منتديات الكنيسة

منتديات الكنيسة (http://www.arabchurch.com/forums/index.php)
-   الرد على الشبهات حول المسيحية (http://www.arabchurch.com/forums/forumdisplay.php?f=60)
-   -   الرد على الأستاذ منقذ السقار | مدارس السبت 29 | [جزء 4] (http://www.arabchurch.com/forums/showthread.php?t=285477)

Fady N.Iskander 04-07-2021 12:21 AM

الرد على الأستاذ منقذ السقار | مدارس السبت 29 | [جزء 4]
 
بإسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد أمين.
الرد من الدقيقة 13 إلى 30


إختلاف النسخ
أولاً يجادل الأستاذ منقذ فى أى نسخة من المفترض أن نأخذ منها هل هى نسخة الكاثوليك (73 سفر)، أم نسخة البروتستنت (66 سفر)، أم نسخة اليهود (39 سفر)، أم نسخة السامرين (5 أسفار)؟
ثم يكمل يقول ان نص تثنية 33: 2 موجود بأشكال مختلفة فى بعض هؤلاء النسخ ويأتى بعدة ترجمات مثل الفاندايك واليسوعية والمشتركة وغيرها الكثير من الترجمات الإنجليزية.
السؤال من أى نسخة يجب على المسيحيى الأخذ منها؟
الرد
أولاً يخلط الشيخ ما بين النسخ والترجمات، فإن النسخ المقصود بها النصوص الأصلية مثل النص العبرى أو النص اليونانى السبعينى، بينما الترجمات هى مجرد ترجمات مثل الفاندايك واليسوعية وهناك ترجمات تنقل عن ترجمات.
لذلك الكلام من الترجمات هو مضيعة للوقت.

ويبقى السؤال من أى نص يجب أن نأخذ الآيات؟
نأخذ الآيات من النص الأصلى وفى حالة العهد القديد نأخذه من النص العبرى الأصلى الذى كُتب به بعد التأكد من صحته.
إذا مجموع إختلاف الترجمات ليس هو الدليل على التحريف، بل دليل على جهل السائل، لأن الترجمات تقوم على أساس فهم المترجم للنص الأصلى، فعندما نجد إختلاف فى الترجمات هذا لا يعنى ان الأصل مختلف، لا مطلقاً الأصل واحد ولكن كل مترجم يترجم النص بشكل مختلف بحسب فهمه، وهذه النقطة سوف نعود لها فيما بعد.

يأخذ الشيخ نموذج من هذه الإختلافات وهو نص تثنية 2:33.
يقول الكتاب بالنص الأصلى العبرى:
اقتباس:

ויאמר יהוה מסיני בא וזרח משׂעיר למו הופיע מהר פארן ואתה מרבבת קדשׁ מימינו אשׁדת למו׃
وترجمتها بحسب الفانديك:
اقتباس:

فَقَال: «جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ وَأَشْرَقَ لهُمْ مِنْ سَعِيرَ وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ وَأَتَى مِنْ رَبَوَاتِ القُدْسِ وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لهُمْ.
ولكن بالرجوع للنص الأصلى نجد أن كلمة (מֵרִבְבֹ֣ת) مى-رِبوت تعنى من ربوات أو من عشرة آلالاف، أو عدد لا يحصى.
وبالنظر للترجمة السبعينية وهى ترجمة تفسيرية من اليهود أنفسهم:
اقتباس:

καὶ εἶπεν Κύριος ἐκ Σινα ἥκει καὶ ἐπέφανεν ἐκ Σηιρ ἡμῖν καὶ κατέσπευσεν ἐξ ὄρους Φαραν σὺν μυριάσιν Καδης, ἐκ δεξιῶν αὐτοῦ ἄγγελοι μετ᾿ αὐτοῦ.
تترجمها بعشرة آلالاف أو عدد لا يحصى، أو ربوات من قادش، وعلى يمينه ملائكة معه
التعليق
هذه مجرد ترجمة وليس النص الأصلى فهى ترجمة تفسيريه بحسب فكر اليهود، فهم لديهم تقليد شفاهى متوارث ويظهر هذا من خلال النص، فهى ليست ترجمة حرفية، ولكن مع ذلك فإن الكلمة التى تتشدق بها وهى عشرة آلالاف هى موجوده فى النص العبرى أصلاً فلا حاجا لكل هذا، فما معنى ربوات إلا انه عدد لا يحصى؟

ويأخذ مثال أخر وهو وادى البكاء
ويتنقل بين الترجمات لكى يقول ان جميعهم مختلفين ولكن كما قلنا الفيصل هو النص الأصلى.
الخلاصة
يأتى الشيخ منقذ بمقدمة ترجمة الجمعية اليهودية العامة وتقول كما ترجمها هو الأتى:
فى مواضع كثيرة، النص العبرى غير مؤكد [أى مشكوك فيه]، ولذلك يتم الإلتجاء إلى الترجمات الأخرى، فإن لم تفلح يتم الإلتجاء إلى التخمين الحدسى.
أنتهت الترجمة الخاصة بالشيخ

يعلق عليها ويقول ان التخمين الحدثى هذا هو أن يأتى المترجم بكلمة حتى وإن لم توجد بالمخطوطات الأصلية
أنتهى تعليق الشيخ

الرد
أولاً: بالرجوع إلى النص المترجم:
The prophetic books contain many passages whose meaning is uncertain.

المصدر/
الترجمة الصحيحة لكلام الجمعية
الكتب النبوية تحتوى العديد من المقاطع ذات معنى غير مؤكد.

التعليق
فإن المقدمة تقول ان كثير من المقاطع معناها غير مؤكد وليس النص الأصلى هو الذى غير مؤكد! بمعنى ان النص الأصلى ثابت لا يتغير ولكن طريقة ترجمته هى المختلف عليها، لذلك يلجئ المترجمون إلى التخمين بين الترجمات وبعضها لكى يصلوا إلى المعنى الصحيح، فإن الخلاصة هو اننا لدينا عدة ترجمات للنص الأصلى وكل مترجم يفهمها بحسب فهمه هو فقط لا غير، فمن الطبيعى أن يأتى المترجم بكلمات غير موجوده فى النص الأصلى وهذا لعدة أسباب منها ان ربما لا يوجد مقابل للكلمة الأصلية فى اللغات الحية اليوم، وربما تكون الكلمة الأصلية تحتاج إلى ترجمتها بطريقة تفسيرية لكى يفهمها القارء، إذاً من الطبيعى أن يوجد كلمات مترجمة غير موجوده فى النص الأصلى، فلا جديد فى هذا.
فكان هذا التدليس من قبل الشيخ ليقول ان النص الأصلى محرف ولكن المقصود هو الترجمة.

يأتى الشيخ بنموذج وهو فى محور الموضوع وهى الآية الواردة فى مزمور 84 كالاتى
عَابِرِينَ فِي وَادِي الْبُكَاءِ يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعاً. أَيْضاً بِبَرَكَاتٍ يُغَطُّونَ مُورَةَ. (مزمور 84: 7 بحسب النص العبرى)
يقول ان إيمانويل توف من أكبر علماء اليهود يقول فى هذه الآية ان جميع كلماتها إخضعت للتخمين الحدثى ما عدا كلمة وادى، ويكمل انه لا يوجد قواعد لهذا التخمين الحدثى فهو أمر قائم بالفهلوه والشطارة فقط لا غير ثم يكمل ويقول: تستند التعديلات النصية المقترحة إلى إعتبارات خارج مجال النقد النصى، فهى تستند إلى تفسير الكتاب، والبحث اللغوى، والنقد الأدبى.
أنتهى الإقتباس

الرد
الحقيقة انه بالرغم من هذا العالم هو من العلماء الغربيين وكلامه لا يمثل قيمة لنا إلا ان كل كلامه ينصب على الترجمة وليس للنص الأصلى، فإن النص الأصلى ثابت بينما التخمين هذا هو لفهم النص نفسه باللغة الحية، بمعنى اننا أمام نص من الكتاب المقدس بالعبرى، يأتى المترجم ويقرأ هذا النص ويريد ترجمته هنا يبدء المترجم بترجمة النص بناءاً على فهمه هو للنص من خلال تفسير الكتاب المقدس ومن خلال اللغة، أى ربما يجد ان هذه الكلمة تُترجم بمعنى ومترجم أخر يرى أنها تترجم بمعنى أخر، هذا هو المقصود من التخمين الحدثى، ولا يتكلم عن تحريفات فى النص الأصلى.

من الدقيقة 23
هل الكتاب المقدس معصوم من الخطأ فى معلوماته الجغرافية؟
يجيب الشيخ بأنه ليس معصوم بناءا على أراء بعض البروتستنت سواء غربين او شرقيين وسنرد على هذه النقطة فى وقتها.

يعطى الأستاذ منقذ مثال على ان الكتاب المقدس غير معصوم فى الجغرافية.
يقول وردت كلمة فاران فى الكتاب المقدس 11 مرة، منها مرتين خطأ
أول موضع هو (1 صموئيل 25: 1)
وَمَاتَ صَمُوئِيلُ فَاجْتَمَعَ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ وَنَدَبُوهُ وَدَفَنُوهُ فِي بَيْتِهِ فِي الرَّامَةِ. وَقَامَ دَاوُدُ وَنَزَلَ إِلَى بَرِّيَّةِ فَارَانَ.
يقول ان النص السبعينى ذكرها مأون وليس فاران، ويقول ان الناقد ماك كارتر يقول ان برية فاران بعيده عن مسرح الأحداث، أى ان سياق النص يستلزم أن يكون المكان الذى ذهب إليه داود قريب من أورشليم وليس بعيد عنه وبرية فاران من وجهة نظره بعيده عن هذا بكثير لذلك تكون قراءة مأون هذه هى الأصح، ويرجح الأستاذ منقذ سبب التغير وهو ان الآية التالية مباشرة تتكلم عن رجل من مأون فقام الآباء اليهود الذين ترجموا النص تغيرها لتكون مأون بدلا من فاران لتتوافق مع السياق، ويقول ان السبعينية ذات أهمية لأن الفولجاتا التى ترجمها القديس جيروم قام بترجمتها من السبعينية.
الرد
نقول ان النص السبعينى المُحقق حاليا هو ليس النص الأصلى 100% فهو الأخر لابد ان يتم الرجوع إلى مخطوطاته لكى نتأكد من ان النص مؤكد، فإن النص اليونانى للسبعينية المحقق حالياً يقول:
اقتباس:

Καὶ ἀπέθανεν Σαμουηλ, καὶ συναθροίζονται πᾶς Ισραηλ καὶ κόπτονται αὐτὸν καὶ θάπτουσιν αὐτὸν ἐν οἴκῳ αὐτοῦ ἐν Αρμαθαιμ. καὶ ἀνέστη Δαυιδ καὶ κατέβη εἰς τὴν ἔρημον Μααν
.
ولكن فى التعليقات النقدية على النص من قبل العالم المحقق للنص Alan E. Brooke آلان بروك يقول ان هناك قراءة أخرى غير مأون "Μααν" وهى "Μανααν" وهذه موجوده فى مخطوطة "Florence, Laur., Acq. 44" بينما قراءة "φαραν" فاران موجودة فى مخطوطة "Codex .Alexandrinus. London, Brit. Mus., Reg. L D. v-viii" ومخطوطة "Escurial, Y. 11. 5" ونفس الإسم ولكن بقراءة مختلفة مثل "φαρραν" موجوده فى مخطوطة "London, Brit. Mus., Curzon 66".
المصدر/
Alan England Brooke, The Old Testament in Greek according to the Text of Codex Vaticanus, Vol. 2, Par. I, Cambridge: University Press, 1917, P. 84.

وكما قلت يا شيخ ان الفولجاتا قد تم ترجمتها من هذا النص فإن نص الفولجاتا يقول:
اقتباس:

mortuus est autem Samuhel et congregatus est universus Israhel et planxerunt eum et sepelierunt in domo sua in Rama consurgensque David descendit in desertum Pharan.


النص اللاتينى للفولجاتا يقول "desertum Pharan" أى برية فاران، والتغير هذا أقصد من فاران إلى مأون هو نتيجة خطأ نسخى بواسطة النساخ فيما بعد وليس من الآباء اليهود المترجمين قبل الميلاد، والخلاصة هى أن النص لابد يرجع إلى أصله وهو برية فاران، والعجيب ان الشيخ يعترض على الآية بسبب ترجمة يونانية للنص الأصلى العبرى وليس العكس، لا أعرف أى أكاديمية يتكلم عنها الشيخ.

ثانى موضع
(تكوين 6:14)
اقتباس:


اقتباس:

5. وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ اتَى كَدَرْلَعَوْمَرُ وَالْمُلُوكُ الَّذِينَ مَعَهُ وَضَرَبُوا الرَّفَائِيِّينَ فِي عَشْتَارُوثَ قَرْنَايِمَ وَالزُّوزِيِّينَ فِي هَامَ وَالايمِيِّينَ فِي شَوَى قَرْيَتَايِمَ 6. وَالْحُورِيِّينَ فِي جَبَلِهِمْ سَعِيرَ الَى بُطْمَةِ فَارَانَ الَّتِي عِنْدَ الْبَرِّيَّةِ.



يأتى الشيخ بموسوعة للكتاب المقدس (3/3584) تقول ان النص به تحريف لمجرد أنهم لم يعرفه أين هى بطمة فاران، فيعلق الشيخ ويقول ان موسوعه الكتاب المقدس محتارين مش عارفين فين هى بطمة فاران.

الرد
لأنهم لا يعرفوا أين هى بطمة فاران، إذاً يكون النص به تحريف لأننا لم نعرف أين هى بطمه فاران؟ يا سلام
أولاً يقول المفسر اليهودى راشى: أنه بحسب الترجمة الأرامية للنص فهى تعنى سهل فاران، ولكن يقول ان كلمة إيل هنا تعنى اسم السهل نفسه فيسمى سهل إيل الموجود بفاران.
المصدر/
ويقول ترجوم أونكيلوس
וְיָת חוֹרָאֵי דִּי בְטוּרְהוֹן דְּשֵׂעִיר עַד מֵישַׁר פָּארָן דִּסְמִיךְ עַל מַדְבְּרָא:
and the Horaee who were in the mountain of Seir, unto the plain of Paran which lieth upon the desert.
الترجمة
الحوريين الذين فى جبل سعير إلى سهل فاران الواقع فى الصحراء.
المصدر/
ويقول المفسر جون جيل أن (الفاران) هذه ربما تكون سهل او بطمة فاران وهى الواقعة بالقرب من البرية التى تحمل نفس الإسم وبرية العربية (البتراء)، ويكمل ويقول خلالها عبر الإسرائيليين فى فترة الأربعين عام لكى يصلوا إلى كنعان.
المصدر/
التعليق
يا شيخ الإنسان المتخصص لا يأتى بموسوعة إلا للأمور الهامشية فقط ولكن التخصص يأتى من أصحابه فقط، فإن الموسوعة بها كم معلومات هائل فى جميع المجالات، لذلك هم يأتوا بهوامش المواضيع فقط وليس إلى الأمور المتعمقة او المتخصصة ويحدث أخطاء كثيرة فى الموسوعات لذلك هى ليست حجة علينا، والدليل هو قولهم انهم لمجرد انهم لا يعرفوا أين مكان هذه المنطقة إذا هى محرفة.
الخطأ الجغرافى فى الكتاب المقدس
نأتى إلى نقطة أخرى الخطأ الجغرافى فى الكتاب المقدس
يأتى الشيخ منقذ بمرجع للقس حنا جرجس الخضرى فى كتابه تاريخ الفكر المسيحيى 1/ 169-170 يقول ان الكتاب المقدس هو كتاب الله لذلك أن حدث وظهرت أراء سلبية تجاه الكتاب من حيث الأخطاء فلا يهتز إيمان المؤمن لأنه يعرف انه كتاب الله وأنه ليس كتاب علم او تاريخ وليس على الكاتبين لهذا الكتاب تجنب الأخطاء العلمية والتاريخية والجغرافية لأن الأهم هو انه كتاب الله أو بالمعنى الأصح هو رسالة الله للإنسان الخاطئ.
أنتهى الإقتباس

يأتى بمرجع أخر وهو للناقد جيرى سمنى يقول ان كُتاب القرن الثالث والرابع اعترفوا بأخطاء جغرافية
أنتهى الإقتباس

الرد
الحقيقة يا شيخ كما قلت لك ان كل مراجعك هى للإخوة البروتستنت فالبروتستنت الغربيين يتعاملوا مع الكتاب المقدس على انه كتاب بشرى صرف وليس كتاب موحى به بالمعنى الذى عاش به المسيحيين منذ القرن الأول إلى اليوم وحتى العهد القديم لم يجرء أحد من اليهود منذ موسى إلى مجيئ المسيح ويقول ان به خطأ، إلا عندما ظهرت المدارس النقدية البروتستنتية فى القرن ال18 وربما قبلها بقليل وعنها ينقل كل القساوسة البروتستنت فى الشرق، فلا يوجد لمثل هذه الأمور وجود عندنا نحن كأرثوذكس، وأعنى بأرثوذكس هم آباء المسيحية فى القرون الأولى وليس فى الزمن الحالى، فنحن لا نأخذ ديننا وعلمنا من البروتستنت ولكن من آباء الكنيسة.
بالنسبة للناقد جيرى سمنى الذى يقول ان كُتاب القرن الثالث والرابع اعترفوا بأخطاء جغرافية، نقول لك وله أين هم هؤلاء الكُتاب؟ لماذا لم يذكرهم؟
فنحن لدينا هؤلاء الكتاب وكتاباتهم ونأخذ على سبيل المثال القديس يوحنا ذهبى الفم (+407م) عاش خلال القرن الرابع وهو يندرج تحت البند الذى وضعته أنت وهذا الناقد انه من كتاب القرن الرابع، فلننظر إليه ونرى كيف يتعامل مع الوحى وهل يقول ان به أخطأ جغرافية وعلمية وإلى أخره؟
يقول القديس:
لقد كان الإنجيلي من هذه الأرض ولم يكن من قرية شهيرة، أو ذائعة الصيت، بل كان هذا الفاضل ابن صياد فقير، إلى الدرجة التي أوصلته أن يستميل ولديه إلى مهنته عينها، وأنتم تعرفون كلكم إنه لا يوجد صانع يجعل ابنه وارثاً لحرفته، لو لم يلزمه بذلك سوى فقره الشديد وخصوصاً إذ كانت مهنته حقيرة جداً. ولا يوجد من أكثر فقراً من الصيادين، ولا أحقر قدراً، بل ولا أنقص علماً منهم. ولعمري إن كان يوجد بين هؤلاء الصيادين من يكونون أعظم من غيرهم، ومن هم أدنى ممن سواهم. أما هذا الرسول العظيم عندنا فكانت له من هذه الأوصاف المرتبة الأدنى من غيرها، لأنه ما كان يصطاد من البحر، بل أقام عند بحيرة صغيرة يطوف حولها مع أبيه ويعقوب أخيه يرفون شباكاً ممزقة. وهذا كان دلالة على الفقر المدقع، فعلى هذه الحال دعاه المسيح (أنظر مت4: 21-22، مر1: 19-20) أما بالنسبة للتعليم فنستطيع أن نُجزم بهذه الحقائق أنه لم ينل أي قسط منه، ومن جهة أخرى يشهد لوقا الرسول بذلك إذ كتب في وصفه أنه ما كان أمياً فقط بل عامياً أيضاً (أنظرأعمال4: 13)، وبالطبع قد فاته العلم نظراً لفقره الشديد، فلم يكن يتردد على أسواق المدينة، ولا يُفاوض إناساً ذوي شأن، بل كان محصوراً في مهنته بصيد السمك، ومتى حضر عنده في أي وقت من الأوقات أحد الناس، فقد كان يُخاطبه في تجارة السمك، وفي طهيه. فما الحال الأفضل الذي كان يأمل أن يناله من صيد السمك؟ وكيف يمكنه عدم مماثلة السمك في عد النطق، وكونها بلا صوت؟ فهذا الصياد المتصرف حول البحيرة بالشباك والسمك، الذي من بيت صيدا بالجليل، ابن الصياد الفقير، بل والفقير جداً، الأمّي أُميّةً في أقصى مراتبها، الذي لم يتعلم الكتابة لا في أول عُمره، ولا في آخره حتى بعد تبعيته للمسيح. فسبيلنا أن نعرف ما الذي يتكلم به، وعن أي معان يخاطبنا، هل يُحدَّثنا عن وصف أشياء في الأسواق؟ أم تلك الأنواع التي في الأنهار؟ وعن مهنة الصيد؟ إن مثل هذه الأقوال هى التي يُتوقع أن تُسمع من صياد، لكن لا تخافوا، لأننا لن نسمع منه قولاً من هذه الأقوال، وإنما نسمع منه الأمور التي من السموات، والأسرار التي ما عرفها في وقت من الأوقات عارف قبله. لأنه لهذا جاء إلينا حاملاً تعاليم سامية، وطريقة فاضلة، وفلسفة جليلة، تليق بالناطق من كنوز الروح وكمثل شخص أتى تواً من السماء ذاتها. أضف إلى ذلك إنه يمكن أن يكون ساكني السماء غير عارفين تلك الأمور كما قلت للتو.
قُل لي هل هذه الكلمات هى أقوال صيِّاد؟ أم أقوال خطيب مفوه؟ أم أقوال فيلسوف؟ أم أقوال مؤدب بالحكمة العالمية؟ لا، البتة لأنه ليس لنفس إنسانية أن تتفلسف أو تنطق بهذه الأقوال الجليلة في وصف الطبيعة السمائية، وفي وصف القوات الملائكية التي بعد تلك، وفي وصف الخلود والحياة الأبدية، وطبيعة الأجساد المائتة والتي ستكون أخيراً غير مائتة، وفي وصف العقوبة والدينونة القادمة، وفي ذكر المجازاة التي تكون للأقوال والأفعال، والأفكار، والسرائر، وما الإنسان الذي يُدعى إنساناً؟ وليس هو إنساناً، وما الرذيلة والفضيلة؟
فأي صنوف من هذه المعارف قد ابتغاها أفلاطون ، وفيثاغورس ؟ لأن الفلاسفة الآخرين لا ينبغي لنا أن نذكرهم إذ قد صاروا من هذه الناحية موضع للسخرية، إذ قد صاروا من هذه الجهة يتزايد الضحك عليهم، بل إن الذين كانا مثار للإعجاب ووُثق بهما أن يكونا قدوة لعلمهما النفيس- لأن هذين أكثر من غيرهما نظما أقوالاً كتباها في مذاهبهما وإعتقاداتهما- إلا أنهما صارا مثاراً للسخرية والضحك من أقاويلهما أكثر مما يُضحك على الصبيان إذ جعلا النساء مشاعاً لكل أهل بلدهم يشتركون فيهن. وأفسدا الحياة كلها، وفرائض الزواج المقدسة وأشترعا شرائع غير هذه يسخر الناس منها، وعلى هذا المنوال أفنيا كافة حياتهما وما أستبقيا لأحد من الناس إلا أن يُفرِط في السخرية من معتقداتهما مثل قولهم في أن النفس تصير ذباباً، وقد زعما أن الإله هو نفساً أيضاً وفظاعات كثيرة غير هذه وأكثر منها تماثلها، وليس فقط هذا القول هو الجدير باللوم، لكن اللجة الكثيرة من أقوالهما تستحق اللوم لأنهما كانا كالدوامة في لجة بحر يدور من هذه الجهة إلى تلك الناحية، وما يثبتون في وقت من الأوقات على أقوال بعينها، بل ضادوا ذواتهم فيما قالوا إذ تكلَّما من همم متقلبة جزوعة تسير على غير هدى في أخطائها.
إلا أن هذا الصياد لم تكن هذه الحال حالهُ. لكنه تكلم بكل ما نطق به بأبلغ ثقة ولم يهتز البتة كأنه واقف على صخرة لأنه إذ أُهّل أن يكون في هذا المقدِّس وحوى رب الخليقة كلها ناطقاً فيه، فما أصابه عارض إنساني، وأما أولئك إذ كانت حالهم حال الذين لم يؤهلوا ولا في الأحلام للسير داخل قصور الملوك، إذ يمضون حياتهم مع الغير خارجاً في الأسواق، واستخدمهم حدسهم للمعرفة فضَلوا ضلالاً عظيماً، ولما أرادوا أن يتكلموا في وصف الخليقة التي لا يُعبر عنها صادم أحدهم الآخر في هذه الضلالة عينها كما يتصادم العميان والسكارى، وما صادم بعضهم بعضاً فقط، بل صادموا مع ذلك ذواتهم، إذ قد انتقلوا دائماً إلى معانٍ كثيرة في أقوال واحدة بعينها.
إلا أن هذا العديم العلم والأُمّي الذي من بيت صيدا، ابن زبدي، حتى لو سخر منه الوثنين مرات بلا عدد لخشونة الأسماء التي في بشارته، فلست أقول قولاً غير ذلك ولا أخشى من التكلم به، لأن هذه قد تكلم بها هو بمجاهرة كثيرة، إذ هى جليلة وبهية، لأنه على نحو ما يتضح عندهم إن أمته أمة بربرية مبتعدة عن أدبهم، على هذا النحو تظهر أقوالنا أبهى نوراً لأنه إذا تكلم ذاك البربري عديم العلم بهذه الأقوال وأمثالها، التي ما عرفها أحد من الناس، الذين في الأرض في أي وقت من الزمان، على أنه لو كان فعل هذا الفعل وحده، لكان الإعجاب به عظيماً. إلا أنه قدَّم لنا دلالة أخرى أعظم من هذه تدلنا على أن هذه الأقوال التي يقولها هى بإلهام من الله. وهى استمالتها سامعيها كلهم، على طول الزمان، فمن ذا الذي لا يتعجب من القوة الساكنة فيه؟
وهذه الدلالة التي ذكرتها هى عجيبة. تدل على أنه لم يشترع إشتراعاً من ذاته، فهذا البربري إستمال بكتابة بشارته المسكونة كلها وضُبط بجسده في وسط آسيا، والأرض أن تفلسف فيها كافة رهط بلاد الإغريق بفلسفتهم القديمة وصار مرهوباً عند الشياطين، بهياً بين أعدائه، مُبدداً ظلامهم، هادماً قلعة الشياطين، وإنصرف بنفسه إلى ذلك المكان الملائم لمن صنع مثل هذه العظائم وأمثالها.
ولعمري أن تعاليم الوثنين خمدت وغابت كلها، بينما تعاليم هذا الفاضل ألمع نوراً، لأنه حينما دوى صوت هذا الطوباوي وباقي الصيادين صمتت أقوال فيثاغورس وتعاليم أفلاطون، التي كان يُظن فيما سبق وكأنها لا تُدحض إلا أنها بَطّلت، بل وأكثر الناس لا يعرفونها ولا من الاسم
المصدر/
القديس يوحنا ذهبى الفم، العظة الثانية على تفسيره لإنجيل القديس يوحنا الرسول.
لإلهنا كل المجد


الساعة الآن 06:28 AM.


دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2021، Jelsoft Enterprises Ltd

جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة