تفسير سفر حزقيال - الأصحاح 8 | تفسير تادرس يعقوب


العدد 1- 4:
1. تمثال الغيرة :

بعد 14 شهرًا من دعوته (1: 12) حمله الروح في رؤيا ليكتشف بنفسه ما بلغ إليه حال الهيكل. كان جالسًا في بيته على ضفاف نهر خابور واجتمع به شيوخ يهوذا وكانوا جالسين معه، ربما في الفترة ما بعد نومه على جنبه الشمال 390 يومًا يتنبأ عن خطايا إسرائيل وقبل البدء في النوم على جنبه اليمين أربعين يومًا ليتنبأ عن إثم يهوذا. يقول: "إن يد السيد الرب وقعت عليَّ، فنظرت وإذا شبه كمنظر نار[1] من منظر حقويه إلى تحت نار، ومن حقويه إلى فوق كمنظر لمعان كشبه النحاس اللامع" [1-2]. لقد أُعلن له منظر "كلمة الله المتجسد" الذي هو "شبه منظر إنسان"، رآه نارًا من حقوية إلى أسفل، ومملوءًا بهاءًا من حقوية إلى أعلى. وكان الرب وهو يحمل النبي إلى الهيكل ليكشف له ما بلغ إليه العابدون - على كل مستوياتهم - من نجاسات، خشى أن ينهار النبي أو ييأس، لهذا قدم له هذه الرؤيا حتى تطمئن نفس حزقيال أن كلمة الله المتجسد لابد أن يعمل، فهو النار الآكلة الذي يحرق كل نجاسة وشر، وهو المملوء مجدًا وبهاءًا، يدخل بشعبه إلى أمجاده الأبدية. إن كان الهيكل قد تدنس، لكن رب الهيكل قادم يعطى تطهيرًا واستنارة داخلية للمؤمنين.

يقول حزقيال النبي: "ومد شبه يد، وأخذني بناصية رأسي، ورفعني روح بين الأرض والسماء، وأتى بي في رؤى الله إلى أورشليم إلى مدخل الباب الداخلي (الهيكل) المتجه نحو الشمال حيث مجلس تمثال الغيرة المهيج الغيرة" [3].

رفعه الروح بين الأرض والسماء، فهو ليس على الأرض إذ لا يستطيع وهو جالس مع شيوخ يهوذا في السبي أن يرى ما يحدث داخل الهيكل، ولا يستطيع وهو في حدود الجسد (الأرض) أن يرى سرائر العابدين ونياتهم الداخلية. لقد أطلقته يد الرب فوق الحدود الجسدية (الأرضية). وهو في نفس الوقت ليس في السماء إذ لم يدخل إلى كمال مجدها. ولعله أراد بقوله هذا أن يقول ما عبَّر عنه الرسول بولس عن نفسه: "أعرف إنسانًا في المسيح... أفي الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم. الله يعلم. اختطف هذا إلى السماء الثالثة"... (2 كو 12: 2).

لقد دخل به الروح إلى مدخل الهيكل ليرى "مجلس تمثال الغيرة المهيج الغيرة". ربما قصد بالمجلس التجويف الذي على شكل قبو، كان يُعمل في بيوت الشرقيين ومعابدهم لتوضع فيه تماثيل الآلهة. أما تمثال الغيرة فربما قصد به تمثال السارية، الإلهة الأم للكنعانيين الذي وضعه منسي (2 مل 21: 7)، وأخرجه يوشيا الملك (2 مل 23: 6)، ويرى البعض أنه تمثال تموز الذي سنتكلم عنه في هذا الأصحاح. ويرى أنه قصد أي تمثال وثنى يثير غيرة الله على مجده، كقوله: "لا تسجدلهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك إله غيور" (خر 20: 5). ولعله لهذا السبب ظهر لحزقيال مجد الله كتلك الرؤيا التي سبق أن رآها في البقعة، وكأن الله يعلن مجده ليفسد المجد الباطل للعبادة الوثنية.

التمثال هنا رمز إلى غيرة الله، إذ قيل "أنا الرب إلهك، إله غيور" (خر 20: 5). هذه الغيرة الإلهية ليست انفعالاً عاطفيًا كتلك التي للبشر، تحطم قلوبهم، إنما هي غيرة غايتها رجوعنا إلى الله فنقبله عريسًا سماويًا. هذه الغيرة يهبها لأولاده وخدامه فيقولون مع الرسول: "أغار عليكم غيرة الله، لأني خطبتكم لرجٍل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" ( 2 كو 11: 2).


العدد 5- 12:
2. سقوط الشيوخ في الوثنية :

إذ كان النبي يحدق في التمثال تحركت أعماقه وامتلأت مرارة؛ عندئذ سمع صوت عتاب إلهي: :يا ابن آدم هل رأيت ما هم عاملون؟ الرجاسات العظيمة التي ببيت إسرائيل عاملها هنا لإبعادي عن مقدسي" [6]. إنه عتاب أبوي عجيب، حيث يرى الأب أولاده يبذلون كل جهدهم لطرد أبيهم القدوس. هو يدخل بهم إلى أرض الموعد ويُعد لهم موضعًا في السمويات، وهم يرفضونه ويطردونه حتى من مقدسه؟!! هذا ما نفعله حين نعلن رفضنا لأبوته بقبول أبوة إبليس، فندخل بأعماله ورجاساته حتى إلى قلوبنا، هيكل الرب المقدس!

ولكي يريه الله رجاسات أخطر قاده إلى باب دار الهيكل.

هناك رأى حزقيال النبي ثقبًا في الحائط، وبأمر إلهي نقب في الحائط فإذا باب وإذ دخل نظر سبعين رجلاً من يهوذا ومعهم يازنيا بن شافان يقدمون بخورًا أمام الدبابات والحيوانات النجسة في وسط الظلام، قائلين: "الرب لا يرانا، الرب قد ترك الأرض" [12]. يتهمون الله أنه ترك الأرض، لذا يلجأون إلى الدبابات والحيوانات النجسة يتعبدون لها، بينما هم في الحقيقة طاردوا الرب من هيكله!

إن شافان غالبًا هو ذاك الرجل الشهير الذي ساعد يوشيا الملك في إصلاحاته منذ حوالي 30 عامًا (2 مل 22: 3-10، إر 26: 24؛ 29: 3؛ 36: 10-12، 39-14)، للأسف أنجب يازنيا الرجل الفاسد الذي يشترك مع السبعين شيخًا في هذا الشر العظيم. هذه هي صورة للإنسان الذي يبدأ حياته بتكريس قلبه لله لكنه يكملها بتكريسها للشر مشتركًا مع الآخرين في فسادهم. أما السبعون رجلاً فيذكّروننا بالسبعين شيخًا الذين يسندون موسى النبي في قيادة الشعب حسب الوصية الإلهية بروح الله، هوذا يستخدم الشيطان القيادات لبعث روح الفساد في حياة شعب الله. ما أخطر أن تنحرف القيادات الروحية عن رسالتها، فعوض الاهتمام بالوصية الإلهية ينحطون إلى الأمور الأرضية فيزحفون كالدبابات، وينشغلون بالشهوات الحيوانية.

لماذا أتحدث عن رجل الإصلاح الذي أنجب فاسدًا وشيوخ إسرائيل الذين انحرفوا، فإن هذا ما يحدث أحيانًا في حياة الإنسان الداخلية حينما ينقب الإنسان - بأمر إلهي - الحائط المقام في داخله، ويدخل به الروح القدس إلى أعماقه الداخلية فيكتشف وجود يازنيا في داخله، الذي هو "الإرادة"، فعوض أن تكون قد حملت فيها "إرادة المسيح" المقدسة الحية والعاملة لحساب الملكوت إذا بها قد صارت إرادة شريرة تنحط إلى عبادة الأرضيات والعبودية لشهوات الجسد. أما السبعون شيخًا فهي الطاقات الداخلية التي كان يلزم أن ترفع الإنسان إلى السمويات فإذا بها تنزل به إلى مالا يليق.

أما سر الانحطاط فهو قولهم "الرب لا يرانا، الرب قد ترك الأرض" الشعور بالعزلة عن الله... إنه لا يرانا! وإلقاء اللوم عليه "قد ترك الأرض". وعلى العكس سر القوة في حياة المؤمنين هو إدراك معيّة الله الذي يرانا ولا يتركنا، حتى في لحظات شرنا. إنه لا يفارق أرضنا لأنه يريد تجديدها المستمر حتى تصير مقدسًا له.


العدد 13- 15:
3. بكاء النساء على تموز :

هل كانت النسوة يبكين على تمثال تموز لأن يوشيا الملك أخرجه أم يشتركن مع الأمميات في البكاء عليه كنوع من العبادة؟! غالبًا ما يقصد بتموز الإله Summerian Dumuzi الذي يزعمون أنه سقط ميتًا بعد صراعه مع ثور هائل، أو كما قال آخرون: مع تنين عظيم. وأن أخته الإلهة Inanna Ishtar نزلت إلى العالم السفلي لكي ترد أخاها إلى الحياة، ويرى البعض أن تموز البابلي هو بعينه الإله السرياني أدونيس Adonais الذي كان مركزه في جيبال Gebal أوBablos على بعد 21 ميلاً شمال بيروت. إذ يحتفل الكلدانيون بموته يعلنون الحزن عليه، فتقدم الذبائح البشرية وتمارس العلاقات الجنسية كجزء من العبادة، وكانت النساء اليهوديات يشتركن مع المتعبدات في البكاء عليه، يليه الاحتفال بعودة الحياة إليه. وقد أُشير للإله تموز في دانيال (11: 37) وزكريا (12: 1).

إنها صدمة عظيمة لمشاعر النبي إذ يرى النساء يبكين محنة إله وثني داخل باب بيت الرب عوض البكاء على خطاياهن!

إن كان الشيوخ قد سقطوا في التبخير للدبابات والحيوانات فإن النساء سقطن في الاشتراك في عبادة تموز. الشيوخ يرمزون لسقوط النفس البشرية وانحرافها نحو الماديات والشهوات الجسدية، أما النساء فيرمزن للجسد الذي يخور بسبب الشر.


العدد 16- 18:
4. عبادة الشمس :

أما ما هو أخطر من سقوط الشيوخ والنساء فهو سقوط الكهنة أنفسهم. فقد رأى حزقيال النبي خمسة وعشرين رجلاً يقفون بين الرواق والهيكل يعطون ظهورهم للهيكل ويتجهون نحو الشمس يتعبدون لها. لعل هؤلاء الرجال هم رئيس الكهنة والأربعة وعشرون كاهنًا رؤساء الأربعة وعشرون فرقة كهنوتية يهودية. لم يقف الضعف عند الشعب من رجال ونساء وإنما أمتد إلى الكهنة، الذين كان ينبغي أن يكونوا شُفعاء عن الشعب لدى الله، أعطوا ظهورهم له فصاروا حاجزًا وعائقًا عن معرفة الله والالتقاء معه. لقد انحرفت القيادة الروحية على أعلى مستوى!!!

هذا إذن ما أثار غضب الله على اليهود: أقاموا تمثال الغيرة عوض العبادة لله الحي، وانحرف الشعب مع الكهنة على أعلى مستوياتهم، وفسدت الروح مع الجسد، لهذا يقول: "قد ملأوا الأرض ظلمًا". وعوض التوبة "يعودون لإغاظتي وها هم يقربون الغصن إلى أنفهم". أما اقتراب الغصن إلى الأنف فيرى البعض أنه جزء من بعض العبادات الشرقية حيث كان الكهنة يمسكون الأغصان في أيديهم أمام وجوههم بالقرب من أنفهم، ويرى آخرون أنه مثل دارج كان يشير إلى إغاظة الآخرين.
أسفار الكتاب المقدس
أعلى