تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 12 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 6:
1. خروجه من بيته :

أمام إصرار الشعب على عدم تصديق الأنبياء بمفارقة الرب بيته ومدينته وتخليه عن حماية شعبه بل السماح بسبيهم للتأديب، اضطر النبي- بأمر إلهي- أن يجَّسم رسالته في سلوكه، فصار رمزًا لإسرائيل. يقول له الرب: "لأني جعلتك آيه لبيت إسرائيل" [6]. كما قال النبي: "أنا آية لكم" [11]. ففي النهار قام من موضعه وذهب إلى موضع آخر لعلهم يدركون جلاءهم من بلدهم وأخذهم إلى السبي، لكنه عاد في المساء وسط الظلام ونقب حائط بيته وخرج خلسة، كالخارجين إلى الجلاء، حاملاً أمتعته على كتفيه. وكأنهم إذ رفضوا التصديق بحدوث السبي يتم هذا العمل ليلاً، وهم نيام في وسط الظلمة الداخلية بلا استعداد ويُحمَل ملكهم حملا بغير إرادته.

هكذا صوّر النبي حال الآلاف من المسببين... وكان الشعب ينظر إليه باستغراب.

صار حزقيال آية لشعبه، كل ما في قدرته أن يكشف لهم عن حالهم بخروجه من بيته ليلاً يحمل أمتعته، معلنًا، أن خطاياهم تدفع بهم إلى السبي: يفقدون أرضهم وممتلكاتهم وشعبهم وحريتهم، أي يفقدون حقهم الإنساني. وقد صار مسيحنا آية، إذ قيل: "يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل" (إش 7: 14). إنه من عند الآب خرج في ملء الزمان، طأطأ السماوات ونزل إلى أرضنا كما في الليل؛ نزل إلينا نحن الجالسين في الظلمة يحمل خطايانا على كتفه، ليكشف عن سبينا وأسرنا في عبودية إبليس، لكنه لم يقف كحزقيال عند الكشف عن مرارة حالنا، بل وهبنا العتق من العبودية، ردنا إلى بيته السماوي نحمل طبيعة جديدة تتمتع بعربون المجد الأبدي. وكأن النبي قد شخَّص المرض وأوضح خطورته، أما مسيحنا الطيب الحقيقي فقدم حياته المبذولة على الصليب علاجًا وشفاءً!
العدد 7- 16:
2. تغطية وجهه :

يُحمل الملك صدقيا (رئيس يهوذا) إلى بابل ليلاً، لكنه لا يراها كما يقول إرميا النبى (إر 32: 5)، إذ فقئوا عينيه في ربلة (2 مل 25: 4-7، إر 52: 8، 11). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لم ير بابل مع أنه حمل إليها... لأنه في اليهودية فُقئت عيناه، في الموضع الذي فيه حنث بالقسم هناك نال العقوبة[1]]. لقد خان العهد وحنث بالقسم ولو مع رجل وثنى لهذا نال عقوبة مضاعفة: السبي والعمى. هذا هو ثمر خيانة العهد مع الناس فكم بالحرى مع الله؛ إنها تُفقد النفس حريتها والبصيرة الداخلية نورها، فيخضع الإنسان لعبودية داخلية وعمى داخلي.


العدد 17- 20:
3. الأكل بارتعاش :

إذ صار النبي آيه لشعبه قام بعمل رمزي آخر لتأكيد حدوث السبي، فقد أمره الرب هكذا: "يا ابن آدم كل خبزك بارتعاش واشرب ماءك بارتعاد وغم، وقل لشعب الأرض: هكذا قال السيد الرب على سكان أورشليم في أرض إسرائيل يأكلون خبزهم بالغم ويشربون ماءهم بحيرة لكي تخرب أرضها" [18-19]. إنها صورة مرعبة لحياة الإنسان في خطيته تكمل الصورة السابقة: الأولون حملوا إلى السبي قسرًا وفقدوا بصيرتهم الداخلية أما هؤلاء فقد تُركوا في أرضهم لكنهم دخلوا إلى حالة جوع مع غم، وعطش مع حيرة. تفقد الخطيئة الإنسان شبعه الداخلي وارتواءه كما تفقده سلامه، لهذا يقول السيد المسيح "أنا هو خبز الحياة، من يقبل إلى فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا" (يو 6: 35). هو سر شبعنا الداخلي وارتوائنا الروحي.

أكل حزقيال خبزه بارتعاش وشرب ماءه بارتعاد وغم [18]، أما مسيحنا فقدم جسده ودمه المبذولين خبزًا محييًا، ينزع عنا الغم، ويدخل بنا إلى فرحه الأبدي.
العدد 21- 28:
4. تجاهل النبوة الحقيقية :

أشاع الأنبياء الكذبة بعض الأمثال على مستوى شعبي لتشكيك الناس في النبوات الحقيقية، منها "قد طالت الأيام وخابت كل رؤيا" [22]. بهذا المثل الشائع حسب الكثيرون رؤى الأنبياء كذبًا ومجرد تهديدات لن تتحقق.

هذا الفكر يسود في كل العصور، إذ يشكك عدو الخير في الكلمة الإلهية... ففي العصر الرسولي تشكك البعض في عودة ربنا يسوع المسيح: "أين هو موعد مجيئه؟ لأنه من حين رقد الآباء كل شيء باقٍ هكذا من بدء الخليقة!" (2 بط 3: 4).

وإذ صَعُب على البعض أن يقبلوا هذا المثل بدأ التشكيك بطريقة أخرى هي ليس رفض النبوة تمامًا وإنما الادعاء بأنها ستتحقق بعد زمن طويل غير زمانهم: "هوذا بيت إسرائيل قائلون الرؤيا التي هو رائيها هي إلى أيام كثيرة وهو متنبئ لأزمنة بعيدة" [27].

هذا هو عمل عدو الخير الدائم التشكيك في كلمات الرب أو الادعاء بتأجيلها ليعيش الإنسان خارج دائرة الوصية في استهانة. ولهذا يؤكد الرب دائمًا: "لا يطول بعد شيء من كلامي" [28]، فإن الوقت قريب ويتحقق كل قول الرب لنا، وكما تعلن كلمة الله بصراحة: "كما كانت أيام نوح، كذلك أيضًا مجيء ابن الإنسان" (مت 42: 37).


أسفار الكتاب المقدس
أعلى