شبكة الكنيسة
  الكتاب المقدس
  تفسير الكتاب المقدس
  منتدى الكنيسة
   الرد على الشبهات
  اسئلة و اجوبة
  المكتبة المسيحية
  الأختبارات
  الترانيم
  المرئيات
  مواقع صديقة
  من نحن
  أتصل بنا
  

تفسير سفر زكريا


 

 

من تفسير وتأملات

   الآباء الأولين

 

 

 

 

 

 

زكريا

 

 

 

 

 

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج


 

 

باسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اسم الكتاب: زكريا.

المؤلف: القمص تادرس يعقوب ملطي.

الطبعة:

الناشر: كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج.

المطبعة:

رقم الإيداع:


 

 

سفر زكريا بما حواه من رؤى مبهجة للنفس تبعث على الرجاء وتشدد الأيدي للعمل الروحي، وما تضمنه من نبوات دقيقة عن شخص ربنا يسوع المسيح، سحب قلوب الكثير من آباء الكنيسة الأولى لتفسيره والتأمل فيه. وقد حاولت تقديمه مختصرًا ما استطعت حاذفًا أقوال الآباء المتشابهة حتى يسهل على القارئ إستيعابه.

وقد قام المباركان الأستاذ مليكه يوسف والمرحوم الشماس يوسف حبيب بترجمة نص القديس ديديموس الضرير للخمسة أصحاحات الأولى ونشرها كنصٍ آبائيٍ ومصدر كنسي له تقديره الكبير[1].

وفى نفس الوقت قامت الأخت المباركة عايدة حنا بسطا بترجمة ذات النص دون نشره، وقامت الأخوات المباركات تريز سعد والدكتورة تغريد راغب والدكتورة منى أبوسيف حلمي ومارسيل عزمى والأخ المبارك الدكتور إلهامي إبراهيم بترجمة بقية النص (الأصحاحات التسعة الأخيرة). الرب يبارك كل عمل ويهب استنارة لكل نفس للتمتع بكلمة الله الحيّ.


 

مقدمة في

سفر زكريا

1. كلمة "زكريا" في العبرية تعنى "يهوه يذكر"[2]. كان هذا الاسم شائعًا عند اليهود، إذ ورد فى الكتاب المقدس حواليّ ثلاثين شخصًا يحملون هذا الاسم. وقد جاء هذا الاسم يُناسب السفر وظروفه، إذ يهدف إلى تشجيع النفس على الجهاد الروحي لبناء هيكل الله فيها، فالله نفسه يذكرها دومًا ليقيم بنفسه الهيكل ويقدسه. وكما يقول المرتل: "أما أنا فمسكين وبائس، الرب يهتم بيّ، عوني ومنقذي أنت، يا إلهي لا تبطئ" (مز 40: 17). إنه يهتم بنا ليقيم مملكته فينا، لا بالكلام بل بالعمل، بنزول الابن الوحيد على الصليب وإرسال الروح القدس فينا في استحقاقات الدم الكريم.

2. يبدو أن زكريا ولد في أرض السبي البابلي، وجاء وهو طفل مع جده "عدو" في أول دفعة من الراجعين مع زربابل من السبي (نح 12: 1، 4، 7)، وكان جده رأسًا لعائلة كهنوتية معروفًا وسط الشعب. أما الأب فيبدو أنه مات شابًا ربما قبل العودة من السبي.

3. بدأ زكريا نبوته في السنة الثانية لداريوس هيستاسيس عام 520 ق.م، أما آخر تاريخ يشار إليه في السفر فهو السنة الرابعة للملك داريوس (زك 7: 1) عام 518 ق.م. وإن كان كثير من الدارسين يروا أن الجزء الأخير من السفر (ص 9-14) كتب في شيخوخته بعد 30 أو 40 عامًا من كتابة الجزء الأول منه (ص 1-8). على أي الأحوال عاصر زكريا زربابل الوالي ويهوشع الكاهن العظيم وحجي النبي (زك 3: 1؛ 4: 6؛ 6: 11؛ عز 5: 1-2). وكان رفيقًا للأخير في الكفاح، يحمل ذات الرسالة، تربط بينهما علاقة وثيقة ومحبة عميقة، حتى جاء في التقليد اليهودي أن زكريا دُفن بجوار حجي الذي كان زميلاً ومحبًا له.

الظروف التاريخية :

أصدر كورش ملك فارس منشورًا عام 538 ق.م فيه سُمح للراغبين من اليهود أن يعودوا إلى مواطنهم لإعادة بناء الهيكل (2 أى 36: 22، 23؛ عز 1: 1-4). وإذ كانت الظروف المالية لغالبية اليهود المسببين حسنة استصعبوا العودة ليبدأوا حياتهم من جديد في بلدهم التي نهبها الأمم بالرغم من شعورهم بالمذلة كمسبيين وحرمانهم من هيكلهم وعبادتهم. وهكذا لم يرجع سوى خمسين ألفًا يُعتبرون النخبة الممتازة منهم نسبيًا، الذين إلتهبت حياتهم غيرة على إعادة بناء بيت الرب.

وفى الشهر الثاني من عام 536 ق.م وضعوا الأساسات (عز 3: 11-13) لكن السامريين قاوموا العمل (عز 4: 5) فتوقف حوالي 15 عامًا. وإذ إحتل داريوس المُلك عام 521 تشجع النبيان حجي وزكريا على حث الناس للبدء من جديد تحت قيادة زربابل الوالي ويهوشع الكاهن. حاول تتناى الحاكم الفارسي لغرب الفرات إعاقة العمل بإرسال استفسار للملك يحمل في طياته إيقاف العمل، لكن الملك أكد قيام المنشور السابق، إذ كان يعطف على قضية اليهود، لإعتقاده بعبادة الإله الواحد وغيرته على تقديم روائح سرور لله والصلاة من أجله هو وبنيه (عز 6: 6-12).

انتهت المقاومة الخارجية لتظهر مقاومة أمر وأقسى هي وجود اتجاه مضاد لدى الشعب وفتور شديد في العمل، إذ حسبوا توقف العمل هذه السنوات علامة عدم رضى الله عليه، وقد انهمك كل واحدٍ فى العمل لحساب مصلحته الخاصة، الأمر الذي وبخهم الله عليه في حجي: "هذا الشعب قال أن الوقت لم يبلغ، وقت بناء بيت الرب... هل الوقت لكم أن تسكنوا في بيوتكم المغشاة وهذا البيت خراب؟!" (حجي 1: 4).

وحدة السفر :

بالنسبة للأصحاحات الثمانية الأولى يوجد اتفاق عام بين الباحثين أن الكاتب هو زكريا النبي[3]. أما بقية السفر (ص 9-14) فجاءت آراء الناقدين متفاوتة للغاية. فمن مدعي أنها كٌتبت على فترات متقطعة بعضها قبل سبي إسرائيل وأخرى ما بين سبى إسرائيل وسبى يهوذا، وفريق آخر ادعى أنها كتبت في فترات متأخرة بعد العودة من السبي، ولكن لا ندخل في مناقشات جدلية نلخص الآراء في الآتي:

أولاً: اعتمد بعض النقاد على وجود اختلاف واضح في طابع الكتابة بين الجزء الأول من السفر (ص 1-8) والجزء الثاني منه (ص 9-14)، أهمه[4]:

1. يحمل الجزء الأول تلميحات تاريخية واضحة، أما الجزء الثاني فتلميحاته التاريخية إن وجدت فغامضة.

2. يركز الجزء الأول حديثه على إعادة بناء الهيكل تحت قيادة زربابل ويهوشع، بينما لا يحمل الجزء الثاني إشارة لهذا العمل.

3. استخدام النثر بطريقة مطولة في الجزء الأول ويظهر تأثره بحزقيال النبي في أسلوبه، أما في الثاني فيستخدم الشعر بطريقة مبسطة متأثرا بهوشع وإشعياء وتثنية وإرميا وحزقيال وأيوب الخ...

4. يُركز العصر المسيانى في الجزء الأول على أورشليم كمركز له وإحياء بيت داود، أما في الجزء الثاني فيهتم بيهوذا كمركز له وإن ذكر أورشليم وبيت داود فبطريقة عارضة.

ويُرد على أصحاب هذا الفكر بأن الاختلاف في الطابع لا يعنى اختلاف الكاتب، وإنما علته اختلاف هدف القسمين، الأول غايته تشجيع الشعب على بناء الهيكل، وأما الثاني فغايته تأكيد بركة الرب لهم خاصة في العصر الميسانى، مع التنبؤ عن عمل الله معهم عبر العصور بعد إعادة بناء الهيكل. هذا ويرجع اختلاف الأسلوب في نظر البعض إلى عامل أخر، فإن كاتب الجزء الأول هو زكريا الشاب، أما الجزء الثاني فكاتبه زكريا الشيخ.

ثانيًا: لخص Raven في كتابه "مقدمات العهد القديم" أراء النقاد الذين اعتمدوا على دلائل داخلية للسفر لتأكيد أن كاتب الجزء الأخير ليس بزكريا:

الرأي الأول: يرى بعض النقاد مثل Strack Bandissin, أن الأصحاحات (9-11) سابقة لسبي إسرائيل (ويُحتمل أيضًا 13: 7-9)، وأن الأصحاحات (12-14؛ عدا 13: 7-9) كُتبت في أيام يهوياقيم ويهوياكين وصدقيا أي قبل سبي يهوذا، وسنذكر مبرراتهم والرد عليها في صلب التفسير.

الرأي الثاني: يرى فريق من النقاد من بينهم Nowack Driver, أن هذا الجزء بكليته (9-14) كُتب بعد العودة من السبي، وأنه يُسجل لنا أحداث متأخرة بعد العودة، وجاءت براهينهم ردًا على أصحاب الرأي الأول بصورة قوية لا نود الدخول في تفاصيلها. أما كون هذه الأحداث التي سجلها السفر تصف عصور ما بعد زكريا فلا ينفي أن الكاتب هو زكريا إذ يكتب بروح النبوة عن المستقبل، وليس كمؤرخ لأحداث معاصرة. هذا ما يجعل الكثيرين يؤكدون وحدة السفر وقبول التقليد اليهودي والكنسي بأن السفر كاتبه زكريا وحده.

سماته :

1. يُعتبر هذا السفر سندًا قويًا للنفس الخائرة، فجاء يحمل لغة الرجاء لشعبٍ عاش تحت نير السبي سبعين عامًا محرومًا من الهيكل والتقدمات وعند عودته لبناء الهيكل بقي حوالي 15 عامًا عاجزًا عن العمل. فجاء السفر ييقظ الهمم الخائرة الواهنة فلا نجد فيه نغمة الانتهار العنيف أو التهديد.

2. قدم لنا في الأصحاحات الستة الأولى تسع رؤى، كما استخدم الرمزية في بعض أجزائه.

3. ركز على العصر المسيانى، ففيما هو يسندهم على إعادة بناء الهيكل يكشف لهم عن هيكل المسيا المخلص في كنيسة العهد الجديد، مقدمًا نبوات واضحة عن شخص السيد المسيح مثل دخوله الملوكي إلى أورشليم (9: 9)، وتسليمه بثلاثين من الفضة (11-2)، وجراحاته (13: 6)، وطعنه (12: 10)، وكونه الراعي المتألم (13: 7)، وفتح ملكوته للجميع (9: 10). هذا بجانب ارتباط بعض الأفكار والعبارات التي للسفر بالعهد الجديد مثل الفرسان الأربعة (1: 7 الخ، رؤ 6: 18)، وقياس المدينة المقدسة (1: 16، رؤ 11: 1-2)، المنارة والزيتونتان (4: 1-3 ،11-14؛ رؤ 11: 4-10) وتشتيت الخراف (13: 7، مت 26: 31) الخ...

يتحدث ماكنزي Mckenzie عن العنصر المسياني كما جاء في سفر زكريا، قائلاً: [المسيانية هي النغمة السائدة في زكريا (ص 1-8)، إذ يعرض لنا كشفًا عن جماعة دينية قومية مسيانية جديدة تقوم في فلسطين ومركزها أورشليم. يرى النبي أن الوقت قد قرب لتحقيق الخلاص الذي يقدمه المسيا، وأن إعادة بناء الهيكل هو علامة بداية لمجيئه. في العصر الميسانى ينهزم الأمم (2: 1-4، 10: 13)، ويُعاد بناء الهيكل (1: 16)، وأورشليم (8: 3)، ويأتي يهوه ويسكن مع شعبه (2: 14، 8: 3)، ويجتمع المسبيون معًا، ويتعبد الأمم ليهوه (2: 15؛ 8: 20-23)، ويحل السلام والفرح (3: 10، 8: 12)، وتنتزع الخطية (3: 9، 5: 1، 11)... فالمسيانية حسب زكريا ليست مجرد قومية لكنها تضم تطهيرًا للجماعة المعينة باتحادها بيهوه[5]]. كما يقول: [والمسيانية أيضًا هي النغمة السائدة في زكريا (ص 9-14)، لكنها هنا تظهر رؤية بصورة أقوى، وأن الخلاص يتحقق مع نهاية الزمن... وأن أهم ملامح المسيانية هنا هو ظهور مسيا الفقراء (9: 9)[6]].

4. إذ كان زكريا النبي كاهنًا كان قلبه ملتهبًا نحو الخدمة الكهنوتية التي حُرم منها هو وآباؤه زمانًا طويلاً، فجاءت نبوته مثالاً للنبي الطقسى، تعلن عن الله العامل في الطقس الروحي، مقدمًا لنا السيد المسيح ككاهن ينزع عنا ثوبنا القذر، ويهبنا الثوب المزخرف والعمامة الطاهرة (ص 3)، ويعطينا خلال عمله الكهنوتي شركة إكليله السماوي المجيد (ص6).

أقسامه :

أولاً:  الرؤى التسع                  [1-6].

ثانيًا: تساؤل حول الصوم             [7-8].

ثالثًا: إسرائيل والعصر المسيانى     [9-14].

 


 

[1] حاولت اختصار أقوال القديس ديديموس الضرير فى الأصحاحات الخمسة الأولى حيث يمكن الرجوع إليها بتوسع فى الكتاب المذكور.

 

[2] The New Westminster Dict of the Bible, P 1014.

[3] Raven J.H. ; Old Testament Introd, P 241.

[4] Jerome Biblical Comm. P 391

[5] Dict. Of  the Bible, P 949. S. IBID 950

 

الباب الأول

 

 

الرؤى التسع

ص1- ص 6

 

 

v        دعـوة للتوبة                         [ص 1]

رؤيا 1: راكب الفرس الأحمر             [ص 1]

رؤيا 2: الأربعة قرون                    [ص 1]

رؤيا 3: قياس المدينة المقدسة           [ص 2]

رؤيا 4: يهوشع الكاهن العظيم            [ص 3]

رؤيا 5: المنارة الذهبية                   [ص 4]

رؤيا 6: الدرج (المنجل) الطائر           [ص 5]

رؤيا 7: المرأة وسط الإيفة               [ص 5]

رؤيا 8: المركبات                         [ص 6]

رؤيا 9: تتويج يهوشع                   [ص 6]


 

الرؤى التسع

بعد افتتاحه السفر بالدعوة للتوبة قدم لنا زكريا النبي الرؤى التسع التي شاهدها. فى مجملها رؤى إنجيلية مبهجة تسند الشعب في عصره على إعادة بناء الهيكل تحت قيادة زربابل الوالي ويهوشع الكاهن، وتسند كل نفس في كل عصر على التمتع ببناء الهيكل الداخلي كمركز للمسيح الملك والكاهن الأعظم. وقد جاءت الرؤى متسلسلة ومترابطة تبدأ بالإعداد لمجيء المسيا بأنيّ البيت الداخلي، وإعلان إنجيله الذي يُحطم كل مقاومة روحية للبناء المقدس، والكشف عن المبنى ذاته فينا (أورشليمنا الداخلية) واستلامه العمل ككاهن أعظم، وإرسال روحه القدس ينير مقدسة فينا. بعد هذه الجوانب الطبية يحذرنا من الخطية مرة ومرتين وأخيرًا يعلن مجيء الرب الأخير ليدين الشر ويكلل السالكين ببره.

رؤيا 1: راكب الفرس الأحمر        : التهيئة لمجيء المسيا.

رؤيا 2: الأربعة قرون                : الأناجيل الأربعة تحطم شر العالم.

رؤيا 3: قياس المدينة المقدسة         : الرب يقيم مقدسة داخلنا.

رؤيا 4: يهوشع الكاهن العظيم        : الرب كاهننا الأعظم.

رؤيا 5: المنارة الذهبية               : الروح القدس واهب الاستنارة.

رؤيا 6: الدرج (المنجل) الطائر       : تحذير من التهاون.

رؤيا 7: المرأة وسط الإيفة           : إعادة التحذير.

رؤيا 8: المركبات                    : إدانة الشر أبديًا.

رؤيا 9: تتويج يهوشع                : تكليلنا الأبدي فيه.

 


 

الأصحاح الأول

رؤيتا الخيل والقرون الأربعة

بعد أن افتتح السفر بدعوة للتوبة بكلمات مملؤة رقة تتناسب مع شعب انسحق بالذل في السبي قدم لنا في هذا الأصحاح رؤيتين مبهجتين تخصان إقامة هيكل الرب فينا.

1. دعوة للتوبة                      [1-6].

2. رؤيا الخيل                        [7-11].

3. غيرة الرب على بيته             [12-17].

4. رؤيا الأربعة قرون                [18-21].

1. دعوة للتوبة :

 حدد النبي تاريخ نبوته بالشهر الثامن في السنة الثانية لداريوس (520 ق.م)، قائلاً: "في الشهر الثامن في السنة الثانية لداريوس كانت كلمة الرب إلى زكريا بن برخيا بن عدّو النبي، قائلاً" [1]. هنا يذكر النبي اسمه واسمي والده وجده، ولعل ذكر اسم جده لأنه هو الذي قام بتربيته بعد وفاة والده، ولأنه كان مشهورًا وسط العائدين من السبي (نج 12: 1، 4، 7).

كانت دعوة الرب إليهم هي: "قد غضب الرب على آبائكم... هكذا قال رب الجنود ارجعوا إليَّ يقول رب الجنود فأرجع إليكم يقول رب الجنود" [2-3]. ويلاحظ هنا:

أولاً: في هذه الدعوة لم يذكر تفاصيل خطايا آبائهم الماضية، إذ لم يرد أن يجرح مشاعرهم بعد دخولهم فى ذل السبي... وإنما أراد حتى في حثهم على التوبة أن يسندهم ويشجعهم ويرفع من روحهم المعنوية.

ثانيًا: لعله قصد هنا بآبائهم الأجيال السابقة للسبى التي لم تسمح للأنبياء الحقيقيين بل سارت وراء الأنبياء الكذابة فانتهى الأمر بسبي إسرائيل ثم يهوذا. وربما قصد بهم الذين رجعوا من السبي منذ حوالي 15 عامًا، الذين أهملوا في بناء الهيكل وانهمكوا في ملذاتهم الأرضية (حجى 1)، هؤلاء الذين فى غيرتهم رجعوا من السبي إلى أورشليم مع زربابل، لكنهم إذ لم يرجعوا بقلوبهم للرب توقف العمل وخسروا حياتهم الروحية. لذلك يؤكد الرب: "ارجعوا إليَّ... فأرجع إليكم". إنه قبل الرجوع إلى المكان يطلب رجوع القلب إليه، أما من جهته فهو مستعد بل ومشتاق أن يرجع إلينا ويبني هيكله الروحي فينا. هذا هو نداء الله المستمر لنا، وكما يقول القديس أغسطينوس: [الله في طول أناته ينتظر الخاطئ، قائلاً: "ارجعوا إلى فأرجع إليكم"[1]]. كما يقول: [برجوعنا الكامل إلى الله نجده مستعدًا كقول النبي: "نجده مستعدًا كالفجر" (هو 6: 3 الترجمة السبعينية). الله ليس بغائب بل هو حاضر في كل موضع ونحن بانحرافنا نفقده، إذ قيل: "في العالم كان والعالم به كُونَ والعالم لم يعرفه" (يو 1: 10) لقد كان في العالم والعالم لم يعرفه لأنه عدم نقاوة أعيننا تجعلنا لا نراه[2]]. كما يقول: [لقد تركك الله بكونك أنت هو التارك. أنت الذي سقطت عنه أما هو فلا يسقط عنك[3]...].

إذن الرجوع إلى الله ليس مجرد تغيير المكان، أي ترك بابل والذهاب إلى أورشليم، بل هو تغيير مركز النفس بالنسبة لله، فعوض أن تعطيه القفا بأعمالها الشريرة تعطيه الوجه مقتربه إليه روحيًا. وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [يجب ألاَّ يُفهم هذا الافتراق وهذا الاقتراب انه يتحقق في مكان معين، إنما خلال موقف الروح واستعدادها[4]].

ثالثًا: يسألهم الاتعاظ بما حدث مع آبائهم: "آباؤكم أين هم؟! والأنبياء هل أبدًا يحيون؟!" [5]. ربما قصد أنه سبق فأنذر آباءهم بالأنبياء لكن إلى حين، فإذ رفضوا الإنذار هلكوا وخسروا الأنبياء. ويرى القديس ديديموس الضرير أنه يقصد بالأنبياء هنا الأنبياء الكذبة الذين خدعوا آباءهم بقولهم لهم: "سلام سلام ولا سلام" (أر 11: 8). هلكوا مع الأنبياء الكذبة الذين خدعوهم، فاختفى المضلون والذين تركوا أنفسهم ينخدعون بأكاذيبهم.

رابعًا: في دعوته بالرجوع دعي الله "رب الجنود"، مكررًا اسمه ثلاث مرات في عبارة واحدة [3]. فمن ناحية يتقدم الرب إليهم كرب الجنود، ليعلن مسئوليته عن العمل فلا يخافون من المقاومين، إذ هو قادر أن يتمم العمل بهم إن خضعوا له كجنود روحيين لقائدهم. أما تعبير "رب الجنود" ثلاث مرات عند عودته للتوبة إنما هو تأكيد لعمل الثالوث القدوس في حياتهم، فلا يقدر الإنسان أن يرجع إلى الله ما لم يختبر محبة الآب الباذلة، ونعمة الابن خلال الصليب، وشركة الروح القدس واهب المغفرة.

خامسًا: يؤكد هذا السفر المبدأ الهام الذي سبق فأعلنه الله في كتب الأنبياء قبل السبي أن ما يحل بهم هو تأديب من قبل الرب، ولكنه في نفس الوقت ليس إلاَّ ثمرة طبيعية للخطية... "كطرقنا وأعمالنا كذلك فعل بنا" [6]. فالإنسان هو الذي يلقى بنفسه تحت التأديب كثمرة أفعاله.

سادسًا: إن كان آباؤهم قد هلكوا بسبب التصاقهم بالشر، فإن من يلتصق بالباطل يصير باطلاً؛ فالعلاج هو الالتصاق بالحق ليحيا أبديًا. هكذا يُقدم الله كلمته، أي الحق، لنلتصق به فلا نموت... "ولكن كلامي وفرائضي التي أوصيت بها عبيدي الأنبياء أفلم تدرك آباءكم؟!" [6]. وكما يقول أشعياء: "يبس العشب، ذبل الزهر، أما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد" (أش 40: 8).

2. رؤيا الخيل :

 بعد بدء نبوته بثلاثة شهور حلّ شهر شباط الذي فيه تفرخ الأشجار وتفوح رائحة شجر الآس الطيبة. ولعل النبي كان يقضى اليوم كله في واد قريب منه، يسقط راكعًا تحت ظلال شجر الآس، ودموعه لا تجف، صارخًا: "يارب إلى متى أنت لا ترحم أورشليم ومدن يهوذا التي غضبت عليها هذه السبعين سنة؟!" [12]. كان وسط نحيبه يتجه بقلبه نحو الهيكل الذي صار خرابًا وإلى الشعب الذي جاء منذ حوالي 15 عامًا لبناء الهيكل لكن كل واحد انهمك في أعماله الخاصة ومصالحه الشخصية. كان النبي ككاهن يئن مشتاقًا إلى عودة الهيكل بطقوسه الروحية التي لم يمارسها منذ ولادته حتى تلك اللحظات. لذلك في الليل وهبه الله هذه الرؤيا: "رأيت في الليل وإذا برجل راكب على فرس أحمر وهو واقف بين الآس الذي في الظل، وخلفه خيل حمر وشقر وشهب. فقلت: يا سيدي: ما هؤلاء؟ فقال ليَّ الملاك الذي كلمني أنا أريك ما هؤلاء. فأجاب الرجل الواقف بين الآس وقال: هؤلاء هم الذين أرسلهم الرب للجولان في الأرض. فأجابوا ملاك الرب الواقف بين الآس وقالوا: قد جُلنا فى الأرض وإذا الأرض كلها مستريحة وساكنة" [8-11].

 

بهذه الرؤيا يعلن الله عن تدبيراته الخلاصية واهتمامه ببيته الروحي هذا وقد أعطاه الله ملاكًا يكلمه، هذا الذي رافقه في كل الرؤى، يدخل معه في الحوار ويفسر له ما غمض عليه. كأن الرب أراد أن يؤكد مساندة السماء له وخدمة الملائكة للبشر (عب 1: 14).

 الآن، من هو هذا الرجل الراكب على فرس أحمر، الواقف بين الآس، الذي في الظل ويدعى: "ملاك الرب".

 تعبير "ملاك الرب" غالبًا ما يشير إلى الله نفسه[5] إذ يظهر كملاك أو مُرسل لأجل الإنسان، إذ كلمة "ملاك" تعنى "رسول"، وقد جاء في التلمود البابلي: "هذا الرجل ليس إلاَّ القدوس المبارك، إذ قيل: "الرب رجل حرب". ويقول القديس ديديموس الضرير: [الراكب على فرس أحمر هو الرب المخلص المتجسد، والفرس الأحمر هو الجسد الذي لبسه. لقد رآه النبي "وهو واقف بين الآس الذي في الظل" أي بين الجبال المظللة. الجبال هي العهدان. معي جبال خصبة ومظللة بسبب غنى الأفكار وكثرة نصوص الكتاب عن المتجسد].

 يمكننا القول بأن النبي نظر هذه الرؤيا "في الليل" [8]، أي خلال العهد القديم حيث لم يكن بعد قد ظهر السيد المسيح شمس البر الذي حوّل ليل العالم إلى نهار. رآه خلال النبوات، لذا رآه في الظل، لم يتحقق مجيئه بعد. رآه رجلاً راكبًا على فرس أحمر إذ تجسد فصار إنسانًا، يتقدم إلينا بعمله الإلهي خلال الصليب حيث الدم المبذول، وكما قال أشعياء: "من ذا الآتي من أدوم بثياب حُمر... ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة؟! قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد" (إش 63: 1-3).

 رأى النبي خلف السيد المسيح خيل حمر وشقر وشهب، قال عنهم السيد "هؤلاء هم الذين أرسلهم الرب للجولان في الأرض" [10]. بمجيء السيد المسيح إلينا للخلاص انفتحت السماء وتحول السمائيون إلى خدمة الإنسان لحساب العريس السماوي، وصاروا كمن يجولون فى الأرض لخدمة العتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 1: 14).

 ولعل هؤلاء الذين أرسلهم الرب للجولان في الأرض هم الرجال العهد القديم الذين هيأوا الأرض لاستقبال الكلمة المتجسدة خلال تعاليمهم ونبواتهم، هؤلاء الذين سبقوه في الطريق لكنهم يبقون خلفه بكونه ربهم ومخلصهم أما إجابتهم: "قد جُلنا في الأرض وإذا الأرض كلها مستريحة وساكنة" [11]. فتُشير إلى تهيئة الأرض لاستقبال المسيا المخلص، إذ صار الطريق مُعدًا والزمن مناسبًا لنزوله.

 إن كان الراكب على الفرس الأحمر يرمز لكلمة الله المتجسد، فهذه الخيل المختلفة الألوان ربما تعنى الأعمال الإلهية، وكأن النبي يعلن للشعب اليهودي في ذلك الحين أن الله قدم أعمالاً متنوعة وهيأ لهم بكل وسيلة جوًا من الهدوء، فالأرض كلها ساكنة ومستريحة ليس من يقاوم ولا من يدير مكائد ضدهم فعليهم أن يسرعوا في بناء بيت الرب. وبنفس المعنى نقول أن النبي يعلن بأن السيد المسيح قد أرسل لنا خيله الحمر والشقر والشهب، مقدمًا لنا كل موهبة سماوية وعطية إلهية لكي يجعل أرضنا أي جسدنا ساكنًا وهادئًا لا يقاوم الروح بل يعمل معها لحساب مجد الله. إنه وقت للعمل، فيه يليق بنا تكريس كل طاقتنا الروحية كما الجسدية للبناء الروحي أورشليمنا السماوية.
 هذه هي الرؤيا الأولى التي رفعت زكريا من دموعه اليومية في وادي الآس تحت الظلال لتدخل به إلى وادي عمل الله المُعلن خلال التجسد والصلب! بهذا نُزع زكريا من ضيقة نفسه إلى السلام الحقيقي والراحة، لذا قال: "الأرض كلها مستريحة وساكنة".

 ليتنا لا نفهم الأرض مستريحة وساكنة بمعنى الخمول والتراخي وإنما بمعنى التمتع بسلام الله الفائق، وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [الروح العاقلة تحمل طاقة تحركها في نشاط مستمر، لكنها إذ تعمل من أجل الخير تظل هادئة ومستريحة بلا اضطراب وتمتع بالسلام الداخلي الذي تبعثه مخافة الله... وكما هو مكتوب: "وأما المستمع ليّ فيسكن آمنًا ويستريح من خوف الشر" (أم 1: 33)].

في المسيح يسوع ربنا تصير نفوسنا وأيضًا أجسادنا، أي سمواتنا الداخلية وأرضنا مستريحة، إذ تتقدس به وتفرح بالرغم من حملها صليبه والدخول معه قبره.

3. غيرة الرب على بيته :

 إن كان زكريا النبي قد قضى سنوات يتأمل خراب الهيكل بدموع لا تجف، يسأل الله من أجل إعادة بناء الهيكل، فإن ربنا يسوع المسيح هو الشفيع الكفاري وحده الذي يصرخ بدمه الكريم من أجل قيام مقدساته في البشرية، إذ قيل "فأجاب ملاك الرب وقال: يارب الجنود إلى متى لا ترحم أورشليم ومدن يهوذا التي غضبت عليها هذه السبعين سنة؟!". لقد سقطت البشرية تحت سبى عدو الخير سنينًا هذه مقدارها ولم يكن يستطع أحد أن يشفع فيها إلاَّ ذاك الذي قدم دمه كفارة عن خطايانا، جالبًا الرحمة الإلهية بإيفائه دين العدل الإلهي بالصليب. ولم تكن شفاعته كلامًا مجرد بل عملاً مملوء حبًا وفعّالاً، أمكنه به أن ينزع عن المؤمنين به الغضب الإلهي ويدخل بهم إلى مراحم الله ليُقام فيهم هيكله المقدس السماوي. هذا هو الكلام الطيب وكلام التعزية الذي أعلنه الملاك المرافق له [13].

 بالصليب يقول الرب: "غرت على أورشليم وعلى صهيون غيرة عظيمة، وأنا مغضب بغضب عظيم على الأمم المطمئنين، لأنى غضبت قليلاً وهم أعانوا الشر. لذلك هكذا قال الرب: قد رجعت إلى أورشليم بالمراحم فبيتي يُبنى فيها يقول رب الجنود ويُمد المطمار على أورشليم. نادِ أيضًا وقل: هكذا قال رب الجنود: إن مُدني تفيض بعد خيرًا والرب يعزى صهيون بعد ويختار بعد أورشليم" [14-17]. فمن الجانب التاريخي تحقق ذلك حرفيًا، فبعد سبى يهوذا سبعين عامًا أعلن الله غيرته على مدينته وشعبه، وإذ كانت الأمم مطمئنة أنها أذلت شعب الله تمامًا وخربت أرض الموعد وحطمت الهيكل المقدس؛ بعضها قام بالدور الرئيسي كالبابليين والآخر شارك بالعمل كالأدوميين أو بالشامتة... لكن فيما هم مطمئنون رجع الرب إلى أورشليم ليقيم بيته من جديد ويسمح بمدّ المطمار (آله قياس الحائط) لا للهدم كما كان عند السبي بسبب انحراف الحوائط وإنما لإقامة المباني والتعمير، وهكذا يفيض على شعبه بالخير ويعلن محبته ورعايته له.

تحقق هذا حرفيًا في القرن السادس ق.م، لكنه تحقق بصورة أكمل وبفكر أعمق في العصر المسيانى، حيث صعد الرب على صليبه يبسط يديه بالبركة للبشرية محطمًا سبى إبليس واهبًا الخير الحق للمؤمنين به، وكما يقول القديس بولس: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء!؟" (رو 8: 32). رجع إلينا بمراحمه ليقيم هيكله فينا، قائلاً: "ملكوت الله في داخلكم". مدّ يده بالمطمار ليبنى وينمى حياتنا الداخلية، فتفيض من ثمر روحه القدوس بركات و تعزيات (يو 15: 26) تكشف عن اختياره لأورشليمنا الداخلية عروسًا له.

 ما هو هذا البيت الذي يشغل قلب الله؟

 أولاً: الكنيسة التي يقيمها الرب عروسًا له، هذه التي أشار إليها الرسول بقوله: "ولكن إن كنت أبطئ فلكي تعلم كيف يجب أن تتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحيّ عمود الحق وقاعدته" (1 تى 3: 14).

ثانيًا: يقول القديس ديديموس: [إن هذا البيت هو الجسد ربنا يسوع المسيح الذي قلبه مسكنًا له واحدًا مع اللاهوت بلا اختلاط ولا انفصال، هذا الذي قال عنه "انقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمه... كان يقول عن هيكل جسده" (يو 2: 19، 21). هذا البيت الذي أعلن عنه سفر الأمثال: "الحكمة بنت بيتها" (أم 9: 1)].

ثالثًا: يختم القديس ديديموس حديثه عن هذا البيت بقوله: [كما يجب أن نضيف أن كل مؤمن هو أيضًا بيت مبني ليكون هيكلاً لله. يقول الكتاب: "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم" (1 كو 3: 16). يقول المخلص نفسه بوضوح: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23)].

4. رؤيا الأربعة قرون :

حسب القانون العبري يبدأ الأصحاح الثاني من هذا السفر بهذه الرؤيا الثانية الخاصة بظهور الأربعة قرون التي بددت يهوذا وإسرائيل وأورشليم حتى لم يرفع إنسان رأسه [21]، ثم ظهور أربعة صناع قاموا لبث الرعب وطرد هذه القرون التي للأمم.

ربما كان زكريا النبي في خلوته يتطلع إلى كل اتجاه من اتجاهات المسكونة ليرى الأمم وكأنهم يضربون أورشليم بقرنهم بلا توقف ولا رحمة. لقد ألف اليهود رعاية الغنم وأدركوا ضربات القرون للوحوش القرنية كيف تقتل الغنم وتبدده، لهذا يقول المرتل: "خلصني من فم الأسد ومن قرون بقر الوحش استجب ليّ" (مز 22: 21). ويتحدث دانيال النبي عن القرن الذي حارب القديسين فغلبهم حتى جاء القديم الأيام (دا 7: 21-22). هكذا صارت القرون إشارة إلى القوة والسلطان، إذ يقول الرب في ميخا: "قومي ودوسي يا بنت صهيون لأني أجعل قرنك حديدًا، أظافرك أجعلها نحاسًا فتسحقين شعوبًا كثيرين وأحرم غنيمتهم للرب وثروتهم لسيد كل الأرض" (مي 4: 13).

ويلاحظ في هذه الرؤيا الخاصة بهذه القرون الأربعة الآتي:

أولاً: يرى البعض في هذه القرن الأربعة إشارة إلى الممالك التي أذلت الشعب وهى مملكة أشور وبابل، مملكة مادي وفارس، مملكة الكلدانيين، مملكة الرومان. وقد أرسل الله لكل مملكة صانع يبددها ويذلها، وها هي الممالك الأربع قد اندثرت تمامًا، إذ تحطمت قرونها وبقى عمل الله ناجحًا، وكما يقول المرتل: "لماذا ارتجت الأمم وتفكرت الشعوب في الباطل، قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا، على الرب وعلى مسيحه... الساكن في السماوات يضحك بهم والرب يستهزئ بهم" (مز 2). هذه المماليك أُشير إليها بالمعادن الأربعة والحيوانات الكبيرة الأربعة التي برزت من البحر الواحد تلو الآخر في رؤيا دانيال النبي.

ثانيًا: يرى العلامة أوريجانوس والقديس أغسطينوس وكثير من آباء الكنيسة أن رقم 4 يشير إلى جهات المسكونة الأربع أي إلى محبة العالم كما يشير إلى الجسد بكونه من تراب هذا العالم. وكأن هذه القرون التي تبدد "يهوذا وإسرائيل وأورشليم" [19]، "حتى لا يرفع إنسان رأسه" [21]، تعنى أن محبة العالم وشهوات الجسد تحطم يهوذا، أي اتحادنا بالسيد المسيح الخارج من سبط يهوذا، كما تحطم إسرائيل الجديد أى عضوتنا الداخلية ونقاوة قلبنا التي بها نعاين الله. بها لا يرفع الإنسان رأسه، بل ينحني بنفسه لتدفن فى التراب كما حدث مع صاحب الوزنة الواحدة (مت 25: 18)، عوض أن يرتفع بجسده إلى السماء تنحني نفسه مع شهوات جسده إلى الأرض.

ثالثًا: كما أثار الشيطان أربعة قرون ضد أورشليم أرسل الله أربعة صناع، وكأن الله يسند أولاده قدر ما يدخلون في تجارب أو ضيقات، كلما اشتدت حرب الشيطان أرسل بالأكثر عونًا. هذا هو عمل الله عبر العصور، فإذ كان فرعون عنيفًا أرسل الله موسى، وإذ كان آخاب شريرًا أرسل الله إيليا، وعندما ثار أريوس ضد الكنيسة أعدّ الله أثناسيوس الرسولى وهكذا. وما يدور على مستوى كنيسة العهد القديم أو العهد الجديد يتحقق كل يوم في حياة كل واحد منا.

رابعًا: يرى بعض الآباء أن القرون الأربعة هي حرب إبليس من كل جانب، هذه التي تقول عنها الرسول بولس: "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولادة العال على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية فى السماويات" (أف 6: 12)، وقد احتاجت الكنيسة إلى الأناجيل الأربعة بكونها الصناع الذين يفسدون عمل إبليس بقرونه الأربعة. حقًا لقد استخدم الشيطان حربًا عنيفة بقرونه الأربعة لكن الأناجيل قدمت لنا صناعة جديدة للغلبة على الشيطان هو طريق الحب والوداعة، فنار إبليس التي يلهب بها قلوب الناس ضد المؤمن إنما يغلبها الحب. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن النار لا تُطفأ بالنار بل بالماء، هكذا لا يُقاوم الشر بالشر بل بالخير.

والعجيب أنه بالرغم مما أتسم به الصناع الأربعة من وداعة ارتعبت القرون قدامهم، كما ارتعب هيرودس صاحب السلطان أمام القديس يوحنا المعمدان الأعزل (مر 6: 20)، وكما ارتعبت فيلكس الوالي أمام القديس بولس الأسير الواقف للمحاكمة أمامه (أع 24: 25)!.


 

[1] On Ps. 145.

[2] On Ps. 6:4.

[3] Sermons on N.T. Lessons 92:4.

[4] أقوال القديس ديديموس الضرير في الأصحاحات الخمسة الأولي مقتطفة عن ترجمتين، أحدهما للأستاذ مليكه حبيب والمرحوم الشماس يوسف حبيب، والثانية لمدام عايدة حنا بسطا.

 

[5] راجع تك 16: 7-13؛ خر 3: 2-6؛ قض 13: 9، 22.

 

الأصحاح الثاني

قياس أورشليم الجديدة

 إن كان في الرؤيا الأولى قد ظهر المخلص في الظل يعد طريق الخلاص للمؤمنين، وفى الرؤيا الثانية ظهر إنجيل المسيح كصناع أربعة لتحطيم قوات الشر الروحية، ففي الرؤيا الثالثة يكشف لنا عن خطته للخلاص من السبي الحقيقي بإقامة أورشليم الجديدة الحرة بمقاييس روحية تحمل سمات الساكن فيها "الإله المتجسد".

1. قياس أورشليم ومجدها           [1-5].

2. هروبها من بابل                  [6-9].

3. أورشليم والتجسد                 [10-13].

1. قياس أورشليم ومجدها :

 يتقدم السيد المسيح نفسه كرجل بيده حبل قياس ليبنى بيته فينا بروحه القدوس حتى يكون مطابقًا لبيته السماوي الذي رآه القديس يوحنا المعمدان، أورشليم السماوية (رؤ 11: 1، 2؛ 15: 21 الخ).

يقول النبي "رفعت عيني ونظرت" مكررًا هذه العبارة في أكثر من موضع (1: 18 ؛ 2: 1 ؛ 5: 1 ؛ 6: 1). فإذ يعلن هذا السفر الفكر الإنجيلي الخاص بخلاص العالم لم يكن ممكنًا لزكريا النبي أن يدركه ما لم يرفع الله عينيه الداخلتين بروح النبوة ليرى ويدرك فكر الله من نحو الإنسان. أقول إنها دعوة موجهة إلينا جميعًا أن نرفع أعيننا بالروح القدس حتى لا تقف مداركنا عند حدود الحرف إنما ندخل إلى أسرار الله المخفية ونتطلع إلى أعماله الخلاصية، الأمور التي لا يمكن اختبارها بعينين منطمستين في تراب هذا العالم.

رأى "وإذا برجل بيده حبل قياس" [1]. لعل هذا الرجل هو كلمة الله الذي من أجلنا قد صار إنسانًا. إنه ذاك الذي سبق فرآه راكبًا على فرس أحمر واقفًا بين الآس الذي في ظل (1: 8)، قد جاء ليخطط مباني كنيسته المقدسة. يقول القديس ديديموس الضرير: [هو الرب المخلص الذي يشير إليه زكريا النبي بقوله: "هوذا الرجل الغصن الشرق إسمه، ومن مكانه ينبت ويبنى هيكل الرب" (6: 12 الترجمة السبعينية). إنه النور الحقيقي الذي يتحدث عنه يوحنا المعمدان: "هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتى بعدي صار قدامي لأنه كان قدامي" (يو 1: 15). هو باني أورشليم، قد رسم الأساس ووضعه كمهندس معماري. إذ تهدمت أورشليم بواسطة الأعداء الذين حاصروها يقيس طولها وعرضها لكي يضع الأساسات التي تُقام عليها الأسوار في المواضع المناسبة بترتيب وتنسيق. ويكتب القديس بولس الرسول عن هذه المدينة التي كان ينتظرها كل الذين أرضوا الرب بإيمانهم "التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله " (عب 10: 11). كما يقول حزقيال النبي أيضًا: "وإذا برجل منظره كمنظر النحاس وبيده خيط كتان وقصبة القياس وهو واقف بالباب"  (حز 40: 3)].

 في سفر الرؤيا نرى الهيكل المقدس والذبح يُقاسان شبه عصا، أما الدار الخارجية فتطرح خارجًا ولا تقاس (رؤ 11: 1، 2)، وكأن ربنا يسوع يود أن يطمئنا أن أولاد الله الحقيقيين الذين تقدسوا له محفوظون ومعروفون لديه أما الذين هم خارج الإيمان فهم خارج القياس لا يستحقون أن يكونوا موضوع معرفته... لهذا يوبخهم قائلاً: "لا أعرفكم من أين أنتم" (لو 13: 27).

 أما قصبة القياس فذهبية (رؤ 21: 15) أي سماوية، لأن الأمور الروحية والسماوية لا تقاس إلاَّ بما هو روحي[1].

 ما هو حبل القياس أو قصبة القياس الروحية التي يمسك بها مهندسنا المعماري لإقامة أورشليم المقدسة إلاَّ الصليب المقدس الذي يتكون من عارضتين: طولية وعرضية؟! بهذا الصليب يحدد أبعاد مدينته المقدسة فينا، قائلاً: "لأقيس أورشليم لأرى كم عرضها وكم طولها" [2]. على عارضة خشبه الصليب العرضية بسط السيد المسيح يديه ليضم بالواحدة اليهود وبالأخرى الأمم ليكون الكل معًا واحد فيه. وكما يقول القديس إيريناؤس: [علق على الشجرة ذاك الذي يجمع الكل فيه[2]]. والبابا أثناسيوس: [كان لائقًا بالرب أن يبسط يديه... حتى يضم بالواحدة الشعب القديم وبالأخرى الأمم ويوحدهما معًا فيه[3]]. هذا هو عرض أورشليم الجديدة، إذ يليق بالمؤمن أن يحمل سمة مخلصه المصلوب فيبسط بالحب يديه ليضم في قلبه كل البشرية إخوة له. أما بالنسبة للخشبة الطولية فسمر عليها جسد الرب المرتفع فوق الأرض، محققًا وعده "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع" (يو 12: 32)، عاملاً المصالحة بين الآب والإنسان فى جسده المصلوب. وكما يقول القديس هيبوليتس: [الصليب هو سلم يعقوب ؛ هذه الشجرة ذات الأربعاء السماوية ارتفعت من الأرض حتى السماء، أقامت ذاتها غرسًا أبديًا بين السماء والأرض، لكي ترفع المسكونة]. هذا هو طول أورشليم الجديدة حيث يليق بنا أن نُسمر معه على الخشبه لنقبل انفتاح السماء على الأرض وارتفاع الأرض إلى السماء. وكأن أبعاد أورشليمنا الجديدة هي فى عارضها اتساع قلبنا لكل إنسان، وطولها هو انفتاحه على السماء، بمعنى آخر هو ممارسة وصية الحب في المسيح يسوع ربنا، حب للبشرية كلها في الله السماوي.

 يكمل زكريا النبي حديثه بالقول: "وإذا بالملاك الذي كلمني قد خرج، وخرج ملاك آخر للقائه. فقال له: إجرِ وكلم هذا الغلام قائلاً كالأعراء تسكن أورشليم من كثرة الناس والبهائم فيها. وأنا يقول الرب أكون لها سور نارٍ من حولها وأكون مجدًا في وسطها" [4-5].

 يالها من رؤيا تبهج القلب إذ تكشف عن عمل الله معنا!

أولاً: إرساله الملائكة، فيخرج ملاك ووراءه ملاك، أما موضوع حديثهما فهو أورشليمنا، مسكن الله مع الناس. وفى سفر الرؤيا نرى الملائكة في تحرك مستمر معلنين شوقهم لليوم الأخير أو الحصاد (رؤ 14: 15-20)، مشتاقين أن يروا العروس وقد تكللت بالمجد مع عريسها.

 لعل الملاك الأول يشير إلى السمائيين وقد انتظروا تحقيق النبوات ليفرحوا بخلاص الإنسان ورجوعه إلى شركته معهم فى ليتورجياتهم وتسابيحهم الله، أما الملاك الثاني فيُشير إليهم وقد خرجوا فى العهد الجديد يفرحون بتحقيق ما سبق لهم انتظاره.

ثانيًا: غالبًا ما يقصد بالغلام هنا [4] زكريا النبي أو المؤمن بصفة عامة. فإن كان السيد المسيح قد شارك البشرية فصار جنينًا فطفلاً وصبيًا وشابًا ورجلاً لكنه لم يصر شيخًا حسب الجسد حتى تبقى عروسه دومًا في شباب متجدد روحيًا بلا شيخوخة العجز والضعف، فيترنم كل عضو فيها قائلاً: "وإن كان إنساننا الخارجي يفنى فالدخل يتجدد يومًا فيومًا" (2 كو 4: 16)، "وأما منتظرو الرب فيجددون قوة، يرفعون أجنحة كالنسور، يركضون ولا يتبعون، يمشون ولا يعيون" (إش 40: 31)، "يتجدد مثل النسر شبابك" (مز 103: 5).

 يقول القديس ديديموس الضرير: [الإنسان القديس في نظر ملائكة الله شاب، خاصة عندما يلبس الإنسان الجديد، فيمكن أن ينطبق عليه القول: "الولد أيضًا يعرف بأفعاله، هل عمله نقى ومستقيم؟!" (أم 20: 11)... ويقول يوحنا الرسول فر رسالته عن الذين يسهمون في الفضيلة: "كتبت إليكم أيهما الأحداث لأنكم أقوياء وكلمة الله ثابتة فيكم وقد غلبتم الشر" (1 يو 2: 14). فمن كان شابًا في الروح يتلق تعاليم الملاك الذي يخرج ليكشف له الإعلانات التي نراها في بقية النبوة".

ثالثًا: يكشف لنا عن أبعاد الكنيسة الجديدة، قائلاً: "كالأعراء تُسكن أورشليم من كثرة الناس والبهائم فيها". إنها تصير كالأعراء التي لا يحدها سور مادي بسبب إكتظاظها بالناس والبهائم، إذ هي مدينة الحب الذي بلا حدود. تحمل النفس في داخلها ملكوت الله المتسع بالحب للجميع بفرح داخلي مجيد. أما اكتظاظها بالناس والبهائم فتشير إلى تقديس النفس بطاقات غير محدودة وتقديس الجسد الذي كان حيوانيًا بإمكانيات جديدة بغير حدود. وكأن أورشليمنا الداخلية تتسع لكل إنسان، خلال تقديس النفس والجسد معًا بكل إمكانياتهما ومواهبهما.

رابعًا: إن كانت أورشليمنا الداخلية كالأعراء لا تحدها أسوار مادية، لكن لها سور فريد. "وأنا يقول الرب أكون لها سور نارٍ من حولها" [5]. هذا هو السور الناري أرسله لنا الابن الوحيد الجنس من عند الآب بعد صعوده، فحلّ على التلاميذ على شكل ألسنة نارية في يوم العنصرة ليحوط الكنيسة من كل جانب يحفظها من كل سهم شرير ويلهبها بحرارة الروح المستمر. لهذا يسبح المؤمن قائلاً: "بإلهي تسوّرت أسوارًا" (مز 18: 29)، "الرب حصن حياتي" (مز 27: 1) وكما يقول القديس جيروم: [لقد حاصرني الأعداء فأنت إذن حصني[4].] لقد صوب الأعداء سهامهم النارية نحو قلبي، لكن النار الإلهية تحوط بيَّ كسور لتلتهم نار الشر وتبيدها كما التهمت عصا موسى التي صارت حية حيات السحرة! هكذا عوض نار الشر القاتلة يلتهب بالنار الإلهية المقدسة.

 الله سور نار حولنا يلهب قلبنا بنار الحب فلا نصير كمن قيل عنهم "تبرد محبة الكثيرين" (مت 24: 12).

إذن بهذا السور الإلهي لا يطمع العدو فينا قائلاً: "إني أصعد على أرض أعراء، آتي الهادئين الساكنين فى أمن، كلهم ساكنون بغير سور وليس لهم عارضة ولا مصاريع، لسلب السلب ولغنم الغنيمة..." (حز 38: 11-12).

خامسًا: يقول الرب "وأكون مجدًا في وسطها" [5]. إن كان السيد المسيح هو اللؤلؤة الكثيرة الثمن التى نقتنيها فينا، فبنيرانه الإلهية المحيطة بنا لا يقدر أحد أن يتفرس في هذه اللؤلؤة المتلألئة داخلنا من أجل جمالها الفائق وإشعاعاتها التى لا يمكن التطلع إليها. يصير بهاؤه بهاءنا، ومجده لحسابنا، قائلاً لنا كما لعروسه: "وجملت جدًا جدًا فصلحت لمملكة، وخرج لكِ اسم في الأمم لجمالك لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليكِ يقول السيد الرب" (حز 16: 13-14).

2. هروبها من بابل :

 إن كان الله قد قام بنفسه بقياس المدينة وأحاطها بروحه القدوس سور نار وتجلى في داخلها بمجده، هذا كله يدفعها بالأكثر إلى الجهاد هاربة من كل عثرة حتى لا تفقد عمل الله فيها. لهذا يناديها "يا يا إهربوا من أرض الشمال" [6].

 من الجانب التاريخي الحرفي، هي دعوة إلهية للذين تمسكوا بأرض السبي بسبب مصالحهم الخاصة، لذا يدعوهم بالهروب من بابل "أرض الشمال" إلى أرض الموعد؛ وهنا لا يذكر اسمًا أو لقبًا لهم، لأنهم بسبب تمسكهم بالحياة الذليلة صاروا غير مستحقين لمعرفة الله بل يُدعون "يا يا" كمن هم مجهولين! ولكن من الجانب الروحي فالدعوة قائمة ومستمرة عبر العصور لكل إنسان. أما تكراره حرف النداء "يا" فلأن الدعوة موجهه إلى اليهود كما إلى الأمم أن يتركوا أرض السبي الشيطاني حيث تهب ريح الشمال الباردة (حكمة يشوع 43: 20) تطفئ لهيب الحب في القلب، ويذهبوا لا إلى أرض أخرى بل إلى السماء الروح خلال نيران الروح القدس الذي يرفعها عن أرض الشمال وينطلق بها من مجد إلى مجد ليدخل بها إلى حضن الآب في المسيح يسوع ربنا! إنها دعوة مكررة تضم الغني كما الفقير، الرجل كما المرأة ليتركوا أرض الشر وترابه ووحله ويعودوا بالروح القدس إلى المقدسات الإلهية. هذه الدعوة كما يقول القديس ديديموس الضرير معناها: ["اهربوا من الشر"، "حد عن الشر واصنع الخير" (مز 34: 14) ، وأيضًا: "اغتسلوا تنقلوا اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشر" (إش 1: 16)]. الأمر الذي يتحقق بامتناعنا عن كل أنواع الشر والتمسك بما هو ممدوح كوصية الرسول بولس:" امتحنوا كل شيء وتمسكوا بالحسن، امتنعوا عن كل شبه شر" (1 تس 5: 21- 22). فإن من يتطلع إلى الخير راغبًا فيه ومكملاً إياه يهرب من الشر".

 إن كان الله قد سمح بتفريقهم كرياح السماء الأربع بسبب شرهم، فإنه يدعوهم بترك مواضعهم والانطلاق إلى صهيون لتمتع بالنجاه (الخلاص)، قائلاً: "فإني قد فرقتكم كرياح السماء الأربع يقول الرب، تنجى يا صهيون الساكنة في بنت بابل" [6-7]. ويلاحظ في حديثه هنا الآتي:

أولاً: الله يُريدنا أن ننطلق من بابل التي تعني البلبلة والاضطراب لندخل صهيون حيث السلام الداخلي وحياة الفرح والتسبيح. ويقول القديس ديديموس: [مكان الخلاص، هو صهيون المقدسة فيها يمكن أن يخلص من كانوا يسكنوا فى بنت بابل سابقًا... وكما أن أسم "بابل" يعنى (بلبلة) فكل روحه مضطربة فهو بابلي، لذا يلزمنا أن نتخلص من هذا الحال إن كنا نرغب في الرجوع إلى صهيون، عندئذ ننشد التسابيح ونضرب على القيثارات تكريمًا لله، فهناك يليق بنا أن نرتل الله ونعزف له، كما هو مكتوب:" لك ينبغ التسبيح يا الله في صهيون، ولك يوفي النذر" (مز 65: 1)، وأيضًا: "رنموا للرب الساكن في صهيون، اخبروا بين الشعوب بأفعاله" (مز 9: 11). يستحيل علينا أن نسبح الله ونعزف له ونحن قاطنون في بنت بابل في الشمال، لهذا يصرخ الروح القدس بملء الصوت: يايا اهربوا من أرض الشمال يقول الرب، لتحتموا في صهيون يا سكان بنت بابل فإني أجمعكم من الأربع رياح، أي من أقاصي الأرض كلها].

 إذن لنهرب من بلبلة الخطية ونلجأ إلى سلام صهيون حيث الحصن الإلهي فترتفع[5] النفس لتوجد في بر الله تنعم بسلام الحق. وكما يقول القديس جيروم: [مادمنا في حالة النعمة تكون نفسنا في سلام، لكن إذ نبدأ باللعب مع الخطية تصير نفسنا في اضطراب كقارب تلطمه الأمواج[6]].

ثانيًا: ما هي الرياح الأربع التي سمح الله بها لتفريقهم عن أورشليم إلاَّ الأرواح الشريرة التي يسمح الله أن يتركها لتأديب من يسلم نفسه بنفسه لها. لا نعجب من هذا فقد حكم الرسول بولس على الشاب الذي أخطأ مع امرأة أبيه "أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5: 5). فإن كانت محبة الله تحمينا من سلطان الشرير، لكن عنايته أحيانًا تسمح بتسليمنا لمرارة هذا العدو الذي سلمنا أنفسنا بأنفسنا له وقبلناه أبًا لنا عوض الله أبينا (يو 8: 44)، عندئذ ندرك في مرارة حاجتنا إلى أبوة الله الحقة.

وربما يقصد بالرياح هنا التعاليم الغريبة التي تهز النفس لتقصفها، هذه التي لم تستطع أن تؤثر على القديس يوحنا المعمدان، إذ يقول عنه السيد المسيح: "ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا، أقصبة تحركها الريح" (مت 11: 7). وكما يعلق القديس هيلارى أسقف بواتيية: [هل ذهبتم لتنظروا إنسانًا فارغًا من معرفة الله، يستجيب لنسمات كل روح دنس؟[7]]. وكما يعلق القديس أغسطينوس: [بالتأكيد لم يكن يوحنا قصبة تحركها الريح، لأنه لم يكن محمولاً بكل ريح تعليم[8]]. وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [(الرياح الأربعة) يمكن أن تكون التيارات المختلفة للتعاليم، هذه التي تجعل السالكين بغير لياقة في الفكر، فتكون لهم أفكار شريرة وأعمال باطلة، يتأرجحون هنا وهناك. يقول الرسول بولس: "كي لا نكون في ما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال" (أف 4: 14)].

 وربما يقصد بالرياح الأربعة التجارب والضيقات التي تجرف النفوس المبينة على الرمل لا الصخر وتحطمها.

ولعل الرياح الأربعة أيضًا تشير إلى محبة العالم وشهوات الجسد التي تهتز النفس، إذ رأينا أن رقم (4) يشير إلى هذه الأمور في تفسيرنا للقرون الأربعة[9].

ثالثًا: لا يكفى الهروب من بابل بل يلزمنا الهروب إلى صهيون، بمعنى أنه لا يكفى الهروب من بلبلة الشر بل يليق بنا التحصن (صهيون) فى بر المسيح ربنا. ففي إيجابية العمل يقول القديس بولس: "بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل" (عب 12: 22-24). هكذا ينطلق بنا ربنا يسوع بدمه من الشر ليدخل بنا إلى صهيون فنحيا على مستوى سماوي.

أخيرًا، إذ يردنا الرب من سبينا الشيطاني ويدخل بنا إلى ملكوته الإلهي يعود فيعاقب إبليس الذي أذلنا، إذ يقول: "بعد المجد أرسلني إلى الأمم الذين سلبوكم، لأنه من يمسكم يمس حدقة عينه. لأني هأنذا أحرك يدي عليهم فيكونون سلبًا لعبيدهم، فتعلمون أن رب الجنود قد أرسلني" [8-9].

في دراستنا لبعض كتب الأنبياء لاحظنا أن الله الذي يستخدم الأمم للتأديب إذ تنتفخ الأمم على شعبه يعود فيعاقب هذه الأمم[10].

هنا يقول "بعد المجد"، ربما قصد بعد الصليب حيث رد الإنسان عن السبي فتمجد الله فيه، وفى نفس الوقت ردّ لإبليس شره بتحطيم سلطانه. العدو الذي أذل أولاد الله وسلبهم صار بالمسيح يسوع تحت المذلة بلا سلطان عليهم (كو 2: 14- 15).

ماذا تعنى "يمس حدقة عينه" إبليس الذي مدّ يده ألينا وأفقدنا بصيرتنا الروحية يرتد عمله عليه فيزداد عماه يومًا فيوم، وكأنه بشره المتزايد يمس حدقة عينه حتى يمتلئ كأس عماه! وما نقول عن إبليس نقوله عن الإنسان، فبصنعه الشر لأخيه إنما يمس حدقة عيني نفسه فيفقد البصيرة الروحية، وكأنه فيما هو يؤذى جسد أخيه أو ممتلكاته أو سمعته إذا به يصوب ضرباته على عيني نفسه الداخليتين.

 لا يرتد الشر عن فقدان البصيرة الداخلية فحسب وإنما أيضًا يمس كل كيانه بقول الرب: "يكونون سلبًا لعبيدهم" ففيما يظن أنه يحطم أخواته إذا بعبيده يسلبونه هو. من هم هؤلاء العبيد إلاَّ أحاسيس الجسد وعواطفه التي تصير بلا ضابط بسبب شره فتفقده كل بركة فيه. هذا ما نلاحظه عمليًا حينما نثور على إخوتنا تثور فينا شهوات الجسد داخلنا ونفقد كل عفة وانضباط، لأنه بثورتنا على إخوتنا نفقد سيطرتنا على أعماقنا وتتخلى نعمة الله الواهبة العفة والطهارة!

3. أورشليم والتجسد :

 إن كانت هذه الرؤيا تملأ النفس بهجة حيث يظهر السيد المسيح كرجل بيده حبل قياس ليقيس فينا أورشليمه السماوية الجديدة فإن سر الفرح الحقيقي سكناه فيها، إذ يقول: "ترنمي وافرحي يا بنت صهيون لأني هأنذا آتي وأسكن فى وسطكِ يقول الرب" [10]. يقول الأب يوحنا من كرونستادت: [إن سمة الخطية الاضطراب والغم أما سمة بر المسيح فهي السلام الداخلي والفرح. هكذا علق اليهود قيثارتهم على الصفصاف في أرض السبي إذ ملأ الغم حياتهم قائلين: "كيف نسبح تسبحة الرب في أرض غريبة؟!" (مز 136). وبعودتهم إلى صهيون عاد إليهم الفرح وتحولت حياتهم إلى تسبيح. يقول القديس ديديموس الضرير: [كما أنه في زمن السبي كان النحيب والأنين عند العبرانيين لأن الرب قد ابتعد عن المسببين هكذا عند عودتهم إلى الأم الروحية المدعوة صهيون يهبهم أمرًا بالترنم والفرح (ترنمي وأفرحي)، لأن الرب أتى وسكن في وسطها، فقد أقيم الهيكل فعلاً وجعل الله مسكنه فيه... يتمتع المسبيون المخلصون بهذا الأمان، فيقولون: "عندما ردّ الرب سبي صهيون صرنا مثل الحالمين، حينئذ امتلأت أفواهنا ضحكًا وألسنتنا ترنمًا" (مز 126: 1-2)... كانوا يئنون عندما تفرقوا عن وطنهم في قيود السبي فمن الطبيعي يتهللون ويفرحون عندما يرجعون لأن الرب ينبوع الفرح والتهليل قد سكن في وسطهم]. ويرى القديس أغسطينوس أن التسبيح هنا لا يكون باللسان فقط وإنما بحياة الإنسان كلها[11].

 ولا يقف الفرح عند الإنسان الراجع من السبي، وإنما يمتد إلى إخوته الذين يجتذبهم معه إلى ملكوت الفرح، إذ يقول النبي: "فيتصل أمم كثيرة بالرب في ذلك اليوم ويكونون ليّ شعبًا فأسكن في وسطك" [11]. هنا يتحدث عن رجوع الأمم إلى الإيمان وتمتعهم مع إخوتهم المؤمنين من اليهود بسكنى الله في وسطها. ولئلا يظن اليهود أنه بهذا أغلق باب الإيمان في وجههم أكدّ لهم: "والرب يرث يهوذا نصيبه في الأرض المقدسة ويختار أورشليم بعد". فإن صاروا يهوذا الجديد بإنتسابهم للخارج من سبط يهوذا وإن صاروا أورشليم الجديدة يصيرون ميراث الرب وموضع اختياره الإلهي.

 هذا العمل يبدو مستحيلاً في أعين الكل، كيف ينفتح الباب لكل الأمم وينعمون بسكنى الرب فى وسطهم، لهذا يقول: "اسكنوا يا كل البشر قدام الرب، لأنه قد استيقظ من مسكن قدسه" [14]. ليصمت كل لسان بشري بخوف ورعدة، فإن الله الذي أعلن رعايته للبشرية كلها عبر الأجيال يصنع عجبًا بفتح باب الإيمان للأمم حتى يبدو كمن استيقظ ليقيم البشرية من نومها!

 


 

[1] راجع مقاييس المدينة في كتابنا: رؤيا يوحنا اللاهوتي، 1979، ص 211-212.

 

[2] Adv. Haer 5:19:1.

[3] De Incar. 25:4.

[4] On Ps. 90 (91).

[5] يري البعض أن "صهيون" بالعربية تعني "حصن" أو "مرتفع".

 

[6] On Ps. 90 (91).

[7] Pl 9:978.

[8] Ser. On N.T. 16: 21.

[9] راجع تفسير الصحاح الأول 1821.

[10] راجع تفسير يؤئيل ص3، حزقيال ص 25-32.

 

[11] On Ps.112.

الأصحاح الثالث

يهوشع الكاهن العظيم

لكي يتحقق فرح بنت صهيون ظهر ربنا يسوع نفسه (يهوشع) رئيس كهنة في هيكله يحمل عنا ثيابنا القذرة، ثياب السبي، ليهبنا نفسه لباس البر وعمامة (تاجًا) طاهرة.

1. يهوشع والشيطان                 [1-2].

2. يهوشع والعمامة الطاهرة        [3-5].

3.  يهوشع العامل في بيت الرب     [6-10].

1. يهوشع والشيطان :

"وأراني يهوشع الكاهن العظيم قدام ملاك الرب والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. فقال الرب للشيطان: لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب الذي اختار أورشليم، أفليس هذا شعلة منتشلة من النار؟!" [1-2].

ماذا تعنى هذه الرؤيا؟ كان رئيس الكهنة رمزًا لخدمة الهيكل، وبسبيه إلى بابل ظهر تحطيم كل خدمة الهيكل. لكن وراء هذا تكمن عداوة خفية ليست بين بابل ورئيس الكهنة، وإنما بين إبليس والله. لقد وقف الشيطان عن يمين يهوشع ليقاومه ولكن يهوشع يدرك أن الحرب إنما هي ضد الله نفسه، لذا قال: "لينتهرك الرب".

"لينتهرك الرب الذي اختار أورشليم"، ليس عن فضل من جانبها أو برّ فيها من ذاتها، ولا لأنها لاقت مرارة السبي وإنما لأن الله في محبته اختارها. وكما أكد السيد المسيح لتلاميذه: "ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم وأقمتكم" (يو 15: 16). إنه يغير علينا من أجل محبته لنا، خاصة وهو يرى الشيطان "شعلة منتشلة من النار"، عمله أن يلقي بذاته فينا ليجعل منا أتون لا ينطفئ.

من هو يهوشع بن يهو صادق الكاهن العظيم؟ يرى الآباء[1] في يهوشع رمزًا ليسوع المسيح الكاهن الأعظم وأسقف نفوسنا. فإن كلمة "يسوع" مختصرة عن يهوشع أي "يهو خلاص"، أما "يهو صادق" فتعني "الله بر". فقد جاءنا ربنا يسوع بكونه الله مخلصنا وبرنا، جاء يحمل طبيعتنا فلم يدرك الشيطان حقيقته بل تشكك في أمره خاصة أنه جاع وعطش وتألم... فوقف عن يمينه ليقاومه، فغلبه الرب وانتصر عليه لحسابنا.

لقد حارب السيد المسيح الشيطان الذي هو "شعلة منتشلة من النار"، الشعلة المهلكة التي اختارها البشر لأنفسهم فألهبتهم بنار الشهوات المميتة. وكما يقول القديس أكليمندس السكندري: [ لماذا يهرب الناس إلى هذه الشعلة المميتة فيموتون بها بينما في إمكانهم أن يعيشوا مكرمين في الله؟![2]]. ويرى القديس ديديموس الضرير أن الشيطان شعلة منتشلة من النار، كان يمكن لله أن يتركها تحترق دون أن ينتشلها، لكنه لم يسمح بعقابه كل العقاب حاليًا إنما انتشله ليستخدمه في أغراضه الإلهية دون أن يثمر الشيطان كالغصن الذي أصابته النار فلا تعود إليه الحياة. يستخدمه الرب أداة ليتمجد فيه بنصرة أولاده عليه.

2. يهوشع والعمامة الطاهرة :

لا نعجب إن كان يهوشع قد ظهر لابسًا ثيابًا قذرة وظهر واقفًا قدام الملاك ليسمع الأمر الصادر: انزعوا عنه الثياب القذرة، فإن يهوشع يرمز ليسوع المسيح، كلمة الله المتجسد الذي حمل ثيابنا القذرة[3] لكي بصليبه تُنزع عنا خطايانا لنحمل بره ونكلل.

يقول القديس جيروم: [إن السيد حمل هذه الثياب فأعطى الفرصة للعدو أن يقف أمامه ليقاومه؛ إذ لبس خطايانا ففي ذلك يكون مقاومًا له[4]].

يقول القديس ديديموس الضرير: [بعد أن نزعوا عنه الثياب القذرة وضعوا على رأسه العمامة الطاهرة وألبسوه ثيابًا. فمن أجل إعادة تأسيس المدينة والهيكل وبنائهما يرتدي رئيس المأسورين الذي أُعتقوا ثياب الخلاص ورداء البر، فيقول: "تبتهج نفسي بإلهي لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص، وكساني رداء البر" (إش 61: 10). تُلقى عنه الثياب القذرة إذ يجب ألاَّ يحزن بعد بل يفرح ويتهلل بخلاص الذين تحملوا الأسر ولكن من هم الذين صدر إليهم الأمر بنزع ثياب الحزن عنه والتي وُصفت أنها قذرة؟... يمكن القول أنهم الملائكة اللذين يحيطون بخائفى الله يحموهم ويمنعوهم من الشعور بالهم والحزن اللذين تقدمهما تجارب الحياة].

قيل ليهوشع: "قد أذهبت عنك إثمك وألبسك ثيابًا مزخرفة" [3-4].

كيف يقال له: "قد أذهبت عنك إثمك؟" يقول معلمنا بولس الرسول: "جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن برّ الله فيه" (2 كو 5: 21)، "المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب: ملعون كل من عُلق على خشبه، لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح" (غل 3: 13-14). كأنه حمل مالنا من خطايا لكي بالصليب ينزعها فنحمل بره.

أما الثوب المزخرفة الذي لبسه السيد عوض الثياب القذرة إنما يُشير إلى كنيسته المزخرفة بمواهب متعددة، وكأنها القميص الملون الذي أهداه يعقوب لابنه يوسف. كل واحد منا يمثل خيطًا في هذا الثوب، لو أُنتزع يفقد الثوب جماله ومتانته. هذا هو الثوب الذي يتجلى فيه السيد فيصير ناصعًا كالنور (مت 17: 2). وكما يقول القديس أغسطينوس: [ثيابه هي الكنيسة، لأنه إن لم يمسكها من يرتديها تسقط، في هذا الثوب كان بولس كما لو كان هدبًا، إذ قال عنه نفسه: "لأني أصغر الرسل" (1 كو 15: 9)... لذلك فإن المرأة التي كانت تعاني من نزف الدم إذ لمست هدب ثوب السيد المسيح برئت. هكذا الكنيسة التي جاءت من الأمم صارت صحيحة خلال تعاليم بولس الرسول[5]].

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن خلع الثياب القذرة وارتداء الثوب المزخرف يُشير إلى خلع إنساننا القديم وتمتعنا بالإنسان الجديد خلال مياه المعمودية، إذ يقول: [بهذا نتعلم بطريقة رمزية أنه في عماد السيد المسيح إذ نخلع خطايانا كثوب فقير وقذر ونلبس ثوب التجديد المقدس اللائق جدًا[6]].

أما العمامة الطاهرة فهي التاج الذي نكلل به في الرب القدوس.

3. يهوشع العامل في بيت الرب :

صارت الوصية المقدمة إلينا موجهة إلى رأسنا وكاهننا الأعظم يسوع المسيح: "هكذا قال رب الجنود إن سلكت في طرقي وإن حفظت شعائري فأنت أيضًا تدين بيتي وتحافظ أيضًا على دياري وأعطيك مسالك بين هؤلاء الواقفين" [7]. أما سر تقديم الوصية إليه فهو أننا لن نستطيع تنفيذها إلاَّ من خلاله ولا يمكننا تحقيق شعائر الله بدون عمله فينا.

إن كانت الكنيسة هي بيت الله فربنا يسوع هو الذي يدين الكنيسة، يسند القائمين ويقيم الساقطين، بهذا يكون أولاده واقفين أي قائمين فيه، ويجد هو لنفسه مسلكًا بينهم.

أخيرًا يختم هذه الرؤيا بالكشف عن شخص هذا الكاهن العظيم: "لأني هأنذا آتي بعبدي الغصن، الشرق اسمه، فهوذا الحجر الذي وضعته قدام يهوشع على حجر واحد سبع أعين، هأنذا ناقش نقشه يقول رب الجنود يُنادي كل إنسان قريبه تحت الكرمة وتحت التينة" [8-15].

يمكننا أن نلخص حديثه هنا عن شخص ربنا يسوع المسيح بالآتي:

أولاً: يدعوه: عبدي، الغصن، الشرق، الحجر، كل لقب يكمل بقية الألقاب. فخلال التجسد صار عبدًا إذ "أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس" (فى 2: 6-7). وبانتسابه لداود الملك خرج كغصن وهو خالق الكرمة (أش 11: 1-2)، أما دعوته بالشرق فبكونه شمس البرّ الذي يضيء على الجالسين فى الظلمة. وأخيرًا دُعي بالحجر إذ رفضه البناءون فصار حجر الزاوية يضم اليهود والأمم معًا فى المبنى الروحي السماوي الذي قال عنه الرسول: "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية" (أف 2: 20).

ثانيًا: يقول: "أزيل إثم تلك الأرض فى يوم واحد" الذي هو ظهور ربنا يسوع المسيح بكونه الشمس التي أشرقت علينا بلا غروب، فحولت ليلنا إلى نهارًا بلا ليل، فيه نزعت آثامنا بالصليب.

ثالثًا: فى ذلك اليوم، يوم الصليب، ارتبطنا معًا "فيُنادى كل إنسان قريبه تحت التينة" أي ارتباطنا فيه بالحب خلال كنيسته الكرمة المقدسة والتينة المثمرة. فى دراستنا لسفر هوشع رأينا كيف تُشير الكرمة إلى الكنيسة المتألمة التي تجتاز المعصرة مع عريسها، والتينة إلى وحدة الروح القدس الذي يُشار إليه بغلاف التين الذي يضم فى داخله بذار كثيرة لا قيمة لها إلاَّ من خلال وحدة الروح[7].