شبكة الكنيسة
  الكتاب المقدس
  تفسير الكتاب المقدس
  منتدى الكنيسة
   الرد على الشبهات
  اسئلة و اجوبة
  المكتبة المسيحية
  الأختبارات
  الترانيم
  المرئيات
  مواقع صديقة
  من نحن
  أتصل بنا
  

تفسير سفر اللاويين


محتويات

صفحة

سفر اللاويين ......................................................................

 

إسم السفر، كاتب السفر، وضعه، سماته، أقسامه.

 

الباب الأول: دليل الذبائح

 

الأصحاحات 1- 7: الذبائح والتقدمات ...................................

 

ترتيب الذبائح وإرتباطها معًا، الذبائح الدموية والتقدمات الطعامية، الذبائح والكهنوت، تنوع الذبائح وغايتها.

 

الأصحاح الأول: ذبيحة المحرقة ............................................

 

مقدمة، محرقة من البقر، محرقة من الغنم، محرقة من الطير.

 

الأصحاح الثاني: تقدمة القربان .............................................

 

تقدمة من الدقيق، تقدمة من المخبوز في التنور، تقدمة من المخبوز على صاج، تقدمة من طاجن، تقدمه من الباكورات من الفريك.

 

الأصحاح الثالث: ذبيحة السلامة ............................................

 

مقدمة في ذبيحة السلامة، ذبيحة سلامة من البقر، ذبيحة سلامة من الماعز.

 

الأصحاح الرابع: ذبيحة الخطية .............................................

 

مقدمة في ذبيحة الخطية، ذبيحة الخطية عن الكاهن الممسوح، ذبيحة الخطية عن الجماعة، ذبيحة الخطية عن رئيس (غير ديني)، ذبيحة الخطية عن أحد العامة.

 

الأصحاح الخامس: ذبيحتا الخطية والإثم .................................

 

أمثلة لخطايا السهو، ذبيحة الخطية والإعتراف، ذبيحة الخطية لغير القادرين، النوع الأول من ذبيحة الإثم.

 

الأصحاح السادس: ذبيحة الإثم وشرائع الذبائح والتقدمات ............

 

النوع الثاني لذبيحة الإثم، شريعة المحرقة، شريعة القربان، شريعة ذبيحة الخطية.

 

الأصحاح السابع: شرائع الذبائح (تكملة) .................................

 

ذبيحة الإثم، ذبيحة السلامة، خاتمة.

 

الباب الثاني: تكريس هرون وبنيه

 

الأصحاحات 8- 10: تكريس هرون وبنيه ............................

 

الأصحاح الثامن: طقس التكريس ...........................................

 

الإعداد لطقس التكريس، الإغتسال، إرتداء الملابس الكهنوتية، المسح بالدهن، التقديس بالذبيحة، التخصيص.

 

الأصحاح التاسع: ممارسة العمل الكهنوتي ...............................

 

بدء العمل في الثامن، الأمر بتقديم الذبائح، تقديم الذبائح والقرابين، مباركة الشعب، ظهور المجد الإلهي، النار الإلهية، هتاف الشعب.

 

الأصحاح العاشر: العمل الكهنوتي والنار الغريبة .......................

 

النار الغريبة، التأديب الفوري، الكاهن والمشاعر الطبيعية، الكاهن وشرب الخمر، الكاهن وأكل الأنصبة.

 

الباب الثالث: دليل شرائع التطهير

 

الأصحاحات 11- 15: دليل شرائع التطهير ..........................

 

الأصحاح الحادي عشر: الأطعمة المحللة والمحرمة ....................

 

الحيوانات المحللة والمحرمة، الحيوانات المائية، الطيور، الزحافات، خاتمة.

 

الأصحاح الثاني عشر: تطهير الوالدة .....................................

 

نجاسة الوالدة، طقس التطهير.

 

الأصحاح الثالث عشر: تطهير برص الجسد وبرص الثياب ...........

 

مرض البرص، من كان بجلده ناتئ أو قوباء أو لمعة، من كان برصه مزمنًا في جلد جسده، من كان جلده دُملة قد برئت، من كان في جلده كيّ نار، من كان فيه ضربة في الرأس أو الذقن، من كان في جلد جسده لمع لمع أبيض، من كان قد فقد شعر رأسه، حكم الأبرص، برص الثياب والمتاع الجلدي.

 


 

 

الأصحاح الرابع عشر: شريعة تطهير الأبرص ..........................

 

طقس تطهير في اليوم الأول، طقس تطهير في اليوم السابع، طقس التطهير في اليوم الثامن، طقس التطهير للفقراء، برص المنازل.

 

الأصحاح الخامس عشر: شريعة ذي السيل ..............................

 

مقدمة في ذي السيل، الحالة المرضية عند الرجل، الحالة الطبيعية للرجل، الحالة الطبيعية للمرأة، الحالة المرضية للمرأة.

 

الباب الرابع: يوم الكفارة العظيم

 

يوم الكفارة العظيم ...............................................................

 

أهميته، غايته، الإستعداد ليوم الكفارة، طقوس يوم الكفارة، السيد المسيح والكفارة.

 

الأصحاح السادس عشر: يوم الكفارة العظيم .............................

 

الدخول إلى قدس الأقداس، ثياب يوم الكفارة، ذبائح عن نفسه وعن الشعب، تقديم البخور، الدم وغطاء التابوت، تقديم التيس الأول، تقديم التيس الثاني، تقديم المحرقات وذبيحة الخطية، الكفارة فريضة دهرية.

 

الباب الخامس: المذبح والذبائح

 

الأصحاح السابع عشر: المذبح والذبائح ..................................

 

المذبح والذبائح، منع أكل الدم، دم الصيد، عدم أكل الميت أو الفريسة.

 

الباب السادس: شرائع التقديس

 

الأصحاحات 18- 22 شرائع التقديس ..................................

 

مقدمة للشرائع، الزيجات المحرمة، الإنحرافات الجسدية، نتائج الإباحية.

 

الأصحاح التاسع عشر: القداسة والمعاملات .............................

 

علاقتنا بالله القدوس، إكرام الوالدين، حفظ السبت ورفض الوثنية، شرائع خاصة بالحصاد، شرائع خاصة بالإخوة، شرائع خاصة بالحيوانات، والزراعة، شريعة السقوط مع جارية، شريعة بكور الأشجار، أحكام عامة.

 

الأصحاح العشرون: الأوثان والزنا .........................................

 

مقدمة في العقوبات الكنسية، عقوبة السلوك الوثني، عقوبة إهانة الوالدين، عقوبة الزنا، تأكيد الإلتزام بالوصية.

 

الأصحاح الحادي والعشرون: شرائع خاصة بقداسة الكهنة ...........

 

الكهنة وحالات الوفاة، الكهنة والزواج، سقوط إبنة كاهن، شرائع خاصة برئيس الكهنة، الكهنة والعيوب الخلقية.

 

الأصحاح الثاني والعشرون: شرائع خاصة بقداسة المقدسات .........

 

الإستعداد لتناول الذبيحة المقدسة، فرز الذين لهم حق تناولها، فرز الذبيحة ذاتها قبل تقديمها، أكل ذبيحة الشكر في ذات اليوم.

 

الباب السابع: الأعياد والنذور

 

الأصحاحات 23- 27: الأعياد والنذور .................................

 

نظام الأعياد والأصوام اليهودية، الأعياد والمحافل المقدسة عند اليهود أيام السيد المسيح.

 

الأصحاح الثالث والعشرون: المحافل المقدسة ...........................

 

السبت، الفصح وعيد الفطر، عيد الباكورة، عيد البنطقستي، عيد الهتاف، عيد الكفارة، عيد المظال.

 

الأصحاح الرابع والعشرون: الفرح الداخلي ..............................

 

المنارة والزيت النقي، المائدة وخبز الوجوه، تجديف إبن شولمية، شرائع مختلفة.

 

الأصحاح الخامس والعشرون: شرائع الحرية الداخلية .................

 

شريعة السنة السابعة، سنة اليوبيل، بيع الأراضي، بيع البيوت، قروض الإخوة، العبد العبراني، العبد الأجنبي، العبراني المستعبد لأجنبي.

 

الأصحاح السادس والعشرون: البركات واللعنات ........................

 

عبادة الله القدوس، بركات الطاعة لله القدوس، اللعنات الحالة على العصاة، قبول الخطاة التائبين.

 

الأصحاح السابع والعشرون: النذور والبكور ............................

 

شريعة النذور، شريعة البكور، شريعة المحرمات، شريعة العشور.

 

 

 

 

من تفسير وتأملات

   الآباء الأولين

 

 

 

 

 

 

 

اللاويين

 

 

 

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: سفر اللاويين.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة:

الناشر: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج.

المطبعة:

رقم الإيداع:


 

 

 

إن كان الإنسان في سفر التكوين سرعان ما فقد علاقته بالله فخسر سرّ حياته، جاء سفر الخروج يعلن خلاص الإنسان بخروجه من عبودية إبليس، فرعون الحقيقي، لينطلق نحو الأبدية، خلال برية هذا العالم. وجاء سفر اللاويين يعلن إلتصاق الله القدوس بشعبه خلال الحياة المقدسة التي ننعم بها خلال السيد المسيح الذبيح والكاهن في نفس الوقت. وكأن هذا السفر هو "سفر القداسة" التي بدونها لا نعاين الله ولا نقدر على الإتحاد معه، هذه القداسة هي عطية الله توهب لنا خلال ذبيحة السيد المسيح الفريدة التي قدم لها الذبائح الحيوانية الدموية كطريق رمزي يمهد لها؛ هذه الذبيحة قدمها السيد أيضًا بكونه الكاهن السماوي وقد مهد لفهم كهنوته الكهنوت اللاوي أيضًا كرمز.

هذا وقد أبرز هذا السفر إلتحام العطية المجانية للحياة المقدسة خلال الذبيحة الفريدة بالجهاد الروحي الحيّ بالتزامنا بشريعة التقديس.

ليهبنا إلهنا الصالح القدوس أن نتفهم أسرار هذا السفر في حياتنا اليومية حتى ندخل إلى معرفة صليبه ونتقبل عطية القداسة، مجاهدين روحيًا من أجل التمتع بالله القدوس.

 

القمص تادرس يعقوب ملطي


 

سفر اللاَّويين

إسم السفر :

دعاه اليهود بالعبرية "ويقرأ Wayyiqra" أو "فيقرأ"، التي تعني "ودعا"، مستخدمين الكلمة الأولى من السفر أما دعوته باللاويين فجاءت عن الترجمة السبعينية Leueitikon، ربما لأنه يهتم بالأكثر بالكشف عن دور الكهنة واللاويين في طقوس الذبائح وشرائع التطهير والإحتفال بالأعياد والإهتمام بالنذور، كما أعلن عن تكريس هرون وبنيه الكهنة، وقد دعاه اليهود في المشناه[1] "شريعة الكهنة، كتاب الكهنة، كتاب التقدمات"[2].

إن كان هذا السفر في غالبيته يوضح خدمة الكهنة واللاويين ووساطتهم، لكنه هو سفر الجماعة كلها، أي سفر الكنيسة كهنة وشعبًا، لهذا كثيرًا ما يبدأ الشرائع بقوله: "كلم بني إسرائيل". إنه سفر يمس حياة الجماعة كلها وخلاصها وتطهيرها لتحيا مقدسة في الله القدوس. وأما الكهنة واللاويون فليسوا إلاَّ أداة إلهية لخدمة هذه الجماعة الذين هم أعضاء فيها. حقًا هم وسطاء وعاملون باسم الرب، لكنهم يعملون لحساب الجماعة وليس لحساب أنفسهم إلاَّ من حيث كونهم أعضاء فيها.

كاتب السفر :

كاتب السفر غالبًا هو موسى النبي، وقد تكررت العبارة: "وكلّم الرب موسى قائلاً" حوالي ثلاثين مرة، وبين الحين والآخر يذكر إسم هرون معه (11: 1، 14: 33، 15: 1). ولم يخاطب هرون بمفرده إلاَّ مرة واحدة (10: 8).

وضعه :

تحدد مكان وزمان إنزال هذه الشرائع بدقة، أنها أثناء الإقامة بجبل سيناء (7: 38، 25: 1، 26: 46، 27: 34)، في الشهر الأول من السنة الثانية لخروج الشعب من أرض مصر (خر 40: 16، عد 1: 1).

إن كان سفر الخروج يقدم تاريخ إسرائيل حتى إقامة خيمة الإجتماع، فقد جاء سفر اللاويين يكمل العمل كسفر ليتورجي يكشف عن ممارسة العبادة في هذه الخيمة خلال الكهنة واللاويين ملتحمة بالحياة المقدسة اللائقة بشعب يعبد الله القدوس.

إن كان سفر الخروج يعلن عن الله كلي القداسة، الله المهوب، الذي لا يستطيع الشعب أن يقترب إليه حتى في لحظات إستلام الشريعة (خر 19: 21، 24: 2)، فقد جاء سفر اللاويين يعلن عن سكني الله وسط شعبه (لا 22: 32، 26: 12) ليحملوا سماته فيهم: القداسة‍! وكما يقول أحد الدارسين: "لا نجد في سفر اللاويين المشرع يتحدث بلغة الرهبة، ولا يكتب على ألواح حجرية، إنما يظهر بكونه نصيب إسرائيل، الساكن في وسط شعبه، يعلمهم كيف يقتربون إلى حضرته ويقطنون في شركة معه"[3].

وكما يتميز هذا السفر عن سفر الخروج، فإنه يتمايز أيضًا عن سفر التثنية الحاوي للشريعة من جهة الهدف، فالأخير يقدم ملخصًا للشريعة للإستعمال الشعبي العام، أما سفر اللاويين فيهتم بالأكثر بالإعلان عن دور الكهنة[4].

سماته :

1. غاية هذا السفر هو إعلان أن القداسة هي الخط المميز لشعب الله، فما يقدمه شعب من عبادات وممارسات وما يمارسه كسلوك يلتزم أن يتسم بسمة القداسة، بل وأن غاية العبادة في كل صورها وغاية الوصية الإلهية هي تمتع الكل بسمة القداسة في الرب. وكأن مفتاح هذا السفر هو: "إنيّ أنا الرب إلهكم فتتقدسون وتكونون قديسين لأنيّ أنا قدوس" (11: 44) (راجع 11: 45، 19: 2 إلخ).

قدم لنا "القداسة" ليس مجموعة من الوصايا نتممها ولا ممارسات نلتزم بها، إنما وراء الوصية والعبادة قبول الله القدوس، لذا يكرر في هذا السفر إعلان وقوفهم "أمام الرب" حوالي 60 مرة. هنا ندرك أن القداسة أيضًا ليست إمتناعًا عن النجاسة والخطية فحسب وإنما في جانبها الإيجابي إلتقاء وإتحاد مع القدوس.

2. تعتبر الرسالة إلى العبرانيين خير مفسر موحي به لهذا السفر، إذ تكشف لنا عن الطريق الحقيقي للإقتراب نحو الله خلال النعمة بينما يتحدث سفر اللاويين عن طريق الإقتراب من الله في ظل الناموس. الرسالة إلى العبرانيين تعلن عن ذبيحة السيد المسيح التي قُدمت مرة واحدة وتبقى عاملة واهبة حياة قادرة على رفع خطايا العالم، أما الذبائح الواردة في سفر اللاويين فلا تستطيع أن ترفع الخطية من الضمير الداخلي والقلب إذ تتحول هي عينها إلى رماد يحتاج إلى رفعه عن المذبح. هذا وقد قارنت الرسالة إلى العبرانيين بين الكهنوت اللاوي وكهنوت السيد المسيح الذي على رتبة ملكي صادق (عب 7).

3. سفر اللاويين هو إنجيل الخطاة معبرًا عنه بإصطلاحات العهد القديم، فيظهر بقوة إمكانية دم الذبيحة للتقديس خاصة في يوم الكفارة العظيم (لا 17).

4. إن كان الله يهتم بتقديس شعبه لخلاصهم الأبدي، فإنه لا يتجاهل إحتياجاتهم الزمنية بل يهتم بسلامة ممتلكاتهم حتى الثياب، والإطمئنان على حياتهم هنا خلال سلامة البيوت (شريعة تطهير المنازل)، بل وأكلهم وشربهم (الأطعمة المحللة والمحرمة)، وبعث روح الفرح فيهم خلال أعياد ومواسم أسبوعية وشهرية وسنوية ويوبيلية. وهكذا لا يفصل السفر بين الفداء الأبدي وإهتمام الله بالإنسان حتى في أصغر الأمور الزمنية، دون ثنائية أو تعارض بين حياتين روحية وزمنية.

5. خلال هذا السفر نجد الشعب يمثل وحدة واحدة أو جماعة واحدة، لها مذبح واحد (1: 3، 8: 3، 17: 8-9)، ووسيط واحد هو سبط لاوي... وكأن الله في تعامله مع البشرية يريدهم جسدًا واحدًا للرأس الواحد، دون إنفرادية أو إنعزالية فكر أو أنانية حتى في الحياة الروحية.

أقسامه :

يحمل هذا السفر خطين واضحين ومتمايزين وفي نفس الوقت متكاملين، وهما: الذبيحة والحياة المقدسة. فلا حياة مقدسة خارج الذبيحة التي يقدمها الكاهن على المذبح، ولا قبول للذبيحة عن شعب مستهتر بالحياة المقدسة مصِّر على عناده مع الله. بهذا يلتحم دليل الذبائح مع شرائع التطهير. ولئلا يظن أحد أن الحياة المقدسة هي حياة غم أو تبرم أو حرمان أو كبت خُتم السفر بالأعياد والنذور.

1. دليل الذبائح                       [ص 1-7].

2. تكريس الكهنة                     [ص 8-10].

3. دليل شرائع التطهير              [ص 11-15].


 

4. يوم الكفارة العظيم                [ص 16].

5. المذبح وقداسة الدم               [ص 17].

6. شرائع التقديس                   [ص 18-22].

7. الأعياد والنذور                   [ص23-27].

 


 

[1] راجع معنى مشناه في كتابنا: التقليد والأرثوذكسية (تقليد اليهود).

[2] Megilla 3:6; Siphra.

[3] Donald Fraser: Synoptical lecturers, vol 1, p 29.

[4] J. Raven: Introd. to O. T., p 144.

 

الباب الأول

 

 

 

 

دليـل الذبائـح

ص1- ص7

 

الذبائح والتقدمات:

1. ذبيحة المحرقة           [ص 1].

2. تقدمة القربان            [ص 2].

3. ذبيحة السلامة           [ص 3].

4. ذبيحة الخطية            [ص 4، 5: 5-13].

5. ذبيحة الإثـم            [ص 5: 16- ص6].

 


 

الأصحاحات 1-7

الذبائح والتقدمات

سفر اللاويين هو سفر حياة الجماعة المقدسة بالله القدوس يقوم أساسًا على الذبيحة التي يقدمها الكاهن، فلا إقتراب لله ولا قبول للعبادة إلاَّ من خلال المصالحة بالدم الذي يقدمه الكاهن بأسم الجماعة. وكأنه لا دخول إلى أحضان الآب القدوس ولا راحة أبدية إلاَّ بدم ربنا يسوع المسيح الذي يُطهرنا من كل خطية (1 يو 1: 7)، بكونه ذبيحة الصليب الفريدة والكاهن الأعظم في نفس الوقت.

ولما كانت ذبيحة الصليب فريدة في نوعها وفي إمكانياتها لهذا لم يكن ممكنًا لنوع واحد من الذبائح أو التقدمات أن يكشف عنها، فقدم لنا سفر اللاويين خمسة أنواع من الذبائح والتقدمات كل منها يعلن عن جانب أو جوانب معينة من جوانب الصليب، ومع هذا يمكننا أن نقول بأن هذه الأنواع جميعها بطقوسها الطويلة والدقيقة المتباينة قد عجزت عن كشف كل أسرار الصليب لذا قدم لنا العهد القديم رموزًا وتشبيهات وأحداث كثيرة عبر الأجيال لعلها تدخل بنا إلى أعماق جديدة لهذا السر الفائق: سر الصليب والذبيحة.

أما الذبائح والتقدمات المذكورة هنا فهي:

1. ذبيحة المحرقة           [ص 1].

2. تقدمة القربان            [ص 2].

3. ذبيحة السلامة           [ص 3].

4. ذبيحة الخطية            [ص 4، 5: 1-13].

5. ذبيحة الإثم              [ص 5: 14- ص 6: 7].

يرى بعض الدارسين أن الأصحاحات (1- ص 7: 7) تمثل دليلاً عن الذبائح موجهًا لجماعة المتعبدين مع الكهنة، أما الجزء الأخير (6: 8، 7: 38) فيمثل دليلاً للكهنة عن طقس الذبائح والتقدمات[1].


 

ترتيب الذبائح وإرتباطها معًا :

جاء ترتيب الذبائح والتقدمات عجيبًا فقد بدأ بذبيحة المحرقة وانتهى بذبيحة الإثم الأمر اللائق من جهة نظرة الآب للذبيحة لا نظرة الإنسان. فالمؤمن في لقائه مع الصليب يراه أولاً كذبيحة إثم وذبيحة خطية إذ يرى فيه كلمة الله المتجسد وقد حمل آلامه وإثمه ليرفع غضب الآب عنه، خلال هذه النظرة يتلمس في الصليب ذبيحة سلامة وشكر فيقدم حياته في المسيح يسوع المصلوب حياة شاكرة عوض طبيعته الجاحدة التي دبت فيه خلال السقوط، كما يرى في الصليب تقدمة قربان فيه ينعم بحياة الشركة في المسيح يسوع المصلوب، وأخيرًا يدرك الصليب كذبيحة محرقة إذ يكتشف فيه طاعة الإبن الوحيد للآب حتى الموت موت الصليب مقدمًا هو أيضًا حياته ذبيحة طاعة ومحرقة حب لله في إبنه. هذا هو ترتيب الذبائح والتقدمات خلال إنتفاعنا كمؤمنين، أما الآب فيتطلع إلى الصليب أولاً - إن صح التعبير- كمحرقة طاعة يشتّم فيه رائحة إبنه المحبوب محرقة حب كامل، وينتهي بالنظر إليه كحامل لخطايانا وآثامنا يدفع عنا الدين ويحمل عنا الغضب الإلهي. لسنا بهذا نميز بين جانب أو آخر في نظر الله الآب أو المؤمن إذ هي جوانب متكاملة غير منفصلة قط، لكن ما نود توضيحه أن الصليب يُعلن - في نظر الآب- بأكثر بهاء لا في إنتزاع آثامنا وخطايانا قدر ما في حملنا طبيعة المصلوب فنصير به محرقة طاعة وحب، نصير لهيب نار لا ينقطع بحملنا ما للإبن من طاعة حتى الموت (في 2: 8)، وحب بلا نهاية. لذا يقول الرسول: "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت" (في 2: 5-8).

في اختصار يمكننا أن نقول بأن الله الآب يشتّم رائحة المسيح فينا خلال الصليب هكذا:

1. محرقة الحب الكامل والطاعة له في إبنه (ذبيحة المحرقة).

2. شركة الحياة معه في إبنه الوحيد الجنس (تقدمة القربان).

3. حياة السلام الداخلي والشكر الدائم (ذبيحة السلامة).

4. التمتع بالغسل المستمر من خطايانا اليومية العامة وضعفاتنا التي لا تنقطع (ذبيحة الخطية).

5. الخلاص من كل إثم نرتكبه ونعود إليه بالتوبة (ذبيحة الإثم).

الذبائح الدموية والتقدمات الطعامية :

كقاعدة عامة كانت الذبائح تتمركز حول الدم بكونه يمثل نفس الحيوان، وكأن الإنسان وقد فسدت نفسه تمامًا إحتاج إلى نفس بريئة تحمل عنه أجرة إثمه وتفتديه من الموت بعد أن تفيّ عنه الدين. ولم يكن هذا العمل إلاَّ رمزًا لسفك دم السيد المسيح المخلص الذي وحده قادر أن يفدي البشرية ويدفع دينها لدى الآب بالكامل. وقد آمن اليهود بفكرة إفتداء النفس بالنفس، فنذكر بعض عبارات من مفسري اليهود[2]:

* ترتبط نفس كل خليقة بدمها، لذلك قُدم الدم للتكفير عن نفس إنسان، فتحل نفس عوض الأخرى، وتكفِّر عنها (راشي)[3].

* تحل نفس محل الأخرى (إبن عزرا).

* أقدم لك النفس على المذبح، فتكفِّر نفس حيوان عن نفس إنسان (موسى بن ناخمان).

وقد عبّر كثير من اليهود عن شعورهم بعجز دم الحيوان عن الإيفاء بدين الإنسان أمام الله، الأمر الذي لأجله كانت القلوب في العهد القديم متطلعة بشوق إلى مجيء المسيا كمخلِّص حقيقي لهم.

أما الذبائح الدموية فأستُخدم فيها ثلاثة أنواع من الحيوانات ونوعان من الطيور:

1. البقر.                    2. الغنم.                    3. الماعز.                  4. اليمام.                   5. الحمام.

بجانب هذه الذبائح الدموية وجدت التقدمات الطعامية كالدقيق والفطير وسكيب الخمر... إلخ، وكانت هذه التقدمات غير منفصلة عن الذبائح الدموية. ولتأكيد ذلك كانت هذه التقدمات تختلف في كميتها حسب نوع الذبيحة التي تلازمها (عد 15: 1-12، 28: 1-12، 29: 1... إلخ).

الذبائح والكهنوت :

التحم العمل الذبيحي بالكهنوت، فإن كان الإنسان بعد سقوطه احتاج إلى ذبيحة تفديه وتحمل عنه موته، فالحاجة ملحة إلى كاهن يشفع بهذه الذبيحة لدى الله عن الخاطئ. وقد جاء السيد المسيح إلينا بكونه الذبيحة الحقة ليُقدمها بنفسه بكونه الكاهن الأعظم القادر وحده أن يشفع في الخطاة بدمه أمام الآب، إذ هو حيّ جالس على يمينه، يعمل لحسابنا وبإسمنا. وكما قدم السيد لكنيسته حق تقديم جسده المبذول لا كتكرار للذبيحة بل امتداد لها هي بعينها طريقة سرية هكذا وهو الكاهن الأعظم السماوي وهب كنيسته الكهنوت المقدس بكونه العامل في كهنته والمختفي فيهم، فيعملون باسمه ولحسابه وإمكانياته لا بإمكانيتهم البشرية مهما سمت!

هذا وفي العهد القديم نجد للشعب دوره الإيجابي في الذبيحة، ويرى بعض الحاخامات أن للشعب أن يقدموا الذبيحة ويضعوا أيديهم عليها معترفين بخطاياهم أو آثامهم أو معترفين بالشكر لله. بجانب هذا يسمح لهم أحيانًا بذبحها وسلخها وتقطيعها وغسل أحشائها. لكن هناك أعمال كهنوتية لا يستطيع أن يمارسها أحد غير الكاهن مثل صب الدم من الذبيحة ورشه وإشعال المذبح بالنار إلخ.

تنوع الذبائح وغايتها :

للقديس يوحنا الذهبي الفم  تعليق على تنوع الذبائح وغايتها، فمع كثرة أنواعها لا يجد ذبيحة واحدة تقدم ضد عدو بقصد الانتقام، إنما جميعها تهدف لبنيان الإنسان خلال غفران الخطايا، إذ يقول: [تأمل كم من الذبائح وردت في الشريعة: ذبيحة حمد، وذبيحة معرفة، وذبيحة سلامة، وذبائح للتطهيرات، وأنواع أخرى متعددة، ومع ذلك لا نجد ذبيحة واحدة ضد الأعداء، إنما يُقدم الكل بقصد نزع الخطايا وتقدم الإنسان[4]].

وفي القرن الثاني عشر إذ أتُهم المسيحيون برفضهم تقديم ذبائح للآلهة جاء في دفاع الفيلسوف أثيناغوراس: [يليق بنا أن نقدم ذبيحة غير دموية هي خدمة أذهاننا[5]].

 

 


 

الأصحاح الأول

ذبيحة المحرقة

يبدأ دليل الذبائح والتقدمات بذبيحة المحرقة بأنواعها الثلاثة إن كانت من البقر أو  الغنم أو الطيور، فتكشف لنا في طقوسها عن ذبيحة الإبن في طاعته الكاملة لأبيه، مقدمًا حياته كلها محرقة حب ملتهبًا، فأشتمه الآب رائحة سرور ورضى باسم الكنيسة ولحسابها. خلال هذه الذبيحة يلتهب قلب المؤمن بالحب الذي له في المسيح يسوع مشتاقًا خلال الإتحاد في المصلوب أن يرتفع معه إلى الصليب كما على مذبح المحرقة ليتقبل نار الآلام المتقدة بسرور، مقدمًا حياته كلها محرقة للرب.

1. مقدمة                            [1].

2. محرقة من البقر                  [2-9]. 

3. محرقة من الغنم                  [10-13].

4. محرقة من الطير                 [14-17].

1. مقدمة :

أولاً : "ودعا الرب موسى وكلمه من خيمة الإجتماع، قائلاً" [1].

في بداية الخدمة إستدعى الله موسى لإستلام العمل الرعوي خلال العليقة الملتهبة نارًا، وبعد الخروج إستدعاه أيضًا ليتسلم الوصايا العشر من على الجبل حيث لم تستطع الجماعة أن ترتفع إليه وسط البروق والرعود والدخان... وكأن الله أراد أن يؤكد لنا عجزنا عن الإلتقاء معه بكونه النار الآكلة. لقد اشتهى أن يُقدم لنا وصاياه لعلنا نستطيع أن نقترب إليه من خلالها، لكننا في ضعفنا حُسبنا كاسرين للوصية وسقطنا بالأكثر تحت لعنة الناموس، فلا مصالحة إلاَّ خلال الذبيحة والدم. هذا هو سبب استدعاء موسى في هذه المرة إلى الخيمة لا وسط بروق ورعود وظلمة مرهبة، إنما خلال كرسي الرحمة على غطاء تابوت العهد (خر 25: 22). وكأن في هذه المرة يقدم له سر ذبيحة الصليب الذي به نلتقي مع الله كما في خيمة الإجتماع في سكون وهدوء خلال الحب الإلهي الفائق حيث ينزل إلينا كلمة الله حاملاً طبيعتنا، ساحبًا إيانا فيه لننعم بالشركة مع الآب بروحه القدوس في إستحقاقات الدم الثمين.

ثانيًا: كانت ذبيحة المحرقة بحق: "ذبيحة التكريس والخدمة Sacrificum" Latreuticum، فقد صارت مع الزمن جزءًا لا يتجزأ من الخدمة الصباحية والمسائية في الهيكل، كما كانت تُقدم محرقات إضافية في الأعياد كالسبوت والهلال وبقية العياد، وذلك بعد الخدمة. إنها تُمثل ذبيحة العهد التي يُقدمها الشعب الذي دخل مع الله في عهد[6].

ثالثًا: كان لذبيحة المحرقة قدسية خاصة عند اليهود، فهي الذبيحة الوحيدة التي لم يكن يسمح لغير إسرائيل أن يُقدمها[7].

2. محرقة من البقر :

أولاً: يقدم لنا القديس أغسطينوس تفسيرًا لتعبير "محرقة holocaust"، إذ يقول: [ما هي المحرقة؟ إنها تعني الحرق بالنار تمامًا، فإن causis تعني "حرقًا"، "holou" تعني "كلها"، فالمحرقة تعني حرقها بالنار تمامًا توجد بالأكثر نار معينة هي المحبة الحارقة، حيث يلتهب الذهن بالحب، لينطلق من الذهن إلى بقية الأعضاء... فيلتهب الإنسان كلية بنار الحب الإلهي، مقدمين محرقة لله[8]]. بمعنى آخر المحرقة تعني تقديم الإنسان كل حياته الداخلية وتصرفاته الظاهرة كذبيحة حب ملتهبة لحساب الله. في هذا يقول القديس أغسطينوس: [عندما يوضع الحيوان بأكمله على المذبح ويحرق بكامله بالنار يُسمى محرقة. ليت النار الإلهية تصعدنا بالكلية ويلحق بنا ذلك اللهيب بالتمام[9]]. كما يقول: [تُسمى الذبيحة محرقة حينما تحرق بالكامل... لذلك فكل محرقة هي بالحقيقة ذبيحة، لكن ليس كل ذبيحة هي محرقة[10]].

يحثنا القديس يوحنا الذهبي الفم على تقديم حياتنا ذبيحة محرقة للرب بقوله: [مادام الإنسان أسمى من القطيع، فإنك إذ تُقدم نفسك ذبيحة تكون أسمى من تلك الذبائح... توجد ذبائح أخرى هي بالحقيقة محرقات: أجساد الشهداء، إذ يُقدم الشهداء نفوسهم وأجسادهم أيضًا (محرقة للرب)، هذه الذبائح لها رائحة عذبة. تستطع أنت أيضًا إن أردت أن تقدم ذبيحة، فإنه وإن كنت لا تقدر أن تقدم جسدك محرقة بالنار، لكنك تقدمه بنار أخرى كالفقر الأختياري... فإنه كان في وسع إنسان أن يقضي أيامه في ترف وبذخ لكنه يختار الحياة المُرّة الشاقة وإماتة الجسد، أفليست هذه محرقة؟! لتمت (شهوات) جسدك، ولتصلبه، فتتقبل إكليل الإستشهاد. فالشهداء ينالون الإستشهاد بالسيف، أما هنا فتناله بالذهن بالإرادة القادرة[11]].

يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [لنقدم لله كل أعضائنا التي على الأرض (كو 3: 5)، لنكرس جميعها ولا نقدم فقط جزءًا من الكبد (3: 11)، أو اللية مع الشحم، ولا بعض أعضاء جسمنا الآن والآخر في وقت آخر. لنقدم كل أعضاء الجسد، فنحسب ذبيحة محرقة عاقلة (رو 12: 1)، ذبيحة كاملة... نقدمها لله بالكامل فنتسلمها منه بالكامل[12]].

ثانيًا: إذ تعرفنا على مفهوم ذبيحة المحرقة نتحدث عمن تقدم من أجله المحرقة، إذ يقول الرب لموسى: "كلِّم بني إسرائيل، وقل لهم: إذا قرب إنسان منكم" [2]. يرى العلامة أوريجانوس[13] أنه لم يقل "إذا قرّب أحدكم" بل قال إذا قرب إنسان منكم" ليس بدون هدف. يميز هذا السفر بين تقدمة عن إنسان وأخرى عن "نفس" (4: 1)، أو عن الجماعة كلها (4: 13)، أو عن رئيس (4: 22)، أو عن كاهن... إلخ، وأن كلمة "إنسان" جاءت في رأس القائمة ليعلن الوحي الإلهي أن تقدمة المحرقة تُقدم عن الجنس البشري كله بكونه "إنسانًا".

إن كانت ذبيحة المحرقة هي ذبيحة الطاعة الكاملة التي يُقدمها الإبن للآب، إنما يُقدمها عن البشرية كلها كأنها إنسان واحد... إذ يود الآب أن يشتّم في الكل رائحة سرور ورضا.

ثالثًا: التقدمة ذاتها.

"إن كان قربانه من البقر فذكرًا صحيحًا يقربه" [3].

إذا أراد تقديم محرقة من البقر يختار ذكرًا (عجلاً) صحيحًا، أي بلا عيب، وكما يقول القديس أغسطينوس: [حقًا إنه حمل بلا عيب، بلا عيب تمامًا وعلى الدوام[14]].

يعلق العلام أوريجانوس على هذه الذبيحة بقوله: [ما هي محرقة البقر الصحيحة إلاَّ العجل المسمن لدى الآب الذي ذبحه عندما رجع الإبن الذي كان ضالاً، والذي فقد كل خيراته؟! لقد صنع وليمة وكان فرح (لو 15: 23)، إذ قيل: "يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب" (لو 15: 10). هذا الإنسان الذي كان ضالاً فوجد لم يكن له برّ ذاتي يقدمه إذ "بذّر ما له بعيش مسرف" (لو 15: 13)، فوجد هذا العجل الذي بُعث من السماء لكنه جاء من نسل إبراهيم. لذلك لم يقل الناموس "محرقة من البقر" فحسب كما لو كانت أية بقرة، إنما قال "محرقة من بقر من قطيع" (الترجمة السبعينية) إذ جاء من نسل البطاركة (القطيع)[15]].

لقد حدد أن تكون المحرقة هنا ذكرًا، ويرى العلامة أوريجانوس أن التمييز بين الذكر والأنثى في المفهوم الروحي لا يعني التمييز بين الجنسين الرجال والنساء، إنما يُشير إلى تمييز روحي بين الرجولة الناضجة والجادة وبين أنوثة التدليل والترف. لهذا كثيرًا ما يقول إننا سنجد في يوم الرب نساء كثيرات هنا يحصين كرجال أقوياء في عيني الرب، ورجالاً كثيرين هنا يظهرون في يوم الرب كنساء إذ عاشوا حياتهم في تدليل وتنعم بالملذات الجسدية.

رابعًا: مقدمها.

أ. "يذبح العجل أمام الرب ويقدم بنو هرون الكهنة الدم..." [5].

كان للكهنة في العهد القديم حق تقديم الذبائح دون غيرهم، وقد جاء السيد المسيح في العهد الجديد ليس على رتبة هرون بل على طقس ملكي صادق يقدم ذبيحة الصليب الفائقة... وقد أوضح الرسول بولس في الرسالة إلى العبرانيين الفارق بين كهنوت لاوي وكهنوت السيد المسيح، خاصة من ناحيتين: الجانب الأول كان كهنوت لاوي يتسم بالضعف فيحتاج الكهنة أنفسهم إلى تقديم ذبائح عن أنفسهم قبل تقديمهم ذبائح عن الشعب أما السيد المسيح فبلا عيب. يُقدم الذبيحة عن الشعب. الجانب الآخر كان الكهنة يقدمون ذبائح حيوانية دموية، دم ثيران وتيوس عاجزة عن تطهير الضمير الداخلي، أما السيد المسيح فقدم دم نفسه (عب 9: 12)، فالكاهن والذبيحة هما واحد، لذا فذبيحته فعّاله واهبة حياة. كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عظيم هو الفارق! إنه هو الفدية والكاهن والذبيحة! لو كان الأمر غير ذلك لصارت هناك حاجة إلى تقديم ذبائح كثيرة، وكان يُصلب مرارًا كثيرة[16]]. ويقول القديس أغسطينوس: [أنت هو الكاهن، وأنت هو الذبيحة،

أنت المقدم وأنت التقدمة[17]].

مقدم الذبيحة هو كاهننا السيد المسيح، هذا ما أعلنه آباء الكنيسة بوضوح، فمن كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: [نحن نقوم بدور الخدم، لكنه هو بنفسه الذي يبارك، وهو الذي يحوّل القرابين[18]].

هذا الكاهن الأعظم الذي يعمل في كهنته إنما يقدم لنا ذات ذبيحته الكفارية الواحدة بلا تكرار، إذ يقول: [بينما يُقدم في مواضع كثيرة فهو جسد واحد وليس أجسادًا كثيرة، وهو ذبيحة واحدة. إنه رئيس كهنتنا الذي قدم الذبيحة التي تطهرنا، لكي نقدم الآن أيضًا ما قد قدمه والتي لا تتكرر... إنها ليست ذبيحة أخرى، بل نقدم دائمًا ذات الذبيحة[19]].

خامسًا: طقس التقدمة.

أ. "إلى باب خيمة الإجتماع يقدمه للرضا عنه أمام الرب" [33].

يترجم البعض "للرضا عنه" بمعنى أن مقدم الذبيحة يقدمها برضاه أي بكمال حريته، بكونها تمثل ذبيحة الصليب التي قدمها السيد المسيح برضاه وبكامل حريته فدية عن البشرية. لكن التعبير جاء بالأكثر يعلن عن رغبة مقدم الذبيحة في التمتع برضا الرب عنه، فقد قدمت ذبيحة الصليب ذبيحة سرور للآب ورضا عن كل المؤمنين المتحدين بالمصلوب. على أي الأحوال لكي يتحقق رضا الله عن الإنسان يلزمه أن ينطلق بالتقدمة إلى باب خيمة الإجتماع، وكما يقول العلامة أوريجانوس: [إلى الباب وليس في الداخل، بل خارج المدخل. بالحقيقة كان يسوع خارج الباب إذ "جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله" (يو 1: 11). فلم يأت داخل خيمة (الأمة اليهودية) التي جاء من خلالها إلى الباب ليقدم محرقته، بل تألم خارج المحلة (4: 12). عندما جاء إبن صاحب الكرم أخذه الكرامون الأشرار وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه (مت 21: 38). هذه هي إذن التقدمة التي عند "باب خيمة الإجتماع يقدمه للرضا عنه أمام الرب"، إذ هل يوجد من هو مرضي لديه أكثر من المسيح "الذي قدّم نفسه لله بلا عيب" (عب 9: 14)[20]].

لقد ذُبح السيد المسيح على الصليب خارج المحلة حتى ننطلق معه حاملين عاره خارج المحلة (عب 13: 13)، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [صُلب خارجًا كمدين فلا نخجل نحن من طردنا خارجًا[21]].

ب. "ويضع يده على رأس المحرقة فيرضى عليه للتكفير عنه، ويذبح العجل أمام الرب، ويقرب بنو هرون الكهنة الدم ويرشون الدم مستديرًا على المذبح الذي لدى باب خيمة الإجتماع" [4-5].

يضع الإنسان يده على رأس المحرقة ليصير واحدًا معها، سواء في إعترافه بإحسانات الله عليه عندما يقدم الذبيحة للشكر أو في إعترافه بخطاياه وآثامه كما في ذبيحة الخطية أو ذبيحة الأثم، لتنتقل الخطية إلى الذبيحة فتكفِّر عنه وتوفي دينه. ونحن أيضًا إذ نضع أيدينا على رأس ذبيحتنا رب المجد يسوع نعلن وحدتنا معه، وكما يقول الكتاب أننا "مملؤون فيه" (كو 2: 10)، وأننا "أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه"، "من التصق بالرب فهو روح واحد" (1 كو 6: 17). صرنا معه واحدًا يُقدم حياته محرقة حب بإسمنا ولحسابنا، وذبيحة للتكفير عن خطايانا التي حملها على كتفيه، كقول النبي: "أما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن أن جعل نفسه ذبيحة إثم" (إش 53: 10).

يعلق العلامة أوريجانوس على وضع اليد على رأس المحرقة، قائلاً: [لقد وضع في جسده خطايا الجنس البشري، إذ هو رأس جسد الكنيسة (أف 1: 22-23)[22]]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف جعل نفسه مصالحًا؟... لقد حمل العقاب الذي علينا، خاضعًا للتأديبات التي نستحقها، متنازلاً إلى ما نحن عليه. أتريد أن تعرف كيف إحتمل هذا كله؟ يقول الرسول: "المسيح إفتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة من أجلنا" (غلا 3: 13)[23]]. فإن كانت لعنة الناموس قد حلت بنا بسبب كسرنا للوصية الإلهية، إنحنى هو ليحمل عنا اللعنة ويرفعنا من اللعنة إلى مركزه المبارك.

أما من جهة طقس وضع الأيدي على رأس الذبيحة عند اليهود، فكان هذا الطقس لا تمارسه النساء ولا الأطفال أو العميان أو الصم أو غير الإسرائيليين[24]. وكان مقدم الذبيحة أو مقدمو الذبيحة يضعون أياديهم بين قرون الذبيحة ووجوههم متجهة نحو الغرب حيث قدس الأقداس ليدركوا قدسية هذا العمل ومهابته، فهو عمل يمس علاقتهم بالرب نفسه. هذا ولم يستقر الرأي عما إذا كان الإنسان يضع يدًا واحدة أم يديه معًا، لكن المستقر أنه يضغط بيده بكل قوته كمن يلقي بأحماله عليها[25]. وحينما يضع يده يقدم هذا الإعتراف (غالبًا في ذبيحتي الخطية والإثم): "أتوسل إليك يا الله فإنني أخطأت وتمردت وعصيت مرتكبًا... (يذكر إسم الخطأ)، لكنني عدت تائبًا، وليكن هذا للتكفير عني"[26].

يقول: "يذبح العجل أمام الرب" [4]، فإنه كان يذبح خارج المحلة لكنه في الحقيقة يذبح أمام الرب، إشارة إلى ذبيحة الصليب التي قدمها الإبن طاعة للآب، فإن كان قد صلب خارج أورشليم الأرضية لكنه "يظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا" (عب 9: 24)، يتقدم كذبيح وهو جالس عن يمين الآب يشفع بدمه للتكفير عنا، وكما يقول الرسول: "إذ هو حيّ، في كل حين ليشفع فيهم" (عب 7: 5).

خلال هذه الشفاعة الكفارية الفريدة فتح لنا طريقًا جديدًا للعبور معه وبه في طريقه، أي طريق الصليب، لندخل إلى حضن أبيه، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ لنا رئيس كهنة هكذا فلنتمثل به ولنسلك على أثر خطوات[27]]. كما يقول القديس أغسطينوس: [إذ هو شفيع لنا يعيننا في التجارب لا بتقديم العون فحسب وإنما بكونه صار مثالاً لنا[28]].

يقول: "ويقرب بنو هرون الدم ويرشون الدم مستديرًا على المذبح الذي لدى باب خيمة الإجتماع" [5].

الدم المقدس هو سر قوة الذبيحة، به نتطهر من كل خطية (1 يو 1: 7)، وكما يقول القديس بولس: "لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد، فكم بالحرى يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميته لتخدموا الله الحيّ... كل شيء تقريبًا يتطهر حسب الناموس بالدم وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب 9: 14، 22). كما يقول االرسول بطرس: "عالمين أنكم أفتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 18-19)، وجاء في سفر الرؤيا عن المفديين أنهم "بيّضوا ثيابهم في دم الخروف" (رؤ 7: 14)، وأنهم غلبوا إبليس بهذا الدم الثمين (رؤ 12: 11).

خلال هذا الدم الثمين الذي به ننال الغلبة (رؤ 12: 11) حُسب الصليب مجدًا ونصرة، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يظهر أن الصليب مجد وكرامة كما كان السيد يدعوه دائمًا "ليتمجد إبن الإنسان" (يو 12: 23). إن كان يدعو آلام عبيده مجدًا فكم بالحرى تكون آلام الرب؟[29]‍].

أما رش الدم على المذبح مستديرًا، فكما نعرف أن الدائرة تُشير إلى الأبدية حيث ليس لها نقطة بداية ولا نقطة نهاية[30]، وكأن هذا الدم يعمل فينا أبديًا، ينطلق بنا إلى السماء عينها ليدخل بنا إلى حضن الآب السماوي فنحيا فوق حدود الزمن كمن هم في دائرة الأبدية يمارسون الحياة السماوية عينها.

نقتطف هنا بعض عبارات للآباء في فاعلية دم الصليب والحياة المساوية:

v   إذ بسط يديه على الصليب طرح رئيس سلطان الهواء الذي يعمل في أبناء المعصية (أف 2: 2)، مهيئًا لنا طريق السموات.

v   حين رُفع جسده إلى العلى ظهرت الأمور التي في السماء.

                                            القديس البابا أثناسيوس[31]

v   إنها ذبيحة سماوية أكثر منها أرضية‍!                                       

العلامة أوريجانوس[32]

v   أليس المذبح أيضًا سماويًا؟‍ كيف؟ إنه ليس عليه شيء جسداني بل الكل روحي يصير ذبائح، فالذبيحة لا تتحول إلى رماد ودخان... بل ما عليه هو بهي وسام... الكنيسة سماوية، بل ما هي إلاَّ سماء‍!

v   إن كنا سمائيين وصارت لنا ذبيحة كهذه فلنخف. ليتنا لا نبقى بعد على الأرض، فإنه يمكن لمن يرغب ألا يبقى بعد على الأرض. فإن حسبانك أنك على الأرض أم لا هو أمر يمس حال الإنسان بمحض إختياره. مثال ذلك يُقال عن الله أنه في السماء، لماذا؟ ليس لأنه محدود بمكان. حاشا‍‍! ولا بمعنى أنه ترك الأرض محرومة من حضرته، إنما ليعلن علاقته الوطيدة بملائكته (السمائيين). فماذا يعني أنني في السماء إن كنت أعاين رب السماء، بل وقد صرت أنا نفسي سماءً، إذ يقول "إليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23). إذن، لتكن نفوسنا سماءً! 

القديس يوحنا ذهبي الفم[33]

ج. تقطيع المحرقة وترتيبها: "ويسلخ المحرقة ويقطعها إلى قطعها، ويجعل بنو هرون الكاهن نارًا على المذبح، ويرتبون الحطب على النار، ويرتب بنو هرون الكهنة القطع مع الرأس والشحم فوق الحطب الذي على النار التي على المذبح، وأما أحشاؤه وأكارعه فيغسلها بماء، ويوقد الكاهن الجميع على مذبح محرقة وقود رائحة سرور للرب" [6-9].

إن كانت ذبيحة المحرقة تكشف عن طاعة الإبن الكاملة نحو الآب، لذلك فإن سلخها وتقطيعها وغسلها حتى الأعماق في الأحشاء يعلن أن المسيح يسوع ربنا قد جاز أمام الآب فوجده بلا عيب حتى أعماقه الداخلية، فقد قيل عنه: "على أنه لم يعمل ظلمًا ولم يكن في فمه غش" (إش 53: 9)، "أي شر عمل هذا؟! إنيّ لم أجد فيه علة للموت" (لو 23: 22)، كما قال هو بنفسه: "من منكم يبكتني على خطية؟!" (يو 8: 46). لقد قدم الإبن الطاعة الكاملة بلا عيب، كما بنار حبه الإلهي نحو الآب ونحو البشرية فأشتّم الآب ذبيحته رائحة سرور! أما ترتيب الحطب على النار فيرمز لخشبة الصليب التي حملت كلمة الله الناري مصلوبًا حسب الجسد! أما ترتيب الرأس مع بقية الأعضاء فيُشير إلى أن الصليب وهو صليب السيد المسيح رأس الكنيسة إنما يحمل الكنيسة أيضًا بكونها جسده المتألم، تشاركه طاعته للآب وحبه!

يقدم لنا العلامة أوريجانوس تفسيرًا آخر، فيرى في سلخ المحرقة أي إنتزاع الجلد عن اللحم رمزًا لانتزاع الحرف عن تفسير كلمة الله لكي يظهر التفسير الروحي الداخلي العميق، أما تقطيع الأعضاء وترتيبها على المذبح فيُشير إلى الإنطلاق من لمس هدب ثوب السيد المسيح (مت 9: 20) إلى التمتع بغسل قدميه بدموعنا ومسحهما بشعر رأسنا (لو 7: 44)، ثم إلى دهن قدميه بالطيب، وأخيرًا الإتكاء على صدره كما فعل القديس يوحنا الحبيب فيستريح فكرنا ونتأهل لإدراك أسراره الإلهية ونُحسب أهلاً أن نتقبل أمه أمًا لنا كما تمتع القديس يوحنا في لحظات الصلب. بمعنى آخر يرى العلامة أوريجانوس في طقس ذبيحة المحرقة النمو المستمر في الحياة الروحية والإنطلاق من شرب اللبن الخاص بالأطفال أو بالضعفاء (لمس هدب الثوب) إلى التمتع بالطعام القوي الذي للبالغين (الإتكاء على صدره). فمن كلماته في هذا الشأن: [أظن أن الكاهن الذي يخرج اللحم الذي للعجل المقدم محرقة بسلخ جلده إنما هو ذاك الذي يرفع الحرف عن كلمة الله (2 كو 3: 4)، معرّيًا الأعضاء الداخلية أي يصير له الإدراك الروحي والعلم الداخلي الخاص بالكلمة. يتحقق هذا على المذبح، في مكان عالٍ ومقدس وليس في مكان سفلي. فالأسرار الإلهية غالبًا ما لا يكشف غطاؤها لأناس غير متأهلين يسلكون في السفليات والأرضيات وينطلقون من الأرض إلى الأرض، إنما يكشف الغطاء لمن يحسبون كمذبح للرب، الذين يشعلون النار الإلهية بلا توقف، ويميتون (شهوات) الجسد بلا إنقطاع. على مثل هؤلاء نضع عجل المحرقة ونقطع أعضاءه قطعًا، فنشرح التدبير والتوافق بين الأعضاء كلمس هدب ثوب المسيح، وغسل قدميه بالدموع ومسحهما بشعر الرأس، أما ما هو أفضل فهو دهن قدميه بالطيب. وأعظم من هذا الإتكاء على صدر المسيح (يو 13: 25، 21: 20). أي تقدم هذا، إذ يتمتع كل واحد منا بالفهم الروحي حسب قامته وبما يناسبه، فيتمتع البعض بالأمور البدائية وآخرون يتقدمون أكثر في الإيمان بالمسيح، وآخرون يحسبون كاملين في معرفته ومحبته... هذا هو تقطيع العجل عضوًا عضوًا[34]].

ليتنا إذن خلال محرقة الحب نتقبل المسيح نفسه فننعم بالكشف عن أسرار كلمته، فإن لم نستطع أن نتكئ على صدره بدالة لنحمل كل أسراره، فلندهن قدميه بالطيب ليكون لنا نصيب من بعض أسرار محبته، وإن لم يكن لدينا طيب فلنغسلهما بدموعنا ونمسحهما بشعر رأسنا، وإلاَّ فلنتحفز لنلمس ولو هدب ثوبه فنبرأ من نزف دم الحرفية والناموسية والشكلية!