تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 22 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 16:
1. قائمة بخطايا يهوذا :

قدم الرب ملخصًا لأهم الخطايا البشعة التي كانت ترتكبها مملكة يهوذا في ذلك الحين؛ وقد ركزها في أمرين: سفك الدم والتنجس بالأصنام، حتي لقب أورشليم بسفاكة الدم [3]، ونجسة الاسم [5]، بدلاً من أن تكون المدينة العادلة، المقدسة.

أ. دُعيت بسفاكة الدم، لأنها ارتكبت جرائم بشعة ذهبت ضحيتها دماء بريئة، لا بالمعنى الحرفي الضيق بل بالمعنى المتسع. لهذا اعتبر الرب إهانة الوالدين وظلم الغريب واضطهاد اليتم والأرملة وأخذ الرشوة والربا من المحتاجين هي جرائم سفك دم، لأن فيها اغتصاب لحقوق الآخرين وظلمهم.

والمسيحي، إذ يرى السيد المسيح متجليًا في كل إنسان، فإن كل اغتصاب لحق من حقوق الآخرين يُحسب إهانة موجهة للسيد المسيح نفسه.

هذا ما أكده السيد نفسه في موقفه يوم الدينونة العظيم، حيث يتطلع إلي الذين عن يمينه قائلاً: "الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (مت 25: 40) وللذين عن يساره: "الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا" (مت 25: 45).

ب. دعيت "النجسة الاسم"، لأنها صنعت نجاسات أساءت إلي الله نفسه الذي هو صاحب المدينة، لأنها "مدينة الملك العظيم". أهم هذه النجاسات هي الاستهانة بمقدسات الله وتنجيس سبوته، ارتكاب الزنا في أبشع صوره كالزنا مع القريبات المحرمات (مثل الكنة أو الأخت) أو امرأة القريب أو الزوجة الطامث...

العدد 17- 22:
2. إدانة يهوذا كزغل في نارٍ :

كانت إسرائيل قبل انقسامها إلي مملكتين (إسرائيل ويهوذا) في عصر الملك داود وابنه سليمان كرأس ذهبية متلألئة، وبعد الانقسام صارت كقضيبين من فضة، أما وقد انحرفت المملكتان إلي عبادات متنوعة وثنية وانجرفت إلي سفك الدم والرجاسات فقد تحولتا إلي نحاس وقصدير وحديد ورصاص... أنواع معادن رخيصة ورديئة، بل صارت زغلاً، إذا وضعت في النار احترقت. فالعيب ليس في النار بل في المادة التي تتعرض للنار، إذا كانت ذهبًا أو فضة ازدادت نقاوة وبريقًا، أما إن كانت زغلاً فتستهلك وتلقي خارجًا.

في عتاب مُرّ يقول: "صار لي إسرائيل زغلاً" [18]، وكأنه يعلن أن ما صاروا إليه بسبب شرهم لا يتحملون آثاره وحدهم بل يسيئ لله نفسه الذي اقتناهم ودعا اسمه عليهم. إن كل خطيئة نرتكبها إنما تجرح مشاعر الله نفسه، لأننا أولاده، وبسببنا يُجدف على اسمه من الأمم.


العدد 23- 31:
3. شيوع الخطيئة في كل المستويات :

بعد أن قدم قائمة بأهم الخطايا البشعة التي ارتكبتها يهوذا فصارت زغلاً للرب، عاد ليؤكد أن هذا الوباء حل بالجميع: الأنبياء والكهنة والرؤساء، والشعب. صار الأنبياء كأسود لا لتحمي الشعب بل لتفترسه وترمل نساءه. والكهنة عوض تقديم الوصية الإلهية وتقديس الشعب بالعبادة النقية الخالصة خالفوا أحكام الله وفرائضه ونجسوا مقدساته خاصة سبوته. والرؤساء عوض بذلهم عن الشعب اهتموا بمكسبهم المادي وصاروا كذئاب خاطفة سافكة للدماء. أما الشعب فصارت طبيعته الظلم والاغتصاب.

ويلاحظ أنه لا يقول: "أنبيائي، كهنتي، رؤساء شعبي، شعبي "وإنما يقول" أنبياؤها، كهنتها، رؤساؤها، شعب الأرض" [25-28]، لا يُريد أن ينسبهم إليه في شرهم، لأنهم رفضوه واعتزلوه، فرفضهم حتي يؤدبهم ويردهم إليه.

ويصف أورشليم بكل هذه المستويات هكذا: "أنت الأرض التي لم تطهر، لم يمطر عليها في يوم الغضب" [24]. فقد رفض اليهود بكل طبقاتهم الإيمان بالمسيح يسوع، المطر النازل من السماء ليطهر العالم كله، ويجعل من القلوب فردوسًا خصبًا... لقد صاروا أرضًا بلا تطهير، بلا مطر أي بلا مسيح، ليس من يشفع فيهم في يوم الغضب!

هذا يُذكرنا بالعلامة التي طلبها جدعون من الله في الليلة الأولى: "ها إني واضع جزة الصوف في البيدر فإن كان طل علي الجزة وحدها وجفاف علي الأرض كلها علمت أنك تخلص بيدي إسرائيل كما تكلمت" (قض 6: 37) فكانت الجزة تُشير إلي الشعب اليهودي الذي قبل كلمة الله وحده دون سائر الأمم في العهد القديم، فكانت الجزة بها طل ماء وحدها وجفاف علي الأرض كلها. أما الليلة التالية حيث تُشير إلي العهد الجديد فطلب العكس إذ صار طل علي الأرض كلها وجفاف علي جزة الصوف، فكان إشارة إلي رفض الأمة اليهودية السيد المسيح، كلمة الله، أو الطل السماوي، بينما قبل العالم الأممي الإيمان به. لقد صارت الأمة اليهودية الأرض التي بلا مطر!

أخيرًا إذ عرض لشمول الخطيئة في كل المستويات عاتبهم الله قائلاً: "وطلبت من بينهم رجلاً يبني جدارًا ويقف في الثغر أمامي عن الأرض لكيلا أخربها فلم أجده" [30]. من هو هذا الرجل الذي يمكنه أن يبني سورًا أو جدارًا أمام غضب الله ويقف متشفعًا عن البشرية كلها لكيلا يخربها؟!

إنه ليس من كائن ما يقدر أن يحتمل غضب الله عن الأرض ويشفع فيها، لهذا أرسل ابنه الوحيد ابنًا للإنسان، هذا وحده يستطيع أن يسد هذه الثغرة ويقف حاملاً الغضب الإلهي في جسده عنا، يشفع فينا بدمه الطاهر ويردنا إلي حضن الآب.

في هذا يقول القديس أثناسيوس الرسولي:

[حيث أنه كلمة الآب وفوق الكل، كانت له وحده لياقة طبيعية أن يجدد خلق كل شيء، وأن يحتمل بالنيابة عن الكل، وأن يكون شفيعًا عن الكل لدي الآب".

"كان ضروريًا ألا يتجسد أحد سوي الله الكلمة نفسه،" لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل، وبه الكل، وهو آت بأبناء كثيرين إلي المجد أن يجعل رئيس خلاصهم كاملاً بالآلام" (عب 2: 10) ويقصد بهذه الكلمات أنه لم يكن اختصاص أحد آخر أن يرد البشر عن الذي قد بدأ سوي كلمة الله الذي هو أيضًا صنعهم من البدء... لأنه بذبيحة جسده وضع نهاية للحكم الذي كان ضدنا[1]].

ماذا يعني: "يقف في الثغر أمامي على الأرض" [30]؟

لقد وقف ابن الإنسان، كلمة الله المتجسد في الثغر، أي في الهوة التي بين الآب والبشر لكي يتمم المصالحة بينهم (1 تي 2: 5) ونحن أيضًا إذ ننعم بالمصالحة مع الله نشتهي أن نقف في الثغر لنعمل ونصلي من أجل كل خاطئ، كي يلتقي بمخلصه، ويختبر ذات المصالحة التي صارت لنا. ليكن كل واحد منا هو الرجل الذي يقف في الثغر أمام الله يشفع ويبذل كل الجهد مشتهيًا خلاص كل إنسان. وكما يقول الرسول بولس: "إذًا نسعي كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله (2 كو 5: 20).

يؤكد هنا أيضًا أهمية الصلاة والشفاعة في الآخرين، فإنه إذ لم يجد الله من يشفع عن شعبه حلّ الخراب بالشعب. لقد خلص لوطًا من النار المهلكة بسبب صلاة إبراهيم (تك 19)، وخلص إسرائيل من الدمار بصلاة موسي النبي (عد 14: 11-21)، وأُنقذت أورشليم من يد سنحاريب بصلاة حزقيا الملك (إش 37: 1-7، 34-36).



أسفار الكتاب المقدس
أعلى