عرض مشاركة واحدة
قديم 14-09-2007, 05:27 PM   #2
Coptic Princess
وجهك يا رب اطلب
 
الصورة الرمزية Coptic Princess
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
الدولة: قلب الرب يسوع المسيح فانه احبني حتي المنتهي
المشاركات: 524
 نقاط التقييم 124 نقاط التقييم 124
Heartcross

Re: تكفيك نعمتي - غلام مسيح نعمان


الفصل الرابع

الفدائي المجاهد

في مارس )آذار( 1947 عدت إلى جامو إذ شعرت بفراغ في حياتي. بيد أن جوًّا من العداوة والتمزق أرغمني على البقاء لأهتم بسلامة أسرتي ومساعدتهم في الأوقات العصيبة التي كنا نجتازها. كان الهندوس الأغلبية الساحقة في جامو، وكذلك كان المسلمون في كشمير الشمالية، فكنا نعلم أننا محاطون بأناس يعادوننا. لم يكن وَضْع كشمير محدداً، فقد انتهى الحكم البريطاني في الهند في منتصف أغسطس )آب( 1947 . وصار هناك بَلَدان بدلاً من واحد، فلقد انفصلت باكستان المسلمة بجناحيها الشرقي والغربي عن بقية الهند. وانتقلت آلاف العائلات إلى البلد الذي وقع عليه اختيارهم. فبالنسبة للمسلمين كان لزاماً عليهم أن يسيروا مئات الأميال إلى باكستان في الغرب. لقد بلغت المعاناة حداً لا يمكن تصوُّره، وتمخض ذلك عن مذابح مريعة. أما الولايات المستقلة مثل كشمير فقد أُعطيت حق الاختيار في الالتحاق بأي بلدٍ يختاره أهلها. واستمرت أحداث القتل الوحشية بعد التقسيم بشكل متصاعد. فلا أحد يعرف الأمن والأمان، وملأ الرعب كل مكان.

ولكن وسط هذا الظلام الحالك رأيت ومضات أضواء خافتة. ها هو جارنا الطيب الرقيق من السيخ إقبال سينج يناشدنا أن نغادر المدينة، لأن الأحوال صارت ميئوساً منها. وقال لي: إن هدَّد أحدٌ حياتكم فنحن جيرانكم، وسوف نضطر للدفاع عنكم، ولو إلى الموت . في هذا الخضم من الكراهية لمسنا روحاً تُجسّد الكرم، مما بعث فينا الأمل.

وكان لزاماً عليَّ أن أرغم أخويَّ الكبيرين على المغادرة واللحاق بزوجتيهما لئلا يلحقهما السوء. وكانت هذه صدمة عنيفة عليهما، فلهما ممتلكات وأراضٍ في جامو. وفي حسرة وأسى غادرا المكان.

وتسلل الرعب إلى مصنعنا لما اختفى عامل في الرابعة عشرة من عمره يدعى إلياس، وتغيب عن منزله. وأتت أخته وقت الغداء تسأل عنه، فأخبرتها أنه لم يحضر، ولكنها أصرّت على أنه غادر المنزل إلى عمله كالعادة. ملأني الرعب وخشيت أن يكون قد وقع أسوأ الأمور. أخذتُ الفتاة الصغيرة بيدها وسرنا نفتش على أخيها، فوجدنا جثته في أحد الشوارع. شعرتُ بالحزن وانخرطَتْ أخته بجواري في البكاء المر. حاولت تهدئة روعها لكن دون جدوى. بعد ذلك أبلغت الخبر للأسرة وساهمتُ في ترتيب الجنازة. ودُفن إلياس في اليوم نفسه. تُرى، من يأتي دوره؟ كنا جميعاً مستهدَفين لذلك.

وعاد جارنا السيخي يتوسل إلينا أن نغادر. لم يكن هيناً إقناع العمال بالذهاب، لأن راتبهم من المصنع كان مصدر عيشهم الوحيد. لم يكن للمغادرة سوى معنى واحداً: البطالة، وما يترتب على ذلك من جوعٍ قاسٍ لهم ولأسرهم. فضلاً عن هذا كله، كان ولاؤهم للمصنع وطيداً لدرجة لا تسمح لهم بمغادرته في تلك الظروف العصيبة. لكني أصررت على مغادرتهم. ودفعت رواتبهم، وأغلقت المصنع.

كنّا نملك في جامو ثلاثة منازل ومحلاً تجارياً ومصنعاً و 400 فداناً من الأرض. والآن حان الوقت لنترك هذا كله. وباقتراب نهاية سبتمبر )أيلول( لبستُ زيّ سلاح الطيران لئلا يتحرش بي أحد. كان الظلام حالكاً حين دنوت من نهر توي وكان ذلك بمثابة ستر وأنا أعوم. ونحو الجانب الآخر سمعت كلمة مَحلّك! وملأني الرعب، ولكن الحارس سمح لي بالسير، فركضت المسافة المتبقية من العشرين ميلاً حتى وصلت بيتي في ظفراوال . رحبت بي أمي بحرارة وسط دموع غزيرة. لقد تصدَّعت الحياة حولنا الآن والتي بنيناها بعد عناءٍ مضنٍ. بدت الحياة قاتمة. لكن في رأي السياسيين كانت هذه بداية جديدة ومثيرة في صالحنا، واعتبرونا محظوظين! لقد كان لدينا بيت مريح وطعام كافٍ، والآن أرسلونا إلى معسكر لاجئين. لم يعد للحياة معنى! وغمرني اليأس. كنت أعتقد أن للحياة معنى، ولكني فقدته، ودوري الآن أن أستردّه مرة ثانية! واتجهت للإسلام لعلي أجد ملاذاً واتجاهاً جديداً كي أحيا لأجله وأموت لأجله. تاق كل كياني إلى شيء يستحق كل اهتمامي. كنت مقتنعاً بأن كل ما كان عندي وكل ما مررت به وتدرَّبت لأجله كان بحاجة إلى منفذٍ لاستخدامه. وبدأت آخذ الإسلام بجدية. إنه الدين الذي تربَّيت فيه.

صمَّمت أن أصبح مسلماً صالحاً، وصارت الصلاة السمة المميزة لحياتي. فُرض على المسلمين أن يصلّوا خمس مرات كل يوم، لكني اعتبرت ذلك أقل مما يجب واعتقدت أن الفقهاء والمشايخ يمكن أن يبيّنوا لي الصراط المستقيم.

وارتفع النداء للجهاد في كل مسجد. وإذا بمهراجا كشمير يضم محافظته إلى الهند، مما أثار غضب المسلمين، الذين كانوا يفضلون الانضمام للباكستان، أو أن تكون كشمير مستقلة. فدُعي المسلمون إلى الجهاد ليقاتلوا المشركين والكفّار. منذ بداية الإسلام والدين والسياسة رفيقان لا يفترقان. وكان واجباً نبيلاً عليّ أن أُرضي الله سبحانه الذي هدى خطواتي لأصبح مقاتلاً في حركة الحرية . وأخيراً بدا وكأن الفراغ الشاغر في حياتي يمتلئ.

قابلت السردار محمد إبراهيم، أول رئيس لكشمير الحرة، الذي ألحقني بجيوش المسلمين المقاتلين فيحركة الحرية . سجلت اسمي والتحقت كجندي عادي. لم أشأ أن أتباهى مستعرضاً خبرتي السابقة في سلاح الطيران فلم أخبر أحداً عنه.

وعندما بلغ دوري في حركة الحرية ذروته قابلت سليمة مرة ثانية. غمرها السرور وأبدت شوقاً لتجديد أواصر الصداقة بيننا وأن نفكر في موضوع الزواج، بعد أن تجرَّدَت أسرتنا من ثروتها، فلن يعترض أحد على زواجنا. ولم يخطر ببالي أن هذا سيكون آخر لقاءٍ بيننا! فقد ذهبت إلى قرية سليمة فوجدتها مريضة ولم يسمحوا لي برؤيتها. ولأني لم أعرف مدى خطورة مرضها، ولأني صممت على السير على النهج الذي رسمته لنفسي، غادرت القرية دون أن أطلب رؤيتها. وفي خلال شهر عدت إلى القرية. وحدث ما لم يكن في الحسبان، كأن صاعقة من السماء هوت على رأسي. رأيت أخا سليمة وأسرتها وأقاربها عائدين من المدافن بوجوهٍ واجمة يعتصرها الأسى. لقد ماتت سليمة ذلك الصباح! هل ماتت بسبب انكسار قلبها، ويقع اللوم عليَّ؟ غمرني الأسى وعذبني ضميري. والآن أُغلق الباب المؤدي لسعادتي الشخصية للأبد. عدت إلى الشعور القاتل بالوحدة، وقلبي منكسر من الحسرة. كان السبيل الوحيد لنسيان هذه الأحزان هو الانهماك في حركة الحرية ، وكان هذا كل ما لديَّ لأحيا لأجله.

وسرعان ما لاحظ قادة حركة الحرية خبرتي وتدريبي اللذين لا يُقدَّران بثمن، فعقدوا العزم على أن أصبح واحداً منهم، واحتفلوا في إحدى الأمسيات بذلك. وكانت السرية أهم شيء في معركة الحرية هذه، وكان دوري تدريب الآخرين. وبالتدريج اشتركت أكثر فأكثر في عمل المخابرات. تضمنت عملياتنا كل أنواع الخداع. ففي إحدى المناسبات تنكرتُ وادَّعيت أني هندوسي براهمي لاجئ من باكستان. كانت مهمتي استكشاف قوة وموارد الجيش الهندي في تلك المنطقة. ولما وصلت إلى الحدود أجهشت بالبكاء وشرحت كيف قُتلت أسرتي، وكيف أخذوا ممتلكاتنا. فتأثروا جداً بما سمعوا وطيَّبوا خاطري وأكَّدوا لي مساعدتهم. وحينما طلبوا مني تلاوة ما تيسر من الأسفار الهندوسية تسلل الرعب إلى نفسي، فلم أكن أعرف أي أجزاءٍ يريدون بالتحديد، علماً بأني تعلمتها في مدرستي الهندوسية في جامو. وكان لابد أن أفكر بسرعة. قررت أن أسترحمهم، وبكيت مرة ثانية وقلت إن كلي حيرة ومجهد تماماً. ولكن حِيَلي لم تنجح معهم، وشكّوا فيَّ. ولم يكن صعباً عليهم أن يحدّدوا ديانتي، فعلامة المسلم هي الختان. كل ما احتاجوه هو تجريدي من ملابسي ليكتشفوا حقيقة أمري. فأخذني اثنان منهم جانباً ليفحصاني، فانتزعت نفسي منهما وق

فزت فوق الحائط. وألقيت عليهم جميعاً قنبلة، وانتظرت خمس عشرة دقيقة ثم ألقيت قنبلة أخرى، فاندلعت ألسنة النيران في كل أرجاء المكان. ولم يكن مثل هذا الدمار للحياة البشرية والممتلكات غريباً عليَّ. ولم ينخس هذا ضميري، ما دمت أفعله في سبيل الله!؟

واستمرت الحرب من أجل الحرية طيلة سنتين. وبنهاية هذه الفترة جرت أحداثٌ ساعدتني على تذكر تلك القِيَم التي تعلمتها كطفل، وهي قدسية الحياة، والحياة لأجل الآخرين. ما كانت هذه المثُل لتغطس في أعماق بعيدة إلا لتعود تطفو على السطح وتحظى بأولوية في حياتي مرة ثانية.

وبينما أنا في طريقي لحضور اجتماع، سمعت من ينادي علىَّ بالاسم الذي اعتادت أسرتي أن تدللني به. ولفرط دهشتي وجدتها أخت أحد الأصدقاء الهندوسيين، تقف وراء نافذة ذات قضبان حديدية. وبصعوبة عرفتها، ولكني تذكرت أنها كانت إحدى أفراد أسرة آوتهم والدتي في بيتنا لمدة شهرين قبل أن يعبروا الحدود إلى الهند. وسألتها: إن كانت أخت سوديش؟ هزت رأسها بنعم. ثم سألتها كيف أتت إلى هنا؟ وأحسَّت بالحرج الشديد الذي منعها من الجواب. فرجوتُها أن تردّ، لأني أدركتُ كم هي مغمومة. وأخيراً حكت لي قصتها الفظيعة، وهي أن اثني عشر أفغانياً من المقيمين في الهند، عبروا الحدود وأغاروا على قريتها وأحضروها إلى هذا المكان حيث تناوبوا اغتصابها الواحد تلو الآخر.

سادني الوجوم والصمت. ماذا يجري أمامي؟ أكان هذا نتيجة حماسٍ ديني؟ هل يسمح الإسلام بهذا السلوك؟ ولأول مرة في تاريخ مهنتي التي اخترتها بنفسي قامت علامة استفهام أمام أنشطتي، وبدأت الشكوك ترتسم في ذهني. كان صعباً أن أطفئ هذه الشرارة. وفي موقفي الحاضر كان واجباً عليَّ أن أفعل شيئاً إيجابياً. أحضرتُ إليها كل ما احتاجته لتضميد جراحها، ثم استخدمت نفوذي لإطلاق سراحها. واعتنت أمي بها حتى شُفيت وصارت قادرة على الرحيل لتلحق بأسرتها عبر الحدود.

وذكَّرني هذا الظلم بمشهدٍ رأيتُه في مدينة جوجارت وأنا في طريقي إلى كشمير في السوق، إذ رأيت البشر يُباعون: ثمن العذراء 300 روبية، وثمن المتزوجة ومعها طفل 200 روبية. أما العجوز فثمنها 50 روبية فقط! كانت صدمة شديدة لا أنساها. كيف يقيِّمون البشر؟ وراودتني الأسئلة!

الفصل الخامس

العدوّ الذي لم أتوقعه

عقد نهرو رئيس وزراء الهند، وعلي خان رئيس وزراء الباكستان اتفاقية سياسية، فتعزَّز موقف الجيش الهندي في كشمير، وساءت معنويات المقاتلين في حركة الحرية لأن حركتهم كانت بدون تنظيم أو تفكير سابقين، فعجزوا عن الحرب إلا ليلاً بسبب إمكانياتهم المحدودة.

وذات مساءٍ دخلتُ قريةً مع بعض رفاقي تبعد مسافة قصيرة داخل الحدود الهندية، وسمعت بوجود بعض غير المسلمين فيها، فاستدعيت العمدة )المختار( للتحقُّق من الأمر، فأجابني:

- لا يوجد هندوس يا سيدي، لكن يوجد بيت مسيحي واحد.

- مسيحي؟ تقصد أتباع عيسى.

- أجل، ثلاثة أشخاص فقط.

- هم ليسوا مسلمين. خذنا إليهم، وسنتَّخذ إجراءً بشأنهم.

كان قراري هذا طبيعياً جداً لي في ضوء آخر ما فهمته عن المسيحية. وكنت قد سألت مولانا الشيخ عن تعريف كلمة كافر فأجابني: كل من لا يقول الشهادتين كافر، وهما لا إله إلا الله. محمد رسول الله. لذلك أمام كل واحدٍ خياران: الإسلام أو الحرب. كل من لا ينطق الشهادتين ويخضع لتعاليم محمد فلن ينال سلام الله، ويكون قد اختار الحرب وعواقبها . كان الرد واضحاً ومباشراً. فسألته سؤالاً محدداً: ما رأي مولانا في المسيحيين؟ فإذ بإجابته تلقيني في غياهب الحيرة. قال لي: إنهم أهل الكتاب، يؤمنون مثلنا بعبادة الله الواحد سبحانه وتعالى الذي أنزل للناس وحيه. وهم يؤمنون بالتوراة والإنجيل، أما المسلم فبالقرآن الكريم. يؤمن المسلمون أن الوحي أُنزل إلى محمد في القرن السابع الميلادي في مكة والمدينة بطريق جبريل عليه السلام. وأصل الوحي في اللوح المحفوظ، الذي يوجز رسالة الله لكل الأنبياء السالفين وخاتم التنزيل. ويرفض القرآن الاعتراف بأن المسيح ابن الله، لكنه نبي كسائر الأنبياء. كما أن التوراة والإنجيل منسوخان بالقرآن . فقلت له: لو كان المسيحيون أهل كتاب لما أُدرجوا ضمن الكفَّار. أما إذا كان تعريف الكافر أنه الذي لا ينطق بالشهادتين فيكونون كفرة

تجوز الحرب ضدهم . ولم يشأ مولانا أن يطيل الحديث كي يدعم استنتاجي، كما لم يرفض قولي، وتركني في حيرة دون استنارة. فقررتُ لنفسي أنهم ما داموا لا ينطقون الشهادتين فهم كفَّار يجب أن نحاربهم.

وذهبت إلى بيت المسيحيين في تلك القرية. ولما قرعت الباب خرج كهلان ترتعد فرائصهما في ضوءٍ خافتٍ ينبعث من مصباح زيت. فدعوتهما للإسلام. وبينما هما يفتشان عن جواب مناسب خرجت طفلة في حوالي العاشرة من العمر، تقدمت نحوي وقالت: لا! لا يمكن أن نصبح مسلمين . فانفجرتُ ضاحكاً وسألتها: لماذا؟ فأجابت: لا يمكن أن نغيّر ديننا لأي سبب مهما يكن. قلت لها: يا لكِ من فتاة غبية! الآن عليكم التفكير في إنقاذ حياتكم بأن تصبحوا مسلمين . لكنها لم تذعن وقالت: نؤمن بمَنْ قال: أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر، ونؤمن أنه معنا حتى اليوم .

نفد صبري وأهاجني عنادُها وتوصلتُ إلى قرارٍ سريع، فقلت لها: حسناً! سنقتل الكهلين ونأخذك معنا إلى المعسكر لنستبدلك بفتاة مسلمة من الهند . لكن تخويفي لم يخضع الفتاة ذات العشر سنوات. وبإصرار قالت: افعل ما شئت، لكن لنا طلب واحد وسألتها: ما هو؟ أجابت: لن نطلب منكم أن تعفوا عنا. أعطونا فقط خمس دقائق لنصلي طالبين المساعدة ممن أعطانا هذا الوعد . كانت الفتاة تتكلم بثقة وبغير خوف. سألتها: هل أنت غبية؟ إن الإله الذي تعبدينه لن يخلِّصك. لم يخلِّص أحدٌ المسلمين من الهندوس، ولا خلَّص أحدٌ الهندوس من المسلمين. ألم تسمعي بما جرى لمعبد الهندوس في قلعة هابتال منذ ساعات؟ . قلت هذا لها لأُخيفها. وأما هي فأجابت: فقط أعطونا بضع دقائق . فسمحت لها بتلك الدقائق، وقلت متهكماً: لعلكِ تنتجين قنبلة نووية بصلاتك! . خرَّت الفتاة والكهلان على ركبهم. ولم أسمع ما يقولون، لكني لاحظت الدموع تنساب على وجنتي الطفلة وشفتاها تتحركان. انقضى الصمت على أثر قولهم في صوت واحد: باسم يسوع المسيح آمين . وبينما هم يقولون آمين انبعث من الأرض حائط من الضوء اللامع أخفاهم عن ناظرنا. لقد عرفتُ معنى النار المميتة ولهيبها المندلع في الانفجارات، و

لكني لم أرَ في حياتي قط مثل هذا الضوء المرهب في سطوعه. كان ضوءاً فريداً أثيرياً لا أجد كلماتٍ تصفه. وبالتدريج اقترب هذا الضوء منّي فملأني الذعر، فقد بدا وكأنه يحاول إحراقي! وبدأ عرقي يتصبَّب بغزارة، ولأول مرة في حياتي منذ كان عمري تسع سنوات شعرت بالخوف الحقيقي القاتل. ولم أعرف ماذا أفعل. وفجأة خطر ببالي أن أطلب غفران تلك المخلوقات البائسة! لكن لماذا؟.. لأنهم أكبر مني، ويبدو أنهم على صلة بقوة أكبر من كل ما عرفت في حياتي. لعله من الأفضل أن أطلب صفحهم. فقلت برعبٍ: أرجوكم سامحوني . فأجابوا: نسامحكم باسم يسوع المسيح . وما إن قيلت هذه الجملة حتى اختفى الحائط النوراني، ووقفوا أمامنا مرة أخرى في هدوء وسكينة يترقَّبون ما نأمرهم به. أما نحن فلم نقدر على الانتظار أكثر من ذلك. كان معي بعض المجوهرات التي كنا قد سلبناها من بيوت الهندوس التي هجروها. فتركت لهم بعضها، وسرنا ونحن نشعر أننا أخطأنا في حقهم.

ولم يغمض لعيني جفن إذ بدأ المسيح يدق على قلبي! بدأت أسترجع التجارب السابقة التي عمل المسيح فيها أمامي معجزات. ها هو باكستر الذي تبع المسيح الذي حماني ورفاقي من القنابل اليابانية. فإن كان ما ادَّعاهباكستر صحيحاً )ونحن كلنا أقررنا بذلك( فإني مديون بحياتي لقوة المسيح. ومع ذلك فإني لا أعرف الكثير عنه. فكيف أُظهر امتناني لشخصٍ لا أعرفه؟ لكن كان ينبغي ذلك لأنه أنقذ حياتي. ومن أتباع المسيح أيضاً ماري وأمبر اللتين وضعتا ثقتهما فيه وهما تنقذان حياة شاب مسكين وتضمدان جراحه. ولم ينقذ المسيح حياتي فحسب، لكنه كان حريصاً على أن يعتني تلاميذُه بي وأنا جريح لا حول لي ولا قوة. ترى لماذا يفعل هذا لأجلي، أنا الذي لم أعطِه ولاءً ولا طاعة؟

فإن كان فيليب الذي تبع المسيح نال القوة ليقدّم تضحيات كبيرة، فأنا أيضاً بذلت تضحيات متخلياً عن كل أغراضي الشخصية لأُرضي الله في الجهاد . لكني لم أشعر بأي علاقة شخصية مع الله، ولم أؤمن أنه منحني الشجاعة لأفعل أي شيء. فقط اتكلتُ على مواردي وعبقريتي. ولكن ها أنا الآن أقف في مواجهةٍ مع المسيح الذي تبعتْهُ تلك الفتاة الصغيرة، فجاء وأنقذها في اللحظة العصيبة. إنه شخصٌ وفيٌّ لوعوده. لقد ساورتني الشكوك في حمايته لوحدتنا أثناء القصف الياباني، أما الآن فلم تعد هذه الشكوك موجودة! لقد رأيتُ حمايته بأم عيني، ولا مفرّ من مواجهة الحقيقة. هذا المسيح بدأ يتابعني أينما ذهبت. والمدهش أني أردت أن أطلب الغفران، أنا الذي لم يسبق لي أن طلبت ذلك من أحد. فهل كانت كل حياتي آثمة وعاصية بسبب كل ما فعلتُه في سنواتي الماضية؟ ووثب إلى مخيَّلتي ذلك النمط المتوالي من حصار المسيح لي عبر هذه التجارب، كما لو كانت حبات لؤلؤ متفرقة تصطفّ في عقدها المنضود. لقد نجوت من الموت، ونلت العناية في مرضي، وعرفت تأثير المسيح بكفارته في هؤلاء الذين صفح عنهم باسمه. فهل اختارني لشيء ما؟ وماهو؟

لاحقتني هذه الأفكار وعذبتني وكانت تأتي رغماً عني. ومع ذلك لم تكن قوية إلى الحد الذي يسمح بنسيان التزاماتي والأفكار الأخرى. فاستمرَّ اشتراكي في حركة الحرية . ومع أن حماسي لها تضاءل إلا أنه كان لزاماً عليَّ أن أواصل نشاطاتي.

وذات مساء تمكنت كتيبتي من إضرام النار في قرية في أقصى جامو، وكان العمل يسير ببراعة ومهارة. وكنت أقف بمفردي في زاوية من الحقل على قارعة الطريق أسمع صياح وعويل الجرحى، فانتظرتُ مكاني لأقتل من عساه يهرب منهم في اتجاهي. ولمحتُ عجوزاً على مرمى بصري بين ألسنة اللهيب تحاول أن تمنع ألسنة النيران والدخان عن شيءٍ كانت تحمله. ولما اقتربَتْ رأيتُ طفلاً على كتفها. قلت لنفسي: خسارة أن تضيع القذيفة! تكفي ضغطة صغيرة على زناد بندقيتي لتقضي عليها وعلى طفلها. وتقدمتُ نحوها فألقت الطفل عند قدميَّ وقالت: اقتل! هيا اقتله! إنه طفل هندوسي وإلهك يحب قتل الناس. لذا اقتله . شُلَّت يدي عن الحركة، وخيَّم سكوت رهيب عليَّ، ولم يعُدْ ممكناً أن أنفّذ مهمتي. كنت سأقتلهما بدون تفكير - ولكن هذه العجوز جعلتني أفكر في ما سأفعله! وانتهزت المرأة فرصة ترددي ونظرت إلى عينيَّ متحدية جريئة وقالت: يا ولدي، هل عندك أطفال؟

- كلا يا أمي. لكن إخوتي عندهم.

- هل شاهدتَ الأطفال وهم يبنون بيوتاً من طين في مواسم المطر؟

- نعم يا أمي. أنا نفسي صنعتُ بيوتاً وأحصنة وثيراناً طينية مرَّات عديدة.

كانت المحادثة تجرِّدني من السلاح تدريجياً. يا لمهارتها في إشراكي في المحادثة بطريقتها هي!

- وكيف كانت حالتك عندما هدم أحدهم البيت الذي بنيتَهُ؟

أجبتُ مبتسماً بخجل: كنت أتضايق جداً يا أمي.

- حسناً يا ولدي. صنع الله جسد هذا الطفل بيديه ليعبّر عن صلاحه. فإن ضايقك أن يهدم أحدٌ ما بنيتَه، فكم يغضب الله على ما كنتَ ستفعله؟ هل الله ضعيف لدرجة أنه يحتاج لمساعدتك لإبادة الكفَّار؟ إن كان الله غير راضٍ عن شخص أو شيء، فإنه بنفسه سيضع نهايةً له.

صعقت هذه الكلمات ذهني ونفسي، وصحتُ: كفى يا أمي! بعد اليوم لن تُرفع هاتان اليدان على أحد باسم الدين. لقد أشعرتيني ببؤسي. لن أعود إلى هذا يا أمي العزيزة. ادعي الله لأجلي. أعلم أنني ضال .

وعلمتُ في صميم فؤادي أنها مُحِقَّة. كانت سبباً في أن تبلغ شكوكي حول أنشطتي الحربية ذروتها. وأخيراً لم أقدر على الاستمرار، فأمرتُ كتيبتي بالانسحاب، مما دفع رجالي إلى الظن بأني مجنون، وبدأوا يتذمَّرون على ما صدر مني بخلاف عادتي، وأصابهم الإحباط. لكنهم أطاعوا رغم ذلك.

في تلك الليلة تأملتُ أساليب عنفي. إن ما رأيتُه جعلني أستشعر أنه لا مفرّ من العقاب في جهنم جزاء ما فعلتُ، بقتل ما صنعه الله سبحانه وتعالى. لقد خضعتُ لأفكار الفقهاء، ولكني مسئول وحدي عن كل ما فعلت. فعلى من يقع اللوم إذاً؟ وبينما هذه الأفكار تعذبني قررتُ ألاّ أستمر في نمط حياتي الحاضرة. لم يعد يسرُّني إرضاء الله بقتل الكفَّار، وكانت الاستقالة السبيل الوحيد لي.

وذهبتُ إلى القائد الأعلى لأقدّم استقالتي من حركة الحرية فعَلَت وجهه الدهشة وعدم التصديق وسألني:

- لماذا تريد أن تستقيل؟

ولم أقدر أن أواجهه بكل القصة لأنه سيعتبر ذلك غلوّاً مفرطاً. كما لم أقدر أن أشرح لأي واحدٍ ما كان يدور بذهني، فقلت: لقد اشتركتُ في الحرب بحريتي، والآن أريد أن أستقيل بحرية .

ولما أدرك القائد الأعلى أنه لا جدوى من الجدل ومحاولة إقناعي بالبقاء، طلب مني تقديم استقالتي مكتوبة! وأعطتني الكتابة فرصة لأربط أفكاري واستجمعها. وكتبت أربع صفحات قرأها القائد الأعلى بصبر. وأعادتني تلك الكتابة إلى صوابي.

غُلب القائد الأعلى على أمره، بيد أنه عرض عليَّ مهمة أخرى، قبلتُها: كانت جمع كل الممتلكات التي يمكن نقلها والتي تركها الهندوس أثناء هروبهم للهند. ورافقني في هذه المهمة بعض المتطوعين كحرس. وأثناء هذا العمل رجعتُ إلى بيتي. وذات يوم ونحن نتناول الغداء رأى أخي معي وشاحاً جميلاً، فسألني كيف حصلتُ عليه، فأجبته أني وجدته وسط أملاك الهندوس التي صادرناها. فما كان من أخي إلا أن أخذ الوشاح وألقاه في النار، وصاح في غضب: لقد فضحتنا وفضحتَ نفسك! الآن ستبقى في البيت. ومن الآن فصاعداً لن تستمر في نهب ممتلكات الناس. هل سمعتني؟ ودُهشت لأني لم أكن قد فعلتُ شيئاً غير عادي، فحتى الفقهاء اعتبروا مال الهندوس غنيمةً لهم! فبمن أقتدي؟

ولما أجبرني أخي على ترك عملي عدتُ من جديد إلى حياة البطالة - فماذا عساي أفعل بحياتي؟!

†††يتبع†††
Coptic Princess غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة