شبكة الكنيسة
  الكتاب المقدس
  تفسير الكتاب المقدس
  منتدى الكنيسة
   الرد على الشبهات
  اسئلة و اجوبة
  المكتبة المسيحية
  الأختبارات
  الترانيم
  المرئيات
  مواقع صديقة
  من نحن
  أتصل بنا
  

تفسير سفر العدد


من تفسير وتأملات

 الآباء الأولين

 

 

العَدد

  

 

كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بسبورتنج

القمص تادرس يعقوب ملطي


 

-

- مقدمة

 


 

الأصحاح الثامن عشر (مسئوليّة الكهنة وحقوقهم)

- الباب الأول الأصحاحات [1- 10: 10]

 

الأصحاح التاسع عشر (فريضة البقرة الحمراء)

الأصحاح الأول (إحصاء الشعب)

 

الأصحاح العشرون (ماء مريبة)

الأصحاح الثاني (ترتيب المَحَلَّة)

 

الأصحاح الحادي والعشرون (طريق النصرة)

الأصحاح الثالث (اللاويّون فدية عن الشعب)

 

- الباب الثالث الأصحاحات [22- 25]

الأصحاح الرابع (تنظيم خدمة اللاويّين)

 


 

الأصحاح الثاني والعشرون (قصة بلعام)

الأصحاح الخامس (تقديس المَحَلَّة)

 

الأصحاح الثالث والعشرين (نبوات بلعام)

الأصحاح السادس (نذير الرب)

 

الأصحاح الرابع والعشرون (تابع نبوات بلعام)

الأصحاح السابع (قرابين الشعب)

 

الأصحاح الخامس والعشرون (السقوط مع الموآبيات)

الأصحاح الثامن (سيامة اللاويّين)

 

- الباب الرابع الأصحاحات [26- 36]

الأصحاح التاسع (القيادة الإلهيّة)

 

الأصحاح السادس والعشرون (التعداد الثاني)

الأصحاح العاشر الآيات [1-10]

 

الأصحاح السابع  والعشرون (قانون الميراث وإقامة يشوع)

- الباب الثاني الأصحاحات [10: 11- 21]

 


 

الأصحاح الثامن والعشرون (أعياد وتقدمات دائمة)

الأصحاح العاشر الآيات [11-36]

 

الأصحاح التاسع والعشرون (أعياد وتقدمات دائمة)

الأصحاح الحادي عشر (تذمر الشعب)

 


 

الأصحاح الثلاثون (النذور)

الأصحاح الثاني عشر (زواج موسى بالكوشيَّة)

 

الأصحاح الحادي والثلاثون (حرب ختاميّة)


 

الأصحاح الثالث عشر (التجسس على كنعان)

 

الأصحاح الثاني والثلاثون (أرض جلعاد)

الأصحاح الرابع عشر (شهوة الرجوع إلى العبوديّة)

 


 

الأصحاح الثالث والثلاثون (ملخص الرحلة)


 

الأصحاح الخامس عشر (وصايا للتقديس)

 

الأصحاح الرابع والثلاثون (حدود أرض الميعاد)

الأصحاح السادس عشر (اغتصاب الكهنوت)

 

الأصحاح الخامس والثلاثون (مدن اللاويّين ومدن الملجأ)

الأصحاح السابع عشر (عصا هرون)

 

الأصحاح السادس والثلاثون (شريعة ميراث النساء)


 

مقدمة

تسمية السفر

جاءت تسمية هذا السفر "العدد" عن الترجمة السبعينيّة، وهي تناسب الأصحاحين الأول والسادس والعشرين حيث ورد في كل منهما إحصاء للشعب. الإحصاء الأول تم في سيناء في السنة الثانية من خروجهم (عد 1)، والثاني بعد حوالي 39 عامًا في سهول موآب (عد 26). لكن هذه التسمية جعلت الكثيرين يهملون دراسة هذا السفر ظنًا منهم أنه مجرد سفر إحصاء للشعب. أما النسخة العبريّة فجاء فيها اسم هذا السفر بمدبار Bemidbar أي "في البريّة"، وهما الكلمتان الرابعة والخامسة في الأصحاحين الأول، تعبران في أكثر دقة عما حواه السفر، بكونه سفر رحلات الشعب في البريّة.

محتويات السفر:

جاء هذا السفر تتمة للأسفار الثلاثة السابقة، يروي لنا قصة تيه بني إسرائيل في بريّة سيناء ووصولهم إلى موآب وإشرافهم على أرض الموعد.

لقد بقي الشعب حوالي عام في سيناء، تسلم فيها الشريعة الموسويّة التي تنظم لهم حياتهم الروحيّة  من عبادة وسلوك كما تنظم حياتهم الاجتماعيّة اليوميّة. تحركوا بعد ذلك نحو الشمال تجاه كنعان وعندما بلغوا قادش رفض ملك أدوم أن يسمح لهم بالعبور (عد 20)، وإذ سمع بهم ملك عراد حاربهم وغلبهم لكنهم عادوا وانتصروا، ثم بقوا عدة سنوات تائهين في البريّة بسبب تذمرهم المستمر.

سمع ملك موآب بأخبارهم فدعى بلعام الساحر ليلعنهم، لكن الله حوَّل كلمات الساحر إلى بركة ووعد لهم بالغلبة. أشار عليه الساحر أن يعثرهم بالمديانيات فانحرف إسرائيل عن الله وانهزموا، لكنهم عادوا وغلبوا، فخصصوا الأرض شرق الأردن لرأوبين وجاد ونصف مَنَسَّى، كما جاءت التعليمات الخاصة بتقسيم الأرض.

مميزات السفر:

1. إن كان السفر قد سجّل بعض أحداث رحلة الشعب قديمًا في البريّة، لكننا لا نستطيع القول بأن غاية السفر هو استعراض مراحل الرحلة أو كل أحداثها، إنما هو عرض لعمل الله مع الإنسان لتهيئته لدخول أرض الموعد. إن كان سفر الخروج يصف انطلاق الإنسان وتحرره من أسر العبوديّة خلال الدم الكريم (خروف الفصح) متجهًا بذراع قويّة نحو أورشليم العُليا بعد عبوره مياه المعموديّة المقدَّسة (البحر الأحمر) فإن هذا السفر يصف مرحلة خطيرة في حياة الإنسان ألا وهي مرحلة الجهاد غير المنقطع بقوة النعمة الإلهيّة الساكنة فيه بغِيّة الانطلاق به نحو السمويات.

2. جاء السفر يحمل مزيجًا بين الشرائع الإلهيّة وأحداث المرحلة، وكأن الله قد أراد أن يؤكد لنا أن "الوصيّة الإلهيّة" هي المعين للنفس في رحلتها نحو أورشليم العُليا، يلزم أن تمتزج حياتها بالوصيّة، ويرتبط عملها بكلمة الله الحيّ الذي يسندها في غربتها ويحفظها مقدسة له.

3. يبرز هذا السفر عناية الله بشعبه في بريّة هذا العالم، يظلّلهم كسحابة وينير لهم ليلاً، يهتم بأكلهم وشربهم وراحتهم، ولا يتركهم معتازين شيئًا من أعمال كرامته.

4. بقدر ما أعلن هذا السفر حب الله للإنسان واهتمامه بكل احتياجاته الروحيّة والنفسيّة والجسديّة بقدر ما كشف عن نفس الإنسان الدائمة التذمر بلا سبب. لقد صوّر لنا عناد الإنسان الدائم ومقاومته لله. ومقابلة حبه بالجفاف والتذمر، حتى اضطر الله إلى تأديبهم بحرمانهم من أرض الموعد وتحقيق الوعد في أبنائهم.

ولقد لخّص المرتل هذا السفر بقوله على لسان الرب: "أربعين سنة مَقَتُّ ذلك الجيل وقلت هم شعب ضالٌ قلبهم وهم لم يعرفوا سبلي، فاقسمت في غضبي لا يدخلون راحتي" (مز 95 10-11)، لهذا ينصحنا الرسول بولس قائلاً: "فلنَخَفْ أنه مع بقاء وعد بالدخول إلى راحته يُرى أحد منكم أنه قد خاب منه" (عب 4: 1).

5. أبرز بشاعة الخطيئة فهي تُدان دائمًا، ويسقط مرتكبها تحت التأديب سواء كان نبيًا مثل موسى الذي حُرم من دخول أرض الموعد أو رئيس كهنة كهرون الذي سقط تحت نفس التأديب (20)، أو نبية كمريم التي صارت برصاء إلى حين (12)، أو المعتدين من اللاويين كقورح وداثان وأبيرام (16)، أو من الشعب الذين لدغتهم الحيات المحرقة (21)... لكنه يعطي الشفاء خلال الإيمان (الحيَّة النحاسيّة) الممتزج بالجهاد. ويبقى الله أمينًا لوعده وثابتًا بغض النظر عن أخطاء الناس أو الأشخاص أيًا كان مركزهم الروحي!

6. في بداية السفر ركز على تأسيس النظام الكهنوتي الأصيل وبتر المعتدين مع توضيح عمل كل فئة: رئيس الكهنة، الكهنة اللاويون (بنو قهات، بنو جرشون، بنو مراري). وكأنه أراد أن يؤكد حاجتنا إلى عمل السيد المسيح الكهنوتي، والعامل في كهنته، إن تقدَّسوا للرب والتزموا بواجباتهم.

7. أبرز هذا السفر قوة الشفاعة، إذ صلاة البار تقتدر كثيرًا في فعلها (يع 5: 16)، فنرى موسى النبي كخادم لشعبه يقف دائمًا شفيعًا فيهم، وهرون يصلي عنهم. هذا هو عمل الكاهن... إنه يردد مع صموئيل النبي قائلاً: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطيء إلى الرب فأكف عن الصلاة من أجلكم" (1 صم 12: 23).

أقسام السفر:

1. الاستعداد للسفر في البريّة                  ص 1- ص 10: 10.

2. من سيناء إلى موآب                       ص 10: 11- ص 21.

3. حادثة بلعام                                ص 22- ص 25.

4. الاستعداد لدخول كنعان                    ص 26- ص 36.

<<


 

 

الباب الأول

 

 

 

 

 

 

 

 

الاستعداد للسفر في البريّة

 

ص 1- ص 10: 10

<<


الأصحاح الأول

إحصاء الشعب

إذ أخرج الله الشعب من أرض العبوديّة أقام نفسه ملكًا عليهم (1 صم 12: 12)، لا ليسيطر عليهم وإنما لكي يرعاهم ويهتم بكل أمورهم روحيًا ونفسيًا واجتماعيًا، لهذا قدَّم لهم دستوره الإلهي الوارد في سفر اللاويّين، في الشهر الأول من السنة الثانية للخروج، أو السنة الثانية لبدء ملكه عليهم. أعقب هذا مباشرةً أمره الإلهي بعمل تعداد لرجال الحرب.

1. الأمر الإلهي بالإحصاء                        1-4.

2. تعيين رؤساء الأسباط                          5-16.

3. إعفاء اللاويين                                 47-54.

1. الأمر الإلهي بالإحصاء:

"وكلَّم الرب موسى في بريّة سيناء في خيمة الاجتماع... قائلاً: احصوا كل جماعة بني إسرائيل بعشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء كل ذكر برأسه" [1-2].

تسلَّم الرب قيادة الشعب بنفسه كملك يدبر كل أمورهم... فأصدر أمره الملكي لخادمه "موسى النبي" في خيمة الاجتماع كما في القصر الملكي. جاء هذا بعد الإحصاء الأول الذي تم لتحصيل مساهمة الكل في تكاليف خيمة الاجتماع (خر 38: 25-26)، لكن الإحصاء الأول لم يسجل حسب بيوت آبائهم بعشائرهم مثل هذا الإحصاء.

هل من ضرورة للإحصاء؟

التزم موسى وهرون بأمر إلهي لإتمام هذا الإحصاء، مع أن الله وبَّخ داود النبي وعاقبه بصرامة لأنه قام بعمل إحصاء (2 صم 24، 1 أي 21)، ذلك لأن داود النبي أراد بعمله هذا أن يشبع كبرياء قلبه بإمكانياته البشريّة التي تحت سلطانه، أو أراد أن يستعرض هذه الإمكانيات أمام نفسه وأمام الآخرين الأمر الذي يحزن قلب الله ويمنع نعمة الله عن العمل في حياة الإنسان خاصة القادة الروحيين. أما الإحصاء هنا فلم يحمل شيئًا من هذا في قلب موسى أو هرون، إنما جاء بناءً على أمر إلهي لتحقيق مقاصد إلهيّة، منها:

أ. ربما أراد الله أن يعلن لأولاد إبراهيم إنهم يجنون ثمار إيمان أبيهم وطاعته فتحققت منهم وعود الله له: "يكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غربًا وشرقًا وشمالاً وجنوبًا" (تك 28: 14). أراد أن يلزمهم أن يسلكوا بروح أبيهم لكي يتمتعوا بمواعيد إلهيّة بفيض.

ب. إن كان الله قد دُعي "راعي شعبه" (مز 80: 1)، ففي إحصائهم تأكيد لاهتمامه بكل واحد منهم حتى لا يهلك أحد منهم. إنه يود أن يسجل أسماءهم في سفر الحياة لكي يدخل بجميعهم في أورشليم العُليا وينعموا بالأرض الجديدة. إنه يُحصي أولاده المقدَّسين لكي يمتعهم بالمجد. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [أتريد الدليل على أن عدد القدِّيسين محصي أمام الله؟ اسمع ما يقوله داود النبي: "يُحصي كثرة الكواكب، يدعو كلها بأسماء" (مز 147: 4). ولم يكتفِ المخلص بتحديد عدد التلاميذ الذين اختارهم بل قال أيضًا أن شعور رؤوسهم مُحصاة "وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها مُحصاة" (مت 10: 30). وهو في هذا لا يقصد الحديث عن الشعر الذي نقصه ونلقيه في القمامة، أو الشعر الذي يتساقط مع كبر السن ويموت، لكنه يقصد الشعر الذي حُلق (لشمشون) الذي يحمل خلاله قوة الروح القدس (قض 16)... أقصد بذلك قوة الروح والفكر النابع عن قوة الإدراك والفهم، فيرمز له برؤوس التلاميذ[1]]. وكأن الله ليس فقط يحصي أولاده ويعرفهم بأسمائهم وإنما يحصي إمكانياتهم الروحيّة ليسندهم بالفهم الروحي ويعينهم بروحه القدوس.

ج. أمر الله بإعداد هذا الإحصاء ليفصل بين الرجل الأصيل والغريب، ليس لأن الله يميز أحدًا وإنما لكي يدفعنا من حالة التغرُّب عن الله إلى التقرُّب إليه، فيتأكد كل مؤمن أنه مُنتسب لشعب الله، عضو في العائلة السماويّة. وكما يقول الرسول بولس: "فلستم إذًا بعد غرباء ونزلاء بل رعية مع القدِّيسين وأهل بيت الله" (2: 19). فإن الضربة الخطيرة التي يحطم بها العدو الكثيرين هو تشكيكهم في كون الوعد لهم، وأنهم أبناء الله يهتم بهم ويرافقهم. لهذا كثيرًا ما يردد الأشرار القول: "الرب قد ترك الأرض والرب لا يرى" (حز 9: 9). إن كان الشرير قد صار أرضًا ليس له شيء في السمويات يشعر أن الرب فارقه وأنه لا يراه بهذا يزداد في شره ويسقط في اليأس.

د. كشف هذا الإحصاء عن طريقة العمل الإلهي بكونه إله نظام وليس إله تشويش (1 كو 14: 33). كان الأمر الإلهي يدقق في كل صغيرة وكبيرة لكي يسلك هذا الشعب في البريّة بكل ترتيب، ليس فقط في طقس العبادة من ذبائح وصلوات دائمًا حتى في طريقة سيره في البريّة وفي تحديد موقع كل سبط بالنسبة للخيمة أينما حلت، الأمر الذي يفوق الوصف كما سنرى. وكأن الله يريد من مؤمنيه أن يعيشوا بروح الحكمة والتدبير في دراستهم للكتاب وصلواتهم وأصوامهم وجهادهم في الفضائل وسلوكهم، فالإيمان يؤكد الترتيب والنظام بحكمة وروحانيّة دون أن يستعبد الإنسان للنظام في جفاف وعدم مرونة. إنه يؤكد التدبير الكنسي العام بفهم وحيوية ليعمل المؤمنين بالروح القدس الساكن فيهم دون أن تتحول حياتهم إلى روتين جاف بلا روح! لهذا يقول الرسول: "ونطلب إليكم أيها الإخوة انذروا الذين بلا ترتيب" (1 تس 5: 14)، كما يقول: "وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب" (1 كو 14: 40).

هـ. ربما دفع هذا الإحصاء الشعب إلى الاهتمام بنسبهم حتى يأتي السيد المسيح له المجد، كلمة الله المتجسد، فيتأكدون من شخصه أنه ابن داود الموعود به. وقد جاء المسيّا إلى العالم مخلصًا للبشرية، وانتهت سجلات النسب ولم يعد أحد يعرف من أي سبط هو.

متى تم هذا الإحصاء؟

حدد الكتاب المقدَّس تاريخ هذا الإحصاء بالسنة الثانية من الخروج في أول الشهر الثاني (ع 1)، لم يكن هذا التاريخ بلا هدف، إنما أراد الله أن يسجل أولاده بعد اجتيازهم ستة مراحل روحيّة خلالها يتأهلوا لهذه الكرامة كأولاد لله مستحقين تسجيل أسماءهم في سفر الحياة، هذه المراحل هي:

أ. انشقاقهم عن الشيطان (فرعون) وتحررهم من عبوديته، واعتزالهم إياه، هذا الذي يتسلط على النفس ويفسدها.

ب. تمتعهم بالمعموديّة المقدَّسة (عبورهم البحر الأحمر).

ج. كفاحهم ضد إبليس (الحرب مع عماليق).

د. تمتعهم بكلمة الله السماوي عذاءً لنفوسهم (المن)، وارتوائهم من الصخرة (السيد المسيح).

هـ. اقتناء الحياة الفاضلة بسكنى الله داخلهم (خيمة الاجتماع وسط المَحَلَّة).

ز. التمتع بالاتحاد الدائم مع الله خلال الذبيحة المقدَّسة (الذبائح والتقدمات) والوصيّة الإلهيّة (الشريعة).

في هذا يقول العلامة أوريجينوس: [لماذا لم يُحصى الشعب عند الخروج من مصر؟ لأن فرعون كان لا يزال يتعقبهم. ولماذا لم يُحصى بعد عبور البحر الأحمر عندما بلغ إلى البريّة؟ لأن الإسرائيليّين لم يكونوا بعد قد جُربوا، ولا هاجمهم الأعداء، ولا حاربوا عماليق، ولا نالوا النصرة. لكن نصرة واحدة لا تكفي لبلوعهم الكمال... لقد نُصبت خيمة الاجتماع ومع ذلك لم يحن وقت التعداد، لكن إذا أُعطيت الشريعة لموسى ورُسم طريق تقديم الذبائح ووضحت طقوس التطهير ووُضعت الشرائع وأسرار التقديس حينئذٍ صار أمر الله بتعداد الشعب[2]].

قائمة الإحصاء:

حدد الله فئة الذين يدخلون في قائمة الإحصاء بشروط تحمل مفاهيم روحيّة، ألا وهي:

أ. الذكور لا الإناث (ع 2).

ب. البالغون عشرين عامًا فما فوق (ع 3).

ج. القادرون على الحرب (ع 3).

د. المنتسبون للشعب دون الغرباء (ع 4).

هـ. إعفاء اللاويين من الإحصاء (ع 47).

أ. يُحصى الذكور دون الإناث ليس تمييزًا لجنس على حساب جنس آخر، إنما من الجانب الحرفي أعد هذا التعداد كقوائم رجال حرب، الأمر الذي هو من صميم عمل الرجال دون النساء. أما من الجانب الروحي فإن الوصيّة موجهة إلى كل المؤمنين هكذا: "كونوا رجالاً، تقووا" (1 كو 16: 13). هذه وصيّة موجهة للرجال والنساء والشيوخ والأطفال والشباب، لا تحمل المعنى الحرفي إنما التزام كل مؤمن بالنضوج والجهاد الروحي ضد الخطيئة والشر كرجل حرب، يتحمل المسئوليّة ولا يعرف التدليل. لهذ يقول العلامة أورجينوس: [طالما بقي لأحدنا صفات عجز الأنوثة والفتور... لا نستحق أن نكون محصيّين أمام الله في سفر العدد الطاهر والمقدَّس[3]].

ب. يُحصى البالغون عشرين عامًا فما فوق، أي يكون المؤمن قد تخطى دور الطفولة الروحيّة منطلقًا إلى حياة النضوج الروحي. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [يعلمني النص الحالي أنه إذا اجتزت سذاجة الطفولة، أي توقفت عن أن يكون لي أفكار الطفولة، إذ "لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل" (1 كو 13: 11)، أقول قد صرت شابًا قادرًا على الغلبة على الشرير (1 يو 2: 13)، فظهرت كمستحق لأن أكون بين الذين قيل عنهم أنهم يسيرون في قوة... وأحسب أهلاً للتعداد الإلهي. لكن إن كان لأحد منا أفكار جسدانيّة متأرجحة... فلا يستحق أن يُحصى أمام الله في سفر العدد الطاهر والمقدَّس[4]].

وقد لاحظ العلامة أوريجينوس[5] في تعليقه على إنجيل معلمنا متى البشير في إشباع الجموع قول الكتاب: "والآكلون كانوا نحو خمسة آلاف رجل ماعدا النساء والأولاد" (مت 14: 21)، أن النساء والأولاد روحيًا قد استبعدوا إذ لم يكونوا مستحقين للإحصاء. فإنه يليق بالذين يتمتعون بالبركة الإلهيّة أن يكونوا رجالاً وأن يجلسوا على العشب (مت 14: 9) الذي هو رمز الجسد (إش 40: 6)، أي يخضعون الجسد تحت نفوسهم الناضجة القويّة روحيًا!

ج. قادرون على الحرب، إذ لا يقف الأمر عند السن، إنما يشترط فيمن يُحصون أن يكونوا أقوياء روحيًا قادرين على مجابهة الشيطان وحيله لحساب ملكوت الله.

د. منتسبون لشعب الله، إذ لا يقف الأمر عند السن والإمكانيّة (القوة) إنما يلزم أن يكون مقدسًا، حصل بروح الله على البنوة لله والانتساب للعائلة المقدَّسة، فيتخذ له الآب أبًا والكنيسة أمًا، يجاهد قانونيًا بروح الله العامل فيه كعضو في جسد المسيح المقدَّس. يقول العلامة أوريجينوس[6] أن كثيرين لهم القوة لكنهم لا يستحقون التمتع بتسجيلهم في الإحصاء الإلهي، لأنهم لم يقبلوا الانتساب الروحي لله في كنيسته المقدَّسة. فاليونانيّون مثلاً لهم قوة حسب الفكر الفلسفي لحساب المجد البشري، والكلدانيّون كان لهم قوة في الدراسات الفلكيّة دون الاهتمام بالحياة الروحيّة فصار لهم العلم الذي ينفخ مادام بغير روح، وكان للمصريين الحكمة البشريّة لكن بعيدًا عن الله... إننا في حاجة لا إلى التمتع بهذه الإمكانيات فحسب وإنما أن تكون لنا خلال انتسابنا لجسد المسيح المقدَّس.

هـ. إعفاء اللاويين، الأمر الذي نعود إليه في نهاية هذا الأصحاح.

2. تعيين رؤساء الأسباط:

لكي يتم الإحصاء على يدي موسى وهرون كان لابد من اختيار رؤساء للأسباط يسندونهما في هذا العمل. وقد تم ذلك بتعيين إلهي كما بمرسوم سماوي، أولاً لكي يكفي موسى النبي عبء التفكير فيمن يصلح، وثانيًا لكي لا يترك مجالاً للصراعات بين الشعب على المراكز القياديّة.

إقامة هؤلاء الرؤساء كشف عن اهتمام الله بتأكيد دور "الشعب" أو "العلمانيّين" إن صح هذا التعبير، في حياة الكنيسة. فليس للنبي ولا لرئيس الكهنة ولا للكهنة واللاويين أن ينفردوا بالتدبير وحدهم، لكن يلتزم الشعب بالعمل معهم يسند الواحد الآخر، ويعمل الكل تحت قيادة الوصيّة الإلهيّة بروح الله.

اختار الله في تعيينه رؤساء الأسباط رجالاً يحملون أسماء لها معانٍ روحيّة، فقد اختار من يرون في الله أبًا لهم (أليآب) وصخرتهم (أليصور) ومكافأتهم (نثنائيل)، يتمسكون به ويضعون فيه كل رجائهم. كما جاءت بعض الأسماء تعلن العلاقة البشريّة فيرى البعض في الأشرار إخوة لكن لا يتكئون عليهم (أخيرَع) بينما في الأبرار إخوة معينين لهم (أخيعَزَر) وأيضًا من يحدرون الشيطان كحيّة مخادعة... وفيما يلي معنى أسماء الأسباط:

اسم السبط

معناه

رئيس السبط

المعنى

1. رأوبين

ابن الرؤيا

أليصور

إلهي صخرة (سور)

2. شِمْعون

مستمع

شلوميئيل

الله سلام

3. يهوذا

الاعتراف

نحشون

حيّة "حنش"

4. يَسَّاكَر

الجزاء

نثنائيل

هبة الله

5. زَبولون

مسكن

أليآب

إلهي أب

6. أفرايم

الثمار المضاعفة

أليشمع

إلهي سمع

7. مَنَسَّى

ينسى

جمليئيل

الله مكافأتي

8. بنيامين

ابن اليمين

أبيدن

أبي يدين

9. دان

يدين

أخيعَزَر

أخي معين

10. أشير

سعيد

فجعيئيل

الله قابلني

11. جاد

متشدد

الياساف

الله يضيف

12. نَفْتالي

متسع

أخيرَع

أخي شرير

والعجيب أن الأسماء التي تخص علاقتنا بالله تمثل الغالبية العظمى (9 أسماء)، وكأن الله يريدنا أن نركز أنظارنا نحوه كأب لنا يقابلنا ويعيننا ويسمع لنا ويكافئنا... الخ. أما عن علاقتنا بالإخوة فاقتصر على اسمين: الأخ المعين وهو الإنسان البار الذي يسندنا خلال شركة الحب التي تربطنا معًا، والأخ الشرير الذي يلزمنا أن نحتمله بقلبٍ متسع. أما عن علاقتنا بالشيطان فاكتفى باسم واحد لكي لا يشغل ذهننا ولا نضطرب منه، إذ صار بالنسبة لنا بلا سلطان.

ويلاحظ أن أسماء رؤساء رؤساء الأسباط جاءت متناسقة ومنسجمة مع أسماء الأسباط نفسها. فقد اُختير لرأوبين أليصور، لكي من يجد له مكان في هذا السبط أي تكون له رؤيا إيمانيّة واضحة ومعروفة روحيّة، لأن رأوبين يعني "ابن الرؤيا"، فإنه يجد رئيسه أليصور أي يجد إلهه صخرته أو سوره فيه يلتجيء ويحتمي من كل محاربات الشيطان العدو.

ومن يلتجيء إلى سبط شِمْعون أي يكون "مستمعًا" لله ومطيعًا، يلتقي برئيسه شلوميئيل "الله سلام"، فمن يسمع لله ينعم بالسلام الإلهي الذي لا يستطيع أحد أن ينزعه منه، كأن طاعة الوصيّة الإلهيّة هي سرّ سلامنا الحقيقي.

لقد اُختير ليهوذا "الاعتراف" نحشون "حيّة" رئيسًا، فإن من يؤمن بالسيد المسيح ويعترف به يطأ الحيّة القديمة تحت قدميه.

من يجد له في سبط يَسَّاكَر "الجزاء" نصيبًا يخضع لنثنائيل "عطيّة الله"، مدركًا أن كل مكافأة أو جزاء يتمتع بها ليست ثمرة برّ ذاتي إنما هي عطيّة الله المجانيّة، مُقدَّمة لنا في استحقاقات الدم.

لنهرب إلى سبط زبولون "مسكن"، فيسكن الله فينا ونحن نسكن معه ونثبت فيه، بهذا نلتقي بالرئيس أليآب "إلهي أب" أي نكتشف أبوة الله.

وهكذا اُختير لأفرايم "الثمر المتكاثر" أليشمع "إلهي سمع"، كأن ثمر الروح المتكاثر في حياة المؤمنين إنما هو ثمرة استماع الله لطلبتهم. واُختير لمَنَسَّى "ينسى" جمليئيل أو غمالائيل "الله مكافأتي" وكأنه إذ ينسى الإنسان مجد هذا العالم وملذاته يجد الله نفسه مكافأته. ولبنيامين "ابن اليمين" أبيدن "أبي يدين"، كأنه لا دخول لنا إلى ملكوت الله الأبدي وتمتعنا بالجلوس عن يمينه مالم نقبل الديان أبًا لنا، أي خلال تمتعنا ببنوتنا له. ولدان "يدين" أخيعَزَر "أخي معين" كأنما إذ يدين الإنسان نفسه يجد أخاه معينًا له. ولأشير "سعيد" فجعيئيل "الله قابلني" لأنه لا سعادة حقيقيّة للنفس البشريّة إلاَّ بلقائها معه. ولجاد الياساف "الله يضيف"، فإنه إذ يكون الإنسان جادًا في حياته ومتشددًا مع نفسه يضيف إليه من نعمه أكثر فأكثر، أي يزداد نموًا في الروح. وأخيرًا لنفتالي "متسع" أخيرَع "أخي شرير"، فإن القلب المتسع يحمل الأشرار كإخوة ويبتلعهم بمحبته.

بدأ التعداد بأبناء ليئة ثم راحيل فالجاريتين، دون التزام بتاريخ ميلادهم. وكأن الله أراد أن يؤكد أن الأمجاد الإلهيّة لا تُعطى بحسب السن إنما حسب النمو الروحي والاتحاد العملي مع الله.

جاء تعداد يهوذا- الذي منه جاء السيد المسيح حسب الجسد- يفوق كل الأسباط، وهو الذي يتقدم الموكب نحو الشرق كما سنرى، وكأن السيد المسيح هو قائد موكبنا نحو أورشليم العُليا.

3. إعفاء اللاويين:

لم يشمل الإحصاء سبط لاوي، هذا الذي أُفرز لخدمة الخيمة وحملها (47-51). إنهم يمثلون الجانب الروحي في الجماعة، يُعفون من هذا العمل لا ليعيشوا بلا عمل، وإنما ليتفرغوا للعمل الروحي، فيخدمون الجماعة لأجل تقديسهم، ويحرسون المَحَلَّة روحيًا. بهذا يُقدم لقيصر ما لقيصر ولله ما لله.

<<


الأصحاح الثاني

ترتيب المَحَلَّة

إذ تم الإحصاء كطلب الله نفسه قدَّم الله ترتيبًا خاصًا بالمَحَلَّة في غاية الدقة، يلتزمون به أثناء نصب خيامهم كما عند ارتحالهم أثناء سيرهم في البريّة.

1. الترتيب والرايات                              1-2.

2. مقدمة الموكب "الشرق"                         3-9.

3. الجناح الأيمن "الجنوب"                        10-16.

4. مركز الموكب                                  17.

5. مؤخرة الموكب "الغرب"                        18-24.

6. الجناح الأيسر "الشمال"                         25-31.

7. ختام الترتيب                                   32-34.

1. الترتيب والرايات:

قسم الأسباط، فيما عدا سبط لاوي إلى أربعة أقسام، كل قسم يسمى مَحَلَّة، ويتكون من ثلاثة أسباط تحت قيادة سبط معين تُدعى المَحَلَّة باسمه. هذا مع مراعاة أن سبط يوسف انقسم إلى سبطين: سبط أفرايم وسبط مَنَسَّى ليكمل العدد 12 بعد استبعاد سبط لاوي.

القسم الأول يُدعى مَحَلَّة يهوذا، موقعه في الشرق في مقدمة الموكب. يتبعه في التحرك القسم الجنوبي أو الجناح الأيمن الذي هو مَحَلَّة رأوبين. يتحرك بعدهما المركز نفسه وهو سبط اللاويين، خدام الخيمة وحاملوها الذين ينصبون خيامهم حول الخيمة من كل جانب. ثم يتحرك مؤخرة الموكب أوالمَحَلَّة الغربية أو مَحَلَّة أفرايم، وأخيرًا الجناح الأيسر أو الشمالي الذي هو مَحَلَّة دان.

يُعلِّق العلامة أوريجينوس على ترتيب المَحَلَّة هذا، قائلاً" [إنني أجد موضوعًا عظيمًا للتأمل في سفر العدد هو توزيع الأسباط وتمييز الرتب وتجمع الأسباط وترتيب كل المَحَلَّة، فإنها بالنسبة لي تشكل أسرارًا عظيمة بفضل الرسول بولس الذي ألقى فينا بذار المعنى الروحي[7]].

ويلاحظ في هذا الترتيب الآتي:

أولاً: إن منظر المَحَلَّة في مجموعها تمثل صليبًا متحركًا نحو أرض الموعد. ففي الوسط توجد خيمة الاجتماع يحيط بها الكهنة واللاويون على شكل صليب محيط بها، أما بقية الأسباط فتمثل صليبًا كبيرًا يضم حوالي 2 مليون نسمة من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، في الشرق مَحَلَّة يهوذا، وفي الغرب مَحَلَّة أفرايم، وفي الجنوب مَحَلَّة رأوبين، وفي الشمال مَحَلَّة دان. هذا الصليب المتحرك إنما يمثل الكنيسة المقدَّسة جسد المسيح المصلوب تتحرك دومًا منطلقة من أرض العبوديّة متجهة نحو أورشليم العُليا، وفي نفس الوقت تحمل داخلها صليب السيد نفسه الذي يهبها قوة القيامة.

والعجيب أن العلامة أوريجينوس إذ تطلَّع إلى هذا المنظر لم يتحدث عن الصليب، بل رأى في وجود ترتيب عظيم كهذا رمزًا للترتيب الفائق للكنيسة في يوم الرب العظيم. إنه يقول: [لنتطلع إلى معنى الأسرار الموضوعة في حساب الأعداد والأماكن المختلفة التي أشير إليها. لننظر إلى قيامة الأموات بثبات، ففي لحظة مجيء المسيح لا يسبق الأحياء الباقون على الأرض الذين رقدوا (1 تس 4: 14)، بل يتحد الكل معًا ويُخطفون في السحب لملاقاة الرب. بهذا ندرك فساد هذا الموضوع الأرضي الذي هو مسكن الموتى، ونوجد جميعنا في الهواء كقول الرسول... فنُنقَل إلى مواضع مختارة، إذ قيل "في بيت أبي منازل كثيرة" (يو 14: 2). هذه المواضع أو هذا المجد يُعطى حسب استحقاقات أعمال الإنسان كما يؤكد الرسول بولس قائلاً عن القيامة "كل واحد في رتبته" (1 كو 15: 23). يُسجَّل اسم كل واحد حسب قياسه الروحي، فيُسجل واحد في سبط رأوبين لأنه ممتثل برأوبين في العادات والطباع والأعمال وطريقة الحياة، وآخر يُسجل في سبط شِمْعون بسبب طاعته[8]، وثالث في سبط لاوي لأنه أكمل وظائفه الكهنوتيّة حسنًا أو حصل فيها على درجة الكمال، وآخر يُسجل اسمه في سبط يهوذا من أجل عواطفه الملوكيّة إذ قاد كل إنسان إلى السبط الذي يميزه خلال أعماله وطبعه. إذن توجد في القيامة رتب كما نفهم من كلمات الرسول، تظهر صورتها واضحة في سفر العدد هذا. الواقع إن موقع الخيمة بين الأسباط وسط الجماعة، إنما هو صورة لما يكون عليه الحال في القيامة[9]].

ثانيًا: يرى العلامة أوريجينوس في منظر المَحَلَّة بهذا التدبير الإلهي صورة حيّة لكنيسة العهد الجديد التي تلتزم أيضًا أن تسلك بروح النظام والترتيب ليس فقط في عبادتها بل وفي سلوكها، تحمل النفس في أعماقها ترتيبًا لائقًا بها كعضو في الكنيسة المقدَّسة. ويمتد النظام أيضًا إلى حياة الكهنة وسلوكهم فيعيشون كخدام الله الملتهبين نارًا.

وكأن النظام ليس عملاً رتيبًا نلتزم به، إنما هو حياة له فاعليته في الداخل كما في التصرفات الخارجيّة، في حياة الجماعة كما في حياة كل عضو فيها، كاهنًا أو من الشعب!

يقول العلامة أوريجينوس: ["كلَّم الرب موسى وهرون قائلاً: ينزل بنو إسرائيل كلٌ عند رايته بأعلام (إشارات) لبيوت آبائهم، قبالة خيمة الاجتماع حولها ينزلون" [1-2]. طلب موسى أن يتقدم كل رجل في المَحَلَّة حسب رتبته، حسب رايته (إشارته) لبيت أبيه. ويقول الرسول بولس "ليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب" (1 كو 14: 40). ألا يُظهر ذلك أن الروح الذي تكلَّم به موسى هو بعينه الذي تكلم به الرسول بولس؟! فقد أمر موسى أن يسيروا في المَحَلَّة بترتيب، وقدَّم الرسول التعليم أن يكون كل شيء "بحسب ترتيب" في الكنيسة. موسى الذي كان يخدم الناموس أمر بحفظ الترتيب في المَحَلَّة، وبولس الرسول خادم الإنجيل يريد أن يلتزم المسيحي بالترتيب لا في سلوكه فقط وإنما حتى في ملبسه، إذ يقول "كذلك النساء يُزيِّن ذواتهن بلباس الحشمة" (1 تي 2: 9).

إنهما (موسى وبولس) لا يريدان الالتزام بالترتيب فقط في تنفيذ الواجبات والملبس فحسب وإنما يعنيان "ترتيب النفس"...

كثيرًا ما يحدث أن إنسانًا له أفكار وضيعة دنيئة يتلذذ بالماديات الأرضيّة، وبمكر ينال رتبة كهنوتيّة عالية ويعتلي منبر المعلمين، بينما آخر روحاني متحرر من الانشغال بالأمور الزمنيّة وقادر على فحص كل شيء ولا يُحكم عليه من أحد (1 كو 2: 15) يشغل أول رتبة في الكهنوت أو يُحسب من الشعب. مثل هذا الأمر فيه ازدراء بتعاليم الناموس والإنجيل ولا يكون فيه ترتيب!

نحن أيضًا إذ نكون قلقين ومرتبكين بالأكل والشرب، ولا ننشغل إلا بالأمور الزمنيّة، لا نقدم لله إلاَّ ساعة أو ساعتين في اليوم للذهاب إلى الكنيسة للصلاة والاستماع لكلمة الله، نعمل على إشباع احتياجاتنا الزمنيّة وإرضاء المعدة، بهذا نكون غير مهتمين بالتعليم القائل "ينزل كلٌ عند رايته (حسب رتبته)"، أو القائل "ليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب"، لأن الترتيب الذي وضعه السيد المسيح هو أن نطلب أولاً ملكوت الله وبره (مت 6: 33) مؤمنين أن هذه كلها تزاد لنا. بهذا ينزل كلٌ (عند رايته) حسب رتبته.

هل تعتقد أن الذين يُلقبون قسوسًا ويفتخرون بانتسابهم للكهنوت يسيرون حسب رتبهم كما يليق بهم؟ هكذا أيضًا هل يسير الشمامسة حسب رتبهم؟ إذن لماذا نسمع أحيانًا أناسًا يجدفون قائلين: "انظر هذا الأسقف أو هذا القس أو هذا الشماس؟ إلاَّ لأنهم يشاهدون الكاهن أو خادم الله مقصرًا في واجبات رتبته، سالكًا بما يخالف الرتبة الكهنوتيّة ورتبة اللاويين! ماذا أقول أيضًا عن العذارى والنُسَّاك الذين يوكل إليهم القيام بخدمات دينية؟ فإن قَصَّر هؤلاء في التزامهم بالاحتشام والوقار أما يتهمهم موسى قائلاً: ليَسِر كل إنسان حسب رتبته (عند رايته)، فإن من يعرف رتبته، ويفهم ما يليق بها يزن أعماله وينظم كلماته وتصرفاته حتى ملابسه بما يليق ومقتضيات الرتبة التي ينتسب إليها، فلا نسمع قول الله "بسببكم يُجَدَّف على اسمي من الأمم[10]"].

هكذا يرى العلامة أوريجينوس أن الترتيب هو حياة تمس حياتنا كأولاد لله، وتمس حياة الكنيسة لتعيش بفكر المسيح يسوع!

ثالثًا: يقول الرب لموسى وهرون: "ينزل... كلٌ عند رايته بأعلام لبيوت آبائهم" [2]. ما هذه الأعلام أو العلامة التي يلتزم كل مؤمن أن ينزل عندها إلاَّ صليب ربنا يسوع المسيح، حيث نجلس عند قدمي المصلوب فلا ننحرف في جهادنا الروحي عن هدفنا الروحي الحقيقي ألا وهو الالتقاء برب المجد نفسه والوجود معه وفيه.

عند العلامة- صليب السيد- يلتقي الإخوة معًا في حياة الشركة والحب، حيث يشعر كلٌ بعضويته لأخيه في الرأس الواحد ربنا يسوع المسيح.

من الجانب التاريخي يرى البعض أن لكل سبط راية خاصة به، وكأن للمَحَلَّة ثلاثة رايات إذ تضم ثلاثة أسباط. كل سبط يجتمع عند رايته ليعرف كل إنسان موضعه في الموكب ويحتفظ به. يُقال أن كل راية تحمل حجرًا كريمًا خاصًا بالسبط، بهذا تصير الجماعة كلها أشبه بصدرية رئيس الكهنة التي يُثبت فيها اثنا عشر حجرًا كريمًا، في أربعة صفوف، كل صف يحوي ثلاثة حجارة (خر 39: 10-14) ينقش عليها أسماء الأسباط. فتظهر أسماؤهم على الحجارة في حضرة الرب في قدس الأقداس على صدر رئيس الكهنة. كأن الجماعة كلها في العهد القديم تمثل الكنيسة المقدَّسة التي صارت حجارة كريمة على صدر رب المجد يسوع، رئيس الكهنة الأعظم وأسقف نفوسنا، يدخل بنا إلى حضن أبيه، فنوجد هناك معه وبه وفيه إلى الأبد[11].

ويرى البعض أن لكل مَحَلَّة من المحلات الأربعة راية واحدة، مَحَلَّة يهوذا تحمل رايتها علامة الأسد، ورأوبين علامة الأسد، ورأوبين علامة الإنسان، وأفرايم علامة العجل، ودان علامة النسر. وكأننا بهذا نرى –خلال الرمز- ما رآه حزقيال النبي، مركبة الله الناريّة، أو الكاروبيم الملتهبون نارًا الحاملين للعرش الإلهي. وكأن الجماعة قد صارت مركبة الله المقدَّسة، يتشبهون بالكاروبيم[12].

يفهم مما جاء في سفر يشوع (3: 4) أن أقرب مسافة بين الخيمة والمساكن 2000 ذراعًا أي 1000 ياردة، أكثر قليلاً من ميل.

رابعًا: يرى العلامة أوريجينوس في الراية التي يلتزم كل رجل أن يقف عندها رمزًا للعلامة التي تُميِّز نفس مؤمن عن آخر، فكما أن لكل وجه جسدي ملامح خاصة به وأيضًا للصوت هكذا للنفس أيضًا. إنه يقول: [من جهة أخرى انظروا ما يعنيه القول "كلٌ عند إشارته (رايته)"، ففي رأيي أن الإشارات هي العلامات التي تُميِّز الإنسان عن غيره. فالرجال جميعًا متشابهون، لكنه توجد علامات خاصة تُميِّز كل واحد عن الآخر من ملامح الوجه والقوام والهيئة والملبس هذه العلامات تُميِّز بولس عن بطرس. أحيانًا لا يحتاج الأمر أن يظهر لكي نرى العلامة التي تميزه، إنما يعرف خلال علامة غير الرؤى الجسديّة مثل الصوت ونبرات الحنجرة. هكذا أعتقد أن للنفوس علامات مميزة، فبعضها لها حركات عذبة ولذيذة جدًا وساكنة هادئة وعادلة، والأخرى تتميز بعلامات الانزعاج والافتخار والخشونة بعنف والغضب الشديد. تجد نفسًا يقظة وحكيمة ومتبصرة في وعي ونشاط، وأخرى خاملة مسترخية ومهملة متغافلة... يمكنني أن أوكد وجود اختلافات بين النفوس البشريّة كما توجد اختلافات في ملامح الوجه...

ولكي نوضح اختلافات علامات (النفوس) نقدم هذه المقارنة: الذين تعلموا القراءة والكتابة يعرفون جيدًا 24 حرفًا في اليونانيّة... فيستخدمون ما لديهم من حروف، لكن حرف ألفا (a) كما يكتبه بطرس يختلف عما يكتبه بولس. لكل إنسان علامة خاصة تميزه في كتابة الحروف... هذا المثال الواضح ينطبق على حركات العقل والنفس التي تمثل وسائط للعمل، فإذا نظرنا إلى الرقوق نجد مثلاً روح بولس تميل إلى الطهارة، وكذلك روح بطرس، لكن طهارة بولس لها علاماتها الخاصة بها وكذلك طهارة بطرس، وإن كانت الطهارة واحدة. الواحد طهارته تتطلب قمع الجسد واستعباده في خوف (1 كو 9: 17)، والآخر طهارته لا تحمل خوفًا وهكذا العدل له سماته لدى بولس وسماته لدى بطرس، وأيضًا الحكمة وكل الفضائل. إذن فالفضائل واحدة ننعم بها من قِبَل روح الله لكن توجد اختلافات شخصيّة...

هذا ويمكن للإنسان أن يعبر في الأعمال الصالحة من علامة أقل إلى علامة أسمى فأكثر سموًا. فإن فهمنا أن كل ما تحويه الشريعة هو "ظل الخيرات العتيدة" (عب 10: 1)... فإنه في لحظة القيامة يوجد اختلاف بين استحقاقات الناس، إذ يفضل نجم عن نجم في المجد (1 كو 15: 41). يمكننا أن نعبر من علامة سفلية إلى علامة سامية فعلامة أكثر سموًا حتى نتساوى مع النجوم الأكثر بهاءً، إذ يمكن للطبيعة البشريّة أن تنمو في هذه الحياة لا لتبلغ إلى مجد النجوم بل وأيضًا إلى بهاء الشمس، إذ كُتب "حينئذٍ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم[13]" (مت 13: 43)].

خامسًا: يقول الله لموسى: "كلٌ عند رايته بأعلام لبيوت آبائهم" [2]. هكذا التزم كل مؤمن أن يلتقي بإخوته عند رايته لدى بيت أبيه الأرضي، أي السبط الذي ينتسب إليه، أما نحن فقد صار لنا في المعموديّة المقدَّسة أبًا جديدًا، هو الآب السماوي. فإن كنا نجلس عند قدمي المصلوب. إنما يدخل بنا إلى حضن أبيه الذي صار أبانا.

2. مقدمة الموكب "الشرق":

قلنا أن الموكب قد أخذ شكل الصليب، في الوسط وُجدت الخيمة وحولها اللاويون والكهنة على شكل صليب صغير، ثم الأربعة محلات من كل اتجاه مَحَلَّة، ترتيبها حسب تقدم السير هو:

اسم السبط                التعداد                     الرئيس                 الأم

أ. مَحَلَّة يهوذا (الشرق):

يهوذا                      74.600                  نحشون                 ليئة

يَسَّاكَر                     54.400                  نثنائيل                  ليئة

زبولون                    57.400                  أليآب                   ليئة

ب. مَحَلَّة رأوبين (الجنوب):