تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 10 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 17:
1. حرق المدينة :

قبل أن يعلن الرب مفارقته بيته تمامًا أعلن لنبيه الرؤيا التي سبق أن أظهرها له عند نهر خابور، أي مركبته الإلهية النارية، كما سبق أن دعاها "شبه مجد الرب"، وقد سبق الحديث عنها بشيء من التفصيل في الأصحاح الأول غير أن المخلوقات الحية يدعوها هنا "كاروبيم".

والجديد في هذه الرؤيا أنه رأي الرجل اللابس الكتان الذي على جانبه دواة الكاتب، الذي يسم المتنهدين على رجاسات أورشليم (أصحاح 9) يدخل بين البكرتين تحت الكروب، ويأمر كاروبًا أن يملأ حفنتيه جمر نار من بين الكروبيم ويذريها على المدينة ليحرقها.

قلنا إن الرجل اللابس الكتان إنما هو "كلمة الله المتجسد" الذي جاء كاهنًا، يلبس الملابس الكهنوتية ليقدم ذبيحة حبه لخلاص البشرية. أما دخوله بين البكرتين فإعلان أنه هو محور العهدين، فالعهد القديم أو الناموس غايته المسيح، والعهد الجديد أو الإنجيل إنما هو إعلان سر يسوع المسيح... أما نزوله تحت الكروبيم فإعلان عن سر تجسده كقول الرسول بولس: "وضعته قليلاً عن الملائكة" (عب 2: 7).

ربما يتساءل البعض: إن كان السيد قد جاء لخلاصنا، فلماذا يأمر كاروبًا أن يأخذنا نارًا ويلقيها على المدينة؟

أ. في هذا إعلان عن نار الذبيحة السرية، فإن كان السيد قد تقدم ككاهن، لكنه في نفس الوقت تقدم كذبيحة يحمل أجرة خطايانا - هذا الذي لا يعرف خطية - قبل أن يحمل نارها المدمرة للمدينة، لكنها تعجز عن أن تدمره!! لهذا ففي أسبوع البصخة المقدسة تركز الكنيسة على نبوات العهد القديم التي تُظهر بشاعة الخطيئة وآثارها المدمرة، لكي تكشف عن محبة المسيح الحامل خطايا العالم. وبقدر ما يعلن الروح القدس للنفس البشرية ثمر الخطيئة القاتل بقدر ما تتعلق بذاك الذي حمل عنها هذا الثمر.

ب. لعل هذه النار أيضًا ترمز للروح القدس الناري الذي أرسله لنا السيد المسيح من عند الآب ليحرق فساد الخطيئة، هادمًا فينا المدينة القديمة، أو الإنسان العتيق، مقيمًا مدينة جديدة أو هيكلاً جديدًا داخليًا يسكنه الرب.

ج. كان هذا العمل إعلانًا عن حرق البابليين للمدينة (2 مل 25: 9) على يد نبوزردان رئيس الشرطة وعبد نبوخذنصَّر ملك بابل.. فإذ تركت المدينة المقدسة قداسة الحياة استحقت الإبادة بيدّىْ الأعداء الأمميين.

ويلاحظ أنه عندما دخل السيد بين الكروبيم ملأت السحابة الدار الخارجية وكأنه بدخول الابن إلى التجسد أعلن مجده فينا نحن الذين كنا في الخارج. إنه يقول: "وسمع صوت أجنحة الكاروبيم إلى الدار الخارجية كصوت الله القدير الذي تكلم" [5]، وكأننا نحن الذين كنا في الخارج بلغ إلينا صوت الله القدير بمجيء الكلمة إلينا.

"لم تدر عند سيرها؛ بل إلى الموضع الذي توجّه إليه الرأس ذهبت وراءه" [11]. هكذا تسير عجلة مركبة الله وراء الرأس، أي بخطة إلهية، لن يستطيع الإنسان، بل ولا خليقة ما أن تتحدى الله. إنه في عرشه الإلهي يهب نعمة ورحمة لطالبيه ويصدر الحكم والدينونة على مقاوميه. من يقدر أن يتحدى الله؟!

مركبته مملوءة عيونًا حواليها [12]، لا تسير اعتباطًا، إنما دينونته عدل وحق، إنه الناظر إلى القلوب والفاحص الكلى... وليس شيء مخفيًا عنه!


العدد 18- 22:
2. مفارقة المجد الإلهي بيت الرب :

"وخرج مجد الرب على عتبة البيت ووقف على الكروبيم، فرفعت الكروبيم أجنحتها وصعدت عن الأرض قدام عينَّي" [18]. لقد أكد النبي أنه رأي مجد الرب يفارق بيته، حيث انطلق بمركبته النارية بعيدًا عن الشعب الرافض للمجد الإلهي. لم يكن ممكنًا للرب أن يستقر حيث يصمم الإنسان على الشر "لأنه أية خلطة للبر مع الإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة، وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟!" (2 كو 6: 14-15).

كان لابد أن يفارق الرب هيكله القديم الذي أصر على الجحود ليقيم فينا هيكلاً جديدًا هو من صنع روحه القدوس. يتحدث العلامة أوريجانوس عنه، قائلاً: [ليكن للنفس مذبح في وسط القلب، عليه تقدم ذبائح الصلاة ومحرقات الرحمة، فتذبح فوقه ثيران الكبرياء بسكين الوداعة، وتقتل عليه كباش الغضب وماعز التنعم والشهوات... لتعرف النفس كيف تقيم داخلها قدس أقداس قلبها منارة تُضئ بغير انقطاع[1]].

رأي النبي مجد الشكينة ينطلق خارجًا على عتبة البيت ويرتفع إلى السموات، لكنه رأي كأن المجد قد وقف إلى حين من فوق مدخل الباب الشرقي، وكأنه ينتظر آخر فرصة حتى بعد مغادرته الموضع لعلهم يتوبون فيرجع. إنه يفارق بيته ليصعد إلى السماء دون أن تصيبه خسارة، لكنه يطلب نفع البشرية وخلاصها ومجدها! لقد عبر الرسول بولس عن ذلك بقوله: "لا تحزنوا الروح!".

يا للعجب بينما يبذل الشرير كل الجهد ليفارق الله حياته لا يريد الله أن يفارق مجده قلب الإنسان، معطيًا فرصًا لا حصر لها لكي يعمل فيه!
أسفار الكتاب المقدس
أعلى