تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 24 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 14:
1. القدر والنار :

حدد الرب لحزقيال النبي السنة التاسعة من حكم يهوياقين في الشهر العاشر في اليوم العاشر كيوم اقتراب نبوخذنصَّر من أورشليم. لقد طلب الرب منه أن يدَّون هذا التاريخ في مذكراته، وقد جاء مطابقًا لتاريخ حصار أورشليم النهائي (2 مل 25: 1)، وكأن الرب أراد أن يعلن أن ما يحدث ليس وليد المصادفة ولا هو خطة بشرية لكنها أحداث تتم بسماح إلهي بخطة مرتبة في توقيت دقيق.

طلب الرب من حزقيال أن يضرب مثلاً "للبيت المتمرد" [3]، الذي يصير حالاً بيتًا خربًا ومدمرًا، فقد شبه أورشليم بالقدر المملوء زنجارًا (صدأ) وقد جمع فيه قطع لحم "طيبة، الفخذ، والكتف" وأن تملأ بخيار العظام لكي تغلي فتسلق عظامها في وسطها. وكانت كلمات الرب: "ويل لمدينة الدماء، القدر التي فيها زنجارها وما خرج منها زنجارها. أخرجوها قطعة قطعة، لا تقع عليها قرعة... كثِّر الحطب. أَضْرِم النار. أنضج اللحم، تبِّله تتبيلا، ولتُحرق العظام، ثم ضعها فارغة على الجمر ليحمي نحاسها ويحرق فيذوب قذرها ويفنى زِنجارُها" [6-11].

لقد رأى أورشليم كقدر والنار متقدة تحتها كما سبق أن رآها إرميا النبي (1: 13)، لكنها بخلاف المفهوم الذي حمله رؤساء الشعب حينما ظنوا أن أورشليم هي القدر الذي يحمي اللحم داخلها، فلا يقدر أحد أن يقترب إليه مادام في داخل القدر(خر 11: 3)، إذ ظنوا أن أورشليم تبقى سورًا نحاسيًا تحمي من بداخلها، يُدافع عنها الله مهما تكن الظروف لأنها مدينته. هنا يعلن حزقيال النبي العكس، إنها القدر الذي يسكب الله نار غضبه تحتها بسبب زنجارها أي فسادها. فالنار تُشير إلى مرارة السبي وتدمير لمن فيها بأمر إلهي، إذ يقول الرب للكلدانيين: "كثِّر الحطب، أضرم النار". لقد تزايدت جدًا في شرها لهذا تحتاج إلى نيران كثيرة لتأديبها.

أما وضع الماء مع القطع داخل القدر فإشارة إلى حالة الرخاوة التي صارت إليها يهوذا، قادة وشعبًا. لقد صار الكل كالماء لا حول له ولا قوة، كله ميوعة!

أما وضع القطع المختارة من الفخذ والكتفين مع العظام فإشارة إلى أنه لا يفلت العظماء والمسئولون كما لا يفلت الشعب. الكل يسقط تحت النار، ويخرجون قطعة قطعة ولا تقع عليهم قرعة، علامة خروج الجميع من المدينة بلا اعتبار لكرامة أحد أو قدراته أو إمكانياته، يتشتت الجميع في أرض غريبة بلا ترتيب. تُفرغ أورشليم من شعبها، وتدمَّر لكي تُطهر من صدأها المتكاثر، حيث دخلت العبادة الوثنية إلى هيكل الرب ومقدساته، على كل مرتفعة في الجبال والتلال، كما في الوديان وعلى ضفاف النهر، وتحت كل شجرة خضراء!

إنها صورة رهيبة لأورشليم المتقدة نارًا، لكن ليس بلا هدف. إذ يرى القديس جيروم أنه في هذا عودة للإصلاح، قائلاً: [وضع اللحم في القدر يعني أن الخطاة يصيرون لطفاء. فتتغير قساوتهم ويتحولون نحو الله، فتصير قلوبهم الحجرية قلوبًا لحمية... يا للرحمة العظيمة! يا له من سر عظيم! توضع قطع اللحم في القدر لكي يذوب قلب الإنسان ويعرف أنه هو الرب! [1]].
العدد 15- 27:
2. وفاة زوجته :

هذه خاتمة إعلانات الله لحزقيال النبي عن سبي يهوذا النهائي وهلاك المدينة، لقد بلغت الذروة حينما صار له الأمر الإلهي بأن زوجته تموت، وأن يعلن ذلك لرجال يهوذا، لا يذرف عليها دمعة، ولا يصنع مناحة ولا ينطق بكلمة حزن، يلف عصابته ويلبس نعليه ولا يُغطي شاربيه ولا يأكل من خبز الناس مع أن زوجته هذه هي شهوة عينيه! وبالفعل كلم الشعب هكذا وفي المساء ماتت زوجته لينفذ كل ما أمر به في اليوم التالي.

إنها صورة مرعبة لتدمير الشعب، العروس المحبوبة لدى الله، لكنه ليس من يبكي ولا من يسكب دمعة واحدة من شدة الحزن القاتل، فيتوقف اللسان عن الكلام وتجف الدموع، ويُبتلع الإنسان من الحزن الداخلي، ويصير كمن هو في ذهول.

لقد تحقق ذلك بالفعل، وكان ذلك آخر سهم يصيب حزقيال النبي بكونه قد صار آية لهم (24، 27)... يتنهد في مرارة داخله ولا يقدر أن ينطق، لقد رفض أن يقبل خبز الناس، أي خبز الحزن، حيث اعتاد الشرقيون أن يرسلوا طعامًا في بيت الحزن ليأكلوا... إنه لن يقبل شبعًا من يد بشرية ولا تعزية من إنسان!

لم يصنع مناحة على زوجته، لأنه لا يوجد في أورشليم من يبكي على قتلاها والمطرودين منها. أما لف العصابة عليه واحتذاؤه بالنعلين وعدم تغطية شاربيه فعلامة أنه لا مجال للبقاء في البيت للحزن... الكل يخرج ويهرب، ليس من يبكي ميتًا! أخيرًا تمت وفاة زوجته مساءً في الظلمة علامة عدم استعدادهم لهذه الأحداث رغم التحذيرات الإلهية المستمرة خلال الأنبياء.
أسفار الكتاب المقدس
أعلى