تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 19 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 9:
1. اللبوة وشبلاها :

إذ يقدم مرثاة على ملوك يهوذا خاصة الملكين يهوآحاز الذي لقى مصيره المحزن بسبيه إلى مصر عام 608 ق.م بعد مُلك دام 3 شهور، والملك يهوياكين الذي أسر إلى بابل عام 597 ق.م بعد مُلك دام أيضًا حوالي 3 شهور.

في هذه المرثاة نُلاحظ:

أ. أنه لا يقول "مرثاة على رؤساء يهوذا" أو "ملوك يهوذا" بل على "رؤساء إسرائيل"... فإن ما يصيب أحد المملكتين إنما يصيب الشعب كله. الله يتطلع إلى البشرية المؤمنة كشعب واحد، إن تألم عضو تتألم معه بقية الأعضاء، "وإن كان عضو واحد يكرم فجميع الأعضاء تفرح معه" (1 كو 12: 27). لم يسيء هذان الملكان إلى نفسيهما وحدهما بتصرفاتهما الخاطئة، ولا إلى مملكة يهوذا وحدها، بل إلى كل إسرائيل الذي كان يمثل شعب الله في ذلك الحين، هكذا حين يضعف عضو فينا إنما يضعف معه الجسد كله، وبتوبة أحد الأعضاء تفرح له كل السماء! عبادتنا هي علاقة شخصية مع الله لكنها ليست فردية، أي غير منعزلة عن الجماعة المقدسة، سواء المجاهدة أو المنتصرة أو حتى عن الأعضاء القادمين في المستقبل. إنها كنيسة واحدة متفاعلة معًا بالحب وروح الوحدة

ب. "وقل ما هي أمك؟ لبوة ربضت بين الأسود، وربَّت جراءها بين الأشبال" [2]. إنها ملكة تربض بقوة بين الملوك، أما تشبيهها باللبوة لا الأسد، فلأنها ملكة تنجب ملوكًا وتربيهم "ربت واحدًا من جرائها فصار شبلاً وتعلم افتراس الفريسة. أكل الناس. فلما سمعت به الأمم أُخذَ في حفرتهم فأتوا به بخزائم إلى أرض مصر" [3-4]. إنه يهوآحاز الذي تربى في أسرة ملكية وصار ملكًا وتعلم الحرب ، ولكنه عوض أن يُحارب لحماية شعبه حارب أولاده ليأكلهم. صار يعمل لحساب ذاته لا لحساب المملكة التي ربته وأقامته ملكًا. لقد أثبت أنه ضعيف، مجرَّد من المبادئ الأخلاقية، سباه فرعون نخو ونزل به إلى مصر ولم يعد قط إلى أرضه.

على أي الأحوال إنه شبل، لم يحمِ شعبه ولا حتى نفسه، بل صار يفترس رعيته...

ما أصعب أن ينقلب الراعي إلى ذئب، وعوض أن يحمى خرافه يذبحهم ليشبع هو! كان يجب أن يقدم حياته ذبيحة حب عن شعبه لا أن يذبح شعبه لأجل كرامته أو مصالحة الخاصة. في هذا يقول الأب افراهات: [تمثلوا براعينا الحلو (يسوع) الذي لم تكن حياته أعز عليه من خرافه. هذبوا الصغار، أحبوا الحملان، واحملوهم في أحضانكم، حتى متى مثلتم أمام الراعي الأعظم تقدمون القطيع كاملاً، فيهبكم ما وعدكم "حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا[1]].

ويقول القديس أغسطينوس: [ليتنا لا نحب ذواتنا بل نحبه هو، وبرعايتنا لغنمه نطلب ما له وليس ما لنا... لأنه من لا يقدر أن يحيا بذاته يموت بالتأكيد إن أحب ذاته. وهو بهذا لا يكون محبًا لنفسه، إذ بحبه لنفسه يفقد حياته...

ليت رعاة القطيع لا يكونون محبين لذواتهم لئلا يرعوا القطيع كما لو كان ملكًا وليس بكونه قطيع المسيح،

فيطلبون ربحًا ماديًا بكونهم "محبين للمال".

أو يتحكمون في الشعب بكونهم منتفعين،

أو يطلبون مجدًا من الكرامة المقدمة لهم بكونهم متكبرين،

أو يسقطون في هرطقات كمجدفين،

ويحتقرون الآباء القديسين كعصاة على الوالدين.

ويردون الخير بالشر على ما يرغبون في إصلاحهم حتى لا يهلكوا بكونهم ناكرى المعروف.

ويقتلون أرواحهم وأرواح الآخرين كمن هم بلا رحمة،

ويحاولون تشويه شخصيات القديسين كشهود زور،

ويطلقون العنان للشهوات الدنيئة كغير طاهرين،

ويشتكون دائمًا... كغير رحماء.

ولا يعرفون شيئًا عن خدمة الحب كمن لا عطف فيهم،

ويُقلقون البشرية بمناقشاتهم الغبية كعنيدين،

ولا يفهمون ما يقولونه أو ما يُصرّون عليه كعميان،

ويفضلون المباهج الجسدية عن الفرح كمحبين للذات أكثر من حبهم لله.

هذه وغيرها من الرذائل المشابهة، سواء كانت كلها في مجموعها تظهر في شخص واحد، أو أن إحداها تسيطر على شخص وغيرها على آخر، فإنها تظهر بشكل أو آخر من منطلق أن يكونوا محبين لأنفسهم. هذه الرذيلة التي يلزم أن يتحفظ منها من يرعون قطيع المسيح، لئلا يطلبوا ما لذواتهم وليس ما ليسوع المسيح، ويستخدمون من سفك المسيح دمه لأجلهم لأجل تحقيق شهواتهم[2]].

لقد افترس يهوآحاز غنمه عوض أن يدافع عنهم ويبذل حياته من أجلهم فصار هو فريسة الأمم؛ سقط في فخاخهم واقتيد أسيرا إلى مصر. إن من يرعى ذاته على حساب إخوته وعلى حساب خلاص نفسه يفقد حتى متعته الجسدية وكرامته الأرضية.

تكرر الأمر مع ملك آخر "يهوياكين" الذي لم يكن أفضل من السابق بل أكل شعبه وخرَّب مدنهم بتصرفاته الشريرة فأقفرت الأرض بسببه، فأسر إلى بابل.
العدد 10- 14:
2. الكرمة المقتلعة :

بعد أن قدم مرثاة على هذين الملكين بدأ يقدم مرثاة على شعب الله الذي كان ككرمة مغروسة على مياه النعمة الإلهية فكانت "مثمرة مفرخة من كثرة المياه" [11]. لم تقف أمامها الأمم بل ارتفع ساقها وكثرت أغصانها... لكنها إذ تركت عنها إلهها وارتدَّت إلى الوثنية أقتلعت من أرضها ونقلت إلى بابل فيبست برياح التأديب وفقدت ثمارها بخطاياها المتكاثرة... صارت أغصانها وقودًا ودخلت إلى حالة ضعف شديد، وليس من يسندها! هذه هي مرثاة كل إنسان يترك طريق الرب ويجرى وراء شهوات قلبه وملذات جسده يُحرم من التمتع بمياه الروح القدس الواهبة الحياة والمعطية ثمارًا، وينقل من مركز البنوة لله ليصير بقلبه الشرير وحياته الرديئة في أرض العدو (إبليس) غريبًا وأسيرًا، تتحطم أغصانه لتصير وقودًا تأكلها النيران، وتجف نفسه تمامًا كأرض قفرة!
أسفار الكتاب المقدس
أعلى