عرض مشاركة واحدة
قديم 14-09-2007, 05:33 PM   #3
Coptic Princess
وجهك يا رب اطلب
 
الصورة الرمزية Coptic Princess
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
الدولة: قلب الرب يسوع المسيح فانه احبني حتي المنتهي
المشاركات: 524
 نقاط التقييم 124 نقاط التقييم 124
Smismi6

Re: تكفيك نعمتي - غلام مسيح نعمان


الفصل السادس

حاصرني وهزمني


دفعتني مواجهتي مع السيدة العجوز في تلك الليلة المشئومة أن أعزم على ألاَّ أزهق أي روح بشرية. واستقلتُ من حركة الحرية . لقد هالتني فظاعات الحرب على اختلاف أنواعها وما تتمخض عنه. كنت عند مفترق الطرق، لا أعرف أين أذهب. وساورتني الشكوك والمخاوف، وأهمها أني سأموت وأذهب إلى جهنم، وليس من مصير آخر! أنا الذي لم أعرف الخوف منذ كان عمري تسع سنوات ملأني الخوف من عقابٍ أستحقه. وساورتني الشكوك في وجود الله. ماذا إن لم يكن هناك إله؟ عندئذ لا أُعاقب على أفعالي الأثيمة، ولا داعي للخوف مطلقاً! لقد شهدتُ الدمار والخراب حولي، ولا يمكن أن يكون لله يدٌ في هذا. ورفض ضميري أن يستسلم للكفر. إنه يصيح بأعلى صوت: حقاً هناك إله، فوجود الكون برهان على وجود خالقٍ له. وربما ليس لله دخلٌ مباشر فيما يحدث لخليقته. ولكن لو صدق هذا لكان إلهاً ضعيفاً أو غير مبالٍ، وهذا مستحيل! قال الفقهاء إن الله شرَّع قتال الكفار والمشركين. لكن كيف يكون هذا وهو الذي خلقهم؟ الأجدر به أن يتوّبهم عن كفرهم وشركهم. ومن يدري؟ ولو رضي سبحانه بقتل البشر لوقعت عليه كل المسئولية، لأنه وهب الإنسان حرية الإرادة في المقام الأول. حينما قتلتُ الكفار شعرت أن ذلك أمرٌ إلهي. وكان من السهل عليه أن يتحكم في إرادتي ليحقق مقاصده. وكمسلمٍ تقيٍ آمنت أني أفعل الصواب حين لبَّيْتُ نداء المسجد للانضمام في الجهاد. سلمتُ أمري )فالإسلام يعني التسليم( لذلك لا تقع عليَّ أية مسئولية في ما اقترفته. وإن لم أكن مسئولاً فلا حاجة بي للشعور بالذنب أو استحقاق جهنم. فإن لم أكن مذنباً فلا مبرر للتوبة. وربما كان الخطأ يطوِّقني من رأسي إلى قدمي، لكن الله أكبر من ضميري. كلما فكرت بشأن هذه الأمور ازددتُ غماً وحيرة. كان ذهني يتخبّط ويموج بالأفكار المعذبة في تيهانٍ تام. لم يكن ثمة بصيص من النور ليضيء حياتي. كنت أحياناً أرقد مستيقظاً مفكراً، لا يأتيني النوم إلا بعد جهد. ربما عليَّ أن أتوقف عن التفكير. ربما كل الأديان اختلاقاتٌ من صنع الإنسان قام بها من يريدون أن يُشعِروا الناس العاديين مثلي بنقصهم.

لا بد أن هناك جواباً، ولابد أن أصل إليه، ولكن ليس من مجيب. أذكر أني هجرت الطعام سبعة عشر يوماً وأنا في اضطراب داخلي، فاغتمَّت أمي المسكينة لأجلي وتوسلت قائلة: أخبرني يا ابني ما مشكلتك، وسأساعدك . لكن لا يستطيع أحدٌ مساعدتي. كنت بائساً لأجل التعاسة التي سبَّبتُها لغيري، وليس بيدي حيلة. أحياناً كان يخترق ضوء خافت هذه الظلمة الحالكة، فأرى أن الحياة ليست بلا معنى. هناك إله، فالنظام البديع في هذا الكون يُظهر عظمة القوة المسيطرة التي يقف أمامها العالم كله والإنسان موقف المسئولية، فلا يقدر إنسان أن يفعل ما يحلو له دون تفكير في العواقب. ازددت إصراراً على أن أعثر على هذه القوة أو الله وأصطلح معها. أيضاً بدأت أخشى على اتزاني العقلي. كنت معتزلاً عمن أحبوني وأحببتهم.

وفي بداية مايو )أيار( 1949 غادرت البيت بهدوء، ولم أكن أعلم إلى أين أذهب. كانت لديَّ رغبة جامحة في العثور على السلام. فقد قابلت أناساً على وجوههم السلام الذي كنت أسعى إليه، ولم أبذل جهداً لأسلك مسلكهم، ولا أزال مسلماً.

وصممت أن أفحص الإسلام بدقة أكثر، لأن الإنسان الذي يترك دينه لأسباب واهية هو المجنون، ولا سيما إذا كان دينه هو الإسلام. لم أتردد في قبول الشطر الأول من الشهادتين وهو أنه لا إله إلا الله . وبالنسبة لي لا يمكن أن يكون سوى إله واحد. وتتضح روعة هذا الاعتقاد حينما ننظر إلى الحالة الدينية التي سادت الجزيرة العربية قبل الإسلام، فقد كان العرب مشركين لديهم 360 صنماً في الكعبة، وكانت بدعة اللات والعزى ومناة ركناً أساسياً في عبادتهم. وجاء محمد معلناً أن الله هو الإله الوحيد وهجر الشرك. ومع ذلك سألت: هل يمكن أن يمنحني الإسلامالسلام الذي أبحث عنه، وهو يقول إن الله يأمر أتباعه أن يشنّوا الجهاد على المشركين والكفَّار. وكان الاشتراك في الحرب هو الذي أدَّى بي إلى حالة القنوط التي أنا فيها الآن. تعمقْتُ أكثر، ووجدتُ أن الإسلام يعلّمنا أننا يمكن أن نأمل في الغفران بعد الموت إذا عملنا الصالحات، لكني أردت الغفران الآن والسلام والطمأنينة في هذه الحياة. ولم أشأ أن أحيا بقية حياتي على أملِ غفرانٍ قد أناله بعد الموت وقد لا أناله، فهذا لا ينقذني من المأزق الحاضر.

فضلاً عن ذلك وجدت أنه من العسير أن أحترم الفقهاء أو أن أنصت إليهم. كان والدي يقول لي: أغلب المشايخ فاسقون. استمع لما يقولون لكن لا تقْتَد بهم. إنهم يرسلون الأبرياء إلى حبل المشنقة، كما قتلوا ذلك الزاهد منصور. احترمهم لكن لا تثق بهم. وابعدهم عن بيتك ما أمكن . قال أبي ذلك في وقت أُخذت فيه امرأة مشكوك في أمرها من بيت رجلٍ كان يستظهر القرآن كله بالعربية، ولم يمنعه حفظه القرآن من الفسوق. دفع هذا والدي إلى عدم الذهاب للصلاة جماعةً بالمسجد في يوم الجمعة. أما الناسك منصور فقد عاش في القرن العاشر، وحُكم عليه بالموت في بغداد، لأن المسلمين اعتبروه هرطوقاً مجدِّفاً لأنه قال: أنا حق فقد كان صوفياً متقدماً في تصوّفه، فأعلن اتحاده التام بالله. وبالنسبة لوالدي )الذي كان صوفياً( لم ير في قول منصور مشكلة، فقد قال شاعر فارسي متصوِّف:

رجال الله لا يصبحون أبداً آلهة

لكنهم لا ينفصلون عن الله أبداً

ولما تأملت في كلمات والدي فكرت في التصوُّف كطريق للسلام، فبالنسبة للصوفي كانت الطاعة التي يطالب بها الإسلام من خلال السلوك البشري الخارجي أمراً ثانوياً. أما الأمر الأساسي فكان استجابة الإنسان الخاشعة لله، إله المحبة، فقد آمنوا بالاتصال المباشر بالله. وهنا فكرتُ أن هذا كل ما أشتهيته .

واتَّضح لي أني أحتاج إلى المساعدة، فقد كان بحثي الفردي بلا جدوى. وبالتالي قضيتُ الليالي يقظاً عند أضرحة متعددة في رفقة كثيرٍ من الأولياء. ومع ذلك كلما ازددت اصطحاباً لهم زاد أسفي، فقد وجدتهم متورطين في أنشطة تقشعر الأبدان لمجرد ذكرها. مع ذلك لم أستسلم ببساطة، واشتركت مع مجموعة مسلمين منغمسين في المخدرات والموسيقى والرقص بهدف الوصول إلى حالة الوعي الصوفي بالله. إلا أن هذا كان بلا طائل، ولم ينفعني بشيء، بل زاد من حيرتي. وانتهى بحثي عن السلام بخيبة أمل كبيرة. وفي قنوطي تذكرت ما جاء في سورة الفاتحة 1:6 و7: ا هْدِنَا ا لصِّرَاطَ ا لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ا لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ا لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. آمين . ويُقصد بالصراط المستقيم إيمان الإسلام. وهو أيضاً جسر ضيق جداً يعتقد المسلمون أنه قائم على فوهة جهنم. فالمسلمون الصالحون يعبرونه آمنين، أما الآخرون فيقعون في النار.

وما إن فقدت كل ثقتي في الشرائع البشرية حتى شعرت أنه لابد أن يكون هناك طريق آخر للنجاة. وواظبت على الاستيقاظ مبكراً أتضرع إلى الله أن يهديني. ومن أعماق قلبي صرخت طالباً المساعدة الروحية: يا إلهي القدير، بك أستجير. يا من خلقت السموات والأرض فأحسنت الخلق وقدَّرت الرزق وما أعجزك التدبير. أسألك بكل اسم سمَّيت به نفسك، أو علَّمته أحداً من خلْقك، أو استأثرْتَ به في علم الغيب عندك، أن تشرح لي صدري وتيسّر لي أمري وأن تهديني سواء السبيل. يا أرحم الراحمين، يا رب المستضعفين، نجني من سوء الظن بك، والعمل إلا لك. اللهم هذا حالي لا يَخفى عليك. أنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك. ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ قضاؤك. فأرني الحق حقاً وارزقني اتِّباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه. إنك نعم المولى ونعم النصير .

ولا أتذكر التاريخ، لكنها كانت الثالثة أو الرابعة صباحاً وأنا أؤدي صلاتي كالمعتاد. وكنت في حجرة الانتظار في محطة سكة الحديد حينما قلت هذا الدعاء بالتحديد. وفجأة تحسَّسْتُ شخصاً ما خلفي وقد وضع يده الحانية على كتفي قائلاً: تكفيك نعمتي . قال هذا ثلاث مرات. وشعرتُ كأن صدمة كهربية سرت في أوصالي فزال الثقل على الفور من على ذهني، وغمرتني نشوةٌ من القوة والطرب. وكان الشعور بالغفران والمصالحة حقيقياً جداً. وبطربٍ جذلان بدأتُ أردّد ما قاله لي: تكفيك نعمتي . لم أشعر بمثل هذا الفرح الغامر من قبل، وحقاً كان سماوياً.

وكان هناك عامل سكة حديد ينظف على مقربة من المقعد الذي كنت أجلس عليه، لاحظ فرحي فسألني: هل أنت مسيحي؟ ولما هززتُ رأسي بالنفي اندهش قائلاً: فلماذا تردد: تكفيك نعمتي؟ . فأجبته: كل ما أعرفه أن شخصاً قالها لي، وأراني ألواحاً كُتبت عليها كل أعمالي الشريرة. لكن بمسحة واحدة من يده عادت تلك الألواحُ نظيفةً بيضاء. ومنذ تلك اللحظة شعرت كأني إنسان جديد، وزال عن كاهلي وروحي ذلك الحِمل الثقيل، وقلبي يريد أن يغني بصوت مسموع . وهنا أجابني الرجل: ينبغي أن تشكر الرب يا ابني لأجل هذا الخلاص. فالرجل الذي أتى إليك كان الرب يسوع المسيح، وقد قال هذه الكلمات للرسول بولس. لا أعلم أين بالتحديد، لكني أعلم أنها مكتوبة في الإنجيل الطاهر. والرب يسوع يريدك الآن أن تصبح خادمه . فسألته: كيف يا سيدي؟ كيف أصبح خادمه؟ . فأجاب: تعمَّد باسم يسوع المسيح واتبعه في الحال . سألته: أخبرني بالتحديد ماذا أفعل. لقد بلغتُ نقطة انعطافٍ في حياتي . فأجاب: يا ابني لا أعرف أكثر من ذلك. كل ما أعرفه أنه إذا سافرت إلى إيسانجري فهناك قسيس اسمه رومال شاه، سيساعدك . وأسند عامل النظافة العجوز مكنسته إلى الحائط، واقترب أكثر مني وعيناه تترقرقان بالدموع. عانق

ته وبكى كلانا بحرارة، وأطلقنا العنان لعواطفنا العميقة. ولبرهةٍ قصيرة تساءلت: هل هذا الرجل مطلوب للقتل لأنه مشرك؟ .. وكرهتُ هذا التساؤل وصرفته من فكري، وغمرني التأثر أن الله المحب أرسل هذا الرجل، ابن الطبقة المحتقرة، بل أقل الطبقات ليرشدني إلى الخطوة التالية.

وظلت الكلمات تكفيك نعمتي ترن في أذنيَّ حتى ركبت القطار إلى إيسانجري . انتهى الاضطراب أخيراً ووصلت إلى السلام. يا لها من غبطة غمرتني فلم يقدر ذهني أن يستوعبها كلها. الرب يسوع الذي خلَّص حياتي من الموت الجسدي، واعتنى بي في مرضي، وأراني تضحيته، وكشف لي عن نعمته الكافية تماماً، قد غزا قلبي الآن وانتصر! لن أتوه بعد اليوم في العالم وأنا أفتش عن معنى الحياة، فقد وجدته! لقد وجدت المسيح، بل وجدني المسيح الذي يصالحنا مع نفسه. هو لي وأنا له.

الفصل السابع

رحلتي مع المسيح

تحررت بشكل عجيب من اليأس القاتل الذي كان قد استولى على قلبي وذهني. كان قلبي يفيض فرحاً. وفي إيسانجري بمقاطعة فيصل أباد قابلتُ القس رومال شاه، الذي حيَّاني بحرارة واستضافني. وبعد الغداء ابتسم وقال: حسناً يا سيدي، لماذا تريد أن تصبح مسيحياً؟ كان الرجل يتكلم بشكل غير رسمي، مع أنه لا يعرف شيئاً عن خلفية بحثي عن السلام. فقلت: ليست القضية أني أريد أن أصبح مسيحياً، بل أن المسيح هو الذي اختارني والتقى بي حوالي الثالثة من صباح اليوم وقال لي: تكفيك نعمتي .

وكانت عند القسيس صورة للمسيح المصلوب، فأمسك بيدي وأشار للصورة، فسألت نفسي: هل كان هذا نفس المسيح الذي كلَّمني؟ ولكنه مضى يقول: جرَّد الناس المسيح حتى من ملابسه. لقد عُرِّي وجُلد وسُمِّر على الصليب. فماذا عساه يعطيك؟ . وكان يمكن أن تضايقني أسئلته لو كنت في حالة كبريائي الأولى، لكني اليوم أفتش عن سلامه! كان الخلاص كل ما سعيت إليه، والآن وجدته. فلو كنت مغروراً لغضبت وتضايقت. لكن الموقف بجملته كان جديداً تماماً بالنسبة لي، فلم يكن لعواطف الغضب أو الكبرياء محل في قلبي الذي امتلأ بالسعادة. لم أكن أعرف ذلك وقتئذ، لكني اكتشفت فيما بعد أنهم ينظرون بارتيابٍ لمن يستفسر عن المسيحية أو يريد أن يصبح مسيحياً. يبدو أن كثيرين يريدون أن يصبحوا مسيحيين بسبب الفوائد التي يمنحها المرسلون، وهي التعليم الجيد والطعام والملبس والمأوى. وليس مدهشاً أن الذين أتوا إلى المسيحية من الهندوسية كانوا من طبقة الكنّاسين أفقر الفقراء. لكن لا ينبغي علينا أن نفترض أن كل هؤلاء المهتدين يأتون للكسب المادي. لابد أن هناك كثيرين مثلي وجدوا في المسيحية الشبع لأقصى ما يشتهون إليه، وعليهم تنطبق الكلمات التالية:

لا شيء في يديَّ أملكُ

سوى أني بصليبك أمسكُ

فإما أن تغسلني بدمك، أو أنني أهلكُ!

فقلت للقسيس: لا تقل إن المسيح قليل الحيلة ولا يقدر أن يمنحني شيئاً، لأنه أعطاني كل ما بحثت عنه. لقد جعل مني إنساناً جديداً ووهبني راحة البال . فقال لي: كل ما بوسعي أن أفعله لك هو أن أرسلك إلى صديقي القس وتون في جوجرا، وهو يقدر أن يساعدك .

لم يقبلوني فوراً، ويبدو أن الطريق طويل! فقد أعطاني القس رسالة وقليلاً من النقود لدفع نفقات المواصلات إلى جوجرا. إلا أن هذا لم يثبط همتي، فقد كان لإيماني الجديد معنى كبيراً جداً في حياتي، إذ اكتشفت أخيراً الكنز العظيم، ولن يقدر أحد أن يأخذه مني. علمت عندئذ أن الطريق للأمام لن يكون مفروشاً بالورود. ها هو القس وتون يخبرني أنهم سيمتحنون إن كانت رغبتي في المسيحية حقيقية، وعلى نتيجة امتحاني يترتَّب أمر معموديتي. إنها ليست إجراءً يحدث للشخص ضمن مجريات الأحداث، بل هي تكريس للمسيح وملكوته، فتنفتح أمام المهتدي للمسيح حياةٌ ذات أسلوب جديد، تحمل في طياتها مجموعة جديدة من القيم.

وفي البلاد الإسلامية يقتضي التحوُّل للمسيحية انفصالاً عن مجتمع وعبوراً للحواجز الثقافية. ويمكن أن تكون التجربة مؤلمة، ولذلك لا يمكن إجراء المعمودية بسهولة. ويشبه اعتناق المسيحية في البلاد الإسلامية ارتكاب خيانة، ولذلك يتخلى المهتدون للمسيحية عن امتياز الحياة في مقاطعة إسلامية كمسلمين. وفي بعض البلاد الإسلامية قد يكون هذا التحول سبباً في رفع الحماية القانونية عنهم، لأنهم مرتدُّون، والمرتدّ لا يرث ولا يُورَّث، ولا يحميه القانون. فليس بمقدور المهتدي للمسيحية أن يلجأ للقضاء إذا تعرضت ممتلكاته أو عائلته لاعتداء. وليس غريباً أن يتعرض أحد المهتدين من الإسلام إلى المسيحية للموت!

بيد أني كنت سعيداً بالاختبار، وهنا تمكن كلانا من التحقُّق من حقيقة ولائي للمسيح. وقد هيأ القس وتون لي غرفة الزوار، وكل أثاثها سرير مهشم قديم تفترشه بطانيتان. ولم تكن حياتي سهلة، فمرةً أمضيتُ ثلاثة أيام جائعاً حتى خارت قواي، إذ كان القس وتون مسافراً. وحينما عاد اغتم لذلك وطيّب خاطري. كان هذا جزءاً من الاختبار، لذلك لم أذكره وقتها لأحد. ولم أكن أحب مغادرة غرفتي كثيراً لأن الناس كانوا يتحدثون عني بأشياء قاسية. فمنهم من قال إني تنصَّرت لأبحث عن فتاة لأتزوجها، والبعض قال إني أبحث عن المال، وآخرون قالوا إني أبحث عن عمل لديهم في الإرسالية. أما أنا فلم أقل شيئاً. كانوا يتنافسون على حيازة رضى وإعجاب المرسَلين بدلاً من إرضاء المسيح الذي يخدمونه. وكنت أنا وسطهم مسكيناً لا حول لي ولا قوة. ومع ذلك كان القس وتون لطيفاً جداً معي، وأخذني إلى بيته وأوصى الطباخ أن يعتني بي ويعدّ لي الطعام. ولكن حرارة المكان كانت فوق احتمالي، فأقنعت القس وتون أن ينقلني إلى مكان آخر.

ولم أشأ أن أخبرهم عن ماضيّ في الثراء، وكضابط في القوات الجوية الملكية حتى يغيّروا معاملتهم لي. ولما طُلب مني أن أعمل حارساً ليلياً قبلتُ هذا بسرور، لأني لم أشأ أن أُثقل على أي واحد.

كانت المدرسة وبيت الضيافة في جوجرا مغلقين أثناء شهر يونيو )حزيران( فتكفَّل بالعناية بي رجل قديس اسمه سِواك بوتا مسيح . كان هذا الأمر فضلاً من الله عليَّ أن أكون بالقرب منه. فعلى الرغم من قلّة أجْره كان كريماً في مساعدتي. هكذا الدنيا! فأسخياؤها متواضعون يخدمون إله الحق بلا تذمر. وقد أرست صداقته الأساس في نموّي الروحي، فمنه تعلمتُ طبيعة الإيمان المسيحي الحقيقية، وما تتضمنه الحياة المسيحية العملية. كانت الصلاة ركناً هاماً في حياته، بل إن حياته كلها كانت حياة الصلاة. كم أمضينا ليالٍ في الصلاة والوقت يمضى دون أن نشعر. وفرح قلبي جداً بمخلّصي الذي أعلن ذاته لي. وفي نهاية سبتمبر )أيلول( 1949 أُخبرت أن معموديتي ستكون في 2 أكتوبر )ت1( في أول اجتماع لمؤتمر جوجرا. ووضعوا أمامي بضعة أسئلة للتحقُّق من عمق إدراكي للخطوة التي أخطوها، منها ما عدد الكتب التي قرأتها، وأجبتُ أني قرأت كل كتب القس وتون. وتمت معموديتي في 2 أكتوبر )ت1( مما كان سبب فرحٍ كبيرٍ لي وأنا أحتذي مثال ربي.

الآن صرت جزءاً حقيقياً من عائلة المسيح. وتواضعت تقديراً لإخواني المسيحيين، وكعلامةٍ على ذلك اتخذت اسم غلام أي عبد فصرت غلام مسيح أي عبد المسيح بوصفه اسم معموديتي. كان الأسبوعان التاليان لمعموديتي عامرين بالفرح منذ أن شعرت بالانتماء للمسيح ولشركة المؤمنين به. كان ربي حقيقياً جداً بالنسبة لي، وكان تصميمي على خدمته بقية حياتي ينمو يوماً بعد يوم بقوة وثبات. شعرت بفضل الله عليَّ كخالق مُحب، مما جعل حبي له يزيد أكثر فأكثر على الرغم من عدم استحقاقي.

وسرعان ما تعلمت قيمة اجتياز النيران المُصفِّية، فحدث أن سافر القس وتون والسيد شاران داس والقس ب.م أغسطينوس الذين عمّدوني، فقد ذهبوا إلى لاهور لحضور اجتماع. وكنت بمفردي حينما قابلت عمي الغاضب بصحبة أخي الأكبر، وقد أتيا لأجلي. وفي معظم البلاد الشرقية تشمل الأسرة ليس فقط الأم والأب والإخوة والأخوات، ولكن أيضاً الأعمام والأخوال والخالات والعمات. وعلينا واجبات ومسئوليات أمامهم، وليس من حقي أن أعاملهم كأن شيئاً لم يحدث. كان من المستحيل أن أعلن استقلالي عنهم لما لديهم من الجاه والسلطان والثروة. وقدَّم لي عمي خيارين : إما أن أذهب معهم على الفور دون أن أعرِّف أحداً بذلك، أو أن ينفذوا تهديدهم. لو رفضت أن أذهب معهم سيذهبون إلى مسئولي المدينة ويعلنون عن ارتدادي، مما يثير غضب الناس فيضربوننا أنا ومسيحيي جوجرا . كانت أسرتي الجديدة المسيحية ستتعرض للمتاعب إن لم أستجب لطلب عائلتي الأولى المسلمة. ولم أشأ أن أكون سبباً في ذلك. وعلى الرغم من أني تضايقت ولم أعرف كيف أعالج هذه الأزمة التي باغتتني في بداية الطريق، إلا أني تذكرتُ من سلّمتُه حياتي، وأردتُ أن أطيعه. كانت مشيئته هي القوة التي تهدي حياتي، لذلك قلت لعمي: سأسأل سيدي .

وأغلقت الباب وسألت الله ماذا يجب أن أفعل. ولم يتركني حائراً، بل قال لي: اذهب معهم، لأنك يجب أن تدعو عشيرتك الأقربين للإيمان بي. وستشهد لي أولاً في أورشليم، ثم السامرة، ثم أقاصي الأرض . وكم أدهشني أني أسلك على نهج تلاميذ المسيح، كما جاء في كتاب الله العزيز في أعمال الرسل.

وعدتُ إلى أقاربي وقلت لهم إني مستعد أن أذهب معهم. لم أخش أن أستأمنهم على نفسي لأني علمت أني في يدي صاحب الأذرع الأبدية التي تحملني وترفعني. وهكذا رافقتهم إلى ليلابور والتي تسمى الآن فيصل أباد .

الفصل الثامن

الهروب بمعجزة

كان اهتدائي للمسيح مصدراً لراحة بالي، مما جعل لحياتي مغزىً ومعنى. وما أعظم الفرق بين حالي الآن وما كنت عليه! ولكن عائلتي كانت تطلب شيئاً واحداً: أن أترك المسيحية وأعود مسلماً. كان تحوُّلي عاراً لهم لا يمكن أن يتجاهلوه، حتى قالت لي بنات أختي إن خُطَّابهن رفضوهنَّ بسبب تحوُّلي. كان ما حدث معي غماً للأسرة. كنت أعلن لهم أن المسيح ليس مجرد نبي كأي نبي، لكنه ابن الله، الأمر الذي جعلهم يعتبرونني مشركاً لأن الله لم يلد ولم يولد. وبما أن مفهوم البنوَّة في الإسلام جسدي محض، كان اعترافي إشراكاً، مع أن الأفكار المجازية ليست غريبة على التراث الإسلامي. فأحد الصحابة يدعى أبو هريرة لولعه الشديد بهذه الحيوانات، وسُمي أحد أعمام محمد أبو جهل لأنه رفض نبوة محمد، وهلم جراً. والأمر نفسه ينطبق على بنوة المسيح لله، فهي بنوية روحية.

وكانت أسرتي تدرك أنه إن كان المسيح هو ابن الله، تكون لنبوَّة محمد كرسول الله ووحي القرآن مكانةٌ ثانية بعد المسيح، وقد ضايقهم هذا ضيقاً عظيماً.

عاملتني أسرتي بوصفي كافراً، وأرغموني أن أتناول طعامي في الشارع. إلا أني لم أتذمر، بل أكلت شاكراً. كان اضطهاد أسرتي لي فرصة لأجاهر بالدعوة إلى الإيمان بالمسيح، فجاء الفقهاء من كل صوب وحدب يحاججونني. فهذا شاب فقيه حديث التدريب يرفع الراية البيضاء بعد وقت قصير، ولكنه من فرط يأسه وصفني بالجنون. ثم جاء فقيه شيخ لم يراجعني في قراري، ولكنه أخذ يضحك مني بصوت عالٍ، ثم قال: إذاً أنت مسيحي! . ولما سألت منه النصح والإرشاد قال: أي إرشاد تريد؟ هناك سبب واحد لأجله يعتنق أمثالك المسيحية . وعلمت ما يدور برأسه، فقد ظنَّ أني آمنت بالمسيح لأتزوج فتاة مسيحية، فطلبت منه أن يأذن لي بالكلام، وقلت: لقد أتيتُ لأستمع لك لأن أسرتي تعلق عليك آمالاً كبيرة في هدايتي للصراط المستقيم. لكني لم أتوقع منك مثل هذه الاتهامات الغليظة. إن الجنس والدِّين أمران مختلفان، ومن يقبل الدين أو يرفضه بسبب الجنس مجنون. أحب أيضاً أن أشير إلى أني كمسلم كان من حقي أن أتزوج أربع زوجات، وأكثر من ذلك إن وسَّع الله لي في الرزق! أما بعد وفاتي فإن لي اثنتين وسبعين حورية في الجنة. لكن الدين والإيمان يسموان على هذه الاعتبارات الأرضية، ولا يمكن التنازل عن العقيدة لم

جرد الجنس. لقد اتهمتَني بأني جعلتُ الجنس والزواج الركيزة التي يرتكز عليها إيماني بالمسيح، مع أن بقائي في الإسلام كان يضمن لي أفضل مما تقدمه لي المسيحية في هذا المجال . وهنا صرخ فيَّ الفقيه الشيخ: اخرس أيها المتوحش السافل . أجبتُ بوداعة: لا داعي للغضب. هيا نتحاجج فصاح في غضب: اطرحوه على السلالم

وهنا لم يُطق أخي ذلك، وردَّ غاضباً: رويدك، رويدك. إياك أن تلمسه، فلو كانت القضية هي ضربه حتى يخرَّ جريحاً لتولَّت الأسرة ذلك .

بعد هذه المحاولات الفاشلة أدرك عمي وأخي أنه ليس من السهل إقناعي بالعدول عن إيماني. وقررا إرسالي إلى لاهور، لعل قريباً لنا هناك يردّني إلى صوابي . وفي لاهور اعتدت زيارة الكابتن اسحق في جيش الخلاص في القرية المجاورة ليلاً لنصلي معاً. كما جاء صديقي دوجلاس لزيارتي وتشجيعي والاطمئنان عليَّ. وسرعان ما فاحت رائحة أخباري هذه. وقررت عائلتي التخلّص مني بوضعي في كيس وإلقائي في نهر رافي السريع الجريان، والذي تكفَّلت تياراته القوية بقتل الكثيرين من الذين ينصبّ عليهم غضب إخوتهم من البشر!

وذات ليلة شتاءٍ قارس البرد كان من المقرر أن يقوم النهر بوظيفته المألوفة معي، فحبسني أهلي في غرفة حتى يحين الموعد الذي حدَّدوه للتخلُّص مني. ولم يكن لي من ملاذٍ سوى الصلاة. وكنت منذ أن آمنت قد تعودت على حفظ آيات الكتاب المقدس، فبدأت أتلو تلك الآيات، وكم سبَّبت لي آيات مثل الرب راعيّ تعزية كبيرة. وجعلتُ تارة أبكي وتارة أردد الآيات. لكني معظم الوقت تحدثت مع الرب. علمت أنه حاضر وأنه سيحتضنني بعد موتي. كنت محصوراً بين الفرح بوجودي في حضرته والغم على عذاب الموت الذي يدبرونه لي. فرحت لأني عرفت قوة الرب، أما أن تُنهي أسرتي حياتي فهذا ما كان محزناً. لكني لم أشك ولو للحظة في إحسان الله. ولم أفكر أني أخطأت الطريق الذي اخترته. علمت أن المسيحية هي الصراط الوحيد لي. كان عندي اليقين أني سأكون مع الرب بعد وفاتي، ولا شيء يزعزع هذا الاعتقاد عندي.

وبينما أتلو وأردد الآيات، هزّني قول الرسول بولس: فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الِاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ ا لْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً. وَل كِنْ أَنْ أَبْقَى فِي ا لْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ )فيلبي 1:23 ، 24(. راودتني الرغبة في الحياة لأجل إخوتي الذين يعيشون في الظلام، حتى أعلن لهم أخبار الإنجيل المفرحة بواسطة موت المسيح وقيامته لأجل الجنس البشري. تذكرت كلمات الصادهو سندر سنغ السيخي الذي آمن بالمسيح: الموت لأجل المسيح أسهل من الحياة لأجل المسيح، فالموت يستغرق ساعة أو ساعتين. أما الحياة لأجل المسيح فمعناها الموت يومياً . وسألت نفسي: أليس من الأفضل أن أتألم لأجل المسيح كل يوم؟ وأدركت عظمة تضحية المسيح لأجلي بموته على الصليب. صليت بحرارة، لا خوفاً من الموت الجسدي، ولكن لأحيا وأموت يومياً شاهداً للمسيح الذي أحبني وبذل نفسه لأجلي.

سيدي ومخلصي، إن روحي مطمئنة لأني أعلم أني بعد هذه الحياة سآتي إليك. لن يكون هناك حاجز بيني وبينك. لكن الناس، خصوصاً من يريدون قتلي ويخططون له، سيشمتون لأنهم نجحوا في إنهاء حياتي. إن الموت هو البوابة التي أدخل منها إلى الحياة. جزءٌ مني يشتاق إلى الدخول، لكن موتي يعني نهاية شهادتي لاسمك في هذا البلد. فإن كان ذلك يرضيك، أخرِجْني من هنا الليلة، وأعطني امتياز إعلان خلاصك العظيم بين البشر، لأخبرهم كيف تعطي الخطاة اليقين بأن لهم حياةً أبدية في الآخرة. أشتهي يا ربي أنه كما نطق لساني بأوامر قَتْل الآخرين، أن يعلن من الليلة كلماتٍ تمنح الحياة. طهِّرني هذه الليلة من الأنانية والقلق على حياتي. وإن أبقيتني حياً، أعدك بأن ترتبط نفسي بخدمتك كل أيام حياتي، ودافعي الوحيد هو إعطاء المجد لاسمك. لقد كنت أجد سعادتي في قتل من خلقتهم، فساعدني لأعمل على جذبهم للحياة معك. فإن كانت تلك مشيئتك الكريمة فلتنجني هذه الليلة بالذات من هذا المكان. آمين يا رب العالمين .

بعد أن فرغت من الصلاة وجدت أنني بدلاً من أن أتجمد من البرد كان جبيني يتصبب عرقاً. وفجأة فتح شخصٌ ما القفل من الخارج. لكن لم يتقدم أحد نحوي. وإذا بي أسمع صوتاً يقول: هيا اركض، فإني فتحت الباب لأجلك . ولما لم أر أحداً علمت أن الله يكلمني. ولم أعرف إلى أي اتجاه أجري، فأخذت أجري تجاه ري ويند مهتدياً بشريط سكة الحديد. ودخلت قرية وجدت في ساحتها صبيةً يلعبون، فسألت أحدهم: يا ابني، أيوجد مسيحيون هنا؟ فأجاب: نعم، أبي هو القسيس هنا فرجوته أن يأخذني إليه، فإذا هو الكابتن صموئيل في جيش الخلاص الذي كان طيباً جداً معي حينما أخبرته بما جرى. طمأنني أني في أمان تماماً، ولو كانت هناك مشاكل فسيفديني ولو بحياته. صرفنا وقتاً قصيراً في الصلاة، وأراني سريري ثم أرسل إلى طبيب القرية الذي أعطاني حقنة وبعض الأدوية. قضيت أربعة أيام عنده، ثم استأذنته في الانصراف إلى جوجرا وهناك في 15 ديسمبر )كانون الأول( فرح بي أصدقائي، وخاصة القس وتون والقس أوغسطينوس وبوتا مسيح والأستاذ شاران داس. وكانت قصة هروبي العجيب سبب فرحٍ كثيرٍ لنا.

وفي عيد الميلاد تعبَّدنا أنا وصديقي باوا مسيح في قريته مع آخرين من مناطق نائية، وكان أهم شيء بالنسبة لي أني صرت عضواً في المجتمع المسيحي، فكان الحب بيننا متبادلاً. إن الشركة المسيحية المتميزة بالانسجام والثقة هي مصدرٌ للتشجيع والعون على نمو النضج المسيحي. كنت آمناً مطمئناً بين أصدقاءٍ قبلوني كفردٍ منهم، لذا أرفع قلبي بالشكر لله عز وجل.

الفصل التاسع

الكرازة بالمسيح


في هذه الشركة المسيحية، وفي جوٍّ من الطمأنينة والسلام بدأت أفكر في أسلوب خدمتي. اقترح راغبو الخير لي في جوجرا أن أقوم بعمل حُرّ، واقترح آخرون أن أتفرغ لخدمة الله. بيد أني علمت ما أنا عازم على فعله منذ أن نجاني الله في تلك الليلة من الموت المحقق.

وبينما أحمد الله على كل ما صنعه بي طلبت طلبة أخرى: يارب، أعطني النعمة أن أعلن أعمالك العجيبة للعالم. أعطني أن أحيا لك في ولاءٍ، حافظاً نفسي من الآثام والمعاصي. أعطني المحبة التي يمكن أن أغوص في أعماقها، فلا يجذبني العالم ويجرفني إليه. أنِر طريقي وأنا أدوس على هذه الطرق المحجرة لئلا أتعثر وأجلب العار لاسمك ياذا الجلال والإكرام .

اقتنعت أن عملي للرب سيكون في الكرازة، وأن أبدأ من حيث كنت موجوداً. ذهبت إلى القرى حول جوجرا برفقة بعض الإخوة وبدأت في الدعوة بالإنجيل. وبعد مدة ليست بقصيرة كنت أدعو أهالي القرى في البنجاب إلى الإيمان بالمسيح. في البداية كنت أفعل هذا سيراً على الأقدام، ثم بعد ذلك اشترى لي صديق درَّاجة. اعتاد الناس أن ينادوني صادهو أي يا تقي . اعتدت أن أجلس مع الفقراء أينما ذهبت لأني أردت أن أشاركهم حياتهم، فإن جاعوا جعت مثلهم. ولم تصبح حياة الثراء الماضية عقبةً في طريقي. وكلما ذهبت إلى منطقة جديدة قدمت نفسي إلى راعي الكنيسة هناك، فلم أفعل شيئاً في أبروشيته بغير موافقته. هذا معناه أني سأعظ المسيحيين وأعضد إيمانهم.

وبينما كان من المقرر أن أشترك في الخدمة في اجتماعات كنيسة أسقفية، وكنت أنتظر في مكتب الراعي الساعة التاسعة مساءً، قال لي الرب بوضوح: يجب أن تذهب وتشرح اختبارك لإخوتك في لاهور. هذا هو المكان الذي يجب أن تبدأ منه . ولم أتردد في طاعة سيدي، إذ شعرت بالإلزام أن أذهب في هذه الليلة عينها. تركت دراجتي وأخذت القطار إلى لاهور. طرقت باب أخي وفتح مندهشاً متسائلاً وفي عينيه وميض من الأمل: هل رجعتَ؟ وأجبت: رجعتُ لا لأسكن معكم، ولكن لأخبركم أن الرب يسوع المسيح هو المخلّص. لقد خلّصني، وأعرف أنه يقدر أن يخلّصكم أيضاً . تغيَّرت ملامح وجهه على الفور، وحاول جاهداً أن يكظم غيظه وأجاب بشدة: شكراً جزيلاً. نحن لا نحتاجك ولا يسوعك ولا خلاصه. مع السلامة . وأغلق الباب في وجهي. كنت حزيناً لذلك لكني لم أندهش. كنت مستريحاً لأني قمت بواجبي على الرغم أنه لم يأت بثمر. رسخت في أعماقي كلمات الرب لي، وتيقنت أني يجب أن أدعو أصدقائي المسلمين إلى خلاص المسيح.

وفي مارس )آذار( 1950 تُوفيت والدتي متأثرة بحزنها على انفصالي عنهم. حزنتُ جداً أني لم أرها قبل وفاتها. لكني لم أسمح لهذه المأساة أن تعطلني عن خدمة الرب.

وبعد وفاة أمي تزايدت كراهية إخوتي لي، ونصبوا كمائن لقتلي. وذات ليلة ألحوا أن أزورهم في البيت، فذهبت مع اثنين من أصدقائي. وهناك وجدت شيخاً فشل أن يرجعني إلى الإسلام، فلم يكن لديه جديد ليقوله. وأخيراً قدموا لي الشاي. وحينما رشفت قطرةً منه وجدته لاذعاً جداً، وعلى الفور أدركت أنه مسمم. لم أخش لأن الرب يسوع قال إن من آمن واعتمد باسمه يعمل معجزات، وحتى لو شرب سماً مميتاً فلن يضره )مرقس 16:18(. هنا خطر ببالي أن هذه هي الفرصة ليتحقق هذا فيَّ. حينئذ شعرت بالدوران وطلبت من رفيقيَّ أن ننصرف، دون أن يعرف إخوتي بما كنت أشعر. ثم طلبت منهما أن يتركاني وحدي في بيتي، وكانت الساعة العاشرة مساءً. وبدأت أصلي: يارب، إن متُّ الليلة سيقول الناس إن المسيحية باطلة . وما إن انتهيت من الصلاة حتى تقيأت مرتين وخرج السم من أحشائي، ثم نمت مطمئناً.

وفي صباح اليوم التالي كان إخوتي قلقين لمعرفة ماذا جرى، فأرسلوا خادمهم ليتقصَّى أخباري، فطلبت منه أن يخبرهم أني مازلت على قيد الحياة. وكان هذا مشكلةً جديدةً بالنسبة لهم، لأن حياتي تعني أني سأشاركهم الميراث، فأرسلوا من حاول قتلي، فأسرعت بكتابة تنازل رسمي لإخوتي عن كل حقي في الأراضي الخاصة بوالدي، لعل هذا يريحهم ويزيل خوفهم مني.

وأحسست بالخطر على حياتي في البنجاب، فتطوع القس شاندو راي ذلك الرجل الطيب القلب الودود لمساعدتي في الانتقال إلى سوكور في السند. عملت لشهور قليلة في جمعية الكتاب المقدس هناك. ورأيت أني في هذا العمل أنجرف عن الرؤية الحقيقية التي أعطاني الرب إياها، فقد كان عملي مكتبياً وتجارياً فقط. ولم أحسّ بالارتياح، لذلك تركتُ هذه الوظيفة. لقد رأيتُ نفسي كمبشر، ويجب أن أُعِدَّ نفسي لهذه المهمة.

بدأت أتعلم اللغة السندية وتمكنت من ذلك بسرعة. وصرت أكتب وأتحدث بها بلا عناء. إلا أن ارتفاع درجة الحرارة في السند كان عقبةً أمامي. وعدت إلى البنجاب لفترة من الوقت. وهناك التقيت بقسيس شاب في فيصل أباد دعاني للعمل في مؤتمرات الشباب وفتح لي بيته وشجعني على الانهماك في الخدمة.

وذات مرة دُعيت للخدمة في كنيسة، وحان الوقت لتقديم العطاء ولم يكن في جيبي سوى نصف روبية. لم أشأ أن يمرَّ الطبق دون أن أقدم لله عطيةً. لذلك مددتُ يدي ببساطة في جيبي ووضعت النصف روبية - كل ما معي. انتهت العبادة، لكن ماذا سأفعل وليس معي نقود الآن؟ وفاتني أني يمكن أن أختبر مدد الله العجيب لي. ولما رجعت إلى بيت صديقي الباكستاني، قالت لي زوجته: يا أخي، أتت إلى هنا ممرضتان لأنهما عرفتا أنك مسافرٌ غداً، وتركتا لك هذا المظروف . أخذت المظروف إلى غرفتي وفتحتُه فوجدت كمية من الروبيات، معها ملحوظة تقول: أرشدنا الرب إلى أنك محتاج لنقود لسفرياتك. نكون شاكرتين لك قبول هذا المبلغ . وجَمْتُ ساكتاً! فياله من إله صالح فعلاً!

وهناك مناسبة أخرى لن تمحوها الأيام من الذاكرة، كنت آنذاك في طريقي لزيارة رجل أظهر اهتماماً بالإيمان المسيحي، ولكني لم أجده. وجلست متضايقاً في الأتوبيس، وإذا برجلٍ يجلس إلى جواري، سألني عن عملي، فقلت له إني مبشر، ففرح جداً لأن الله استجاب لدعائه. لقد حجَّ إلى مكة سبع مرات دون أن يجد السلام الذي كان يبحث عنه، وأخبرني أن شخصاً أعطاه الإنجيل بلغته، فقرأه، لكنه ما زال يحتاج إلى من يساعده على فهم الأشياء الصعبة. لقد كان مثل الوزير الحبشي )أعمال الرسل 8(. وشرعت أشرح له الإنجيل. وحينما أتت محطة نزوله دعاني إلى بيته الذي يملكه، كما كان يملك سبعة آلاف فدان. بعد محادثة طويلة طلب مني أن أصلي لأجله. أخبرته أن بإمكانه أن يصلي بنفسه، فاندهش جداً وتساءل: أحقاً بإمكاني ذلك؟ فأجبت: نعم. إن أحببتَ التحدُّث إلى الله فتحدَّثْ إليه إذن . حينئذ رفع دعاءه إلى الله وصلى هكذا: يا ربي يسوع، أشكرك لإرسال عبدك لي ليقودني إلى الصراط المستقيم. فاقبلني اللهم وأنا أقبلك مخلِّصاً لي من اليوم، آمين يا رب العالمين .

الفصل العاشر

كلّي للمسيح

قادني الله سبحانه إلى الصراط الذي اختاره لي والذي أسلمت نفسي له. وبهذه الطريقة وحدها يمكن أن أعيش حياتي لمجد الذي أحبني أولاً. لم أقدر أن أفعل شيئاً بقوتي الشخصية، فما وصلتُ إليه وما حدث معي من معجزات كان بفضل عمله هو في حياتي. كان الطريق مليئاً بالأشواك وأصعب مما توقعت. لكني لم أغفل للحظة أن يسوع الناصري مشى فيه من قبل. ألهمَتْني هذه الفكرة وشدَّت من إزري طوال الطريق وأنا أحمل الصليب. لقد قال، وهو أصدق القائلين: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي )مرقس 8:34(. كان هذا هو الطريق الذي نهجتُه رداً على محبته العظيمة لي. وبالرغم من الوحدة التي تُفرض على من يسلك طريق الخدمة، إلاأني لمست الصلة الوثيقة بيني وبين ربي الذي كان يحسّ بي. وهبني الموتُ لأجل المسيح القدرةَ على اختبار قوة قيامته، إذ فيه اختبرت نصرة الحياة على الموت في هذه الحياة. لقد هجرني الأهل والخلان، ومن حسبته بحبيبٍ تحوّل إلى ألدّ الأعداء لي. لم يعد لي صديق أو قريب تأنس به نفسي كما لو كان هذا موتاً اجتماعياً. إلا أني واصلت السير في الطريق الذي اخترته. إن موتي لربي يومياً أمرٌ لا يُستهان به، ولك ني لم أندم على ذلك.

حينما كانت النفوس تخلُص وتتغيَّر كان هذا يجلب لي فرحاً كبيراً، مع أن عددهم قليل. وحينما كان الناس يسيئون إليَّ ولا أنتقم كانوا يعتبرون هذا ضعفاً. إلا أني لست أفضل من سيدي، فلن أنتظر ما لم يحدث معه. أعلم أنه إذا انقضى أجل المؤمن بالمسيح فليست هذه نهايته، بل بداية حياة جديدة وأفضل. لذا حينما أمضي عن هذا العالم فلن تسنح لي الفرصة لأموت لأجله. أحب أن أشجع الكثيرين ليمجِّدوا سيدي ويحمدوه. لقد قادني ربي وإلهي بأمانة طوال هذه السنين، فأشكر الله الذي التقى بي، وأدعو الله أن كل من يقرأ في هذا الكتاب عن خلاصه يُكتب اسمه في سفر الحياة مع القديسين الذين يحمدونه في نورٍ أبدي.

خاتمة

خدم غلام مسيح نعمان المسيح لعشر سنوات كمبشرٍ بالإنجيل.

ثم تخرَّج من كلية اللاهوت في جيجراناوالا ورُسم قسيساً في الكنيسة الأسقفية.

وتزوج ممرضة اسمها ديزي شاركته بمحبةٍ وأمانةٍ في كل صراعات الحياة، وأنجبا ولدين وبنتاً، قُتل أحدهما بسبب إيمانه وإيمان والده بالمسيح، وبقيت الابنة والابن الثاني مع والدهم يخدمون المسيح الحي.

الناشرون - 199

Coptic Princess غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة