منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المدونات fauzi

قيم هذا الموضوع

يا رب ارحمني أنا الخاطئ

وضعت 23-02-2016 في 08:18 PM بواسطة fauzi

عندما دخلت ُ الى محطة الوقود القريبة من بيتنا كي أتزود بالوقود لسيارتي لم أكن قد سمعت ُ بالحادث المؤسف الذي حدث لصاحبها . في الواقع اني لم أكن معتادا ً على ارتياد هذه المحطة لعلمي السابق بكراهية صاحبها لي . ولولا انشغالي الشديد في هذا اليوم وحاجة سيارتي الشديدة للوقود لما دخلت ُ هذه المحطة ، فصاحبها شخص ٌ متعصب لايمانه ولا يحب من هو مثلي . وفي كل مرة ٍ كنت آتي اليه كان يسمعني كلمات حادة حول الكتاب المقدس والمسيح والايمان المسيحي . فدائما ً كنت لا أسلم من لسانه ِ السليط وسخريته ِ اللاذعة . ولكن اليوم كانت سيارتي تحتاج الى الوقود بشدة ولا مجال لأن أقودها لابعد من ذلك . فدخلت الى المحطة وأنا أصلي الى الله ليعطيني روح الصبر والتسامح في تحمل دعاباته السخيفة وكلماته الجارحة . وعندما دخلت وجدت ُ ابنته ُ الشابة تزود السيارات بالوقود على غير العادة ، وعندما نظرت ُ اليها وجدتها حزينة ، فنزلت بسرعة من سيارتي واتجهت اليها قائلا ً :
- ماذا حدث يا بنيتي ؟ اين والدك ؟
- أجابت بصوت ٍ حزين مهزوز : ألم تعلم بالحادث الذي حصل لوالدي يا سيدي القس ؟
- كلا ماذا حدث ؟
- لقد وقع بالامس والدي في مرجل القار المغلي واخرجناه الى المستشفى في حالة ٍ يُرثى لها وهو بين الحياة والموت ، وكل عائلتي لديه الآن . ثم صرخت باكية : والدي يموت يا سيدي القس .
نظرت ُ اليها في شفقة وربت ُ على كتفها قائلا ً :
هوني عليك ِ يا بنيتي ، إن رحمة الله واسعة . زوديني بالوقود سريعا ً واعطيني عنوان المستشفى حتى أذهب اليه .
فقالت لي : لا داعي يا سيدي ، سيظن انك تشمت ُ فيه وسيمطرك بالكثير من السباب .
اجبتها والهلع قد أخذ مني الكثير : بسرعة يا بنيتي كي لا أتأخر .
وخرجت ُ من محطة الوقود وانا مليء ٌ بالمشاعر . كانت آخر مرة ٍ تعاملت ُ فيها مع ذلك الرجل السليط اللسان من خلال ابنتي الصغيرة في الاسبوع الماضي . كان الطقس شتاء ً والبرد ُ قارصا والثلج ُ قد ملأ المكان ولم يكن بالبيت أي وقود للاستدفاء في تلك الليلة . فالبست ابنتي الصغيرة الكثير من الثياب واعطيتها قنينة كاز وارسلتها اليه كي يمدني بالكاز الذي يدفئ ليلتي الباردة . وعندما ذهبت اليه امطرها بوابل من الشتائم ورفض ان يعطيها الكاز رغم ان معها ثمنه ُ وطردها قائلا ً :
دعي والدك الكافر يجعلك تستدفئين بصلاته .
وعندما ولت راجعة تابع صراخه ُ فيها قائلا ً :
أو ربما يميته الله في هذه الليلة فيستدفئ هو في نار جهنم .
لم اعرف السر وراء غلاظة قلبه وسلاطة لسانه ، لم أفهم . كان الرجل صعب المراس جدا ً ولسانه سببا له في مشاجرات ٍ كثيرة ، ولولا موقعه المتميز لفقد الكثير من زبائنه . والآن ها هو قد وقع في الزيت المغلي . لم أفهم كيف رغم ان البنت شرحت لي لكني لم أستطع أن أتخيل الموقف . عرفت انه فقد جلده ُ كله ُ ويعيش ألم ٍ مبرح ٍ منذ الأمس وفرصته ُ في الحياة ِ شبه معدومة .
قال القس متابعا ً حديثه ُ :
وصلت ُ الى المستشفى وبسرعة اتجهت ُ الى قسم الحروق . كان الجو متوترا ً جدا ً والعائلة كلها كانت متجمعة . بسرعة دخلت اليه وما أن رآني من بعيد حتى صرخ :
أخرج من هنا هل جئت كي تتأكد من موتي يا عميل الشيطان . ابتعد من أمامي فأنا لا أطيق أن\أنظر اليك .
كان صوته ُ عاليا ً ، فخرجت ُ مسرعا ً حتى لا تكون هناك فضيحة داخل المستشفى ولكني ذهبت ُ الى الطبيب وسألته ُ عنه فقال لي :
لقد فقد الكثير من جسده ِ وحياته ُ شبه منتهية ولكنه الآن يحتاج الى كثيرا ً من الدم خلال فترة ٍ قصيرة .
فقلت له :
أستطيع أنا أن أعطيه من دمي .
أجابني الطبيب وبصوته ِ خيبة أمل كبيرة :
نحن نقوم ببذل مجهود ٍ بلا أمل وهو كلما يعيش أكثر يتألم أكثر ، فلو تركناه ....
قاطعته بسرعة وقلت له :
تكون قد ارتكبت جريمة في حقه ِ يا دكتور ، المحاولة هي أهم شيء ٍ وليفعل الله ما يراه مناسبا ً له .
قال الطبيب :
لست أدري ما الفائدة من اطالة عمره تلك الساعات القلائل ، هو سيعيشها في ألم . لولا المسؤولية لكنت وفرت له هذا العناء الشديد رحمة ً به .
أجبته :
أنت لا تنقص او تزيد من عمر اي انسان يا دكتور ، هو الرب ، ومن يدري فقد يحتاج المرء الى دقائق قليلة تغير مصيره ُ كله يا سيدي الطبيب ، وليس من حق أي انسان أن يُنقص ثانية ً واحدة من عمر انسان آخر . في شريعة السماء هذا اسمه قتل . هل ستأخذ مني الدماء ؟
نظر الي ساخرا ً وقال :
يبدو انك تحبه كثيرا ً هل هو قريبك ؟
اجبته لا بل من يهمني أمره وأنا اريد أن أتبرع له بدمي .
ساعات تمر وأنا جالس امامه في المستشفى . لقد سحبوا مني الكثير من الدم ، وهو الآن في غيبوبة ، الله وحده يعرف متى يستفيق منها . وفجأة فاجئتني صرخة ٌ هائلة ، ألم ٌ فظيع ٌ يشعر به ذلك الرجل ، كان الله في عونه . اتجه بنظرهِ الي ولكنه لم يصرخ بل قال :
أنت لا زلت هنا ؟ كيف حالك ايها البطل ؟ أنت اعطيتني دما ً أليس كذلك ؟
اجبته : نعم
دمعت عيناه تأثرا ً وقال :
لماذا ؟ لماذا لم تتركني أموت ؟ وتحولت الدموع الى بكاء .
تقدمت جهته وقلت :
كيف اتركك تموت الآن وأنت شخص ٌ عزيز ٌ جدا ً علي ّ وأيضا ً عزيز ٌ في عيني الرب ، هل تعلم أين أنت ذاهب اذا انتقلت الآن ؟
الى الجحيم قال صارخا ً
فقلت له : هل رأيت عذاب الحرق ؟ هل تستطيع أن تحتمل هناك والى الأبد ؟
لم يتكلم بل اغرورقت عيناه بالدموع ثم راح يهذي قائلا ً :
- هو الثمن ، ثمن الخطايا والأعمال الشريرة الذي يدفعه ُ كل انسان ، كلنا سنذهب الى هناك أنت وأنا .
- ولماذا تكلف نفسك عناء دفع ثمن خطاياك وهناك من دفعها عنك يا رجل ؟ يسوع انت تعرفه ؟
- ومن لا يعرفه نبي ٌ عظيم ٌ عاش وعمل الكثير من المعجزات وأراد اليهود قتله ُ .
أجبته : أنت لا تعرفه اذا ً
أجاب : أعرف الله وحاولت ارضائه بكل قوتي .
فقلت له : وهل أرضيته ؟
اجابني : اعرف أنني حاولت أن أرضيه ولكني لا اثق في هذا الآن ، بداخلي شيء ٌ غير راض ٍ عنه . أعرف أن أعمالي لن تدخلني السماء ولا أعمال أي شخص .
- كلنا عبيد ٌ بطالون . كلنا حاولنا وفشلنا في هذا يا رجل .
- صرخ قائلا ً : قلت لك كلنا لنا مصير ٌ واحد .
- أتذكر الصليب ؟
- نظر الي ولم يجب .
فاكملت ُ : افتح قلبك يا رجل . صلي الى الله واطلب غفرانه ُ ، سلّم له حياتك . لقد بقي القليل ، اطلب منه أن يستلم ذلك الجسد المحروق وتلك النفس المريضة ، هو يريدك كما أنت .
أجابني : لم أفعل في حياتي حسنا ً .
- ولا أنا فعلت ُ شيئا ً حسنا ً في حياتي ، ولكني صرخت ُ لله يوما ً وقلت ُ له ارحمني يا رب أنا خاطئ .
- سكت الرجل قليلا ً واغمض عينيه ، ظننت انه راح في غيبوبة ، فرفعت ُ صلاة ً الى الهي ان لا تكون هذه هي غيبوبة الموت ، لكنه فتح عينيه وقال :
- يا رب ارحمني أنا الخاطئ . اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك .
- ابتسمت وقلت : لا تخف الموت يا صديقي .
وبقيت أنا وهو قرابة الساعتين نصلي ، وقد علمته بعض الترانيم القصيرة التي راح يترنم بها بصوته ِ المنهك ، فقال باسما ً
- هل هذه هي التي سأرنمها في السماء ؟
- أجبته ُ : بل وأحلى
شُفيتْ أوجاع الرجل تماما ً ، انه الآن في السماء مع يسوع . أذكر انني عندما خرجت ُ من عنده وقابلني الطبيب ، قلت له : لقد أنتهى الأمر .
- أرأيت ان دماك لم تفده ُ بأي شيء ؟ لقد عاش ساعات ٍ قليلة فقط
- اجبته : هي أهم ساعات عمره .
وخرجت من المستشفى وركبت سيارتي ، كنت ُ مشغولا ً جدا ً اليوم لكني أجلت كل شيء في سبيل ذلك الرجل الذي استقبلته السماء بالفرح . ادرت ُ سيارتي راجعا ً الى البيت ، فلم يضع اليوم هباء ً .







وضعت في قسم غير محدد
المشاهدات 1210 التعليقات 1 تعديل الكلمات الدلالية
Total Comments 1

التعليقات

  1. Old Comment
    الصورة الرمزية سهيله
    ما أروعك ايها القس
    كم اتمنى ان القاك واقبلك وأقبل يداك
    ما اروع محبة الله التى تتجلى فى شخصك وفى معاملاتك
    بجد انا بحبكم كتير
    وضعت 23-03-2016 في 10:52 PM بواسطة سهيله سهيله غير متصل
 

الساعة الآن 07:51 AM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2018، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة