شبكة الكنيسة
  الكتاب المقدس
  تفسير الكتاب المقدس
  منتدى الكنيسة
   الرد على الشبهات
  اسئلة و اجوبة
  المكتبة المسيحية
  الأختبارات
  الترانيم
  المرئيات
  مواقع صديقة
  من نحن
  أتصل بنا
  

تفسير سفر التكوين


محتويات الكتاب

 

تقديم .......................................................................................

 

مقدمة في أسفار موسى الخمسة .....................................................

 

وحدة الأسفار الخمسة، موسى والأسفار الخمسة، محتويات الأسفار الخمسة

مقدمة في سفر التكوين ................................................................

 

أسم السفر، غايته وسماته، النبوات في سفر التكوين، المرموز في سفر التكوين، سفر التكوين والكتاب المقدس، أقسامه.

الباب الأول: التاريخ البدائي.

 

الأصحاح الأول: خلقة العالم ...........................................................

 

مقدمة، الله الخالق، روح الله والمياه، اليوم الأول: انطلاق النور، اليوم الثاني: الجلد، اليوم الثالث: إنبات الأرض، اليوم الرابع: الأنوار، اليوم الخامس: الزحافات والطيور، اليوم السادس: الحيوان والإنسان.

الأصحاح الثاني: آدم في الفردوس ..................................................

 

تقديس السبت، آدم في الفردوس، وصية الله لآدم، خلق حواء.

 

الأصحاح الثالث: سقوط الإنسان .....................................................

 

الحية المخادعة، انفتاح أعينهما، اهتمام الله بالإنسان، لعنة الحية، الوعد بالخلاص، تأديب الإنسان، القميص الجلدي، طرد الإنسان.

الأصحاح الرابع: هابيل وقايين .......................................................

 

قبول تقدمة هابيل، قتل هابيل، أولاد قايين، ميلاد شيث.

 

الأصحاح الخامس: الموت .............................................................

 

مواليد آدم (وموتهم)، اخنوخ البار، متوشالح، نوح.

 

الأصحاح السادس: فلك نوح ..........................................................

 

مقدمة عن الفلك والطوفان، أبناء الله وبنات الناس، نوح البار فساد الأرض، فلك نوح.

الأصحاح السابع: الطوفان .............................................................

 

اهتمام الله بنوح، دخول الفلك، حدوث الطوفان، تعاظم المياه على الأرض.

الأصحاح الثامن: خلاص نوح بالفلك ................................................

 

أجتاز ريح على الأرض، إرسال غراب وحمامة، كشف الغطاء عن الفلك، خروج نوح إلى الأرض الجديدة، إقامة مذبح للرب.

الأصحاح التاسع: تجديد العهد ........................................................

 

الله يبارك نوحًا وبنيه، ناموس نوح، تجديد العهد، نوح وعريه، نبوة نوح عن كنعان وسام ويافث.

الأصحاح العاشر: تعمير الأرض الجديدة ............................................

 

بنو يافث، بنو حام، بنو سام.

 

الأصحاح الحادي عشر: برج بابل ....................................................

 

برج بابل، مواليد سام، أبرام ولوط.

 

الباب الثاني: البطاركة الأولون.

 

عصر البطاركة ..........................................................................

 

معاملات الله مع إبراهيم ...............................................................

 

حياته قبل بلوغ كنعان، حياته غير المستقرة في كنعان، أقامته في بلوطات ممرا، أقامته في أرض الجنوب، في حبرون، ربما في أرض الجنوب.

الأصحاح الثاني عشر: دعوة إبرام ..................................................

 

دعوة أبرام، أبرام بركة للأمم، أبرام العملي في إيمانه، أبرام في مصر، ساراي وفرعون.

الأصحاح الثالث عشر: إعتزال إبرام لوطًا

 

صعوده من مصر، اعتزاله عن لوط، اختيار لوط سدوم، الرب يبارك أبرام.

الأصحاح الرابع عشر: موقعة كدرلعومر ............................................

 

سبى لوط وعائلته، أبرام ينقذ لوطًا، لقاء مع ملكي صادق، أبرام يرفض المكافأة البشرية.

الأصحاح الخامس عشر: الميثاق الإلهي ............................................

 

ظهور الرب له، الوعد بالبركة، الحيوانات المشقوقة والطيور، الرب يقطع معه عهدًا.

الأصحاح السادس عشر: أبرام وهاجر ..............................................

 

ساراي تسلم هاجر لرجلها، هروب هاجر من وجه ساراي، عودة هاجر إلى ساراي، ميلاد إسمعيل.

الأصحاح السابع عشر: عهد الختان .................................................

 

وعد الله لأبرام، علامة الختان، تمتع سارة بالبركة، بين إسحق واسمعيل، تحقيق الختان.

الأصحاح الثامن عشر: الوليمة الفريدة .............................................

 

عند بلوطات ممرا، إبراهيم السخي وأعداد الوليمة، تمتع سارة بالثمر، حوار مع الله.

الأصحاح التاسع عشر: حرق سدوم .................................................

 

استضافة الملاكين، هياج الشعب على الملاكين، إنقاذ لوط وعائلته، هلاك سدوم وعمورة، هلاك امرأة لوط، تطلع إبراهيم إلى سدوم وعمورة، خطأ ابنتي لوط مع أبيهما.

الأصحاح العشرون: ساراي وأبيمالك ................................................

 

أبيمالك وسارة، أبيمالك يستدعي إبراهيم، أبيمالك يكرم إبراهيم.

 

الأصحاح الحادي والعشرون: ميلاد إسحق .........................................

 

ولادة إسحق، ختان إسحق، فطام إسحق، ابن الميراث وابن الجسد، هاجر وبئر الماء، ميثاق إبراهيم وأبيمالك.

الأصحاح الثاني والعشرون: ذبح إسحق ............................................

 

امتحان الله لإبراهيم، إسحق في الطريق، إقامة المذبح وتقديم الذبيحة، تجديد الوعد الألهي، أولاد ناحور.

الأصحاح الثالث والعشرون: موت سارة ............................................

 

موت سارة، شراء مغارة المكفيلة.

 

الأصحاح الرابع والعشرون: زواج إسحق ..........................................

 

إرسالية كبير بيت إبراهيم، في مدينة ناحور، لقاء مع رفقة، في بيت رفقة، نجاح مهمة كبير بيت إبراهيم، رفقة زوجة إسحق.

الأصحاح الخامس والعشرون: عبور إبراهيم ......................................

 

زواج إبراهيم بقطورة، إبراهيم يُسلم الروح، مواليد إسماعيل، ميلاد عيسو ويعقوب، يعقوب يشتري البكورية.

معاملات الله مع إسحق ................................................................

 

اسحق ابن الموعد، كسرّ فرح لوالديه، إسحق ابن الطاعة، محرقة حب لله، الله يختار رفقة لإسحق زوجة مقدسة تعزيه، إسحق ينجب عيسو ويعقوب (أمتان)، تغرب إسحق في جرار ونبشه آبار الماء، يعقوب يغتصب بركة أبيه إسحق.

الأصحاح السادس والعشرون: تغرب إسحق في جرار ............................

 

وعد الله أثناء المجاعة، دعوته رفقة أختًا له، حسد الفلسطينيين له، قطع عهد مع أبيمالك، زواج عيسو من الحيثيين.

الأصحاح السابع والعشرون: إسحق يبارك يعقوب ................................

 

إسحق يستدعى عيسو، رفقة تسند يعقوب، يعقوب يتمتع ببركة أبيه، عيسو يُحرم من البركة، عيسو يحقد على أخيه.

معاملات الله مع يعقوب ................................................................

 

يعقوب المصارع في أحشاء أمه، يعقوب يغتصب بركة أبيه، يعقوب ينعم بالسماء المفتوحة، يعقوب المجاهد عند خاله، الله يسنده ضد خاله، يعقوب يصارع الملاك، يعقوب يغلب بالحب عيسو، اعتداء شكيم على دينة ابنة يعقوب، ارتحال يعقوب إلى بيت إيل، يعقوب وابنه المحبوب يوسف.

الأصحاح الثامن والعشرون: يعقوب والسماء المفتوحة ..........................

 

وصية إسحق ليعقوب، عيسو يتزوج ابنة إسماعيل، السلم السماوي، يعقوب وبيت الله.

الأصحاح التاسع والعشرون: زواج يعقوب بليئة وراحيل ........................

 

لقاء مع راحيل، يعقوب يخدم خاله، زواجه بليئة وراحيل، أولاد ليئة.

 

الأصحاح الثلاثون: صراع في حياة يعقوب .........................................

 

صراع بين ليئة وراحيل، يعقوب يطلب أجرته.

 

الأصحاح الحادي والثلاثون: العودة إلى كنعان .....................................

 

هروب يعقوب، لابان يسعى وراء الموكب، لابان يطلب ما له فينا، قطع العهد انصراف الفريقين.

الأصحاح الثاني والثلاثون: الاستعداد لملاقاة عيسو ..............................

 

يعقوب مع ملائكة الله، يعقوب يبعث رسلاً لأخيه، يعقوب يلجأ لله إله أبيه، يعقوب يرسل هدية لأخيه، يعقوب يصارع مع الله.

الأصحاح الثالث والثلاثون: لقاء يعقوب مع عيسو ................................

 

لقاء الأخوين، يعقوب في سكوت وشكيم.

 

الأصحاح الرابع والثلاثون: دينة وأهل شكيم .......................................

 

اعتداء شكيم على دينة، حمور يطلب دينة لابنه، إجابة بني يعقوب بمكر.

 

الأصحاح الخامس والثلاثون: ارتحال يعقوب إلى بيت إيل .......................

 

ارتحال يعقوب إلى بيت إيل، ولادة بنيامين وموت راحيل، خطية رأوبين، موت إسحق.

الأصحاح السادس والثلاثون: نسل عيسو ..........................................

 

نساء عيسو، مواليد عيسو في كنعان، ارتحال عيسو إلى سعير، مواليد عيسو في سعير، أمراء بني عيسو، أمراء سعير، ملوك أدوم، قائمة أخرى بأمراء عيسو

معاملات الله مع يوسف ................................................................

 

يوسف الابن والعبد، يوسف وامرأة فوطيفار، يوسف السجين، يوسف الممجد، لقاء يوسف مع إخوته، اللقاء الثاني مع يوسف، استدعاء اخوة يوسف، يوسف يعلن ذاته، يعقوب يبارك يوسف وابنيه.

الأصحاح السابع والثلاثون: يوسف الابن والعبد ...................................

 

يوسف في بيت أبيه، صاحب الأحلام، إرسالية محبته، المفترى عليه، غمس قميصه بالدم، يوسف العبد.

الأصحاح الثامن والثلاثون: يهوذا وثامار ...........................................

 

أولاد يهوذا، عير وثامار، يهوذا وثامار، ولادة فارص وزارح

 

الأصحاح التاسع والثلاثون: يوسف وامرأة فوطيفار ..............................

 

يوسف في بيت فوطيفار، يوسف وامرأة سيده، يوسف والثوب، ويوسف في السجن.

الأصحاح الأربعون: يوسف في السجن ..............................................

 

الخصيان في السجن، حلما الخصيين، تحقق الحلمين.

 

الأصحاح الحادي والأربعون: يوسف الممجد .......................................

 

حلما فرعون، إحضار يوسف، الحلمان وتفسيرهما مشورة يوسف، يوسف وختم فرعون، يوسف وتخزين القمح، ابنا يوسف، يوسف يشبع مصر.

الأصحاح الثاني والأربعون: إخوة يوسف في مصر ...............................

 

يعقوب يُرسل أولاده إلى مصر، المثول بين يديّ يوسف، العودة إلى كنعان.

 

الأصحاح الثالث والأربعون: اللقاء الثاني مع يوسف .............................

 

الحاجة إلى طعام، لقاء في بيت يوسف.

 

الأصحاح الرابع والأربعون: طاس يوسف الفضي .................................

 

وضع الطاس في عدل بنيامين، يهوذا يفد أخاه الأصغر.

 

الأصحاح الخامس والأربعون: يوسف يعلن ذاته ...................................

 

يوسف يعلن ذاته، دعوتهم لدخول مصر، إسرائيل يسمع عن يوسف.

 

الأصحاح السادس والأربعون: نزول يعقوب إلى مصر ............................

 

أمر الله بالنزول، النفوس التي رحلت معه، لقاء إسرائيل مع يوسف.

 

الأصحاح السابع والأربعون: لقاء يعقوب مع فرعون .............................

 

لقاء خمسة إخوة ليوسف بفرعون، لقاء يعقوب بفرعون، بنو يعقوب في رعمسيس، استعباد المصريين لفرعون، وصية يعقوب ليوسف.

الأصحاح الثامن والأربعون: يعقوب يبارك أفرايم ومنسي ........................

 

مرض يعقوب، يعقوب يبارك يوسف، يعقوب يبارك أفرايم ومنسي، امتياز يوسف.

الأصحاح التاسع والأربعون: يعقوب يبارك أولاده .................................

 

يعقوب يدعو أولاده، رأوبين، شمعون ولاوي، يهوذا، زبولون، يساكرن، دان، جاد، أشير، نفتالي، يوسف، بنيامين، الوصية الوداعية.

الأصحاح الخمسون: دفن يعقوب .....................................................

 

تحنيط يعقوب، دفن يعقوب في كنعان، يوسف يطيب قلب إخوته، يوسف يوصي بعظامه.

 

 

 

 

من تفسير وتأملات

   الآباء الأولين

 

 

 

 

 

 

 

التكوين

1983

 

 

 

 

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: سفر تكوين.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة: الأولى 1983.

الناشر: كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج.

المطبعة: الأنبا رويس (الأوفست)، بالعباسية القاهرة.

رقم الإيداع: 5717 / 1983م.


 

 

 

كلمة الله هي الغذاء الذي يقدمه الروح القدس لكنيسة المسيح لتعيش علي الدوام متجددة في شبابها الروحي، لا تعرف شيخوخة العجز أو الفناء. وقد سمح لي إلهي الصالح في السنوات الأخيرة أن أتمتع بدراسة كلمة الله كما اختبرها آباء الكنيسة الأولي، بكونها روحًا وحياة، وبدأت أسجل بعض التأملات والتفاسير التي عاشها هؤلاء الآباء لكي نعيش نحن أيضًا بروح الكنيسة الأولي وفكرها، متمتعين بالروح القدس بكلمة الله الحية الفعّالة فينا، حتى ترفعنا إلى عريسنا (الكلمة الإلهي) القادم علي السحاب ليهبنا شركة أمجاده ويدخل بنا إلى حضن أبيه، لنوجد معه أبديًا في سماواته.

إن كنت لم التزم في التفسير بترتيب الأسفار كما وردت في الكتاب المقدس، فإنني لم أهدف إلى مجرد إخراج سلسلة متكاملة للتفسير إنما أبغي الدخول مع كل نفس إلى حجال الكلمة والتمتع به كعريس أبدي يملأ القلب والفكر وكل الأعماق الداخلية.

القمص تادرس يعقوب ملطي


 

فصل تمهيدي:

 

 

مقدمة في أسفار موسى الخمسة[1]

 

 

 

1. وحدة الأسفار الخمسة.

2. موسى والأسفار الخمسة.

3. محتويات الأسفار الخمسة.

 


 

١

وحدة الأسفار الخمسة

تسميتها :

تسمي الأسفار الخمسة الأولي من العهد القديم في اليونانية Pentateuch، تعني "الأسفار الخمسة"، وقد استخدم هذا الاسم في المسيحية منذ عصر مبكر. حاول بعض الدارسين أن يربطوا بين الأسفار الأربعة الأولي في وحدة واحدة معًا تحت اسم Tetrateuch إذ نظروا إلى سفر التثنية بكونه أشبه بمقدمة لتاريخ إسرائيل منذ بدء دخوله إلى الموعد (سفر يشوع)، بينما حاول البعض ضم سفر يشوع إلى الأسفار الخمسة لتكوين وحدة واحدة بين الأسفار الستة الأولي تحت اسم Hexateuch، وأحيانًا حاول البعض ضم الثمانية أسفار الأولي باسم Octateuch لتشمل التاريخ حتى بدء عهد الملوك، لكن لا يزال الفكر التقليدي الأصيل يسود علي الباحثين في الربط بين الأسفار الخمسة الأولي كأساس تاريخي عليه قام شعب الله.

هذه الوحدة عرفها اليهود أيضًا، فالكتاب المقدس في العبرية ينقسم إلى ثلاث وحدات حسب واضعيها:

أولاً- الناموس أو التوراة: يحوي أسفار موسى الخمسة.

ثانيًا- الأنبياء: ينقسمون إلى أنبياء أولين وإلى أنبياء متأخرين. القسم الأول يضم يشوع والقضاة حتى الملوك، أما القسم الثاني فيشمل إشعياء وإرميا وحزقيال والاثنى عشر نبيًا الصغار.

ثالثًا- الكتوهيم وينقسم بدوره إلى ثلاثة أقسام: كتب شعرية مثل المزامير والأمثال وأيوب، وكتب ميحيلوت مثل النشيد وراعوث والمراثي والجامعة وأستير، وكتب تاريخية غير نبوية مثل دانيال وعزرا ونحميا وأخبار الأيام.

بهذا تظهر أسفار موسى الخمسة كوحدة تسمي "الناموس" وإن كانت قد حملت أسماء أخري مختلفة وردت في العهدين، منها:

     التوراة أو الشريعة أو الناموس (يش 1: 7، مت 5: 17؛ 12: 5).

     سفر الشريعة أو كتاب الناموس (يش 1: 8، غلا 2: 10).

     سفر توراة موسى (يش 8: 31).

     سفر شريعة الله ( يش 24: 26).

     كتاب موسى (2 أي 25: 4؛ مر 12: 26)

     ناموس (شريعة) الرب (2 أي 31: 3؛ لو 2: 23).

     شريعة موسى (1 مل 2: 3، عز 7: 6، لو 2: 22).

وحدة تاريخية :

تمثل هذه الأسفار وحدة تاريخية مترابطة معًا، تبدأ بخلق العالم من أجل الإنسان ثم خلق الإنسان نفسه، وإذ سقط الإنسان هيأ له الخلاص فاختار الله الآباء الأولين إبراهيم وإسحق ويعقوب، وفي مصر بدأت البذرة الأولي للشعب الذي هيأه الله ليتحقق خلاله خلال البشرية كلها، ثم أقيم موسى كأول قائد لهذا الشعب، أخرجه من عبودية فرعون وخلاله تمتعوا بالعهد عند جبل سيناء، وأخيرًا وقف بهم عند الشاطئ الشرقي للأردن ليسلمهم في يد قائد جديد هو يشوع، وكأنه بالناموس يسلمنا ليسوع قائد الحياة وواهب الميراث. هكذا تحقق هذه الأسفار حقبة هامة متكاملة في حياة البشرية من جهة علاقتها بالله، وتمثل دورًا هامًا يعيشه الإنسان، فيه يلمس رعاية الله له واهتمامه بخلاصه.

هذا ومما يجدر ملاحظته أن التاريخ في هذه الأسفار يمتزج بالإيمان، فلا انفصال بين الأحداث التاريخية والعقيدة الإيمانية.

بين التاريخ والإيمان في اليهودية والمسيحية :

في جميع الأمم القديمة ارتبط التاريخ بالدين، فكان الدين يمثل دورًا رئيسيًا في كل جوانب حياتهم اليومية والأسرية والاقتصادية وتحركاتهم السياسية، لكن مع هذا فالتاريخ وهو متأثر بالعقيدة لا يمثل جزءًا منها، أما بالنسبة لليهود فلا انفصال بين التاريخ والإيمان؛ فالتاريخ ليس فقط متأثرًا بالعقيدة وإنما يمثل جزءًا لا يتجزأ من عقيدتهم. بمعنى آخر ترتبط النظرة اللاهوتية للتاريخ بالنظرة اللاهوتية للعقيدة. تاريخ هذا الشعب يمثل جزءًا لا يتجزأ من كلمه الله، ويمثل تدبيرًا إلهيًا فائقًا لأجل خلاص البشرية كلها. بدأ التاريخ بخلق الإنسان حيث يظهر كسفير الله على الأرض يحمل سلطانًا وسيادة على كل ما على الأرض وما تحتها وما في أعماق البحار وما في الجو وحتى الفضاء، ليس له سيد من كل الخليقة بل هو سيد الخليقة الأرضية. وجاء التاريخ يعلن اختيار الله للآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب... وفي كل تصرف وكل عمل ورد في تاريخهم يعلن الله ذاته لنا، بل وفي مفهومنا المسيحي تحمل حياتهم رموزًا متعددة عن مجيء السيد المسيح كمخلص وعمله الخلاصي.

ونحن كمسيحيين لا نرى في هذا التاريخ ماضيًا قد زال، إنما نرى فيه تهيئة إلهية لتدبير خلاصنا، ورموزًا بلا حصر لعمل الله معنا حتى هذا اليوم إنه ليس بالتاريخ في مفهومه العلمي العام، لكنه يقدم لنا سر علاقتنا مع الله وإدراكنا أسراره والتعرف على حكمته السماوية من نحونا. إنه تاريخ حاضر يحمل قوة الحياة خلال لقائنا بالسيد المسيح الذي أعلنه هذا التاريخ وهيأ لمجيئه!

سرّ الوحدة بين الأسفار الخمسة :

يرى[2] R. de Vaux وجود أربعة خيوط ذهبية تربط هذه الأسفار الخمسة معًا في وحدة متكاملة؛ هذه الخيوط هي: الوعد، الاختيار، العهود، الشريعة.

1. الوعد الإلهي: عصب هذه الأسفار تأكيد وعد الله للإنسان الذي أُبرز بصورة خاصة مع إبراهيم فصار أبًا للمؤمنين. فيه نرى الوعد إلهي لخلاص آدم وبنيه متجسمًا، وقد تجدد هذا الوعد خلال الأجيال المتعاقبة. حقًا إن شعب إسرائيل في بداية  انطلاقه لم يكن يحمل ثقافة حضارية ذات شأن إذا ما قورنوا بالشعوب المحيطة بهم مثل الفراعنة والبابليين، ولكنهم تمتعوا بنوال الوعد الإلهي عن طريق آبائهم البطاركة المتجولين وخلال هذا الوعد قام وجود الشعب الإسرائيلي.

2. الاختيار: ظهر الوعد الإلهي متجليًا في الاختيار، فلا فضل لآدم في اختياره كإنسان يحمل السيادة على الأرض كلها، ولا فضل للآباء البطاركة في اختيارهم كرجال الله، ولا للشعب في اختياره كأمُة مقدسة، إنما هي محبة الله الفائقة وتدبير حكمته (تث 7: 6) العاملة. إذن لله فضل الاختيار بلا تحيز ولا مجاملة على حساب الحياة المقدسة.

3. العهود: كانت العهود أساسية في المجتمعات الشرقية، كالعهد الذي أُقيم بين إبراهيم وأبيمالك (تك 21: 23)، وبين يعقوب وحميه (تك 31: 44)، وبين داود ويوناثان (1 صم 23: 28). وفي الأسفار الخمسة الأولى يبرز الوحي الإلهي تقدير الله للإنسان، فيرفع من شأنه ليقيم معه عهدًا بل ويدخل معه في عهود متتالية. دخل مع آدم في عهد غير معلن بطريقة مباشرة إن كان آدم في الفردوس قد أدرك محبة الله له فيرد له الحب بالحب. لكنه عصى الله فشوّه صورة العهد، لذلك أقام الله العهد من جديد مع نوح بعد تجديد الأرض خلال مياه المعمودية وسجل علامته في الطبيعة خلال قوس قزح (تك 9). وإذ لم يدرك إنسان مفاهيم هذا العهد أُعطى للعهد علامة في جسد كل ذكر، أي الختان؛ وأخيرًا عند جبل سيناء أقام الله عهده مع شعبه (خر 19). الذي ختمه بدم الذبائح الحيوانية إشارة إلى العهد الذي يسجله الآب على الصليب بدم ابنه الحبيب! هذا هو خيط الحب الذي ربط الأسفار الخمسة معًا ليدخل بنا إلى العهد الجديد.

4. ارتبط العهد بالشريعة: ففي سيناء التحمت الشريعة بقوانين أو شرائع العبادة ودون انفصال بين الوصية والعبادة، أو بين الشرائع والذبائح...

أسفار موسى الخمسة وسفر المزامير :

إذ تنقسم الشريعة إلى خمسة أسفار، يحمل سفر المزامير ذات التقسيم، كل قسم منها ينتهي ببركة:

الكتاب الأول: مز 1 - 41.           الكتاب الثاني: مز 42 - 72.

الكتاب الثالث: مز 73 – 89.         الكتاب الرابع: مز 90 – 106.

الكتاب الخامس: مز 107 - 150 (+ المزمور 151 في الترجمة السبيعنية).


 

٢

موسى والأسفار

موسى كاتب الأسفار :

حوالي عام 1167م استلفت  نظر ابن عزرا Ibn Ezra كلمات الوحي: "وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض" (تك 12: 6). كأن الكاتب يتحدث بعد ترك الكنعانيين للأرض، الأمر الذي لم يتحقق في أيام موسى النبي، مما جعله ينادي بأن واضع هذه الأسفار آخر غير موسى. وجاءت القرون من السابع عشر حتى العشرين مشحونة بالدراسات النقدية المتطورة للبحث عن مدى علاقة موسى النبي بهذه الأسفار، إن كان هو خلال التقليد الشفوي أو الكتابي الذي تسلمه، أو لعله سجل ملاحظات على الشرائع التي تسلمها وأن شخصًا آخر اعتمد على مذكراته ليضع هذه الأسفار. وأيضًا إن كان هناك مصدر آخر غير ما سلمه موسى شفاهة أو كتابة لكتابة هذه الأسفار... الأمور التي لا أود الإطالة فيها. خاصة وقد ظهر اتجاه جديد مع بدء القرن العشرين بين الدارسين والنقاد يعود إلى تأكيد الفكر  التقليدي التاريخي أن واضع هذه الأسفار هو موسى النبي، لكننا قد فضلنا قبل استعراض تطور هذه  الدراسات أن نسجل الدلائل والشهادات على أن موسى هو واضع هذه الأسفار بوحي روح الله القدوس.

أولاً- شهادة العهد القديم :

يستطيع الدارس لأسفار موسى الخمسة أن يدرك وجود ثلاثة أجسام للناموس لابد أن يكون موسى النبي نفسه هو الذي سجلها، وهي:

أ. كتاب العهد (خر 20: 22 – خر 23)، والوصايا العشر التي تمثل حجر الزاوية في الشريعة (خر 20: 1-17؛ 24: 1-12؛ 31: 12-18؛ 34: 17-28). وجاء في سفر الخروج: "فكتب موسى جميع أقوال الرب" (خر24: 4).

ب. الشرائع الخاصة بخيمة الاجتماع والخدمة (خر25-31؛ 35-40)، وقد أكد السفر نفسه أن الرب أعلن هذه الشرائع بكل تفاصيلها المذكورة لموسى النبي (خر 25: 1).

ج. أُفتتح سفر التثنية بخطاب لموسى النبي وجهه للجيل الجديد قبل دخولهم أرض كنعان، يحوى مختصرًا تاريخيًا للطريق الذي قادهم الله فيه، مكررًا فيه أجزاء من الناموس. وجاء في هذا السفر: "كتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بنى لاوي حاملي تابوت عهد الرب ولجميع شيوخ إسرائيل" (تث 31: 9، 24-26).

إن كانت الأسفار الخمسة تشهد أن موسى النبي هو كاتب هذه الأجسام الثلاثة الرئيسية للناموس، فإن العهد القديم ككل يشهد أن موسى هو واضع هذه الأسفار، نذكر بعض العبارات الواردة فيه:

"وقام يشوع بن يوصادق وأخوته الكهنة... وبنوا مذبح إله إسرائيل ليصعدوا علية محرقات كما هو مكتوب في شريعة موسى رجل الله" (عز 3: 2).

"وأقاموا الكهنة في فرقهم واللاويين في أقسامهم على خدمة الله التي في أورشليم كما هو مكتوب في سفر موسى" (عز 6: 18).

"اجتمع كل الشعب كرجل واحد... وقالوا لعزرا الكاتب أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب إسرائيل" (نح 8: 1).

"في ذلك اليوم قرىء في سفر موسى في آذان الشعب" (نح 13: 1).

"كما كتب في شريعة موسى قد جاء علينا كل هذا الشر" (دا 9: 13).

يختتم العهد القديم بالعبارة التالية: "اذكروا شريعة موسى التي أمرته بها في حوريب على إسرائيل الفرائض والأحكام" (ملا 4: 4).

ثانيًا- شهادة العهد الجديد :

أ. أقتبس السيد المسيح من الأسفار الخمسة عبارات نسبها لموسى النبي، من ذلك ما جاء في الإنجيل: "فقال لهم يسوع: انظر لا تَقُـل لأحد، بل اذهب أرِ نفسك للكاهن وقدّم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم" (مت 8: 4، راجع لا 14: 4، 10). قارن أيضًا (مت 19: 8، مر 10: 5 مع تث 24: 1؛ مر 7: 10 مع خر 20: 12؛ 21: 17؛ مر 12: 26، لو 20: 37 مع خر 3: 6).

ب. في حديث السيد المسيح عن الناموس نسبه لموسى النبي، وكان هذا هو رأى اليهود في عهده[3]. فلو أن السيد المسيح يعلم أنهم مخطئون لصحح مفاهيمهم، أو على الأقل حين يقتطف منه لا ينسبه لموسى. فيكون السيد المسيح هو الحق (يو 14: 6)، الذي جاء ليشهد للحق (يو 8: 37)، فإنه لا يقبل الخطأ ويصدق عليه.

ج. شهادة رجال العهد الجديد: فقد اعتبروا القراءة في الناموس هي قراءة في موسى (أع 15: 21؛ 2 كو 3: 15، راجع أيضًا رو 10: 5، 19؛ 1 كو 9: 19).

ثالثًا: نحن نؤمن أن الوحي الإلهي يقدس الفكر الإنساني والثقافة البشرية، فهو لا يملي على واضع السفر كلمات معينة بحرفيتها، إنما يلهب قلبه بالكتابة ويتكلم فيه وبه ويحوط به حتى لا يخطئ، تاركًا إياه  يكتب خلال ثقافته الخاصة، فيكتب الإنسان البسيط كعاموس النبي بلغة البساطة، ويكتب الرسول بولس بفكر فلسفي روحي... وهنا إذ يستخدم روح الله موسى النبي نلحظ في أسلوبه ما يشير إلى موسى كرجل تربى في مصر وتعلم حكمة المصريين. فالكاتب يظهر كشخص له إلمام دقيق بمصر، الأمر الذي لا يتحقق مع آخر غير موسى ممن عاشوا في كنعان بعد الخروج بقرون. هذا ما لاحظه كثير من الدارسين في تفصيل، نوجزه في النقاط التالية:

1. جاءت الأسفار الخمسة تضم الكثير من الكلمات المصرية، من ذلك الاسم الذي أعطاه فرعون ليوسف: "صفنات فعنيح" (تك 41: 45) وهو اسم مصري يناسب يوسف الذي خلص مصر من المجاعة، معناه (الله يتكلم وهو يعيش[4]) (أو المولود حديثًا يعيش[5]) ، وذكر اسم زوجة يوسف "أسنات" (تك 41: 45)، وهو اسم مصري يعني (تنتمي للإلهة نيث Neith[6]). وذكر اسم مدينة هليوبوليس حيث كانت مركز عبادة إله الشمس باسمها المصري القديم "أون" (تك 41: 45، 50؛ 46: 20). وذكر أيضًا الاسم المصري لمدينة رعمسيس (تك 47: 11؛ خر 1: 11؛ 12: 37؛ عد 33: 3، 5)، وأيضًا فيثومPi-Tum  الاسم الذي أشير إليه في آثار الأسرة الـ 19، الأمر الذي يتفق تمامًا مع الخروج. ولقب كأس يوسف الذي أمر بوضعه في فم عدل بنيامين بالاسم المصري للكأس الإلهي "طاسى"، التعبير الذي لم يُستخدم في غير الأسفار الخمسة إلاَّ في (إر 35: 5)، وقد وُجد إرميا في مصر. وهناك كلمات أخرى كثيرة مصرية، أو مصرية عبرانية أي حملت مسحة عبرانية.

2. بجانب الكلمات المصرية سجلت لنا هذه الأسفار بعض العادات المصرية الدقيقة التي لا يعرفها إلا من عاش في مصر في ذلك الحين، منها عادة زواج الخصيان التي لم يُشر إليها في كل العهد القديم سوى في (تك 37: 36؛ 39: 1). ربما كلمة "خصي" هنا تشير إلى صاحب وظيفة كبرى لدى فرعون (تك 40: 20)، وهي عادة لم تعرف في إسرائيل، وإنما حدثت مرة واحدة في زمن متأخر مع هيرودس الملك (مت 14: 6؛ مر 6: 21). كذلك عادة تقديم الخاتم ووضع طوق ذهب في عنق من يوّد تكريمه بالسلطة (تك 41: 42) لم تعرف في إسرائيل، إنما وجدت في مصر وفارس وبابل (إش 3: 10، 12؛ 8، 10؛ دا 5: 29). أيضًا عزل إخوة يوسف عن يوسف والمصريين على المائدة (تك 43: 32) مع تقديم عبارة توضيحية أن المصريين لا يأكلون خبزًا مع العبرانيين إذ هو رجس عند المصريين. كذلك تقديم ملاحظة أن كل راعي غنم هو رجس عند المصريين (تك 46: 34). هذا وقد أوضح الكاتب أنه على دراية بأرض الكهنة في مصر (تك 47: 22).

3. من الناحية الجغرافية يعرف الكاتب سمات شاطئ نهر النيل كما يعرف رمل البرية (خر 2: 12)، والبردي المصري (خر 2: 3)، وموقع رعمسيس وسكوت (خر 2: 37) وإيثام (خر 13: 20) وفم الحيروث (خر 14: 2). ويظهر إدراكه لجغرافيتها من قوله: "قد استغلق عليهم القفر" (خر 24: 3).

رابعًا: يرى كثير من الدارسين أن القوانين الخاصة باللآويين (خر20-23؛ 25-31؛ 35-40 ؛ عد 5؛ 6؛ 8-10 ؛ 15-19) والواردة في سفر اللآويين... تحمل علامات تشير إلى أنها وضعت في أيام موسى وليس في عصر متأخر عنه. ومن الدلائل التي قدمها Rawlinson على ذلك هي[7]:

1. يرى[8] Prof. Main أن هذه الشرائع بدائية تناسب عصر موسى إذ جاءت مزيجًا بين شرائع دينية وأخرى مدنية وسلوكية واقتصادية.

2. امتزجت الشرائع بالجنب التاريخي القصصي مما يدل على أنها كُتبت أثناء التجول في البرية.

3. جاءت بعض هذه الشرائع تناسب الرّحل ساكني الخيام.

4. يلاحظ في هذه الشرائع تجنب الحديث عن الشمس بطريقة مكرمة كما في العبادة (مز 19: 4)، مما يدل على أن الكاتب خشي عليهم لئلا يسقطوا في عبادة الشمس مثل المصريين...

خامسًا: يرى بعض الدارسين أن سفر التثنية يحمل في داخله شهادة على أنه موضوع في موسى النبي وليس كما ادعى البعض أنه في عهد يوشيا الملك أو منسى، من ذلك طريقة معالجته لطرد الكنعانيين من مدن البلاد إذ جاءت تناسب أيام موسى لا أيام الملوك (تث 20: 10-20).

تطور الدراسات في أسفار موسى الخمسة :

قلنا أن ابن عزرا في القرن الثاني عشر لاحظ من (تك 12: 6) أن واضع السفر يتحدث عن طرد الكنعانيين كحدث ماضٍ، وكأن الكاتب جاء بعد موسى النبي.

وفي القرن السابع عشر قال Richard Simon (عام 1685) أن الأسفار الخمسة قد استخدمت ملاحظات موسى ومذكراته لكن الواضع أضاف إليها بعض الموارد. ورأى الفيلسوفThomas Hobbes  أن هذه الأسفار مع أسفار الملوك من وضع عزرا الكاتب.

وفيما يلي ملخص سريع لتطور الدراسات الخاصة بالأسفار الخمسة:

1. نظرية المصادر القديمة:   The Old Documents Hypothesis

ملخص هذه النظرية أن موسى النبي استخدم وثائق سابقة، اتسمت كوثيقة بذكر اسم الله بلقب مختلف عن الوثائق الأخرى. فقد لاحظ H.B. Witter  (عام 1711) أن اسم الجلالة في هذه الأسفار تارة يكتب ألوهيم Elohim وأخرى يهوهJehovah  هذا وقد ذُكرت الخليقة مرتين في سفر التكوين (1-3: 24) مما جعله يعتقد بوجود مصدرين سابقين استخدمهما موسى، يمثلان تقليدًا استلمه موسى شفاهة أو كتابة. وقد اتخذ الطبيب الفرنسيJean Astruc  (عام 1753) بنفس النظرية خلال دراسته المستقلة عن Witter، فقال إن موسى استقى معلوماته عن مصدر ألوهيميElohistic  (أي يستخدم كلمة ألوهيم) وآخر يستخدم اسم يهوهYahwistic ، هذا بجانب عشرة مصادر أخرى قدمت مقتطفات صغيرة، فروعها في أربعة أنهر، أخيرًا ظهر سفر التكوين.

أخذ أيضًاJ.G. Eichorn  بنظرية وجود مصدرين سابقين لموسى في كتابه Introl to the O.T.  (1780-1783)، أماK.D. Ilgen  (1798م) فنادى بوجود ثلاثة مصادر سابقة، أحد هذه المصادر استخدم تعبير "يهوه" والمصدران الآخران استخدما تعبير "ألوهيم".

2. نظرية المصادر غير الكاملة:  The Fragment Hypothesis

إن كانت النظرية السابقة قد قامت في جوهرها على وجود مصدرين أو ثلاثة استخدمها موسى النبي في وضع هذه الأسفار، فإن النظرية أو وجهة النظر التي مثلها Vater  (1805م) وHartman  (1831م) تقوم على استخدام مصادر غير كاملة (مجموعة متفرقات) تبلغ حوالي الثلاثين أو أكثر، كل منها مستقل عن الأخرى، لكن هذه النظرية لم تجد استجابة من الدارسين.

3. نظرية التكميل: The Supplementary Hypothesis

تقوم على أساس وجود عدة وثائق لاحقة لموسى النبي، قام واضع هذه الأسفار بتكميلها فيما بينها. أقترح هذه النظريةH.G. Ewald  (1831م)، وتبعة Bleek
(1836م)، ثم تبناها
J.C.F. Tuch  (1938م) في تعليقاته على سفر التكوين، وأيضًا
F. Delitzsch (1852م). اعتقد Ewald  بوجود مصدر ألوهيمي في عصر متأخر عن موسى أضيف إليه أجزاء أقدم منه مثل الوصايا العشر وكتاب العهد. وتلقف آخر هذا الإنتاج ليضيف عليه أجزاء من وثيقةYahwistic  تستخدم تعبير "يهوه". مع أنEwald  هو مؤسس هذه النظرية لكنه وصل بنفسه إلى هدمها، مناديًا في كتابةHistory of Israel  (1843- 1855) بوجود نهرين: ألوهيمي و Yahwistic.

4. نظرية الوثائق الحديثة:

قدمH. Hupfeld  (1853م) اتجاهًا جديدًا في الدراسات الخاصة بالأسفار الخمسة، خلال دراسته لسفر التكوين، جاء فيه أن الوثائق وهي متأخرة عن عصر موسى  ليست مكملة لبعضها البعض لكنها تمثل ثلاثة أنهر قصصية كاملة: ألوهيمية الأصل، وألوهيمية متأخرة، ويهودية، ثم قامت يد رابعة منقحة تربط بين هذه الوثائق معًا.

وفي عام 1805م نادىWette  بوجود وثيقة أخرى خاصة بالتثنية اكتشفت حوالي عام 621 ق.م، وأنها وضعت قبل ذلك بفترة قصيرة. وفي عام 1854 نادى
E. Reuss  بوجود وثيقة رابعة دعاها بالوثيقة الكهنوتية Priestly Document، وقد أعطيت رموز لهذه الوثائق هي:

E   الألوهيمية Elohist                        J   اليهودية       Yahwistic

D    خاصة بالتثنية Deuteronomy              P الكهنوتية Priestly      

قامGraft  بنشر هذه النظرية عام 166، ودافع عنهاA. Kuenen  (1869-1870)، وفيما بعد أعطاهاJ.  Welhausen  (1878م) تعبيرات كلاسيكية في كتابة History Of Israel I، وقد عرفت النظرية باسمGraft. Welhausen  أو Welhausen  وحده، وأُدخلت عليها بعض التعديلات.

5. النقد التقليدي التاريخي: The Tradits - Historical Criticism

مع بداية القرن العشرين ظهر اتجاه قوي بضرورة العودة إلى الفكر التقليدي الأصيل: أن الكاتب هو موسى النبي نفسه، وإن كانت بعض العبارات القليلة قد أضيفت بعده مثل قصة موته.

تأسست هذه النظرية في إسكندنافيه في مدرسةUppsala  يمثلها 1. Engell عام 1945 الذي نادي بأنه من الخطأ التطلع إلى وجود وثائق متوازية معًا عند وضع هذه الأسفار، خاصة أنه لا أثر لهذه الوثائق.

الرد علي اعتراضات النقاد :

إن كانت الدراسات السابق الإشارة إليها تقوم علي أساس عقلي بحت بعيد كل البعد عن الجانب الإيماني وعن مفهوم الوحي الإلهي، فإنني إذ قدمت لها عرضًا سريعًا أقدم حجج المعترضين علي كون موسى هو واضع هذه الأسفار ورد الدارسين عليها.

الاعتراض الأول :

رأينا أن العامل الرئيسي ل