تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 30 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 9:
1. التحطيم النفسي لفرعون :

حينما طلب الرب من حزقيال النبي التنبؤ ضد فرعون مصر، لم يوجه الدعوة إلى فرعون أن يولول ولا إلى كل شعب مصر. إنما وجهها دعوة عامة إلى العالم الوثني كله، بكون فرعون مصر يمثله في ذلك الحين، فيقول "ولولوا يا لليوم" [2]. ودعا يوم فرعون "يوم الرب"، لأنه تأديب من قبل الرب لجميع الأمم!. لهذا قيل: "من صوت سقوطه أرجفت الأمم عند إنزال إياه إلى الهاوية مع الهابطين في الجب" (31: 16)، "يرجفون (ملوك شعوب كثيرة) كل لحظة، كل واحد على نفسه في يوم سقوطك" (32: 10). هكذا يدوي خبر سقوطه في العالم كله، وترتجف له كل الخليقة.

ومما يجب ملاحظته أن فرعون هنا يشير إلى "الشيطان" بكونه المحرض على عصيان الكلمات النبوية، الذي يظن في نفسه أنه صاحب سلطان قادر أن يسند الكثيرين. وقد تحدثنا عن فرعون كرمز للشيطان أثناء دراستنا لسفر الخروج في مقاومته لموسى النبي وهرون. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [في رأيي أن بعض أسماء الشعوب أو الملوك التي نقرأ عنها في الكتاب المقدس تخص بلا شك الملائكة الأشرار أو السلاطين المضادة مثل فرعون ملك مصر ونبوخذنصَّر ملك بابل وأشور[1]].

إن كان فرعون - كرمز للشيطان - يظن في نفسه أنه صاحب سلطان تلجأ إليه الأمم الأخرى وتحتمي فيه، فإن الله يعلن هزيمته النفسية، وتحطيمه بالخوف. لقد جعل يومه "يوم غيم" [2]. فالغيم أو السحاب كما سبق فرأينا علامة المجد الإلهي، يغطى الجبل المقدس أو الخيمة المقدسة أو الهيكل إعلانًا عن دخول الإنسان في أسرار غير منظورة لا يمكن إدراكها، أما بالنسبة للشيطان أو فرعون فالسحاب يمثل حالة من الظلمة، من خلالها لا يقدر أن يتصرف ولا يعرف ماذا يفعل. إن كان قد ظن نفسه قائدًا، فإنه في الظلمة يسلك فيعثر ويتعثر معه الملتصقون به والمحتمون تحت جناحيه. لهذا يقول: "في ذلك اليوم يخرج من قبلي رسل في سفن لتخويف كوش المطمئنة، فيأتي عليهم خوف عظيم كما في يوم مصر، لأنه هوذا يأتي" [9]. إن أقرب دولة له هي "كوش" التي ربما قصد بها النوبة، وأيضًا بعض مناطق في آسيا. على أيه الأحوال ملأ الرعب قلب فرعون، بل وقلب أقرب مملكة له كانت تحتمي تحت ظله، فماذا يكون مصير الأمم الأخرى البعيدة؟! الذي أرعبهم هو الرب نفسه: "يخرج من قبلي رسل في سفن لتخويف كوش المطمئنة" لأنها تركت الرب ولجأت إلى فرعون.

بسقوط فرعون ورعبه، "يسقط معه كوش (النوبة أو أثيوبيا) وفوط ولود وكل اللفيف وكوب وبنو أرض العهد" [5].

سبق لنا الحديث عن كوش وأيضًا فوط ولود (حز 27: 10)، وأما قوله "كل اللفيف" ويترجمها البعض "الشعب المختلط" والآخر "العربية"...

أما كوب فيرى البعض أنها لوب (ليبيا)، غالبًا شعب سكن في شمال شرقي أفريقيا، وجاءت الترجمة السبعينية: "الليبيون" "بنو أرض العهد" يقصد بها االبلاد التي دخلت مع فرعون في عهد لحمايتها خاصة من هجوم ملك بابل.

لابد من أن ينحط كبرياء إبليس بالكامل في كل مملكته، من أقصى الشمال (مجدل) إلى أقصى الجنوب (أسوان) [6]، وينهار مع كل أعوانه والمرتبطين به: "فيعلمون أني أنا الرب عند إضرامي نارًا في مصر ويكسر جميع أعوانها" [8].


العدد 10- 19:
2. تحطيم ثروة فرعون :

مقابل الكبرياء والعجرفة، حل الخوف والرعدة بفرعون وكل الدول المحيطة به والمحتمية فيه. وعوض غناه وثروته قائلاً: "نهري لي وأنا عملته لنفسي" (29: 3، 9)، تصير الأنهار يابسة [12]. وعوض ملكه وسلطانه يسلم أرضه للأشرار الغرباء [12]. عوض الطمأنينة والراحة يضرم الرب نارًا وتفقد مملكته رجاءها، إذ تخسر شبابها في الحرب، وبناتها في السبي! كان يظن في نفسه إلها، هوذا تتحطم أوثانه وعبادته [13].

لابد لمملكة إبليس أن تنتهي، تزول مهابته وخشيته المخادعة، وتنهار كل إمكانياته ويلقى في النار الأبدية مع كل الذين تبعوه واحتموا به.

ستتحطم كل مراكز القوى التي كانت تعمل لخدمته تحت سلطانه، والتي رمز إليها بالمدن المصرية الحصينة المذكورة هنا، أهمها:

أ. نوف Noph: "هكذا قال السيد الرب: وأبيد الأصنام وأبطل الأوثان من نوف، ولا يكون بعد رئيس من أرض مصر، وألقى الرعب في أرض مصر" [13]. حينما أراد أن يتحدث عن إبادة كل سلطان لفرعون (رمز الشيطان) ونهاية مملكته فلا يظهر بعد منه رئيس، اختار "نوف" (بالعبرية) التي هي بالمصرية "منيفي أو مينفري" وباليونانية "ممفيس" وتعتبر أشهر مدينة في مصر، أقامها مينا عندما وحَّد الوجهين البحري والقبلي، وصارت عاصمة مصر القديمة، لا تُضاهيها في الحجم والأهمية سوى طيبة حتى أقام اليونان مدينة الإسكندرية كعاصمة.

تبعد ممفيس حوالي 10 أميال جنوب القاهرة بجوار ميت رهينة. كانت قصور الملوك تقام داخل العاصمة ممفيس أو بجوارها، كما أقيمت الأهرامات بجوارها على بعد 12 ميلاً جنوب مركز خرائب ممفيس، فيها يدفن الملوك.

بعد إقامة الإسكندرية صارت ممفيس في المركز الثاني، وكانت تزدحم بالسكان حتى دخول العرب مصر فخربت بسرعة. نمو الفسطاط والقاهرة قام جنبًا إلى جنب مع خراب ممفيس حيث نقلت الحجارة من ممفيس ومواد البناء.

كان عجل أبيس يُعبد في ممفيس كمقدس للإله بتاح، الإله الرئيسي للمدينة "إله النار".

ب. فتروس [14]: قلنا إنها "أرض الجنوب" يقصد بها صعيد مصر كما يُبيد الأوثان من منوف في مصر السفلى، هكذا يُخرب مصر العليا.

ج. صوعن [14]: على الضفة الشرقية من الدلتا، بنيت بعد حبرون بسبع سنين (عد 13: 22). أشير إلى حقول صوعن في (مز 78: 12، 43) بكونها الموضع الذي فيه تمت العجائب المرتبطة بخروج بنى إسرائيل من مصر وذكرت في (إش 19: 11، 13؛ 30: 4) ربما بكونها عاصمة مصر. كانت معروفة باسم "افرس Avaris" كعاصمة للهكسوس؛ أهملت بعد طردهم، لكن أعيد الاهتمام بها في العهد الرعمسيسى، أيام حكم سيتى الأول، ورمسيس الثاني، وحملت اسم "رعمسيس" (خر 1: 11)، أما اسمها اليوناني فهو "تانيس"، حاليًا تُسمى "صا الحجر".

د. نو No : يقول إن الله يجري أحكامه على نو ويستأصل جمهورها [15].

نو، نو آمون، آمون نو: اسم مصري معناه مدينة آمون. وهو أكبر آلهة مصر خاصة ابتداء من الأسرة السابعة عشر. (كلمة آمون بالمصرية تعني المختفي أو المحتجب، وبالعبرية تعني آمين أو الصانع).

تقع نو آمون، التي هي مدينة طيبة، في صعيد مصر، 400 ميلاً جنوب ممفيس على ضفتي النيل. أعطاها أحمس أهمية كبرى بطرده الهكسوس وتحرير مصر وإعادة توحيدها ووضع حجر الأساس للإمبراطورية المصرية التي بنتها الأسرتان 18، 19. واعتنى خلفاؤه بالمدينة فازدادت روعة وفخامة. كان لها مئة بوابة، وكان كاهنها - كاهن آمون - يعتبر الرجل الثاني في الدولة. وحتى حينما صارت ممفيس فيما بعد عاصمة لمصر بقيت لطيبة أهميتها بسبب عبادة الإله آمون وما احتوته من غنى في الهياكل والمباني والمسلات. وفي القرن السابع ق.م إذ وصل إليها آسر حدون الفاتح السوري سنة 671 ق.م وابنه آشور بانيبال سنة 664 ق.م فتحها واحتلها (نا 3: 8) لكنه لم يقضِ عليها تمامًا. ولما تزعمت ثورة مصر العليا ضد الرومان، دمرتها الجيوش الرومانية فصارت مجموعة من الآثار. ولا تزال تشهد تلك المنطقة في الأقصر والكرنك والقرنة وهيبو ومقابر الملوك والدير البحري الخ... بعظمة تلك الآثار التي تشد أنظار العالم كله كمتحف لأعظم حضارة بشرية شاهدها التاريخ.

هـ. سين Sin: وأسكب غضبي على سين حصن مصر [15]: "سين تتوجع وجعًا" [16]. وهي المدينة الوحيدة التي وضعت تحت تصرف أشوري قامت بلا شك في موضع البلسم لتحفظ أبواب مصر مفتوحة أمام الملك الأشوري.

سميت حصن مصر إذ جرت عندها مواقع كثيرة. موقعها الآن تل الفرما على بعد 20 ميلاً شمال شرقي القنطرة.

و. آون: "شبان آون وفيبسته يسقطون بالسيف، وهما تذهبان إلى السبي" [17].

مدينة آون On Aven، بالمصري "إنو" وباليونانية "هيليوبوليس". كرسي إله الشمس رع Ra. حاليًا تل حسن أو عين شمس، تبعد سبعة أميال شمال شرق القاهرة، فيها وجد بيت حمى يوسف (تك 41: 45، 50).

معبدها له أهمية كبرى، أحبه الملوك، وكان كهنته أكثر الكهنة علمًا، لهذا وجد تقليد بأن أفلاطون وكثيرًا من الفلاسفة اليونان درسوا في هيليوبوليس.

كأن الله أراد أن يعلن بأن شباب هذه المدينة صاحبة العلم يسقطون بالسيف وينتهي كيانها، فإن العلم بغير الإيمان لا يبني النفس.

ز. فيبسته أو فيبسث: اسم مصري معناه "بيت الإلهة باست". (بي بستيس)، اسمها اليوناني "بوباستس". حاليًا تسمى تل بسطة، بجوار الزقازيق شرق الدلتا.

ح. تحفنحيس: "ويظلم النار في تحفنحيس عند كسرى أنيار مصر هناك وتبطل فيها كبرياء عزها" [18]. وهي المدينة التي التجأ إليها بعض اليهود حين هربوا إلى مصر بعد قتل جدليا (إر 43: 7). تسمى باليونانية "دفنة"، حاليًا "تل دفنة" على بعد 10 أميال غربي القنطرة، جاءت في الترجمة السبعينية "تفنيس"، أما معناها فهو "حصن أو قلعة بناحس Penahse." كان بناحس غالبًا قائدًا صاحب سلطان من طيبة، عاش في القرن 11 ق.م، قام بثورة في الشمال، فنشأت عدة مدن تحمل اسمه.

يذكر هيرودت أن تحفيس كانت قلعة مصر من الجانب الأسيوي، وأن اليونان حرسوها. وجد في آثارها الكثير من الأواني الفخارية اليونانية وأيضًا أسلحة حديدية ورؤوس سهام من النحاس والحديد تحمل طابعًا يونانيًا، هذا بخلاف الكثير من الآثار التي تشهد أنها كانت طريق تجارة ضخم.


العدد 20- 26:
3. تحطيم ذراعي فرعون :

إذ تحدث عن الخراب الذي حل بمدنه الحصينة بدأ يتحدث عن ذراعه كيف أصابها جرح مميت لا يُمكن شفائه، فلا يعود يقدر أن يحمل سلاحًا لا للدفاع عن نفسه ولا عمن احتموا فيه. في نفس الوقت يشدد الله ذراعي ملك بابل ويجعل السيف في يده لتأديب فرعون مصر فتسقط يداه ويشتت شعبه!

هذه صورة للعمل الشيطاني المقاوم للتدبير الإلهي إذ ينتهي بالفشل الكامل، مهما ظهر في البداية ناجحًا.
أسفار الكتاب المقدس
أعلى