تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 33 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 9:
1. مسئوليته كرقيب :

قبل أن نتحدث عن مسئوليته نود أن نوضح أن حديث الرب إليه كان هكذا: "كلم بني شعبك" [2] ، ولم يقل له "بني شعبي"، وأيضًا يقول "كشعبي" [31]، أي كأنهم شعبي. فإنهم إذ لم ينعموا بعد بالمصالحة مع الله لا يدعوهم الله "شعبي". هذا ما رأيناه في دراستنا لسفر الخروج، فإن الله إذ يكون في حالة مصالحة مع شعبه يقول: "شعبي، سبوتي، أعيادي، بخوري، تقدماتي..." ناسبًا الشعب وكل عبادته وأعياده وتقدماته أنها له شخصيًا. أما في حالة تعبه من جهتهم فيقول للنبي "شعبك" كما يقول لهم "أعيادكم، سبوتكم، تقدماتكم الخ..."[1].

كان الله قد بدأ هذه المجموعة من النبوات والوصايا بعتاب غير مباشر فيقول لهم: لا أستطيع بعد أن أدعوكم شعبي... أنتم شعب حزقيال، كأنكم شعبي. اقبلوا وصيتي وادخلوا إلي التوبة فأجعلكم شعبًا لي وأصير لكم إلهًا، أو كما قال علي لسان حزقيال النبي: "يكون مسكني فوقهم، وأكون إلهًا ويكونون لي شعبًا" (37: 27).

تحدث بعد ذلك عن مسئوليته كرقيب، يلتزم أن يكون صريحًا لخلاص نفوسهم وخلاص نفسه، فإنه إن توقف عن إعلان الرسالة مجاملة لهم تُطلب كل نفس تهلك منه..."فإن رأى الرقيب السيف مقبلاً ولم ينفخ في البوق ولم يتحذر الشعب، فجاء السيف وأخذ نفسًا منهم، فهو قد أُخِذ بذنبه أما دمه فمن يد الرقيب أطلبه" [6]. هذه الكلمات لا تزال ترعب كل أسقف أو كاهن أو شماس... فإنهم إن أهملوا في تحذير الشعب - أيا كانت ظروفهم أو مراكزهم - تطلب نفوسهم عوض النفوس الهالكة... وقد سبق أن قدمنا أمثلة لذلك[2].

فيما يلي بعض تعليقات الآباء علي مسئولية الرقباء والتزامهم بتحذير الخطاه وعدم صمتهم:

v بحسب ما جاء في حزقيال يلزم ألا يصمت الرقباء علي الرذيلة مادام السيف مسلطًا عليهم، فإن هذا الصمت لا يفيدهم كما لا يفيد الخطاة، إنما بالحري يجب أن يراقبوا ويحذروا، بهذا ينتفع الذين يقدمون التحذير مالم ينتفع الاثنان معًا: المتكلم والسامع.

القديس غريغوريوس النزينزي[3]

v أول شيء أفعله هو تقديم تقرير لشعبي أستمده من فوق لأتمم عملي كرقيب (إش 21: 6؛ 62: 6؛ حب 2: 1) فإن كنت لا أوقف مجيء السيف فإني أخلص نفسي ونفوس الذين يسمعونني معلنًا عصيان شعبي، حاسبًا ما يخصهم يخصني أنا. بهذا أحصل علي شيء من الراحة والحنو.

القديس غريغوريوس النزينزي[4]

v لقد وضع الرقباء والنظار في الكنيسة علي الشعب لينتهروا الخطيئة بغير رحمة.

القديس أغسطينوس[5]

v أي نوع من الدم يطلبه الله من يد الرقيب إلا ذاك الذي ينسكب من الخاطئ؟! فإنه هكذا يهلك قلب الغبي، إذ قيل: "اسمعوا لي يا من فقدتم قلوبكم"، إذ سكبوا الدم وفقدوا قوة النفس الحية.

العلامة أوريجانوس[6]

v لو أنك أؤتمنت علي حفظ ينبوع مياه نقية للقطيع، ورأيت القطيع يشرب وحلاً أفلا تعمل من أجل إزالة الوحل من المياه؟! لكنك الآن لست تتعهد ينبوعًا من المياه بل من الدم والروح فإن رأيت واحدًا فيه خطيئة، التي هي أخطر من التراب والوحل وجاء إليه أفلا تحزن؟! أما تمنعه؟! أي عذر لك؟! فإن الله قد أعطاك هذه الكرامة لهذا الهدف أن تميز هذه الأشياء. هذه هي وظيفتك؛ هنا يكون سلامك، وهنا يكون لك إكليلك، ليس مجرد أنك تلبس ثوبًا أبيضًا متلألأ!
العدد 10- 11:
2. لا نيأس فإن الله رحوم :

إن كان النبي ملتزمًا أن يكون صريحًا كل الصراحة في إعلان الوصية الإلهية والنبوات دون مداهنة أو مجاملة، لخلاص نفوسهم ونفسه هو أيضًا، لكن هذا لا يعني أن يقسو عليهم. إن كان قبلاً قد تحدث بعنف لأن خطر السبي كان قادمًا، لكن الآن وقد تحقق السبي فعلاً ودخل الكل تحت مرارة المُرّ فلا حاجة لليأس إنما يبدأ الإعلان عن مراحم الله ومحبته للبشرية حتي في وسط تأديباته القاسية.

"أنتم تتكلمون هكذا قائلين:

أن معاصينا وخطايانا علينا وبها نحن فانون، فكيف نحيا؟!

قل لهم:

حي أنا يقول السيد الرب إني لا أُسر بموت الشرير بل أن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا.

ارجعوا ارجعوا عن طرقكم الرديئة،

فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل" [10-11].

كانوا قبلاً يشربون الإثم كالماء، مستهينين بالخطيئة وفاعليتها في حياتهم، وحينما بدأوا يسقطون تحت التأديب فعلاً حوربوا باليأس قائلين إنهم فانون أي هالكون فكيف يحيون بعد؟!... لكن الرب الذي كان يوبخهم بمرارة قبل التأديب الآن يُلاطفهم بالحب حتي لا يتحطموا بقطع الرجاء.

يعلق الآباء علي هذه الكلمات الإلهية الواهبة رجاء هكذا:

v من خلال هذه الكلمات الإلهية يعود الخاطئ إلي الرجاء، لكنه أيضًا يوجد فخ آخر يخشي منه، وهو أنه خلال هذا الرجاء عينه يخطئ بالاكثر (مستهينًا بالخطيئة).

القديس أغسطينوس[8]

v ليحب لأن الله يُريد الرحمة أكثر من الذبيحة (هو 6: 6)، وليخشَ لأنه يبغض الخطيئة!

ليحب، فإن الله يود توبة الخاطئ لا موته، وليخشَ لأنه يبغض الخطاة الذين لا يتوبون!

العلامة ترتليان[9]

v إنها رسالة المخلص أن يدعو الخطاة لا الأبرار، لأنه كما قال بنفسه: "لا يحتاج الأصحاء إلي طبيب" (مت 9: 12-13).

إنه يُريد توبة الخاطئ لا موته (حز 33: 11)، ويحمل علي منكبيه الحمل المسكين الضال. وهكذا إذ عاد الابن الضال استقبله أبوه بفرح.
العدد 12- 20:
3. لا يُحاسبنا الله علي ماضينا :

إذ يفتح لنا الرب باب الرجاء يُريدنا أن ندخل إليه بكل قوة بلا خوف، لهذا يقدم لنا كل طمأنينة. إنه لا يُحاسبنا علي ماضينا بل ولا علي حاضرنا إن قدمنا الآن توبة صادقة. إنه لا يريد هلاكنا بل يبحث بكل الطرق علي خلاصنا مقدمًا لنا كل إمكانية للعودة إليه. وفي نفس الوقت إذ يخشي الله علي أولاده القائمين من السقوط يحذرهم لئلا يتكلوا علي ماضيهم فيستهتروا ويسقطوا...

يقول القديس جيروم: [في حياة المسيحين لا نتطلع إلي البدايات بل إلي النهايات. لقد بدأ بولس بطريقة رديئة لكن نهايته كانت صالحة. بداية يهوذا كانت مستحقة المديح لكن نهايته كانت ملومة بسبب خيانته...

حياة المسيحي هي سلم يعقوب الحقيقي، عليه يصعد الملائكة وينزلون، بينما يقف الرب عليه باسطًا يديه للذين ينزلقون، ساندا إياهم متطلعًا إلي الصاعدين علي الدرجات المؤلمة[11]].

سبق أن رأينا في تفسرنا الأصحاح الثامن عشر كيف استخدمه العلامة أوريجانوس للرد علي القائلين باختلاف الطبائع البشرية موضحًا أنه يمكن للشرير أن يتوب، وللبار أن يسقط... إذ ظن البعض أن الإنسان يحمل طبيعة صالحة أو شريرة لا يمكن تغيرها. فمن كلماته: [نفس الإنسان البار قابل للتغيير كما يشهد حزقيال قائلاً: بأن البار يمكن أن يهجر وصايا الله فلا يُحسب له بره السابق[12]].

أن رجع البار عن حياته البارة في الرب يموت، بينما أن تاب الشرير عن شره يجد الحياة في المسيح تتلقفه.

"عند رجوع البار عن بره وعند عمله إثما فإنه يموت به.

وعند رجوع الشرير عن شره وعند عمله بالعدل والحق فأنه يحيا بهما" [18-19].

لنحذر إذن من الخطية لئلا نموت، وإن كنا قد متنا بها فلنقبل الرب برنا فنحيا به. يقول القديس أمبروسيوس: [كل من يُسلم نفسه للملذات الشريرة يكون ميتًا، لأن المتنعمة قد ماتت وهي حية" (1 تي 5: 6) والذين بلا إيمان ينحدرون إلي الهاوية وهم بعد أحياء، حتي وإن كانوا يبدون أحياء معنا، فإنهم في الهاوية. كل من يأخذ ربا أو يقترف سرقة فهو ليس حيًا، كما تقرأون في حزقيال. أما أن حفظ ذلك الإنسان وصايا الرب ليعملها فهو يحيا، ويحيا بها [19]... فلنسرع إذن إلي تلك الحياة، فمن يمس الحياة يحيا. وقد مستها المرأة حقًا، هذه التي لمست هدب ثوبه فبرأت، وتحررت من الموت، وقيل لها: "إيمانك قد شفاكِ، اذهبي بسلام" (لو 8: 48، مت 9: 22) إن كان من يمس ميتًا يكون نجسًا، فإن من لمس الحي يخلص حقًا. إذن فلنطلب هذا الحيّ، لكن احذروا أن تطلبوه بين الأموات، فيقال لما كما للنسوة: "لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات؟ إنه ليس ههنا؛ لقد قام" (لو 24: 5-6).
العدد 21- 29:
4. التشبه بإبراهيم :

إستطاع رجل من أورشليم أن يفلت عند ضرب المدينة ويجري إلي حيث حزقيال النبي والشعب المسبي ليخبرهم بضربة أورشليم، وكان ذلك في السنة الثانية عشر من السبي الأول ليهوذا في الشهر العاشر في الخامس من الشهر، أي وصلتهم الأخبار بعد حوالي ستة شهور، وهنا انفتح فمه للكلام ولم يعد بعد حزقيال صامتًا [22] إذ سمع الكل بصدق نبواته التي سبق أن أعلنها لهم.

لقد سبق أن قالوا له إن كان من أجل إبراهيم وهو رجل واحد أورثه الله كل هذه الأرض، أفلا يعطيهم هذه الأرض وهم كثيرون؟! [24] ما أبعد مقاييس الله عن الإنسان، الله يتطلع إلي القلب فيهب بسخاء للقلب النقي ولو كان فريدًا في العالم، ولا يعطي من أجل الكثرة. أما الإنسان فينظر لا إلي نقاوة القلب بل إلي كثرة العدد. لقد ظنوا أن الله لن يتخلي عن المدينة ولا الهيكل مهما فعلوا من رجاسات ماداموا يقدمون الذبائح والتقدمات له، حتي وإن كانت قلوبهم متعبدة للأصنام ومنحرفة نحو الشر. الله يُريد العبادة النقية لا الكثرة في الفروض والشكلية في العبادة! كان إبراهيم المطيع المؤمن مستحقًا أن يرث كل هذه الأرض، بينما لم يوجد وسط تلك الربوات من نسله في ذلك الحين من يستحق الميراث!!! ما أحوج الكنيسة إلي قديسين حقيقيين يستريح الله في قلوبهم، حتي وإن كانت أعدادهم قليلة جدًا! لهذا جاءت كلمة الله لحزقيال النبي أن يتنقوا فيرثوا الأرض. بمعني آخر أن يصيروا كإبراهيم أبيهم فيستحقوا أن يرثوه!

هذه هي التوبة... إنها رجوع إلي الحياة المقدسة الخفية!
العدد 30- 33:
5. عودة قلبية لا شكلية :

إذ وصلت الأخبار توافدت الجموع إلي حزقيال تسمع له. لقد عرفوا أنه إنما يتكلم بالحق. وربما أيضًا توافدوا إليه بكثرة وشوق لأنه بعدما كان يحدثهم بكلمات التوبيخ والتوبة قبل سقوط أورشليم بدأ يتحدث عن النقمة من الأشرار الشامتين (ص 25-32) ويعطي رجاء بالعودة والإصلاح. هذا وربما جاءوا إليه أيضًا للاستماع بلفته الأدبية الرائعة.

لقد خشي النبي أن يأتوا إليه يسمعون لمجرد اللذة الفكرية أو البهجة المؤقتة لا التوبة الصادقة، إذ قال له الرب "يأتون إليك كما يأتي الشعب ويجلسون أمامك كشعبي ويسمعون كلامك ولا يعملون به، لأنهم بأفواههم يظهرون أشواقًا وقلبهم وراء كسبهم" [31]. صارت كلماته كشعر موزون يُقدم بصوت جميل علي نغمات الموسيقي يستمتعون به إلي حين ولا يعملون! الله لا يريد مجرد الاستمتاع إنما يريد العمل... التوبة الصادقة الخارجة من القلب، والعملية!
أسفار الكتاب المقدس
أعلى