حوار مع الشمس .
منذ زمن بعيد قريب , تجوَلت لدهور بين كآبتي و حزني , حاملا ( فرحي ) الصغير بين يدي , أداعبه حينا و أنشغل عنه أحيانا كثيره . كانت كآبتي ضخمة جدا , كجبل صخري هائل قاس ذو وجه عابس ينظر نحو الأفق البعيد بعينين غائرتين و وجه عابس متبلد , أما حزني فكان شجرة ضخمه ليس لها أول من آخر , تمتد على مرمى البصر اٍلى اللانهايه و تخلو ( بكل قبح ) من أي شيء أخضر أو ينبض بالحياة و كان جذعها الضخم ينتصب في طريقي أينما توجهت و كثيرا ما أمطرت علي أحجارا سوداء غزيره في كل مره أطيل فيها مداعبتي ل ( فرحي ) الصغير .
خلال تلك الدهور الطويله , حاورت كآبتي و حزني لكنهما لم يجيباني و لو بحرف واحد, لدرجة أني تمنيت لو أن أحدهما يكلمني بأي شيء حتى لو كان شتما أو نهرا , كنت وحيد جدا , بل كنت ممتلئ بوحدة قاتله و فراغ لا حدود له . و طالما شعرت بعجز و ضعف أمام جبروتهما و بالرغم من تكبرهما على أي حوار معي أو حتى اٍيماءة بسيطه , بقيت أحاول التقرب منهما مرارا و مرارا محاولا أن أجد طريقه لأبدد فيها وحدتي و أحيل حياتي الموحشه التي أحياها اٍلى حياة أخرى .... مهما كان نوعها !
في يوم من الأيام خطرت ببالي فكره غريبه ( أو غبيه ) بأن أحاور ( فرحي ) الصغير ذاك الذي أداعبه أحيانا بالرغم من أني لم أسمعه ينطق بحرف واحد طوال دهور علاقتي به ....فاٍلتفت ل ( فرحي ) الصغير و حملته بيدي بلطف و ربت على رأسه قليلا و سألته ( مع أني لا أتوقع أي جواب ) :
هل تعلم لما حزني و كآبتي يرفضان أن يتكلما معي ؟؟
أنا ( أعلم ) أنهما جباران خارقا القوى , يحكمان الدنيا و ما فيها , و أنني صغير ضعيف عاجز أمامهما , لكن ليس لي أحد غيرهما يبدد وحدتي و ( يعزيني ) , بل أني مستعد لأن أصبح خادما لهما لو قبلا رفقتي!! .....فلما لا يحاوراني ؟؟
فجأه بدأ ( فرحي ) الصغير بالكلام ...و بشكل سريع جدا ....كأنه ينتظر هذه الفرصه منذ الأزل .....لكني ( و للأسف ) لم أفهم منه حرف واحد ..... كان أسلوب كلامه غريبا جدا ....كأنه يتكلم لغة غريبه ...بل حتى كأنه أبكم يحاول الكلام بسرعه كبيره ! و برغم ذلك كنت مسرورا لسماعي لكلام ( أو ما يشبه الكلام ) يصدر من شخص غيري بالرغم من أني لم أفهم حرفا واحدا ! .... و فجأه ....و بدون أي مقدمات ....شعرت بشيء أو شخص بجانبي يتحرك فاٍلتفتت بسرعه قائلا : من هناك ؟؟؟
فسمعت صوتا يقول : لا تخف .... هو أنا ...... أنا (هو ) !
نظرت مستغربا , فاٍذ أمامي رجل في متوسط العمر ينبثق من وجهه ( و خصوصا عينيه ) سلام عجيب و نور مهيب !.....ترددت قليلا و سألته بسرعه متلعثما :
من أين جئت ؟؟؟ كيف وصلت اٍلى هنا ؟؟؟ من أنت ؟؟؟؟
أجابني باسما : لو عرفتني لما سألتني !...لكني مستعد أن أجيبك على كل أسئلتك التي تجول بخاطرك .....شرط أن أسألك و تكون ( صادقا ) معي ......فما رأيك ؟
ترددت قليلا و قلت بنفسي : ( سأوافق على شرطه ....فقد يجيب على تساؤلاتي أو حتى جزء منها .....أو على الأقل أحاوره و أبدد وحدتي بوجوده .....فقد لا يبقى طويلا ) ......فأومأت له بالموافقه و طلبت منه أن يسأل ما يريد !
قال : ألم تلاحظ أن كآبتك لم تتحرك أبدا ؟
أجبته : نعم . ... فقال لي : صدقت !
هنا قلت له معترضا : كيف تعرف صدقي من كذبي ؟؟؟ .... و أنت لم تأتي سوى منذ دقائق قليله معدوده ؟؟
تبسم ذلك الرجل و أجاب بهدوء غريب و ثقه مطلقه : ألم أقل لك ( لو عرفتني لما سألتني ) ؟
اٍستغربت لمره جديده كلامه, لكني عجزت عن مجادلته أو محاورته , لسبب غريب و خفي بداخلي , فقد كان يتكلم بسلطان و حنان بنفس الوقت ! صمتُ طويلا اٍلى أن ظهر عجزي عن محاورته من خلال صمتي و نظراتي المستسلمه , فعاد و سألني :
ألم تشعر أن حزنك لا يشعر بشيء أبدا , و أنه ليس له أي قدره ؟؟ بل حتى ليس فيه أي من ملامح الحياة ؟؟؟
أجبته و بسرعه كأنني غلبته و أحرجته قائلا : لا ....بالعكس ......فكثيرا ما أمطرت عليَّ شجرة كآبتي , حجارا سوداء .....فكيف تفعل هذا و هي ليس لها قدره ؟؟؟
أجابني بهدوءه الغريب : صدقت .......لكنك أخطأت !
ذهلت من جديد و لم أتفوه بحرف واحد ....و كنت مستغربا كلامه و منتظرا منه الشرح لكلامه ....و لم يتأخر بالشرح .... فقال :
شجرة حزنك , تلك الشجره الكبيره الضخمه , ظلّلت بظلامها الدامس بشرا كثيرين , بل أنها أمطرتهم لدهور بأمطارها الحجريه السوداء المقيته بشكل متواصل , لكنها و منذ ألفي عام مبتوره الجذور , عاجزة عن القيام بأي فعل , فليس لها أي طاقه أو قدره على عمل شيء , لكنها تحكم من أعطاها طاقته و قوته باٍرادته , تخيل أنك تعطيها طاقتك , فتحكمك و تستعبدك , و تجعل حياتك جحيما لا يطاق ! فلماذا تتركها تستعبدك و هي بدون طاقتك لا قدرة لها على فعل أي شيء ؟
تلك الشجره المقيته كانت موجوده في كل بيت , في كل نفس , تمطر الناس بحجارة و أشواك سوداء , لكنها الآن تعجز أمام ضربه بسيطه تضربها بها .....شرط أن تكون ضربتك نابعة من قلبك !
ضحكت بداخلي من هذا الكلام العجيب الغريب , شجرة بهذه الضخامه و القوه و الجبروت , تزول بدفعة بسيطه من اٍنسان مثلي !.....ما هذا الكلام ؟؟؟ هل يستهزىء هذا الرجل بي ؟ هل يسخر من ذكائي و فطنتي ؟ أم أنه يمزح معي حتى نضحك معا ؟ .....أطلت في صمتي و تفكيري ...اٍلى أن قاطع ذلك الرجل صمتي بقوله و هو يهم بالوقوف :
سأذهب الآن , لكني سأبقى معك , كما كنت دوما , و كلما طلبتني بصدق سآتيك و أجيب طلباتك ....و بعدها مد يده للسلام علي ......و عندها .... يا لهول ما رأيت ......رأيت كفيه مثقوبتان و تنزفان دما !. ....يا للهول ! ... أنه ( هو ) الذي سمعت عنه من قلبي و عقلي !!!....لكن لم أعرف لماذا لم أستطع أن أتحرك أو حتى أن أتفوه و لو بحرف ! شعرت يدي بل شعرت كل جسمي , كأنه قطعة خشب أو صخره جامده ليس لي أي سلطة عليها أبدا !....لم أستطع أن أتكلم معه ....لم أستطع أن أسلِم عليه .....لم أستطع شيئا....حتى كأن قلبي قد توقف عن الخفقان !!!
لكني و برغم ذلك , شعرت بفرح و سلام عظيمين .... عندها نظرت له و اٍذ ظهرت حوله هالة من نور جميل و بهي تزداد تألقا و رعه في كل لحظه ......ثم بدأ يرتفع عن الأرض بهدوء ثم حلق بثبات في السماء , فاٍذ به ينير كل ما يمكن أن أراه , بل و ينير فكري و قلبي أيضا ....و بتلك اللحظه دخلت الشمس قاموس حياتي .... كان تلك أول مره أرى فيها الشمس و أتدفأ بها .....بل و أعرف ما هي الشمس أيضا !
و في غمره الشعور بالنور و الدفء و الحياه اٍلتفت ل ( فرحي ) الصغير سائلا اٍياه : أليس ( هو ) ؟....فقاطعني بسرعه قائلا : ألم أكلمك عنه مرارا ؟؟؟ كنت أكلمك عنه و تهملني كأنك لا تسمع مني شيئ أبدا ......أمّا اليوم فقد بدوت لي كأنك تسمعني و لا تفهمني !
ألم أخبرك منذ دهور و دهور أنه ( هو ) الذي قطع جذور شجرة الحزن , و حطم أساس صخرة الكآبه و كل قدرتها ؟؟
عدت متحيرا لأحاور نفسي !...... أمعقول أن فرحي يتكلم معي منذ دهور و أنا لا أعرف ؟
أمعقول أنني كنت ( أصمّا ) ؟
أمعقول أن الأصم لا يستطيع أن يسمع سوى صوته ؟
أمعقول أنني اليوم سمعت فرحي و لم أفهمه لأنني لم أعود ( أذني ) على السماع بعد ؟
أمعقول أن قلبي و فكري كانا مغلقين لهذه الدرجه ؟
أظن أنني لم أكن أصما فقط ....بل و أعمى القلب و الفكر أيضا !
اٍنتفضت من الأرض بسرعه كبيره .....متوجها نحو شجرة حزني ..... فاٍذ بها تصغر و تتضائل و ترتعش ضعفا أمام نور الشمس الدافئه التي تضيء أرضي لأول مره ....فضربت تلك الشجره ضربة واحده فاٍذ بها تتحول لرماد يتناثر على أقدامي , ثم تحمله الريح الهادئه و تنثره بعيدا ....كأن الريح تحرص على اٍبعاد أي ذره من تلك الشجره البغيضه عني .......فرحت كثيرا .... و توجهت فورا لصخره كآبتي ...و ركضت نحوها بأسرع ما أستطيع و ضربتها بقدمي .....فاٍذ بها و كأنها سراب أو وهم كان بفكري و اٍختفى .... بل كأنها لم تكن أبدا .....حتى أنها لم تترك أي أثر على الأرض في مكانها ......يا لسعادتي ....يا لفرحي ...... ما ألذ طعم ( الحياه ) , هذا الطعم الذي أذوقه لأول مره .....كأنني كنت ميتا و بعثت !.....فتوجهت نحو ( فرحي ) الصغير بسرعه لأبشِره بما حصل .....فلم أره هناك , و رأيت مكانه حصانا أبيضا جميلا ذو أجنحه كبيره ....فتوجهت نحوه ببطء شديد , و عيناي تبحث عن ( فرحي ) الصغير ... لكني لم أجد ( فرحي) !!! فزعت لوهله و سألت الحصان المجنح متلعثما : هل رأيت فرحي الصغير ؟؟
أجاب الحصان بصهيل قوي و نبره صادقه : أنا ( فرحك )..... فأنا أكبر عندما تعيش أنت بالفرح .....و يعيش الفرح بك !
و أكبر عندما ينبض قلبك بالحياه .
و أكبر عندما تتدفأ أنت بنور الشمس .
فأنا أصلا أكبر في عينيك , و قلبك , و فكرك !
ثم صمت لوهله بسيطه و نظر اٍلي و قال بنبرة قويه ( كأنه يأمرني ) :
هيّا .....هيّا بنا نطير و نحلق و نفرح .....كفى ما أضعناه من وقت .....هيّا اٍمتطيني لنحلِق معا ......هيا ....لا تخف .... لا تتردّد ......فتوجهت مبتهجا نحوه لأمتطيه و أنا أقول : أريد منك أن تذهب بي لذلك الحكيم ( مثقوب اليدين ) ......فضحك ( فرحي ) مني و قال : ألا زلت غبيا بطيء الفم ؟؟؟؟ ذلك الحكيم موجود معك دائما ....و هو أصلا لم يفارقك لحظة واحده منذ ولدت ....فلتسأله عما تريد بقلبك ......سيجيبك فورا ....جرب و تأكد ....... أنت حقيقة بطيء الفهم ......فلا تتحول لعديم الفهم !
اٍمتطيت فرحي و تمسكت به .....فوقف على أقدامه الخلفيه وهو يصهل صهيل الفرح ....و حلّق منطلقا نحو الشمس ...و بدأت أتسائل بقلبي ...و أسمع لكل سؤال جواب ....و كان مما كان هذا الحوار :
سألت : من أنت أيها المثقوب اليدين ......فكان الجواب :
أنا هو الألف و الياء , البدايه و النهايه, الأول و الآخر .
سألت : أخاف أن لا أراك مجددا .... أخاف أن لا تأتيني فرصه جديدة للسلام عليك ......أخاف أن تبتعد عني ........فكان الجواب :
لاتخف لأنى فديتك ، دعوتك باٍسمك ، أنت لى .
سألت : هل أنت تأخرت بزيارتي أم أنا لم أنتبه لوجودك ....أم أن هذا كان الوقت الذي حددته أنت لزيارتي ؟؟ فأجاب .
ها أنا واقف على الباب و اقرع , اٍن فتح احد لي أدخل و أتعشي معه .
قلت : اٍغفر لي لتأخري ب ( فتح الباب ) فأنا كنت أصما غبيا بطيء الفهم ..... سامحني لتأخري في الاٍستجابه لكلامك , أرجوك أبقني منعّما بدفئ و نور محبتك ....أجاب :
أنا نور العالم. من يتبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له النور الذي يقود إلى الحياة.
و لا زلت على حوار معه حتى الآن .......فلا أكاد أسئله سؤالا حتى يجيبني .
و منذ ذلك اللقاء لم أعد أشعر بشيء أسمه الوحده أو الكآبه أو الحزن !
خلال تلك الدهور الطويله , حاورت كآبتي و حزني لكنهما لم يجيباني و لو بحرف واحد, لدرجة أني تمنيت لو أن أحدهما يكلمني بأي شيء حتى لو كان شتما أو نهرا , كنت وحيد جدا , بل كنت ممتلئ بوحدة قاتله و فراغ لا حدود له . و طالما شعرت بعجز و ضعف أمام جبروتهما و بالرغم من تكبرهما على أي حوار معي أو حتى اٍيماءة بسيطه , بقيت أحاول التقرب منهما مرارا و مرارا محاولا أن أجد طريقه لأبدد فيها وحدتي و أحيل حياتي الموحشه التي أحياها اٍلى حياة أخرى .... مهما كان نوعها !
في يوم من الأيام خطرت ببالي فكره غريبه ( أو غبيه ) بأن أحاور ( فرحي ) الصغير ذاك الذي أداعبه أحيانا بالرغم من أني لم أسمعه ينطق بحرف واحد طوال دهور علاقتي به ....فاٍلتفت ل ( فرحي ) الصغير و حملته بيدي بلطف و ربت على رأسه قليلا و سألته ( مع أني لا أتوقع أي جواب ) :
هل تعلم لما حزني و كآبتي يرفضان أن يتكلما معي ؟؟
أنا ( أعلم ) أنهما جباران خارقا القوى , يحكمان الدنيا و ما فيها , و أنني صغير ضعيف عاجز أمامهما , لكن ليس لي أحد غيرهما يبدد وحدتي و ( يعزيني ) , بل أني مستعد لأن أصبح خادما لهما لو قبلا رفقتي!! .....فلما لا يحاوراني ؟؟
فجأه بدأ ( فرحي ) الصغير بالكلام ...و بشكل سريع جدا ....كأنه ينتظر هذه الفرصه منذ الأزل .....لكني ( و للأسف ) لم أفهم منه حرف واحد ..... كان أسلوب كلامه غريبا جدا ....كأنه يتكلم لغة غريبه ...بل حتى كأنه أبكم يحاول الكلام بسرعه كبيره ! و برغم ذلك كنت مسرورا لسماعي لكلام ( أو ما يشبه الكلام ) يصدر من شخص غيري بالرغم من أني لم أفهم حرفا واحدا ! .... و فجأه ....و بدون أي مقدمات ....شعرت بشيء أو شخص بجانبي يتحرك فاٍلتفتت بسرعه قائلا : من هناك ؟؟؟
فسمعت صوتا يقول : لا تخف .... هو أنا ...... أنا (هو ) !
نظرت مستغربا , فاٍذ أمامي رجل في متوسط العمر ينبثق من وجهه ( و خصوصا عينيه ) سلام عجيب و نور مهيب !.....ترددت قليلا و سألته بسرعه متلعثما :
من أين جئت ؟؟؟ كيف وصلت اٍلى هنا ؟؟؟ من أنت ؟؟؟؟
أجابني باسما : لو عرفتني لما سألتني !...لكني مستعد أن أجيبك على كل أسئلتك التي تجول بخاطرك .....شرط أن أسألك و تكون ( صادقا ) معي ......فما رأيك ؟
ترددت قليلا و قلت بنفسي : ( سأوافق على شرطه ....فقد يجيب على تساؤلاتي أو حتى جزء منها .....أو على الأقل أحاوره و أبدد وحدتي بوجوده .....فقد لا يبقى طويلا ) ......فأومأت له بالموافقه و طلبت منه أن يسأل ما يريد !
قال : ألم تلاحظ أن كآبتك لم تتحرك أبدا ؟
أجبته : نعم . ... فقال لي : صدقت !
هنا قلت له معترضا : كيف تعرف صدقي من كذبي ؟؟؟ .... و أنت لم تأتي سوى منذ دقائق قليله معدوده ؟؟
تبسم ذلك الرجل و أجاب بهدوء غريب و ثقه مطلقه : ألم أقل لك ( لو عرفتني لما سألتني ) ؟
اٍستغربت لمره جديده كلامه, لكني عجزت عن مجادلته أو محاورته , لسبب غريب و خفي بداخلي , فقد كان يتكلم بسلطان و حنان بنفس الوقت ! صمتُ طويلا اٍلى أن ظهر عجزي عن محاورته من خلال صمتي و نظراتي المستسلمه , فعاد و سألني :
ألم تشعر أن حزنك لا يشعر بشيء أبدا , و أنه ليس له أي قدره ؟؟ بل حتى ليس فيه أي من ملامح الحياة ؟؟؟
أجبته و بسرعه كأنني غلبته و أحرجته قائلا : لا ....بالعكس ......فكثيرا ما أمطرت عليَّ شجرة كآبتي , حجارا سوداء .....فكيف تفعل هذا و هي ليس لها قدره ؟؟؟
أجابني بهدوءه الغريب : صدقت .......لكنك أخطأت !
ذهلت من جديد و لم أتفوه بحرف واحد ....و كنت مستغربا كلامه و منتظرا منه الشرح لكلامه ....و لم يتأخر بالشرح .... فقال :
شجرة حزنك , تلك الشجره الكبيره الضخمه , ظلّلت بظلامها الدامس بشرا كثيرين , بل أنها أمطرتهم لدهور بأمطارها الحجريه السوداء المقيته بشكل متواصل , لكنها و منذ ألفي عام مبتوره الجذور , عاجزة عن القيام بأي فعل , فليس لها أي طاقه أو قدره على عمل شيء , لكنها تحكم من أعطاها طاقته و قوته باٍرادته , تخيل أنك تعطيها طاقتك , فتحكمك و تستعبدك , و تجعل حياتك جحيما لا يطاق ! فلماذا تتركها تستعبدك و هي بدون طاقتك لا قدرة لها على فعل أي شيء ؟
تلك الشجره المقيته كانت موجوده في كل بيت , في كل نفس , تمطر الناس بحجارة و أشواك سوداء , لكنها الآن تعجز أمام ضربه بسيطه تضربها بها .....شرط أن تكون ضربتك نابعة من قلبك !
ضحكت بداخلي من هذا الكلام العجيب الغريب , شجرة بهذه الضخامه و القوه و الجبروت , تزول بدفعة بسيطه من اٍنسان مثلي !.....ما هذا الكلام ؟؟؟ هل يستهزىء هذا الرجل بي ؟ هل يسخر من ذكائي و فطنتي ؟ أم أنه يمزح معي حتى نضحك معا ؟ .....أطلت في صمتي و تفكيري ...اٍلى أن قاطع ذلك الرجل صمتي بقوله و هو يهم بالوقوف :
سأذهب الآن , لكني سأبقى معك , كما كنت دوما , و كلما طلبتني بصدق سآتيك و أجيب طلباتك ....و بعدها مد يده للسلام علي ......و عندها .... يا لهول ما رأيت ......رأيت كفيه مثقوبتان و تنزفان دما !. ....يا للهول ! ... أنه ( هو ) الذي سمعت عنه من قلبي و عقلي !!!....لكن لم أعرف لماذا لم أستطع أن أتحرك أو حتى أن أتفوه و لو بحرف ! شعرت يدي بل شعرت كل جسمي , كأنه قطعة خشب أو صخره جامده ليس لي أي سلطة عليها أبدا !....لم أستطع أن أتكلم معه ....لم أستطع أن أسلِم عليه .....لم أستطع شيئا....حتى كأن قلبي قد توقف عن الخفقان !!!
لكني و برغم ذلك , شعرت بفرح و سلام عظيمين .... عندها نظرت له و اٍذ ظهرت حوله هالة من نور جميل و بهي تزداد تألقا و رعه في كل لحظه ......ثم بدأ يرتفع عن الأرض بهدوء ثم حلق بثبات في السماء , فاٍذ به ينير كل ما يمكن أن أراه , بل و ينير فكري و قلبي أيضا ....و بتلك اللحظه دخلت الشمس قاموس حياتي .... كان تلك أول مره أرى فيها الشمس و أتدفأ بها .....بل و أعرف ما هي الشمس أيضا !
و في غمره الشعور بالنور و الدفء و الحياه اٍلتفت ل ( فرحي ) الصغير سائلا اٍياه : أليس ( هو ) ؟....فقاطعني بسرعه قائلا : ألم أكلمك عنه مرارا ؟؟؟ كنت أكلمك عنه و تهملني كأنك لا تسمع مني شيئ أبدا ......أمّا اليوم فقد بدوت لي كأنك تسمعني و لا تفهمني !
ألم أخبرك منذ دهور و دهور أنه ( هو ) الذي قطع جذور شجرة الحزن , و حطم أساس صخرة الكآبه و كل قدرتها ؟؟
عدت متحيرا لأحاور نفسي !...... أمعقول أن فرحي يتكلم معي منذ دهور و أنا لا أعرف ؟
أمعقول أنني كنت ( أصمّا ) ؟
أمعقول أن الأصم لا يستطيع أن يسمع سوى صوته ؟
أمعقول أنني اليوم سمعت فرحي و لم أفهمه لأنني لم أعود ( أذني ) على السماع بعد ؟
أمعقول أن قلبي و فكري كانا مغلقين لهذه الدرجه ؟
أظن أنني لم أكن أصما فقط ....بل و أعمى القلب و الفكر أيضا !
اٍنتفضت من الأرض بسرعه كبيره .....متوجها نحو شجرة حزني ..... فاٍذ بها تصغر و تتضائل و ترتعش ضعفا أمام نور الشمس الدافئه التي تضيء أرضي لأول مره ....فضربت تلك الشجره ضربة واحده فاٍذ بها تتحول لرماد يتناثر على أقدامي , ثم تحمله الريح الهادئه و تنثره بعيدا ....كأن الريح تحرص على اٍبعاد أي ذره من تلك الشجره البغيضه عني .......فرحت كثيرا .... و توجهت فورا لصخره كآبتي ...و ركضت نحوها بأسرع ما أستطيع و ضربتها بقدمي .....فاٍذ بها و كأنها سراب أو وهم كان بفكري و اٍختفى .... بل كأنها لم تكن أبدا .....حتى أنها لم تترك أي أثر على الأرض في مكانها ......يا لسعادتي ....يا لفرحي ...... ما ألذ طعم ( الحياه ) , هذا الطعم الذي أذوقه لأول مره .....كأنني كنت ميتا و بعثت !.....فتوجهت نحو ( فرحي ) الصغير بسرعه لأبشِره بما حصل .....فلم أره هناك , و رأيت مكانه حصانا أبيضا جميلا ذو أجنحه كبيره ....فتوجهت نحوه ببطء شديد , و عيناي تبحث عن ( فرحي ) الصغير ... لكني لم أجد ( فرحي) !!! فزعت لوهله و سألت الحصان المجنح متلعثما : هل رأيت فرحي الصغير ؟؟
أجاب الحصان بصهيل قوي و نبره صادقه : أنا ( فرحك )..... فأنا أكبر عندما تعيش أنت بالفرح .....و يعيش الفرح بك !
و أكبر عندما ينبض قلبك بالحياه .
و أكبر عندما تتدفأ أنت بنور الشمس .
فأنا أصلا أكبر في عينيك , و قلبك , و فكرك !
ثم صمت لوهله بسيطه و نظر اٍلي و قال بنبرة قويه ( كأنه يأمرني ) :
هيّا .....هيّا بنا نطير و نحلق و نفرح .....كفى ما أضعناه من وقت .....هيّا اٍمتطيني لنحلِق معا ......هيا ....لا تخف .... لا تتردّد ......فتوجهت مبتهجا نحوه لأمتطيه و أنا أقول : أريد منك أن تذهب بي لذلك الحكيم ( مثقوب اليدين ) ......فضحك ( فرحي ) مني و قال : ألا زلت غبيا بطيء الفم ؟؟؟؟ ذلك الحكيم موجود معك دائما ....و هو أصلا لم يفارقك لحظة واحده منذ ولدت ....فلتسأله عما تريد بقلبك ......سيجيبك فورا ....جرب و تأكد ....... أنت حقيقة بطيء الفهم ......فلا تتحول لعديم الفهم !
اٍمتطيت فرحي و تمسكت به .....فوقف على أقدامه الخلفيه وهو يصهل صهيل الفرح ....و حلّق منطلقا نحو الشمس ...و بدأت أتسائل بقلبي ...و أسمع لكل سؤال جواب ....و كان مما كان هذا الحوار :
سألت : من أنت أيها المثقوب اليدين ......فكان الجواب :
أنا هو الألف و الياء , البدايه و النهايه, الأول و الآخر .
سألت : أخاف أن لا أراك مجددا .... أخاف أن لا تأتيني فرصه جديدة للسلام عليك ......أخاف أن تبتعد عني ........فكان الجواب :
لاتخف لأنى فديتك ، دعوتك باٍسمك ، أنت لى .
سألت : هل أنت تأخرت بزيارتي أم أنا لم أنتبه لوجودك ....أم أن هذا كان الوقت الذي حددته أنت لزيارتي ؟؟ فأجاب .
ها أنا واقف على الباب و اقرع , اٍن فتح احد لي أدخل و أتعشي معه .
قلت : اٍغفر لي لتأخري ب ( فتح الباب ) فأنا كنت أصما غبيا بطيء الفهم ..... سامحني لتأخري في الاٍستجابه لكلامك , أرجوك أبقني منعّما بدفئ و نور محبتك ....أجاب :
أنا نور العالم. من يتبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له النور الذي يقود إلى الحياة.
و لا زلت على حوار معه حتى الآن .......فلا أكاد أسئله سؤالا حتى يجيبني .
و منذ ذلك اللقاء لم أعد أشعر بشيء أسمه الوحده أو الكآبه أو الحزن !