تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 34 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 10:
1. الرعاة الأنانيون :

"ويل لرعاة إسرائيل الذين كانوا يرعون أنفسهم.

ألا يرعى الرعاة الغنم؟!

تأكلون الشحم وتلبسون الصوف وتذبحون السمين ولا ترعون الغنم.

المريض لم تقوّوه، والمجروح لم تعصبوه، والمكسور لم تجبروه، والمطرود لم تستردوه، والضال لم تطلبوه بل بشدة وبعنف تسلطتم عليهم" [2-4]. إذ يتحول قلب الراعي عن شعب الله إلي ذاته يرعى مصالحه الخاصة، فيعمل لحساب كرامته أو ممتلكاته أو راحته الجسدية الخ... عوض أن يهتم باحتياجاتهم ومصالحهم. إنه لا يُبالي بالمريض أو المجروح أو المكسور أو المطرود أو الضال، بل يهتم بأنانيته. مثل هذا لا يُحسب راعيًا بل أجيرًا، يطلب الأجرة لا البنوة، بل وأحيانًا يُحسب لصًا يسرق الرعية عوض أن يصونها ويسندها.

v يوجد أجراء يعملون في الكنيسة، يقول عنهم الرسول بولس: "يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح" (في 2: 21).

ماذا يعني: "يطلبون ما هو لأنفسهم"؟ أي لا يحبون المسيح مجانًا. لا يطلبون ما هو لله بل يطلبون المنافع الزمنية، يفغرون أفواههم للربح ويولعون بطلب الكرامة من الناس. متي اشتهي أي رقيب أمورًا كهذه وكان يخدم الله لأجل نوالها، فإنه مهما يكن هذا الإنسان يُحسب أجيرًا ولا يقدر أن يُحسب نفسه بين الأولاد، لأنه عن مثل هؤلاء قال الرب أيضًا: "الحق أقول لكم أنهم قد استوفوا أجرهم" (مت 6: 5)...

الأجراء موجودون أيضًا بيننا، لكن الرب وحده يفرزهم، ذاك الذي يعرف القلوب هو يفرزهم، وإن كنا أحيانًا نستطيع أن نعرفهم، لأنه لم ينطق الرب باطلاً في حديثه عن الذئاب: "من ثمارهم تعرفونهم" (مت 6: 17).

القديس أغسطينوس[1]

محبة الراعي لذاته تفقده الأبوة الحانية المُترفقة بالضعفاء[2]، وتحوله لا إلي أجير فحسب بل ومتسلط عنيف، يفقد أبوته ليفتح الباب للتسلط. هذا العنف يدفع الشعب إلي التشتت فيصير غنيمة لجميع وحوش البرية [5] إذ تضل "في كل الجبال وعلى كل تل عال وعلي كل وجه الأرض" [6].

يصير الإنسان فريسة لكل أنواع الشياطين التي تلتهم غنم الله بسبب إهمال الرعاة وانشغالهم بذواتهم. فتسلك الرعية بلا هدف ولا مأوي، تنتقل من جبل إلي جبل، ومن تل إلي آخر، ومن موضع إلي موضع بلا تمييز ولا حكمة ولا معرفة. تلعب بها الشياطين، الواحد يسلمهم للآخر حتي يتحطموا تمامًا.

"هأنذا علي الرعاة، وأطلب غنمي من يدهم" [10].

يقول الأب قيصريوس أسقف آرل:

[مادام الرب قد أقامنا لكي ندبر سفينة كنيسته، ليتنا بمعونته وبتوجيه العهدين أن نحكم سفينة كنيسته حتي لا تنحرف بسبب إهمالنا يمينًا أو يسارًا، بل بدون مجهود نبقي في استقامة الحياة وسط مخاطر هذا العالم العظيمة. وكما أن أيه سفينة لا يمكن أن تنال مكاسب أرضية بدون متاعب، هكذا سفينة الكنيسة لا تقدر أن تنعم بالمكاسب وفرح الأبديات دون متاعب كثيرة].

يصرخ الرب قائلاً: "أيها الرعاة... غنمي صار غنيمة" [7-8]، محمِّلاً إياهم المسئولية، إذ صاروا سر تحطيم للنفوس وهلاكها عوض أن يكونوا ملجأ لها ومأوي من الذئاب الخاطفة.

لقد كتب البابا أثناسيوس الرسولي إلي الأسقف Dracontium يُحمله المسئولية الرعوية، قائلاً له: [قبل أن تتقبل نعمة الأسقفية لم يعرفك أحد، لكنك صرت ذاك الذي يتوقع الشعب منه أن يقدم له الطعام أي تعاليم الكتب المقدسة. عندما يتوقعون ذلك الأمر ويعانون من الجوع بينما تشبع نفسك وحدك يأتي ربنا يسوع المسيح وتقف أمامه، فإي دفاع تقدمه عندما يجد قطيعه جائعًا؟[3]].

لا يقف الأمر أحيانًا عند شرب المياه الحلوة وحدهم أو التهام الطعام الروحي دون شعبهم، وإنما ما هو أمرّ أنهم في أنانيتهم يحتفظون أحيانًا لأنفسهم بالمياه العميقة، يشربون منها ولا يتركوا حتي المياه الضحلة لشعبهم بل يكدرونها بأرجلهم ليقدموها مملؤة وحلاً:

"أهو صغير عندكم أن ترعوا المرعى الجيد وبقية مراعيكم تدوسونها بأرجلكم، وأن تشربوا من المياه العميقة والبقية تكدرونها بأقدامكم، وغنمي ترعى من دوس أقدامكم وتشرب من كدر أرجلكم" [18-19]. يري القديس جيروم أن أقدام الهراطقة الموحلة هي التي تُعكر المياه الصافية فتفسد أيمان الرعية[4].


العدد 11- 22:
2. الله يرعى شعبه :

"هأنذا اسأل عن غنمي وأفتقدها" [11]. ليس شيء أثمن لدي الله من النفس البشرية التي أوجدها علي صورته ومثاله. فإن كان قد سلَّم شعبه بين يدي رعاة إنما تكريمًا للبشرية ذاتها لتشترك مع الله وباسمه وبقوته في رعاية النفوس، لكن الله يحتفظ بهذا العمل الإلهي، معتزًا به، قائلاً: "هأنذا أسأل عن غنمي وأفتقدها".

في رعايته لغنمه لا يحتمل أنانية الرعاة الذين أقامهم لخدمة أولاده، لهذا يقف بنفسه في مواجهتهم، حاسبًا كل إهمال أو خطأ في الرعاية إنما هو مُوجَّه ضده شخصيًا. إنه يطمئن كل نفس استغلها الرعاة أو أهملوها، قائلاً: "هأنذا على الرعاة، وأطلب غنمي من يدهم وأكفهم عن رعي الغنم، ولا يرعى الرعاة أنفسهم بعد، فأُخلص غنمي من أفواههم فلا تكون لهم مأكلاً" [10]. إنه يقف ضدهم ويتسلم الرعاية بنفسه! يلذ له أن يُسمي نفسه "راعيًا" مكررًا كلمة "غنمي" 14 مرة في هذا الأصحاح، مؤكدًا أنهم شعبه، إذ يقول "شعبي" إنهم له، يُخلصهم من الرعاة الأشرار كما يخلصهم من العدو الخارجي ويتسلم حياتهم بنفسه.

إن كان الرعاة قد افترسوا الرعية، يتسلم الراعي الأعظم قطيعه ليحكم للرعية الضعيفة ضد الرعاة العنفاء: "لذلك هكذا قال السيد الرب لهم: هأنذا أحكم بين الشاة السمينة (الراعي المستبد) والشاة المهزولة (الرعية المسكينة)... فأخلص غنمي فلا تكون من بعد غنيمة وأحكم بين شاة وشاة" [20-22]. يستوي الكل أمامي، الرعاة والرعية، فأُدين الجميع وأحكم بينهم، بين شاة وشاة!

هكذا الخادم الناجح هو الذي يرفع عينيه دائمًا إلي مجيء الراعي الأعظم ليُدين الكل ولا يميز. إنه لا يُحابي الوجوه ولا يهتم بالكرامات بل علي العكس الذي وهب له أكثر يدان أكثر ويطالب بأكثر! هذا والخادم الناصح هو الذي يختفي دومًا في الراعي الصالح، فلا يخدم إلا من خلال الراعي الأوحد، ولا يعمل إلا به حسب فكره الإلهي. بهذا لا ينتفخ الخادم علي مخدوميه، ولا يظن في نفسه أنه أفضل من إخوته
العدد 23- 32:
3. قيام رعاية جديدة :

إذ تحدث عن اهتمام الله بالبشرية أعلن قمة هذه الرعاية خلال "السيد المسيح"، الملك الحقيقي الروحي ابن داود، قائلاً: "وأقيم عليهم راعيًا واحدًا فيرعاها عبدي داود، هو يرعاها وهو يكون لها راعيًا" [23]. بلا شك "عبدي داود" لا تعني قيامة داود الملك من الأموات ليملك من جديد، إنما ظهور السيد المسيح، ابن الله الذي صار عبدًا ليملك علينا من خلال حبه واتضاعه.

في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بالنسبة لحزقيال وغيره من الأنبياء فإن حديثهم عن مجيء داود وقيامه مرة أخري لا يعني أنه ذاك الذي مات[5]]. ويقول العلامة أوريجانوس: [إنه ليس البطريرك (الأب) داود الذي يقوم ويحكم القديسين إنما المسيح[6]]. كما يقول القديس أغسطينوس: [يتحدث حزقيال نبويًا في شخص الله الآب، مخبرًا مقدمًا عن السيد المسيح بطريقة نبوية بكونه "داود"، الذي أخذ شكل العبد وصار إنسانًا، هذا الذي هو ابن الله[7]].

يتحدث عن هذا الراعي الصالح، المسيا المخلص، بكونه:

أ. يقطع عهدًا مع البشرية [25] يكتبه لا علي الواح حجرية بل بالدم ينقشه علي جسده المقدس بالحب الإلهي، فيدخل بنا إلي أحشائه ونتقبله عريسًا أبديًا.

ب. ينزع الوحوش الرديئة من الأرض فيسكنون في البرية مطمئنين وينامون في الوعور [25]. ما هذه الوحوش الرديئة التي ينزعها عن الأرض إلا أعمال الإنسان القديم المملوءة عنفًا، تنزع عن أرض جسدنا ونعيش في سلام مطمئنين.

ربما قصد بالوحوش الرديئة الأمم الذين كانوا كالوحوش المفترسة فإنها تتقبل الإيمان وتتحول عن طبيعتها الوحشية لتحيا بروح جديد وطبيعة جديدة.

ج. ينزل المطر في حينه علي الأكمة التي حوله [26]، الذي هو نزول السيد المسيح نفسه من السماء، يرطب النفس ويطفئ نار شرورها.

د. يهب شجرة الحقل - التي هي الكنيسة - ثمرتها، وتعطي الأرض غلتها فيحل الأمان علي الأرض [27]. إنه يغرس شجرة العهد الجديد في جسده المقدس، وتأتي بثمر كثير. إنه يغرسنا فيه فتتبارك طبيعتنا فيه وتصير أرض جسدنا في أمان دائم.

هـ. يكسر نيرهم وينقذهم من يد الذين استعبدوهم [27]. إنه علي الصليب يمزق الصك الذي كان علينا ويعتقنا من عبودية الشيطان الذي تسلط علينا. وكما يقول الرسول: "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب، إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه" (كو 2: 14-15). لهذا يعود حزقيال النبي فيؤكد بلسان الرب نفسه: "فلا يكونون بعد غنيمة للأمم ولا يأكلهم وحش الأرض بل يسكنون آمنين ولا مخيف" [28]، أي لا يصيرون غنيمة الشياطين ولا يأكلهم وحش شهوات الجسد (الأرض) بل يمتلئون بقوة الروح القدس واهب التعزية والغلبة.

و. لا يقف عمله عند كسر نير عبودية الشر وطرد الطبيعة الوحشية لكنه يقدم الجانب الإيجابي: "أقيم لهم غرسًا" [29]. إنه ينزع الطبيعة القديمة واهبًا الطبيعة الجديدة التي علي صورته لتعمل لإشباع الإنسان به شخصيًا.

ز. أما ما يعتز به السيد فهو أنه يجعلهم "شعبه"، ويكون هو إلههم يسكن في وسطهم ويتحد بهم..."فيعلمون أني أنا الرب إلههم معهم وهم شعبي بيت إسرائيل يقول السيد الرب. وأنتم يا غنمي غنم مرعاي، أناس أنتم. أنا إلهكم يقول السيد الرب" [30-31]. هذا هو ختام عطاياه كلها، إنه يتقدم إلهًا لهم وهم غنمه، شعبه، يعتز بهم وهم يعتزون به. لهذا سمع القديس يوحنا الحبيب وصفًا للسماء أو الحياة الأبدية هكذا: "هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" (رؤ 21: 3).
أسفار الكتاب المقدس
أعلى