تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 11 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 12:
1. مثل اللحم والقدر :

قبل أن يعلن النبي عن مفارقة الرب للمدينة كلها أشار إلى الخمسة والعشرين من رؤساء الشعب الذين يقدمون مشورة رديئة تناقض ما أعلنه إرميا النبي. هؤلاء أكدوا أن المدينة في أمان، فأشاروا بالثورة ضد نبوخذنصَّر مستعينين بفرعون مصر (إر 28: 16) وأن ينقضوا القسم الذي تعهد به الملك مع الكلدانيين (2 مل 26: 13). دللوا على مشورتهم بقولهم "ما هو قريبُ بناء البيوت هي القدر ونحن اللحم" [3]، وهي عبارة غامضة لكنها تظهر في الترجمة السبعينية بأن المدينة في أمان بدليل استقرار الحال وبناء بيوت منذ وقت قريب. وكأنهم يخطّئون مشورة إرميا النبي الذي أعلن عن ضرورة قبول التأديب الإلهي من خلال السبي البابلي، فالذين سُبوا في المرحلة الأولى حرموا من أرضهم وهيكلهم أما الباقون في المدينة فإنهم في أمان يقيمون البيوت علامة استقرارهم.

يرى البعض أن حزقيال النبي مثل إرميا قد عرف أن السبي يدوم سبعين عامًا، وانهم سيستقرون هناك ويبنون بيوتًا ويتأهبون للإقامة في أرض غريبة، لكن كثيرين ثاروا على هذا الأمر، إذ ظنوا أن الله لابد أن يتدخل ويردهم سريعًا إلى وطنهم. وقد قام أنبياء كذبة يشجعونهم في توقعهم هذا. فكما كانوا في أيام ما قبل السبي يطمئنون ضمائر الناس بأن الله لن يسمح بخراب مدينته وهيكله، هاهم بعد السبي يحملون روح الكذب مؤكدين لهم العودة السريعة.

كانوا يرددون القول: "هي القدر ونحن اللحم" [3]. إن كنا لحمًا فأورشليم هي القدر الذي يحفظنا ويحمينا من هجمات الكلدانيين. لكن روح الرب كشف لحزقيال خطأ هذه المشورة معلنًا أن الذين في داخل القدر أي أورشليم ليسوا اللحم بل القتلى الذين سفك دمهم لا بسبب الكلدانيين بل بسبب المشورة الرديئة. فلو أنهم قبلوا مشورة رميا وتفاهموا مع الكلدانيين لما سفك دم هؤلاء، لهذا يؤكد الرب: "هذه لا تكون لكم قدرًا ولا أنتم تكونون اللحم في وسطها" [11]. وكأنه يقول إنها لا تكون مصدر حماية لكم مادمت أنا نفسي ضدكم "في تخم إسرائيل أقضي عليكم"[11]. إن كانت المدينة هي مدينتي فتحتمون فيها، فأنا نفسي ضدكم لأنكم لم تسلكوا في فرائضي ولا تعملون أحكامي، أحكم عليكم في تخم إسرائيل، في داخل المدينة، وليس لكم ملجأ أو حماية! هكذا إن كان الله قد أوضح سر مفارقته بيته ألا وهو انحراف المتعبدين على أعلى مستوى قيادي في العبادة، فإنه يفارق أيضًا المدينة كلها لأن قادتها رفضوا المشورة الإلهية وتركوا الوصية! إن كان الهيكل يشير إلى النفس، والمدينة تشير إلى الجسد الذي يحتضن النفس داخله، فإنه ليس شيء يحطم النفس (الهيكل) مثل العبادة الشكلية، ولا ما يهلك الجسد مثل مشورة الأردياء ورفض المشورة الإلهية.

يلاحظ أنه لكي يفضح النبي المشورة الرديئة أكد أن روح الرب حل عليه [4] هذا الذي يعرف حتى الأفكار الخفية. إن كان هؤلاء الرجال تسلموا العمل القيادي لكن كان ينقصهم روح الرب الذي بحق يقدم المشورة الصالحة، أما حزقيال فيحمل الروح الإلهي الذي يقدر أن يقود. وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [انظروا كيف أن الروح القدس يفرز ويدعو ويرسل بسلطان[1]]، [هو روح حيّ يهب الحكمة في الكلام متحدثًا وواعظًا بنفسه[2]] كما يقول: [يجب أن نفهم الكلمتين "حل عليّ" بطريقة حسنة تعني أنه حلّ عليه بالمحبة، كما وقع يعقوب على عنق يوسف حين وجده، وكما جاء في الأناجيل عن الأب المحب حين رأى ابنه الراجع من ضلاله تحنن عليه وركض ووقع على عنقه وقبله (لو 15: 20)[3]]. هذا هو الروح الإلهي الذي حلّ على النبي ليعطيه روح القيادة والحكمة والمشورة الصالحة وذلك من أجل محبته لله ودعوته للناس كي يتمتعوا بهذا الحب عينه.
العدد 13- 21:
2. فساد المشورة الرديئة :

دلل الرب على فساد مشورة الأردياء من جانبين:

أ. إن أحد مقدمي المشورة "فلطيا بن بنايا" مات، الأمر الذي أرعب حزقيال النبي، لأنه كان صاحب المشورة مات فماذا يكون حال بقية الشعب. لهذا خرّ على وجهه وصرخ بصوت عظيم، قائلاً: "آه يا سيد الرب هل تفنى أنتَ بقيّة إسرائيل؟!" [13].

ب. إن كان الذين بقوا في أرض يهوذا لم يحملوا إلى السبي (في مرحلته الأولى) ظنوا أنهم أسعد حالاً من الذين حملوا إليه مثل حزقيال نفسه فهم مخدوعون. إنهم فرحون لأنهم في أرضهم وبجوار الهيكل الذي لم يصبه تدمير. لأن الحال سيتغير ويتم السبي في المرحلة القادمة سريعًا، خلالها تحرق المدينة ويدمر الهيكل ويقتل سكان أورشليم. أما الذين ذهبوا إلى السبي فإن الله لن ينساهم. هم حُرموا من المقدسات الإلهية في مدينة الملك العظيم لكن الملك نفسه يصير مقْدِسًا لهم في غربتهم:

"فإني أكون لهم مقْدِسًا صغيرًا في الأرض التي يأتون إليها" [16].

يصير الرب مقدسًا لهم، إذا يقدس قلبهم بالتوبة، واعدًا إيام بالخلاص. هنا يعلن الله حبه العجيب لإنسان، فإنه حتى بعد تأديبهم ومفارقة مجد الرب الهيكل والمدينة لا يترك المسبيين، لكنه يعدهم أنه يجمعهم في أرض سبيهم... أنه ينتظر نفسًا واحد في السبي لتكون له هيكلاً ومقدسًا صغيرًا يُسر بها. أنه يؤدب لا لينتقم بل ليُصلح ويجدد!

هنا ينقلهم الله إلى الخلاص المسياني، إذ يقول: "وأعطيهم قلبًا واحدًا (آخر)[4] وأجعل في داخلهم روحًا جديدًا وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم، لكي يسلكوا في فرائضي ويحفظوا أحكامي ويعلوا بها ويكونوا لي شعبًا وأنا أكون لهم إلهًا" [19-20].

إنه لا يعدهم برجوعهم من السبي إلى الهيكل في أورشليم ومدينة الملك العظيم بل ما هو أهم إنه يُحطم إنسانهم العتيق مقدمًا لهم الإنسان الجديد، فيصيروا هم أنفسهم هيكل الرب ومدينته المقدسة، وتصير فرائضه وأحكامه قانونهم الطبيعي. هذا ما قدمه لنا السيد المسيح في مياه المعمودية المقدسة حيث يردنا من سبي إبليس وأسر الخطيئة ويجعل منا إنسانًا جديدًا على صورة خالقنا. انه يهدم فينا القلب الحجري ويقيم القلب اللحمي الروحي[5].

ينزع القلب الحجري، أي الفهم الحرفي القاتل للناموس، الذي ينزع عنا كل إحساس، ويهبنا بالروح القدس القلب اللحمي أي الفهم الروحي للوصية التي تهب حياة. وكما يقول القديس أغسطينوس: [لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية" (2 كو 3: 3)[6]].

العدد 22- 25:
3. مفارقة مجد الرب المدينة :

يقع الهيكل في الجانب الشرقي للمدينة، لكن هنا يقف المجد في وسط المدينة، لأنه لا يفارق الهيكل فقط وإنما يفارق كل المدينة، يفارق الشعب كما يفارق الكهنة والعاملين في الهيكل، يفارق الجسد كما فارق الروح!

أما الجبل الشرقي الذي وقف عليه فهو ناحية قدرون أو وادي يهوشفاط، أي جبل الزيتون (2 صم 15: 3؛ تك 14: 4). لقد توقف مجد الرب قليلاً وكأنه يحزن على مفارقته شعبه الذي أصر على رفضه. على هذا الجبل توقف السيد المسيح وسط موكب مستقبليه وتطلع إلى المدينة وهو يبكي، قائلاً: "إنك لو علمتِ أنتِ أيضًا حتى في يومك هذا ما هو لسلامك، ولكن الآن قد أُخفى عن عينيك. فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيكِ حجرًا على حجر، لأنكِ لم تعرفي زمان افتقادك" (لو 19: 41-44)، يقف الرب نفسه يبكي على المدينة التي ترفضه فصارت مرفوضة، قتلت أنبياءه فدخل الموت إليها.


أسفار الكتاب المقدس
أعلى