موجَّهة إلى بني إسرائيل.

2. عظة 2 [ص 4] موجَّهة إلى بقرات باشان.

3. عظة 3 [ص 5: 1-17] موجَّهة إلى عذراء إسرائيل.

4. مجموعة الويلات الأولى [ص 5: 18-27] ضد المشتهين يوم الرب بغير استعداد.

5. مجموعة الويلات الثانية [ص 6] موجَّهة ضد السالكين بترف وتدليل في كبرياء وتشامخ.

هذه العظات ومجموعتا الويلات هي في جوهرها دعوة للتوبة، فهي تفضح الكثير من خطايا بني إسرائيل، التي للأسف يرتكبها حتى بعض المؤمنين في العهد الجديد، إنها تكشف ضعفاتنا في حياتنا مع الله وسلوكنا مع اخوتنا بل ومع أنفسنا، كما تعلن تأديب الله الحتمي لنا بسبب خطايانا ليدفعنا للرجوع إليه... لذا تكرَّرت العبارات "ترجعوا إلى الرب" (4: 11)، "اطلبوا الرب فتحيوا" (5: 4، 6)، "اطلبوا الخير لا الشرّ" (5: 14)، "ابغضوا الشرّ واحبُّوا الخير واثبتوا في الحق" (5: 15).


 

الأصحاح الثالث

العظة الأولى

إلى بني إسرائيل

في هذه العظة يقدِّم الله تبريرًا لمحاكمته شعبه:

1. يعاقبهم لأنهم شعبه                [1-2.]

2. لا يعاقب بلا سبب                 [3-8.]

3. يُشهِّد الأمم عليهم                 [9-11.]

4. ليس من يفلت منهم               [12-15.]

1. يعاقبهم لأنهم شعبه :

"اسمعوا هذا القول الذي تكلَّم به الرب عليكم يا بني إسرائيل، على كل القبيلة التي أصعدتها من أرض مصر قائلاً: إيَّاكم فقط عرفت من جميع قبائل الأرض لذلك أعاقبكم على جميع ذنوبكم" [1-2.]

كأن الله بهذه المقدِّمة يدعوهم إلى محكمته معلنًا أنه جهة الاختصاص، فإنه يدعو كل الشعب بكونه كل القبيلة أو العائلة التي نزلت إلى مصر، ومن هناك أنقذها، لقد عرفها باسمها واهتم بها ودعاها باسمه دون سائر قبائل الأرض، هذا الحب وهذه الرعاية لا تعني أنه يغمض عينيه عن أخطائهم، وإنما تُحمِّلهم بالأكثر المسؤليَّة، فإنه لا يقبل الشركة مع أناس مذنبين. لقد عرفهم وعرفوه، إذ قيل "الله معروف في يهوذا" (مز 76: 1). لذلك فمسئوليَّتهم أعظم، إذ يقول الرب: "وأما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيِّده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيُضرب كثيرًا، ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يُضرب قليلاًً، فكل من أُعطيَ كثيرًا يطلب منه كثير ومن يودعونه كثيرًا يطالبونه بأكثر" (لو 12: 47-48). كما ازدادت معرفتنا لإرادة الله وأسراره وأعمال محبَّته الفائقة صرنا نُطالب بأكثر، وتكون مسئوليَّتنا أمامه أعظم من غيرنا. وكما يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [الجريمة ليست موضع نقاش في حالة من كان يعرف إرادة سيِّده ويهملها، ولا يعمل بما يليق مع إنه من واجبه أن يعمل[1].]

2. لا يعاقب بلا سبب :

إن كان الله قد قدَّم شعبه للمحاكمة أمامه لأنه موضع الاختصاص، فإنه كأسد يزمجر علامة أنهم مستحقُّون الدينونة، فإن الله لا يطلب محاكمة شعبه بلا سبب، وقد وضع الرب الدليل خلال سبعة أسئلة تكشف أنه لا مجال لله أن يغضب بلا سبب... وأنه في نفس الوقت إذ يحاكم يدخل معهم في حديث مشترك موضِّحًا لهم أسرار محاكمته، إذ "يُعلن سرُّه لعبيده الأنبياء" [7.]

أما الأسئلة السبعة فهي:

"هل يسير اثنان معًا إن لم يتواعدا؟!

هل يزمجر الأسد في الوعر وليس له فريسة؟!

هل يعطي شبل الأسد زئيره من خدره إن لم يخطف؟!

هل يسقط عصفور في فخ الأرض وليس له شرك؟!

هل يُرفع فخ عن الأرض وهو لم يمسك شيئًا؟!

أم يُضرب بالبوق في مدينة والشعب لا يرتعد؟!

هل تحدث بلية في مدينة والرب لم يصنعها؟! [3-6.]

فإن كانت كل الإجابات على الأسئلة السابقة بالنفي، فإنه يكمل على نفس الوتيرة: "إن السيِّد الرب لا يصنع أمرًا إلاَّ وهو يُعلن سرُّه لعبيده الأنبياء. الأسد قد زمجر فمن لا يخاف؟! السيِّد الرب قد تكلَّم فمن لا يتنبَّأ؟! [7-8.]

إن كان هذا الحديث قد كشف أن المحاكمة التي تتم ليست أمرًا وهميًا، بل هي أمر جاد وخطير، حقيقة واقعة تتحقَّق ليس بدون أسباب، وإنما قد فاض الكيل من جهة ما ارتكبه الشعب ضد القدُّوس، وفي حق نفسه، فإن هذه الأمثلة السبعة كشفت عن جوانب هامة وخطيرة تمس علاقة الله بشعبه التي بسببها تتم المحاكمة، أهمها:

أولاً: الحاجة إلى عهد جديد، إذ يفتتح حديثه بالقول: "هل يسير اثنان معًا أن لم يتواعدا (أو يكون بينهما موعد واتفاق)؟!، حتمًا لا! كيف إذن يسير الله والإنسان معًا، وقد كسر شعب الله العهد ونقض الاتفاق؟! يقول الرب: "وإن لم تتأدّبوا منيّ بذلك، بل سلكتم معي بالخلاف، فإني أنا أسلك معكم بالخلاف وأضربكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم" (لا 26: 23-24). إذا نقض الشعب العهد فكيف يسير الله معه؟! لهذا صارت الضرورة ملحَّة إلى إقامة عهد جديد فيه يتصالح الله مع شعبه.

هذا ما أعلنه الرب بإرميا النبي: "ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا، ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر، حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب، بل هذا هو العهد... اجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون ليّ شعبًا" (إر 31: 31-33). وقد تحقَّق ذلك في خميس العهد، حيث قدَّم لنا السيِّد المسيح جسده المبذول عهدًا جديدًا، فيه نلتقي مع الآب باتِّحادنا معه في ابنه يسوع المصلوب. ننعم بالجسد المكسور عنَّا والدم المبذول لأجل خلاصنا كعهد جديد، فيه تثبت بنوّتنا للآب، وأبوَّته لنا باتِّحادنا في جسد ابنه وحيد الجنس! حقًا في المسيح يسوع الذبيح نلتقي مع الآب ونسير معًا، إذ قد تواعدنا معًا بفكر ابنه وعهده الأبدي.

ثانيًا: يُعلن الله أنه في المُحاكمة لا يعرف التراخي، ففي عدله يتركنا للشرّ الذي اقتنيناه لأنفسنا بحرِّيتنا، فيكون هو كالأسد الذي يُزمجر في الوعر حيث البشريَّة الوعرة التي بلا ثمر، كالصحراء الجافة، صرنا فريسة تُلتهم. ويكون هو كالشبل الذي يمسك بالفريسة المقدَّمة له ليأخذ منها نصيبًا... صرنا فريسة، ولا هروب من زمجرة الأسد وزئير الشبل إلاَّ بالالتجاء إلى الصليب، لنرى الأسد الخارج من يهوذا مزمجرًا ليس علينا بل على خطايانا، ولا ليفترسنا وإنما ليحطِّم إبليس عدوِّنا! لنهرب من الغضب الإلهي الذي يُزمجر بسبب قبولنا العدو، بالهروب إلى الله مخلِّصنا الذي يفدينا من هذا العدو!

ثالثًا: إذ يقدِّم لنا مثَل العصفور الذي يسقط بسبب وجود فخ، أو الفخ الذي يُرفع لأنه قد اقتنص عصفورًا، إنما يُعلن الرب إننا في المحاكمة أشبه بالعصفور الساقط في فخ، هل نقدر أن نخلص بأنفسنا؟! بالرب فادينا نقول: "لأنه ينجِّيك من فخ الصيَّاد ومن الوبأ الخطر" (مز 91: 3). "انفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيَّادين، الفخ انكسر ونحن انفلتنا، عوننا باسم الرب الصانع السماوات والأرض" (مز 123: 7). يقول القدِّيس جيروم: [ما هو الفخ الذي انكسر؟ يقول الرسول: "(الرب) سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعا" (رو 16: 20)، "فتستفيقوا من فخ إبليس" (2 تي 2: 26). ها أنتم ترون الشيطان هو الصيَّاد، يشتاق أن يصطاد نفوسنا للهلاك. الشيطان هو سيِّد فخاخ كثيرة، وخداعات من كل نوع... لكن متى كنَّا في حالة النعمة تكون نفوسنا في أمان، لكن ما أن نلهو بالخطيَّة حتى تضطرب نفوسنا وتصير كسفينة تلطمها الأمواج[2].] ويقول أيضًا: [كما إن الرب يلقي الشبكة ويصطاد عددًا ضخمًا من السمك، وتلاميذه كصيَّادي سمك يجمعون الذين يَقبلون الإيمان به خلالهم ويحضرونهم إليه، هكذا أيضًا إبليس له شيَّاطينه الخاضعة له الذين ينصبون الشباك للناس ويقتادونهم إليه[3].]

ويقدِّم لنا القدِّيس أغسطينوس سرّ انفلاتنا من الفخ: [لأن الرب في النفس ذاتها، لهذا فلتت النفس هكذا كطائر من فخ الصيَّادين... ليكن الرب في داخلك، وهو يخلِّصك من تهديدات أعظم، من فخ الصيَّادين... الفخ سينكسر، تأكَّد من هذا، فإن ملذَّات الحياة الحاضرة لن تدوم عندما يتحقَّق مصيرها النهائي. لذا ليتنا لا نرتبك بها حتى متى أِنكسر الفخ نفرح قائلين: الفخ أِنكسر ونحن نجونا. ولئلاَّ تظن أنك تستطيع ذلك بقوَّتك الذاتيَّة، أُنظر من الذي يعمل على نجاتك وقل: [عوننا باسم الرب الصانع السموات والأرض"[4]...]

رابعًا: يقول: "أم يضرب بالبوق في مدينة والشعب لا يرتعد؟!. إنها حالة حرب روحيِّة دائمة! ما دمنا في العالم فالعدوّ لا يتوقَّف عن مقاومتنا حتى يغتصبنا من ملكوت الله إلى ملكوت ظلمته، لذا فالرب يرسل خدَّامه ليضربوا دومًا ببوق الإنجيل حتى تتحقَّق النصرة النهائيَّة. يقول الرسول بولس: "أخيرًا يا أخوتي تقوُّوا في الرب وفي شدَّة قوَّته، ألبسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس، فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم، على ظلمة هذا الدهر، مع أجن