تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 6 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 7:
1. نبوة ضد جبال إسرائيل :

أخذ اليهود عن الوثنيين عبادتهم الأصنام على الجبال والتلال والأنهار والوديان[1]، لهذا طلب الرب من حزقيال النبي أن يوجه نظره إلى جبال إسرائيل التي تدنست بالعبادة الوثنية ويتنبأ ضدها. إنه يتطلع كالقاضي الذي ينظر نحو المتهم ليحكم عليه مواجهة ليهز أساساته ويبيدها.

للجبال مفهومها الرمزي في الكتاب المقدس، فإن "الأرض" غالبًا ما تشير في الكتاب المقدس إلى النفس التي نزلت إلى الفكر الأرضي، فأسرها الجسد الترابي بشهواته وربطها بالماديات، أما "الجبال" فغالبًا ما تشير في الكتاب المقدس إلى النفوس المرتفعة فوق الأرضيات لتسكن معه في العلويات، كنيسة مقدسة سماوية. لهذا كثيرًا ما ينسب الله الجبل لنفسه فيدعوه "جبل قدسه" (مز 2: 6)، (9: 9، إش 65: 11، 25، يؤ 2: 1، عو 16: 1)، كما يسميه الكتاب المقدس "أورشليم جبل قدسك" (دا 9: 16، إش 66: 20)، "صهيون جبل قدسى" (يؤ 17: 18).

لقد طلب الملاكان من لوط أن يهرب إلى الجبل لئلا يهلك (تك 9: 17)، وكأنهما يطلبان منه أن يرتفع فوق الزمنيات لئلا تقتنصه في دوامتها. واشتهي المرتل أن يسكن في جبل قدس الرب (مز 15: 1)، أي يرتفع قلبه إلى فوق، هناك يلتقي مع الله الساكن في الأعالي والذي يستجيب له (مز 30: 4).

النفس التي تصير جبلاً مقدسًا تصير كجبل حوريب، حيث يتقدم إليها الرب لا ليعطيها شريعته منقوشة على الحجارة كما لموسى بل بالروح القدس ينقش وصيته في قلبها. يجلس فيها السيد كما جلس على الجبل يعظ الجماهير بكلماته مجتذبًا إياها إليه بسلطان (مت 5). إنها تصير كجبل التجربة يرتفع الرب نفسه عليها ليقود المعركة الروحية ضد الشيطان محطمًا سلطانه، فتصير للنفس إمكانية الغلبة وتأتي الملائكة لتخدمها. إنها تصير كجبل تابور حيث تنعم النفس بالشركة مع رجال العهد القديم (موسى وإيليا) ورجال العهد الجديد (بطرس ويعقوب ويوحنا) في حضرة السيد المسيح نفسه الذي يظللها بسحابته المنيرة، ويعلن لها بهاءه في داخلها. إنها تصير كجبل الزيتون حيث يجلس فيها السيد يبكي أولاده الساقطين الذين قتلوا الأنبياء ورجموا رسله، فتصير مركز عمل وخدمة روحية، أو تصير بالحري كجبل الجلجثة فتنعم بصليب السيد المسيح مزروعًا في داخلها، تشارك عريسها آلامه وصلبه لكي تنعم بقوة قيامته. وباختصار فإن للجبال المذكورة في الكتاب المقدس ذكريات تدفع النفس للتمتع بحياة الاتحاد مع الله في المسيح يسوع بصورة أو بأخرى.

ويرى القديس جيروم أن هذه الجبال المقدسة إنما هم الأنبياء والرسل، إذ يقول: [نفسر الجبال بطريقتين: في العهد القديم هم الأنبياء، وفي العهد الجديد الرسل. عن هذه الجبال يقول الكتاب المقدس: "رفعت عيني إلى الجبال من حيث يأتي عوني" (مز 120: 1). على هذه الجبال استقرت مدينة الله، إذ "لا تختفي مدينة قائمة على جبل" (مت 5: 12). ونحن أيضًا الذين كنا في الظلمة وظلال الموت أشرق علينا الرب من جباله الأبدية، أي من خلال أنبياء ورسله[2]].

وكما يقيم السيد الرب أولاده جبالاً مقدسة يسكنها، فإن عدو الخير أيضًا يقيم من خدامه جبالاً دنسة ومُعثرة. فإن كان الجبل المقدس يعني ارتفاع النفس إلى السمويات بالروح القدس. فإن الجبل الشرير يعني كبرياء النفس وعصيانها للوصية الإلهية. فبدلاً من أن تكون النفس جبلاً ينطلق إليه السيد ليُصلي (مز 6: 46)، هذا "الذي اشتهاه الله ليسكن فيه إلى الأبد" (مز 68: 16)، يصير دنسًا ترعى فيه الخنازير (لو 8: 32). وبدلاً من أن تكون النفس ذاك الجبل الذي تصعد إليه الكنيسة مع عريسها كما على جبل تابور، تصير علة تيهان (عب 11: 38). لهذا يعلن الرب غضبه على الجبال الشريرة ويزعزع أساساتها، أو كما يقول المرتل: "انقلبت الجبال إلى قلب البحار" (مز 46: 2)، "مالكن أيتها الجبال قد قفزتن مثل الكباش؟!" (مز 114: 2). يهدد الرب هذه الجبال قائلاً: "هأنذا عليك أيها الجبل المهلك يقول الرب المهلك كل الأرض فأمد يدي عليك وأدحرجك على الصخور وأجعلك جبلاً محرقًا فلا يأخذون منك حجرًا لزاوية ولاحجرا لأسس، بل تكون خرابًا إلى الأبد يقول الرب" (إر 51: 25-26)؛ كما يقول: "أبغضت عيسو وجعلت جباله خرابًا وميراثه لذئاب البرية" (ملا 1: 3)، "أقيموا راية على جبل أقرع، ارفعوا صوتا إليهم" (إش 13: 2).

انحرف الشعب إلى العبادة الوثنية، لذا هددهم الرب على لسان النبي بحلول الشر في كل موضع استخدم للشر. سواء كان جبلاً أو تلاً، واديًا أو نهرًا[3]. يمتد السيف إلى صانعي الشر فيقتلون وتمحى أعمالهم، وتصير مدنهم خرابًا وقفرًا، وتباد مرتفعاتهم وتخرب مذابحهم وتنكسر شمساتهم[4] (ربما المظلات المستخدمة للحماية من الشمس أثناء العبادة، وإن كانت الترجمات الإنجليزية تقول "التماثيل موضوع العبادة")، وتذرى عظامهم حول مذابحهم علامة تدنيسها (2 مل 23: 16). هكذا يتحطم العابدون وموضوع عبادتهم ومكان العبادة نفسه.

هذه هي النبوة التي وجهت ضد جبال إسرائيل، وهي تهديد مُرّ لأجل دفعهم للتوبة. إنها نبوة قائمة في كل جيل ضد النفس المتعجرفة فإن الله يبيد مرتفعاتها[5]، أي يُحطم كبرياء قلبها وتشامخها، ويخرب مذابحها أي يُحطم عواطفها التي أساءت استخدامها، ويكسر شمساتها أي يفضحها في وسط النهار ولا يعود يستر عليها بعد وربما قصد بالشماسات الأصنام الخاصة بعبادة الشمس. ويطرح قتلاها قدام أصنامها، أي يذلها أمام الذين ترتكب معهم الخطيئة، وتذرى عظامها حول مذبحها، أي يعلن موتها روحيًا ونفسانيًا وجسديًا ودنس حياتها فيأنف الكل منها، ويجعل مسكنها قفراً أي يترك قلبها خربًا بلا شبع، ويمحو أعمالها علامة نزع كل حيوية وطاقة للعمل في داخلها. هذا التأديب في الواقع هو الثمر الطبيعي للخطيئة في حياة الإنسان، تقتله وتقتل طاقاته الداخلية وتحطم كل إمكانية فيه!

هنا نلاحظ أن أرض الموعد التي تفيض لبنًا وعسلاً، والتي تشهد عن رضى الله على مؤمنيه تتحول إلى مقبرة جماعية. عوض الإثمار تصير موضع موت.

من جانب آخر يهدد الله بقتلهم بجوار مذبح الشياطين ليثبت لهم عن عجزها عن الإعانة... ولعله أراد أن يوضح لهم عدله أنهم إذ دنسوا هيكله بالأوثان يسمح بتدنيس الأوثان بقتلهم في الهياكل الوثنية وتحويلها إلى مقابر تحمل فسادًا.


العدد 8- 10:
2. قبوله البقية التائبة :

في كل مرة يهدد الجماعة أو الشعب كله لا ينسى التأكيد على اهتمامه بالبقية التائبة الراجعة إليه بالرغم من قلة عددهم، هؤلاء الذين يخلصون من العقوبة لا بقبولهم التأديب (السبي) وإنما بتوبتهم عن خطاياهم: "إذا كسرتُ قلبهم الزاني الذي حاد عني، وعيونهم الزانية وراء أصنامهم ومقتوا أنفسهم لأجل الشرور التي فعلوها في كل رجاساتهم" [9]. إنهم أخطأوا كإخوتهم وسقطوا في الزنا وعبادة الاصنام وكل الرجاسات لكنهم قبلوا تأديب الرب بحكمة فانكسر قلبهم بالتوبة وندموا فلم يطيقوا أنفسهم بسبب ما فعلوه، لهذا يعود الرب إليهم ليخلصهم "ويعلمون أني أنا الرب" [10]... أي يهبهم معرفته الإلهية.

حقًا، لا طريق لخلاصنا إلا التوبة التي تمحو كل أخطائنا في استحقاقات الدم الكريم بالروح القدس، لهذا يقول القديس مرقس الناسك: [إن الله لا يديننا لأننا أخطأنا، لكنه يديننا لأننا لم نتب].


العدد 11- 14:
3. آثار الشر :

لقد أمره الرب أن يصفق[6] بيده ويضرب الأرض برجليه[7] كالطفل المتمرّمرّ الذي لا حول له ولا قوة، متأوهًا على كل رجاساتهم، خاصة وقد بدأ ثمر الشر يحل بهم من قتل بالسيف وجوع ووبأ. وكأن الغضب الإلهي حل عليهم فهاج الناس عليهم، وأعلنت الأرض سخطها وأيضًا كل الطبيعة وسيكون التأديب أكثر شدة حيث المواضع المستخدمة للعبادة الوثنية: التلال العالية ورؤوس الجبال وتحت ظلال الأشجار وبالذات البلوطة... حيث كانوا يقربون "رائحة سرورهم لكل أصنامهم" [13] فصارت رائحة الموت لهم!

لقد أعلن أن الخراب يدب في الأرض من القفر (البرية) إلى دبلة[8]. ويرى البعض أنها بلدة في موضع دبل الحديثة شمال الجليل، لكن الرأي السائد أنها ربلة[9] وهي مدينة في أرض حماة (2 مل 23: 33، 25: 20-21) وكأنه بقوله: "من القفر إلى دبلة" يعني من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال. وربما أراد أن يعلن مرارة ما يحدث لهم في شخص ملكهم، فعندما ألقى القبض على صدقيا بعد هروبه من أورشليم أُتيَ به إلى نبوخذنصَّر الذي كان في ربلة، فقلع عينيه وقيده في سلاسل ليرسله إلى بابل (2 مل 25: 6 الخ، إر 39: 5-7، 25: 9-11).

أسفار الكتاب المقدس
أعلى