المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجواسيس - قصة مسلسلة من سفر يشوع




emad_hanna
01-09-2006, 05:54 PM
سلسلة مغامراتوحروب للشباب

(1)
الجواسيس



بقلم: عماد حنا

***
هذه السلسلة
عزيزي القارئ

في داخل كل منا عشق لحياة البطولة، لذلك منذ صغرنا ونحن نحب قصص سوبر مان و سبيدر مان وكل بطل يحول المستحيل إلى ممكن .
وكذلك أحببنا قصص المغامرات الغريبة والشاذة. أيضاً القصص البوليسية كانت لها نصيبا كبيرا من اهتمامنا.
فكانت قصص المغامرين الخمسة والشياطين 13 وأرسين لوبين وشرلوك هولمز... ومع الوقت ظهرت قصص غرانديزر ورجل المستحيل وفريق المستقبل. كل هذا خيال حولته أذهاننا إلي حقائق. وكل هذه القصص لها عامل مشترك واحد وهو التغلب علي المستحيل وتحويله إلى ممكن، فالبطل ادهم صبري ينتصر علي مائة شخص بقبضة يده، هذا مستحيل، ولكن رجل الله شمشون فعل أكثر من هذا من قبل.. والفرق أن الأخير فعل هذا على مسرح الواقع وليس خيال مؤلفه.
وبعضنا يتجه ذهنه إلي قصص الجاسوسية بما فيها من سحر وغموض.. فنجد قصصاً عن الجاسوس جمعه الشوان أو رأفت الهجان !
واختلفت أنواع المعالجة القصصية فهذه قصص مصورة ومقروءة ومسموعة ومرئية فاجتذبت الطفل والشاب والشيخ.
والكتاب المقدس به هذه الأنواع من الأدب … بل أستطيع أن أقول إن الكتاب المقدس دائما يصف علاقة الإنسان بالله أنها تحويل المستحيل إلى ممكن.
وكلها قصص ومغامرات مشوقة جديرة بأن نصيغها ونتخيلها، أليس جدير بنا أن نتخيل كيف يمكن أن تقع أسوار مدينة أريحا المنيعة دون وجود قنابل ذرية أو قوة جديرة بتحطيمها ؟ سفر يشوع 6: 20
ألم يلفت نظرنا ذلك الصبي الصغير داود الذي استطاع الانتصار على رجل جبار كجليات مخترعاً أول مسدس في التاريخ !! "1صموئيل 17: 45-50"
ألم يدهشنا أن منساس حقير للبقر" سفر القضاة 3: 31" ولحي حمار يمكن أن ينتصرا على جيوش ضخمة !؟ "سفر القضاة 15: 5"
أليست هذه المغامرات جديرة بأن تروى وأن تكتب ؟ بل أنها تفوق مثيلاتها من القصص في أنها قصص حدثت بالفعل
هي قصص ومغامرات وحروب حقيقية اكتبها لك عزيزي القارئ لعلها تلقي الضوء على معاملات الرب لشعبه.
الآن أتركك عزيزي القارئ في واحدة من تلك المغامرات الشيقة التي سبق فكتبها الوحي المقدس لنا.
عماد حنا
ماجستير في اللاهوت
emadhann******.com




emad_hanna
01-09-2006, 05:55 PM
ملاحظات لابد منها
 لا يخفي على فطنة القارئ أن أحداث هذه القصة حدثت في الماضي البعيد ونحن في أحاديثنا نستند على الكتاب المقدس قاصدين تقديم نوع من أنواع الدراسة في قالب أدبي. إذًا فنحن لا نقصد بالتلميح من قريب أو بعيد على الأحداث الحالية في الشرق الأوسط. فهذه ظروف وتلك ظروف أخرى. نحن نثق في ذكاء القاريء الذي سوف يميز بين هذه الملابسات. فشعب إسرائيل في هذا الوقت البعيد هو الذي كان يعبد الله الواحد وتلك الشعوب الأخرى على اختلاف مسمياتها يعبدون الأوثان. ومن الطبيعي أن الذي يلجأ إلى الله لا يخذله والذي يبتعد عن الله لا يجد العون دونه.. وهذا ما حدث في القديم ببساطة.. لذلك نحن لا نتكلم عن الحقوق الحالية للأرض، فهذا ليس موضوعنا ولن يكون موضوعنا في أي مكان في هذه السلسلة ولكن يكون موضوعنا الأساسي هو توضيح معاملات الرب مع شعب المفروض أنه معتمد عليه كل الاعتماد.وأنه أسلم قيادته له. هذه هي غايتنا الأساسية
 الصياغة الأدبية للقصة تستلزم وجود شخصيات كثيرة... وقد نستخدم شخصيات وهمية لتكملة البناء الدرامي للقصة. على وعد ألا نخرج عن سياق القصة الأصلية المدونة في الكتاب المقدس... على سبيل المثال في أول قصة استخدمنا شخصية شيشرون وجاجوم اللذان لم يذكرهم الكتاب المقدس... ولكنه تكلم عن جنود أريحا... تخيلنا وجود هؤلاء الشخصيات ضمن الجنود ليكون هناك حوار... هذا ما يقتضيه الإبداع القصصي ولا يخل أبدًا بالأحداث التي دونها الكتاب المقدس لنا
 للاستفادة العميقة من هذه القصة عليك قراءة الشاهد الكتابي الذي يحكي القصة من الكتاب المقدس... أيضاً متابعة الشواهد الكتابية المكتوبة... بهذا تعم الفائدة
 هذه القصة "الجواسيس" هي عبارة عن الإصحاح الأول والثاني من سفر يشوع... لنقرأ الإصحاحين أولا ... وبعدها نبدأ في قراءة القصة.
المؤلف

emad_hanna
01-09-2006, 05:56 PM
(1)
ما قبل البداية
نظرة من جبل نبو


في وقار الشيوخ كان يصعد ذلك الرجل المهيب إلى الجبل متكئاً على عصاه تاركاً وراءه تعب السنين وآلامها، وأيضاً انتصاراتها...

كان يعرف انه لن يعود ثانية لأسفل، ربما كان من الرجال القلائل الذين عرفوا بميعاد موتهم من قبلها بفترة، ومع ذلك لم يكن خائفا أو مضطرباً بل على العكس لم تفقد عيناه بريقها ولم تفقد يداه قوتها، كان يصعد غير مهتم بما سيحدث بل كان في ذهنه شيء واحد.. أن يري ذلك المكان الذي بذل تلك السنين في الوصول إليه والتمتع به.

كان موسى يحاور نفسه طوال فترة صعوده...

- لقد حانت تلك اللحظة يا موسى... تلك اللحظة التي تمنيتها وعشت لأجلها منذ كنت رضيعاً.
نعم ... إنها لحظات رؤية الموعد العظيم... لقد أرضعته أمه يوكابد مع لبنها ذلك الموعد الذي وعد الله به الآباء قديما... لذلك عاش ينتظر تحقيق ذلك الوعد طوال سني حياته، ومنذ أن كان صبياً في منزل ابنة فرعون العظيم رمسيس الثاني فعلى الرغم من وجوده ضمن البلاط الملكي إلا أن أحلامه كانت مثل أحلام بقية شعبه... وهي الرجوع إلى تلك الأرض الموعودة. لذلك كان الانتظار طوال سني شبابه... ولكن جاءت القضية التي أوقفت أحلامه عندما قتل ذلك المصري برعونة الشباب فذاق طعم الفشل ... والهروب
وعندما فشل... وقتها بدأ يتساءل..
" من أنت يا موسى حتى تقف في وجه فرعون العظيم؟!! ..
ومن أنت.. لتجد السند من شعبك !!
ذلك الشعب الذي كان أول من رفضك
قائلاً له في صوت واحد منهم " من جعلك رئيساً وقاضياً علينا. أمفتكر أنت بقتلي كما قتلت المصري؟ "سفر الخروج 2: 14"
وعندها هرب موسى أربعين سنة كاملة كانت الصحراء هي الملاذ الوحيد له.

***

ابتسم موسى وهو يستعيد من جديد ذلك التاريخ القديم وهو يرى نفسه برعونة الشباب وحماسهم يقتل المصري مدافعاً عن بني جنسه، كان يتوقع أن ينهض الشعب اليهودي كله اثر ذلك ويتوجه ملكاً يهزم المصريين ويخرج مع الشعب إلى أرض الموعد.

ولكن الذي حدث أنه بعد هذا الأمر صرخ فيه أحد أبناء الشعب قائلا : ( من أقامك رئيسا علينا ) ..

وعندها تذكر ... أنه ليس مبعوثاً من قبل أحد... بل هي رعونته وظنه أنه هو الأجدر بأن يقود الشعب ... لذلك حدث الفشل ... ليس ذلك فقط بل لقد عرف أن أمره قد افتضح وهو الآن في ورطة أمام فرعون ... و لن يجد من يناصره ... و قريباً جدًا سوف يطلب فرعون قتله... ولذاك كان الهروب هو النتيجة الطبيعية .

فهرب مضحياً بأحلى سنين عمره ليعمل راعياً للغنم في أرض غريبة... تاركاً ذلك المجد العظيم وتلك العيشة الفاخرة في أعظم قصر يمكن أن يعيش فيه إنسان في ذلك الوقت في أكبر دولة في العالم: مصر

وقف موسى يلتقط أنفاسه قبل أن يشرع في الصعود إلى الجبل من جديد.. لم يدِر لماذا تذكر في هذا الوقت مواجهته لفرعون مصر منفتاح بعد أن صار مرسلاً حقيقياً من قبل الله ليواجه فرعون مصر العظيم. ذلك الفرعون الذي رفض أن يطيع أوامر الله حتى تسبب في دمار مصر تماماً … لأنه وقف ضد مشيئة الرب القدير. فضربه الرب عشر ضربات كاملة أخرها ضربة ابنه البكر ثم موته هو شخصياً غرقاً في بحر سوف.

ياله من تاريخ عمره أربعين سنة كاملة... والآن بلغ النبي موسى مائة وعشرين عاماً قضى منها ثمانين عاماً في تلك البرية القاحلة … ويسير وراء وعد عظيم وأمل أعظم أن يعود إلى تلك الأرض التي وعد بها الله إبراهيم... أرض الموعد.

بدأ يستأنف النبي موسى سيره وعيناه تلمعان ووجهه مضيء فقد حانت اللحظة التي سوف يرى فيها أرض الميعاد بعد أربعين سنة قاحلة في البرية... واجه فيها الكثير والكثير والكثير

رأى فيها الله وعنايته ورفقته الدائمة للإنسان، ووجد فيها اعتناء الله به وبالأشياء الصغيرة التي تخصه.

لم يشعر هو أو شعبه في يوم بالجوع … ولا بالعطش… ولا بالبرد… و لا بالحر... كانت البرية في رفقة الله جنة.. ولكنها جنة متعبة إذ تشوبها المشاكل... تلك المشاكل التي خلقها شعب صلب غليظ الرقبة ... كثير التمرد... ترويضه ليس بالهين.

ولولا ذلك الشعب عديم الإيمان لدخل أرض الموعد منذ أربعين عاما عندما أرسل الجواسيس ليتجسسوا أرض كنعان.

وقتها أراد الرب أن يمتحن الشعب ومدى ثقته به فقال لهم
- أرسلوا جواسيس وانظروا الأرض..
... ونظر الجواسيس الأرض
هي هي كما وعد الرب...
أرض تفيض بالخيرات والبركات
ولكن
ماذا عن سكانها؟!
لقد وجد الجواسيس سكانها شعباً فخورًا بنفسه ومعتزا بقدراته الجسدية والحربية
كما أنهم وجدوا المدن حصينة
عظيمة جدًا
وكان أهلها بني عناق عمالقة
ولن يستطيعوا هزيمتهم
هكذا كان رأي معظم الجواسيس
فرسب الشعب في الامتحان
امتحان الإيمان
ولم ينجح غير شخصين
اثنين فقط
هما كالب و يشوع
وهما الآن الوحيدان اللذان خرجا من أرض مصر
وسوف يدخلان ارض الموعد
كما وعد الرب "سفر العدد 13: 21- 33"

وهنا دمعت عينا موسى، كان يتمني أن يجد شعباً متفاهماً مطيعاً لله... لكن هذا الشعب جعله يطلب الموت لنفسه مرات ومرات خلال سيره في هذه البرية بسبب عدم الإيمان وتمرده على إلهه."سفر الخروج 33: 5"
***
وكانت نهاية الجبل
فوقف النبي موسى على حافته. عند رأس الفسجة
فوجد قبالته أريحا.. تلك المدينة العظيمة
ووجد السور العظيم
الذي يتحدى أي شخصية تقترب منه
وأشفق على يشوع
ذلك القائد الذي سوف يكمل المسيرة
إنه امتحان إيمان له
وياله من امتحان
… وتعدت عيون موسى هذا السور فأراه الرب جميع الأرض
من جلعاد إلى دان "سفر التثنية 34: 1-2"
وتهلل موسى
هذه الأرض مليئة بالخيرات الكثيرة... لقد وصفها الله أنها تفيض لبناً وعسلاً من كثرة الخيرات التي بها.
وهي لهم …
سيسلبونها من الشعب الذي يسكنها
لأن الله رأى خطايا تلك الشعوب... وصبر عليهم كثيرًا
ولكن جاء وقت الدينونة... ووقع الله الحكم على تلك الشعوب
وكان الحكم بالإعدام … بسبب آثامهم
ويستخدم الله شعب إسرائيل لتنفيذ الحكم... إنه أمر الهي
وعليهم أن يطيعوا أمر الرب
ويأخذوا المكان.
وبينما كان موسى يقف أمام ذلك الميعاد الذي رآه يتحقق بالإيمان وخصلات شعره الأبيض ترفرف على الجبل كعلم منتصر.. كان ينظر في سعادة وانتصار كأنه دخل الأرض فعلاً.
لقد حقق الرب وعده وهاهم سوف يدخلون
ربما يعانون حروباً عظيمة
ولكنها في البداية حروب إيمان وطاعة
ثم.. هي حروب الرب وليست حروبهم
وسمع موسى صوت الرب
ذلك الصوت الذي ألف أن يسمعه
وقال الرب "سفر التثنية 34: 4"
لنسلك أعطيها
قد أريتك إياها بعينيك
ولكنك إلى هناك لا تعبر
… أخذ موسى يبكي فرحاً
لقد انتصر في حربه
وسوف ينضم إلى قائمة المنتصرين
من رجال الله
وهاهو سوف يذهب إلى ذلك الذي تعود على صوته
سيراه بالعيان
لم يكن خائفاً من مواجهة الرب
وهاهو منتظر نصيبه
متلهفاً عليه
… وهناك أغمض موسى عينيه... واستسلم للرقاد المؤقت ... ليفتح عينيه من جديد في ذلك المكان الذي لا صراخ فيه ولا أنين ولا حزن ولا ضيق ... في عشرة مع ذاك الذي أحبه وعاش لأجله طوال سني حياته.
مات موسى ... ولم يعرف أحد قبره إلى اليوم، وكان موسى ابن مئة وعشرين سنة حين مات ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته " سفر التثنية 34: 6، 7 "
***
أما أسفل الجبل فهناك شعب يبكي قائده... ويعد العدة للقائد الجديد، يعلن له الولاء والطاعة... هناك... أسفل الجبل... تبدأ مغامراتنا.
***
مات موسى ... واحد من أعظم أنبياء العهد القديم، مات الذي كان وسيطا بين الله والناس في فترة من فترات حياته، ولكن يوجد من هو أعظم من موسى، وهو الوسيط الآن بين الله والناس، أنه السيد المسيح له كل المجد... وهو أعظم من موسى لأنه مازال إلى الآن حيا... وإذا لم تصدق أذهب إلى القبر الفارغ, هو شاهد أنه قام من بين الأموات... وهو إلى الآن لا يزال حياً يعطي حياه لكل من يلجأ إليه ويثق في جلاله، هو وعد أن كل من يقبله يصير ابنا لله(انجيل يوحنا 1: 12 ) فهل تقدم ذاتك وحياتك لذاك الذي مات وقام وأعطى كل من يؤمن به حياة أبدية. النبي العظيم موسى نفسه آمن بوعوده ... ورحل على رجاء لقاءه... وبالأيمان رأى وصدق وفرح... ليتك تقبل المسيح الآن ... هل تفعل؟


نلتقي غدا

ميرنا
01-09-2006, 06:04 PM
aew keda ea emad fenak men padre

emad_hanna
01-10-2006, 06:28 AM
شكرا ميرنا

***

(2)
الخطوة الأولى


كان القائد جاجوم يجري مهرولاً حتى دخل قصر الملك ثم أخذ يلتقط أنفاسه وعلي وجهه كل علامات الفزع والخوف، وعندما تمالك نفسه سار حتى وصل إلى غرفة الملك وقال للجندي الواقف علي الباب
- هل الملك بالداخل ؟
- أجل سيدي القائد.. لحظات وأخبره بوجودك
تجاهل قائد الجيش كلمات الحارس وتقدم للأمام يريد الدخول إلى الملك لكن الحارس أوقفه ويده على سيفه محذراً إياه التقدم … كان علي أتم الاستعداد ليشهره في وجه قائده
- سيدي.. معذرة لا يمكنك الدخول قبل أن أخبر الملك أولاً
ثم دخل الحارس إلى الداخل ولكن جاجوم لم ينتظر بل دخل في أثره وهو يقول:
- كارثة سيدي الملك، كارثة
كان الملك في هذا الوقت يجلس مسترخياً يتناول ما لذ وطاب من فاكهة أريحا الشهية،
وعندما سمع هذه العبارة المملوءة بالخوف أوقفت هذه الكلمات الطعام في حلقه وهو يقول:
- أي كارثة حلت بنا أيها القائد جاجوم ؟
- هؤلاء البدو الرحل الذين خرجوا من أرض مصر من زمن ليس ببعيد.. هل تذكرهم يا سيدي؟
تألقت عينا الملك وهو يذكر هؤلاء الرعاع وتاريخهم القريب الذي سمعه فاتجه إلى قائد جيشه قائلا باهتمام
- أجل أذكرهم، تكلم... ماذا فعلوا؟
- أنهم يقفون الآن عند رأس الفسجة … يقال أن قائدهم وساحرهم مات.. وهم يبكونه الآن.
تنفس ملك أريحا الصعداء وهو يستمع إلى جاجوم. ثم قال مبتسماً
- هل مات قائدهم وساحرهم؟ إذا ما هذا الذي فعلت؟** أكل هذا الخوف وأنت آت بخبر عظيم **!! ... إن نبيهم هو الشخص الذي يستحق أن نخاف منه أما الآن وقد مات ذلك الرجل فيستحق أن نفرح وأن نتهلل ... إذ مات مصدر ذلك الخوف و بعد موته لن تقوم لهم قائمة، فهذا الشعب بدون ذلك الرجل لا شيء. إنه مصدر قوتهم ... و إذا كانوا لم يجسروا علي الاقتراب منا خلال حياته فهم بالتأكيد لن يتجاسروا على فعل ذلك الآن.
لم يهدأ خوف جاجوم ولكنه استرسل في كلامه
- لقد كان تصرفهم فيما مضى غريبا وغير مفهوم يا سيدي الملك.. فهم كانوا يقتربون منا جدًا حتى يصبح بيننا وبينهم جبل نبو والنهر فقط ولكنهم يدورون على أعقابهم كما لو كانوا لا يروننا.. رغم أنني أسمع أن هذه الأرض هي بغيتهم لأنها كانت أرض أجدادهم قبل أن ينتقلوا إلى مصر أيام المجاعة الكبيرة ولكن الآن الموقف اختلف, جواسيسنا تؤكد أنهم قادمون.
نظر الملك إليه ساخرًا ثم قال
- هون عليك يا جاجوم... إنك لم تنجح مطلقاً في دفع جواسيس بينهم.. هم يعرفون بعضهم جيدًا ويتشككون في أي شخص يكون غريبا وسطهم .. لذلك فالمعلومات التي يقدمها لك جواسيسك دائما فيها شيء من المبالغة.
- كلا يا سيدي.. ليست مبالغة.. كل مرة كانوا يبقون عند سفح جبل نبو ثم يدورون.. الآن هم عند رأس الفسجة.. يروننا جيدًا.. هم يبكون الآن نبيهم وعندما تنتهي فترة النواح بالتأكيد سوف يهبطون علينا.
ظهرت ملامح الجدية على وجه الملك وهو يقول
- أنت تعرف كل شيء إذن.. إنهم بدو رحل.. هل عرفت ما هي أسلحتهم ؟ ، وما هي خبرتهم في القتال ؟ .. ما هي قوتهم ؟ كم تعداد جنودهم؟ وهل ستصل مستوى أسلحتهم إلى ما وصلنا إليه من أسلحة
- لم أعرف كل شيء بعد يا سيدي.. إنهم كثيرون.. ولكننا نعرف أنهم يستخدمون العصي في الحرب و…
وهنا لم يتمالك الملك نفسه فقاطعه وأطلق ضحكة عالية ثم قال ساخراً:
- عصي يا جاجوم !!أترتعب كل هذا الرعب وأسلحتهم من العصي؟... إنك جبان يا جاجوم... والجبان لا يوجد له مكان داخل جيشي... إن رجال أريحا البواسل لا يعرفون الخوف فاحترس لئلا تجد نفسك من قائد لجيش أريحا إلى خارج الجيش تماماً... إن القائد شيشرون يتمنى قيادة الجيش بدلاً منك... وهو كالصخر لا يلين.
- إنني لا أخاف يا سيدي الملك. ولقد أعددت العدة لمواجهة خطرهم..
- ماذا فعلت؟
- لقد أمرت أن تغلق أسوار المدينة
أحمرت عينا الملك من كثرة الغضب الذي اعتراه وصرخ في جاجوم
- تغلق أسوار أريحا أيها الغبي ؟ تغلق أسوار المدينة العظيمة وتمنع عنها التجار الذين يدخلون ويخرجون علينا ؟ .. ولأجل من … لأجل رعاع لم يعرف أحد منهم كيف يمسك سيفاً أو يرمي سهماً ؟
قال جاجوم مضطرباً
- لقد ظننت سيدي..
- كيف تفعل هذا دون الرجوع إليّ وحق عشتاروث.. لن تنهار تجارتنا في هذا الوقت من العام بسبب وهم يتوهمه رئيس الجيش الضعيف.. اذهب بسرعة وأعد فتح الأسوار كما كانت يا أغبى من أنجبتهم أريحا.
- أؤكد لك يا سيدي أنهم الآن ينوون شراً ويجب أن نتوخى بعض الحذر
- إذن لتظل عيناك عليهم... راقبهم. .. لا يزال بيننا وبينهم نهر الأردن وهو في حالة فيضان الآن... ولا تفعل أي شيء دون الرجوع إليَّ، ثم ... من يدري... ربما يحتاج هؤلاء القوم إلى قليل من التأديب... اخرج الآن حتى أكمل طعامي...

وخرج جاجوم رئيس جيش أريحا وهو غير مقتنع بما يقوله الملك. بينما لم يستطع الملك أن يكمل طعامه... لقد تذكر تلك المصيبة التي حلت بمصر عندما خرج ذلك الشعب منها؟ وتذكر أن مصر حتى الآن وبعد مرور أربعين عاماً لا تزال تعاني من تلك الكوارث التي حلت بها بسبب هؤلاء الرعاع. ولم يتمالك الملك نفسه وهو يشعر بخوف شديد وهو يتخيل ذلك الشعب قادماً في اتجاه مدينته. ليهتف بذعر
- لتحمينا الآلهة

***

دخل جاجوم خيمته وهو يسب ذلك الملك الذي استهتر بالخبر ثم أسرع وأرسل إلى كبير الحرس المسئول عن حراسة مداخل المدينة ثم قال له:
- أعد فتح أبواب المدينة
نظر إليه الحارس في بلاهة وبدا أنه لم يفهم أمر القائد فقال
- نعم يا سيدي ؟
- أعد فتح أبواب المدينة أيها الأبله.. ألم تسمع ؟
- لقد سمعت يا سيدي ولكن الخطر أمامنا .. أؤكد لك سيدي أنهم اليوم غير أمس.. إنهم ينوون القتال، وأريحا هي أول مملكة في مواجهتهم
- الملك يرى أنهم أضعف من أن نهتم بهم.. ثم إنهم لا يملكون أسلحة كافية، هم مجرد رعاع عاشوا في الصحراء فترة طويلة
- لكنهم كلهم من الشباب يا سيدي.. لم أر من قبل جيشا كهذا... كلهم صغار السن ولا تزال أياديهم قوية... ثم أنهم تقاتلوا من قبل مع بعض القبائل وأبادوها بالكامل... إنهم شعب متوحش يا سيدي... وعلى الأقل يجب أن تعد العدة للقائهم.
- لتحمينا الآلهة أيها الحارس.ألآن عد إلى موقعك وافتح الأبواب... ولكن زد الحراسة على مدخل عربات أريحا فهو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يمروا منه
- أمرك يا سيدي
واتجه إلى الخارج ولكن أسرع القائد يكلمه قبل أن يذهب
- أوه... كدت أنسى... أبلغ شيشرون أن يقف على رأس القوة عند باب عربات أريحا... فربما احتاجت الحرب إلى بسالته وشجاعته
- سأبلغه يا سيدي
رحل الحارس دون أن يفهم نغمة السخرية التي واكبت كلمات قائده... وعندئذ أخذ جاجوم يكلم نفسه قائلاً
- تريد أن تكون القائد لأريحا يا شيشرون ؟ ... سوف تكون أول القتلى في معركة العبرانيين... لن يأخذ أحد مكاني أبداً.

***
نلتقي غدا

Maya
01-10-2006, 11:32 AM
أخي emad_hanna

تحية مسيحية صادقة ...

في البداية اسمك ليس جديد علي ، وأنا قرأت لك عدة مشاركات سواء دينية أو سياسية من قبل وفي مواقع متعددة ، وأريد أن أشكرك على هذه الفكرة بعرض قصص من العهد القديم وإبراز بطولات وحكم وعبر من العهد لقديم ، الذي للأسف يعتبره بعض الاخوة والأخوات خاص باليهود والشعب القديم وهذا بالتأكيد خاطئ بكل تأكيد لان العهد القديم هو بداية لمعرفة الرب الإله وبداية النبؤات بقدوم الرب يسوع ، وفيه من الحكم وقصص البطولة والثبات من اجل الرب الإله الكثير والكثير ، وفكرتك وأسلوبك بتقديم هذه القصص جميل ومميز كبداية وننتظر منك المزيد من هذه القصص التي تهم الشباب المسيحي بدلاً من تلك الروايات المسمومة مثل رجل المستحيل أدهم صبري وما يحمله من أمور وسياسة موجهة وتبعيته لجهة معروفة ، أو قصص مغامرات سفاري علاء عبد العظيم التي يحقنها مؤلفها بشحنات من القومية العروبية وفضل العرب ورقيهم وحضارتهم المزعومة و إشارات واضحة من معاداة السامية وكراهية الغرب وسياسة أمريكا ، وأمور أخرى لا تهم ولا تفيد القارئ المسيحي ...

أما فكرتك والسلسلة التي بدأتها فهي أحق بالقراءة لتأكيد ولكني أتمنى أن تستمر ، وأن تبقى مشارك معنا في هذا المنتدى ..

وبالنسبة لموضوع السياسة لم احب منك أن تشير لهذه الناحية بقولك : (لا نقصد بالتلميح من قريب أو بعيد على الأحداث الحالية في الشرق الأوسط. فهذه ظروف وتلك ظروف أخرى. نحن نثق في ذكاء القارئ الذي سوف يميز بين هذه الملابسات) ...

لأن هذا موضوع معروف ولا يجب البحث فيه كي لا ندخل في السياسة وحق العبرانيين بالعودة إلى أرض إسرائيل وقيام الدولة ، وإن كنت تريد البحث في هذا الموضوع من ناحية سياسية وتاريخية فبإمكاننا بحثه في موضوع مستقل في وقت لاحق و في زاوية مختلف عن زاوية القصص .

emad_hanna
01-10-2006, 09:07 PM
شكرا لك على تشجيعك مايا ... وأتمنى أن يعنني الله على أن أكتب كل العهد القديم بهذه الطريقة ... هذه رؤيا أعطاني الله اياها وأصلي أن يأتي الوقت الذي أراه فيها مكتملة تماما ... هي رؤيا العمر , وأصلي أيضا أن لا تكون فقط في المنتديات المسيحية ولكن أن تكون كتب يقرأها كل قاريء عربي

هذه رؤيتي ليتك تصلي معي أن تتم ... اما الجانب الساسي فأنا معك أننا لا يجب أن نضعه في جانب القصة ولا أفكر في مناقشته حاليا فتأكدي أنس سألتذم بالجانب القصصي في هذا الموضوع ... شكرا لك على تشجيعك

emad_hanna
01-10-2006, 09:08 PM
(3)
قائد جديد

كانت أيام مناحة رجل الله موسى قد انتهت وكان شعب إسرائيل يقف عند رأس الفسجة وأعينهم على رجلين كبيرين في السن ويبلغان من العمر أكثر من ثمانين عاماً.
كانوا يعرفون أن أمامهم طريقاً طويلاً فيه سوف يتبعون هذين الرجلين يشوع بن نون وكالب بن يفنه
أحد الرجلين رجل صلب عنيد ، عيناه ثاقبتان ويجيد القتال ويعشق التحدي ... لا يعرف الخوف طريقه إلي قلبه ... انه بالحق رجل حرب ... هو كالب بن يفنه .
أما الرجل الآخر فتاريخه ملئ بالانتصارات … إنه خادم موسى ... لذلك دربه موسى كيف يدخل الحرب ... وكيف يثابر ويجاهد حتى ينتصر. فانتصر على عماليق عندما كانت عيونه على موسى ويداه على سلاحه ... ولكن ها هو موسى قد رحل ... وعليه أن يحمل المسئولية وحده لذلك ذاب قلبه خوفاً من تلك المسئولية ... إنه يشوع بن نون.
كان كالب يرأس سبط يهوذا ... وقد اعتاد على تحمل المسئولية منذ أن أرسل كجاسوس منذ أربعين عاماً كاملة وقف يقول أمام الشعب "لنحارب عماليق لأننا سننتصر" سفر العدد14: 6-9"
كانت قوة كالب فخراً ليهوذا ... لذلك أحبته عشيرته ... وساروا وراءه واستمعوا إلى مشورته.
أما يشوع فقد عرف أنه سيحمل المسئولية حتى قبل أن يموت موسى وعلى الرغم من أنه كبير سبط أفرايم إلا أنه لم يعتد إلا أن يسير وراء موسى، يستمع إليه ويطيعه ... ويستمد ثقته وقوته منه ... فأين موسى إذن ؟؟
أمام الشعب كان يقف أكبر اثنين سناً .. يشوع وكالب اللذان كانا أكبر من أي شخص بخمسة وعشرين سنة علي الأقل .. كالب الأكبر ، ولكنه يقف وراء صديقه المخلص يشوع ... يشجعه ويدفعه لتحمل المسئولية .
ولأن موسى وضع يده علي يشوع مباركاً إياه أن يمتلئ حكمة وفهماً "سفر التثنية3: 9" وقف الشعب كله خلف يشوع يشجعه ... إذ كانت عصا القيادة في يده .
***
أما يشوع .. فذاب قلبه خوفاً .. فمن هو يشوع ذلك الخادم الذي اعتاد أن يكون خادماً مطيعا لرجل الله موسى ... من هو يشوع ليكون قائدا حربيا ليحرر الأرض من عمالقتها .
قديما عندما كان يشوع جاسوساً لإسرائيل قال لنقم ونعبر .. ولكنه كان في كنف سيده موسى ملتصقاً به .. أما الآن فهو وحده ….هو لم يعتد أن تكون الأمور هكذا .. لذلك كان يحتاج إلى أكثر من هذا الأمر ( قم واعبر ) كان يحتاج إلى القدرة على تنفيذه .
في الوقت الذي كان يشوع في محضر الرب كانت خيام بنى إسرائيل منتصبة على قمة رأس الفسجة ومن حول الخيام كان يقف الشعب كل في أفكاره… وعلى قمة الرابية كان يقف كالب بن يفنه… تعبر عيناه غابات شطيم و نهر الأردن... إلى المدينة العظيمة أريحا كان يقف يرقب باهتمام بالغ ومن خلفه كان يقف شاباً يافعاً قوي البنية اسمه عثنئيل الذي كان يداعب طفلة كالب الصغيرة عكسة حينما سمع كالب وهو يفكر بصوت مسموع .
- لماذا فعلوا هكذا ؟
- عمن تتكلم يا عماه
نظر كالب ليجد الفتى عثنئيل يحمل عكسة طفلة كالب على كتفيه . وهي تعبث بشعره الطويل المسترسل على كتفيه وهي تضحك بسعادة فابتسم وقال له …
- تعال وانظر
نظر عثنئيل قائلاً
- أين ؟
- أريحا
- لا يوجد شيء غير عادي .. قوافل تجارية تدخل المدينة مثل أي يوم آخر
- ليس مثل أي يوم .. لقد أغلقوا الأسوار في الأيام الماضية وملئوا حصونهم جنوداً وسلاحاً ... أما اليوم فقد عادوا ليفتحوها من جديد .
- وماذا في ذلك ؟
قال كالب مفكراً
- لماذا أغلقوها ورفضوا إدخال قوافل التجارة في اليومين الماضيين ؟
- ربما عرفوا أننا قادمون
- هذا ما ظننته ... لقد كان نظر جنودهم يتجه إلي أعلي بين الحين و الآخر... وأرسلوا بعض جواسيسهم الذين رأيتهم بنفسي في غابات شطيم… ولكن الذي أعجب له هو ما الذي جعلهم يفتحون تلك الأسوار من جديد رغم أننا لم نتحرك من مكاننا طوال الأربعين يوما الماضية ؟!!
ابتسم عثنئيل وقال :
- ربما استهزأو بنا .. ترى .. من منا الأقوى يا عماه ؟!
نظر إليه كالب في استخفاف وقال
- ما رأيك أنت؟
- هم يملكون الأسلحة المختلفة... سيوف حديدية ورماح وسهام وثياب حديدية واقية… أجسامهم تبدوا ضخمة من بعيد. أما نحن فلا نملك من السلاح إلا العصي ... إننا سوف نبدو كالجراد أمامهم
نظر إليه كالب في غيظ والشرر يتطاير منه ... وقال له غاضباً
- اسكت... منذ أربعين عاماً سمعت كلاماً مشابهاً لهذا " سفر العدد14: 6-9" ونتيجة لذلك ذقنا سنوات من التيه عمرها أربعين عاماً ثمناً لتحليلك الحربي هذا .
أسرع عثنئيل يقول
- هون عليك يا سيدي .. إنني لم أقصد أبداً أن أكون انهزامياً ولكنك طلبت تحليلاً للحالتين …وما اظنني أخطأت في هذا التحليل .
أخفى كالب وجهه بين يديه يحاول استعادة هدوءه ثم قال ببطء شديد ..
- أجل .. إن ما قلته صحيح حسب الظاهر
- ماذا تقصد بكلمة حسب الظاهر ؟
- اقصد أن مصر وفرعونها كانت أقوى بكثير من أريحا ورغم هذا خرجنا من أرضها رغم أنفهم … إننا أيها الصبي نمتلك سلاحاً لا تعرف أنت قيمته …لو استخدمناه لن تقف قوة أمامنا … به انتصرنا على المصريين
- أتقصد يا عماه النبي موسى ؟... لكنه لم يعد معنا الآن بل إننا لا نعرف شيئا عن قائدنا الجديد …
ثم استطرد بصوت هامس حتى لا يسمعه كالب
- لن يكون على أي حال مثل النبي موسى
ولكن كالب لم يكن يهتم بكلامه الآن فقد عاد يفكر في أريحا و يتأملها ثم عاد يحدث نفسه من جديد
- لن نحكم عليهم من هذا البعد ... اليوم سوف ننزل إلى غابات شطيم و من هناك نحتاج أن نرسل رجلاً أو اثنين لكي يدخلوا في وسطهم فيتجسسوا لنا … نحتاج أن نعرفهم أكثر... ونعرف مقدار تأثيرنا عليهم .
قال له عثنئيل وهو لا يزال يحمل عكسة علي كتفيه
- نحتاج أن نعرف عن أنفسنا أكثر... هل يستطيع قائدنا الحالي شيئا بعد أن مات سيده موسى ؟
نظر أليه كالب وقال :
- قائدنا الحالي هو يهوه إله إسرائيل يا عثنئيل... إنه أيضا سلاحنا الحقيقي الذي به انتصرنا في