تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 14 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 8:
1. إثم السائل الشخصي :

عندما جاء رجال من شيوخ إسرائيل وجلسوا أمامه يسألون، صارت إليه كلمة الرب: "يا ابن آدم هؤلاء الرجال قد أصعدوا أصنامهم إلى قلوبهم ووضعوا معثرة إثمهم تلقاء أوجههم، فهل أُسأل منهم سؤالا؟!" [3]. حقًا لقد جاءوا يسألون الله لا الأصنام، يسألونه خلال حزقيال نفسه النبي الحقيقي، لكن كيف يستجيب الله لسؤال من قد عبد الأوثان في قلبه؟! لقد صار إثمهم غير المنظور معثرة يغلق باب استجابة الله في وجوههم. إنه يجيب لا حسب قلب النبي بل حسب كثرة أصنامهم؟ التي ملكت قلوبهم [4-5].

لقد توقف عن إجابتهم لكي يثير فيهم روح التوبة... "توبوا وارجعوا عن أصنامكم، ومن كل رجاساتكم اصرفوا وجوهكم" [6]. إنه يتحدث معهم بكل صراحة أنه لن يجيبهم حتى يطردوا أصنامهم من قلبهم لكي يعود فيملك الرب نفسه في القلب.


العدد 9- 11:
2. إثم النبي الشخصي :

"فإذا ضل النبي وتكلم كلامًا، فأنا الرب قد أضللت ذلك النبي، وسأمد يدي عليه وأبيده من وسط شعبي إسرائيل، ويحملون إثمهم. كإثم السائل يكون إثم النبي" [9-10]. ليس لديَّ محاباه إن أخطأ السائل أجازيه حسب قلبه الشرير، وإن أخطأ النبي أجازيه حسب قلبه. الله يُدين الكاهن كما الشعب، الخادم كما المخدومين.


العدد 12- 20:
3. التزام الإنسان بتصرفاته :

كانت كلمة الله له: "يا ابن آدم إن أخطات إليَّ أرض وخانت خيانة، فمددت يدي عليها وكسرت لها قوام الخبز وأرسلت عليها الجوع وقطعت منها الإنسان والحيوان، وكان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة نوح ودانيال وأيوب فإنهم إنما يخلصون أنفسهم ببرهم يقول السيد الرب" [13-14].

يقول "إن أخطأت إليّ الأرض"، ماذا يعني بالأرض؟

أ. يرى العلامة أوريجينيوس أنه لا يُقصد بها سكان الأرض.

ب. في رأيه أن كل خاطئ يُحسب أرضًا: [يُدعى الخاطئ أرضًا، لأنه قيل لآدم: "أنت أرض وإلى أرض تعود" (تك 3: 19). هكذا نستطيع القول بإن ارتكاب الخطية يجعل الخاطى أرضًا... عندما تنظر الأرض الله تتزلزل وتضطرب... ونحن أيضًا كالأرض نرتجف ونضطرب بسبب خطايانا[1]].

لقد أكد الرب أنه إن أخطات الأرض وخانته فضربها بالجوع وكان بها هؤلاء الثلاثة "نوح ودانيال وأيوب" فلن يُخَّلصوا أحدًا إنما تخلص نفوسهم ببرهم. ثم عاد فأكد أنه إذا ضربت الأرض بالوحوش المفترسة الرديئة فأثكلت سكانها فلن يُخَّلص هؤلاء الرجال البنين ولا البنات. مرة ثالثة إن جلب الرب سيفًا يقطع به الإنسان والحيوان من الأرض فلا يخلص هؤلاء الثلاثة البنين أو البنات. وأخيرًا للمرة الرابعة إن جلب على الأرض وباء وسكب غضبه عليها بالدم فلن يخلص هؤلاء ابنا ولا ابنة، إنما يخلصون أنفسهم ببرهم. وكأن الرب - في سفر حزقيال - كان على الدوام يؤكد مسئولية الإنسان الشخصية عن إيمانه وحياته، فقد رأينا السائل (الشعب) يحمل إثم نفسه، والنبي أيضًا، وهنا يؤكد أنه إن وجد إنسان بار يخلص لكنه لا ينقذ حتى ابنه أو ابنته إن كان الأولاد لا يسلكون في البر كآبائهم. فإن كان هذا الجيل من نسل إبراهيم أب الآباء ورجل الإيمان، فهو لا ينفعهم شيئًا، وإن كان الجيل الذي سبقهم قد انحرف إلى العبادة الوثنية فهذا لا يلزمهم بالغضب الإلهي، إنما يُطالبون عن أنفسهم... هذا ما سيعود فيؤكده بأكثر إيضاح في الأصحاح الثامن عشر.

على ضوء هذا الأصحاح نفهم دور القديسين في حياتنا، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كنا مهملين لا نستطيع أن ننال خلاصنًا ولا بمساعدة الآخرين... أقول هذا لا لكي أنفي طلبات القديسين إنما لكي أوقف إهمالكم واكتفاءكم بالاتكال على الآخرين وأنتم مطروحون على ظهوركم]، كما يقول: [ما أعظم بركات صلوات القديسين إن كنا نحن أيضًا نعمل].

لقد كانت الشفاعة عن الشعب جزءًا حيًا من عمل الأنبياء والكهنة فصموئيل النبي يقول: "وأما أنا حاشا لي أن أخطئ إلى الرب فأكف عن الصلاة من أجلكم" (1 صم 12: 23). وفي المصفاة إذ هاج الفلسطينيون عليهم قالوا لصموئيل: "لا تكف عن الصراخ من أجلنا إلى الرب إلهنا فيخلصنا من يد الفلسطينيين" (1 صم 7: 8). وأيضًا موسى كان يشفع في شعبه حتى قال الرب له: "اتركني ليحمي غضبي عليهم وأفنيهم فأصيَّرك شعبًا عظيمًا" (خر 32: 10)... صلوات القديسين تسند النفس المجاهدة الراغبة في التوبة، أما إذا أصرت على عنادها فلا نفع لها، إذ يقول الرب لإرميا النبي: "وأنت فلا تصلِ لأجل هذا الشعب ولا ترفع لأجلهم دعاء ولا صلاة ولا تلح عليَّ لأني لا أسمعك" (إر 7: 16، 11: 14). الله الذي قال: "أحامي عن هذه المدينة لأخلصها من أجل نفسي ومن أجل داود عبدي" (2 مل 19: 14) وفي أيام حزقيا الملك البار لم ينطق بهذا في أيام الشر المتكاثر حين أسلم المدينة لنبوخذنصَّر.

لماذا اختار هؤلاء الرجال: نوحًا ودانيال وأيوب؟

ربما لأنهم يمثلون عّينة من رجال أبرار عاشوا في وسط أشرار، فنوح عاش وسط جيل فاسد استحق الطوفان، وأيوب احتفظ ببره وسط جو وثني، أما دانيال فإما قُصد به دانيال الذي عاش مع الثلاث فتية في أرض السبي طاهرًا وهو بعيد عن كل إمكانيات الحياة المقدسة أو ربما قصد به دانيال الوارد في ألواح راس شمرا Ras-shamra التي ترجع إلى حوالي 1400 ق.م، كان رجلاً حكيمًا، وقاضيًا فينيقيا، يحكم بالعدل في قضايا الأرامل والأيتام[2]. بهذا يكون الرب قد وبخ هذا الشعب اليهودي إذ قدَّم ثلاث رجال أبرار ليسوا عبرانيين هم نوح وأيوب قبل إبراهيم ودانيال رجل فينيقي، وكأن الله يؤكد لهم عدم محاباته. إنه يُريد خلاص كل نفس مهما يكن جنسها مادامت تتجاوب مع محبته ووصيته.

ويرى القديس أغسطينوس أن هؤلاء الرجال يمثلون رموزًا، إذ يقول: [قدم الله في هؤلاء الرجال الثلاثة بلا شك رموزًا للدرجات الثلاث من الناس الذين يخلصون].

أعتقد أن نوحًا يمثل قادة الأمم الأبرار بسبب تدبيره الطوفان كرمز للكنيسة، ودانيال يمثل الأبرار في الطهارة، وأيوب يمثل الأبرار المتزوجين[3].

ويرى العلامة أوريجانوس أن كل واحد من الثلاثة مرّ بمراحل ثلاث: فترة سعادة يلحقها مرحلة من الحزن والألم ثم عودة إلى الفرح والسعادة[4]. هكذا يبدأ الإنسان حياته الروحية بتعزيات إلهية يلحقها طريق ضيق ومتاعب تدخل به إلى أمجاد روحية جديدة... هذا هو طريق الصليب الممجد، أو طريق الشركة مع المسيح المتألم القائم من الأموات، أو طريق الخلاص.

أما العقوبات المُرَّة التي يسقط تحتها الإنسان بسبب خطاياه فهي أربعة:

أ. الجوع الذي يقطع الإنسان والحيوان عن الأرض [13].

ب. الوحوش الرديئة التي تُحوِّل الأرض خرابًا وتُثكل الأمهات [15].

ج. السيف الذي يقطع الإنسان والحيوان عن الأرض [17].

د. الوبأ الذي يسكب غضب الله على الأرض بالدم [19].

أما ذكره "الإنسان والحيوان"، فلأن الإنسان يشير إلى الجانب العقلي أو النفسي، والحيوان إلى الجانب الجسدي، وكأن الخطيئة وهي تحرم الإنسان من الله إنما تفقده البركات الروحية والزمنية، أو بركات النفس الداخلية والجسد أيضًا.

الجوع، وفقدان الأمان (الوحوش الرديئة)، ونزع السلام (السيف)، والحرمان من الصحة (الوباء) إنما هي ثمار طبيعية يجتنيها الإنسان من الخطيئة التي تعزله عن الله مصدر شبعه وأمانه وسلامه وصحته. لهذا إذ يشعر القديس أغسطينوس بالجوع والقلق يلجأ إلى الله، مناجيًا إياه:

[إلهي... لقد جعلت نفسي قادرة على أن تسع جلالك غير المحدود، لئلا يكون لها شيء يقدر أن يملأها سواك!

إلهي... إنك صنعتنا لأجلك... لذلك يبقى قلبنا مضطربًا، قلقًا، عديم الراحة على الدوام حتى يستريح بك[5]].

هذه الضربات بما تحمله من رموز إنما تمثل جوانب أربعة نتيجة لعمل الخطيئة في حياة الإنسان هي: الجوع بسبب فقدان معرفة الحق، الوحوش الرديئة التي تمثل سيطرة الشياطين على النفس فتقتل كل فضيلة فيها وتجعل النفس كالأم الثكلى بلا رجاء، والسيف إذ يفقد الإنسان حيويته فيصير كالقتيل بلا نفع، وأخيرًا الوبأ إذ يصير الإنسان جرثومة فساد يُحطم من هو حوله. وكأن الضربات ترمز إلى حرمان الإنسان من الحق وخضوعه لسيطرة إبليس، وحرمانه من كل حيوية وصيرورته بؤرة فساد للآخرين!
العدد 21- 23:
4. اهتمام الله بالبقية التائبة :

في كل مرة يتحدث الله عن تأديب شعبه أو غضبه بسبب خطاياهم المتكاثرة لا ينسى أن يؤكد اهتمامه بالبقية القليلة التائبة.
أسفار الكتاب المقدس
أعلى