عرض مشاركة واحدة
قديم 18-07-2020, 06:34 AM   #6
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
(5) وعد المحبة
الله من البدء خلقني حراً، بمعنى أنه يريدني أن أعيش في جو من الحرية، وأختاره بإرادتي الخاصة دون ضغط أو إكراه أو فرض، كما تم الشرح سابقاً، فلقد أعطى حرية للإنسان لا أن يرفضه فقط بل أن يُنكر وجوده أيضاً ويفعل ما يشاء بكامل حرية إرادته واختياره الخاص.
==========
ومع ذلك – رغم جحود الإنسان – يستمر في محبته للجميع من عمق صلاحه الذي لا يُحد، فهو يحب البشر محبة لا حدود لها، لا تتغير أبداً أو تتبدل، بل حب أبدي لا يزول، ولكي يفهم الإنسان هذه المحبة غرس الأبوة والأمومة في طبيعة البشر حتى يعرفوا المحبة الإلهية؛ وقد أعلن محبته المتسعة إذ أظهر أنهُ يُشرق شمسه على الأشرار والأبرار دون تمييز، لأن الحب لا يُميز بين من يقبله أو يرفضه أو حتى يُجدف عليه، لأنه يحب الكل ويشفق ويتحنن على الجميع دون أن يفرق بين واحد وآخر مثل البشر الذين سقطوا من رتبتهم الأولى وفقدوا قوة المحبة التي كانت تسكن قلبهم وتُحيط بهم من كل جانب، مثل النور المُشرق الذي يملأ كل مكان ويدخل إليه.
==========
كارثة الإنسان وشقاؤه هو انقطاعه بإرادته الحرة عن شركة الله المحبة، فَضَّلَ في جو لا يُناسب أصله وطبيعة خلقه، فأصبح منساقاً إلى قوانين غريبة عن طبعه يحكمها السقوط، فكما أن الولد الصغير التائه في الأدغال الموحشة، الذي يحيا وسط الحيوانات، مكتسباً منهم طريقه حياته في المأكل والمشرب، وحتى السلوك البهيمي، ويتقيد بقانون الغابة، فأنه يعتقد بيقين، أن هذه هي دنياه الطبيعية الأصيلة، هكذا أيضاً بالمثل: "الإنسان"، فقد أعتقد على مرَّ الأيام أن السقوط والخطية والعزلة عن الله هو جوه الخاص الطبيعي، فاعتاد عليه حتى أنه أصبح معجون بطبعه، فصار جزء لا يتجزأ من شخصيته لا يستطيع أن ينفصل عنها أبداً، مثل مُدمن الخمور الذي اعتاد عليها، ويعتبرها عنصر أساسي في حياته لا يُمكن أن يستغنى عنه، مع أنها دخيل يولد موتاً ينخر في جسده الذي يُزيده موتاً يوماً بعد يوم: بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع (أو لأنهم جميعاً أخطأوا) (رومية 5: 12)
==========
وكالعصفور الذي يعيش في الأسر داخل قفص من قضبان ذهب مرصعه بالماس والحجر الكريم، فأنه يُعجب بجمالها الباطل، ويستسلم لوضعه الذي يتمرد عليه أولاً، ثم يقنع به بلطف المستعبد تحت مذلة مخدوعاً بشكل القفص الجميل، هكذا الإنسان أيضاً بالمثل، حينما يخضع لسلطان الخطية بإرادته المخدوعة، ويجبر نفسه على التناسي أنه تحت ذُل عبودية الخطية، ويحيا غريباً عن الله، ويظن أن هذا هو عالمة وجوه الخاص الذي لا يوجد مفر منه، وحتى العالم نفسه بكل من فيه يؤكد على هذه النظرية، حتى أقنع الجميع – بحيلة شيطانية – أن هذا هو طبعهم المغروس فيهم بالخلق والولادة، وبذلك قننوا الخطية وسخفوا كلمة الله وانتهكوا الوصية بحجة أنها لم تكتب لهذا العصر بل لأبناء جيلها، أو لأن هذه كانت ثقافتهم في القديم، وبذلك الوصية التي هي مصدر الحياة صارت هي نفسها مصدر الموت، وذلك بسبب أن الإنسان باع نفسه لفكر شرير قضى على كل خير فيه، حتى أنه رفض – بكل عِناد وإصرار – وصية الله وصار هو بنفسه مقياس نفسه، لأنه لا يُريد شركة مع الله في البرّ بل اتجه نحو الجسديات واللذات وانحصر فيها فمات كل حس روحي فيه وإحساسه الطبيعي بالله المغروس فيه حسب الخلق الأول.
ولكن شكراً لله الذي أحبنا ولم يتركنا عنه إلى الانقضاء، بل تعهدنا بأنبيائه القديسين ليفتح بصيرة الإنسان على حبه ويستفيق ويعود لرشده ويحيا لله، فهو من بادر باللقاء وقال: (أين أنت)
وفي ملء الزمان ونحن بعد خطاة ماكثين في الظلمة وظلال الموت انطلقت بشارة جديدة عظيمة، فائقة: ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه وُلِدَ لكم اليوم في مدينة داود مُخلص هو المسيح الرب. (لوقا 2: 10 و11؛ أنظر للأهمية أشعياء 53: 1 – 12)
==========
سقط الإنسان من النعمة وصار عارياً منها، والله بصلاحه الطبيعي، ومحبته التي لا تقاس أو توصف حسب عمق اتساعها الذي لا يحد، لم يكن ممكناً أن يترك الإنسان – محبوبة الخاص – الذي خلقه على صورته يسقط من النعمة دون أن يدبر له سبيلاً للخلاص، فقطع وعداً منذ البدء أن يخلصه وينجيه ويرفعه لأعلى رتبه، إذ في ملئ الزمان أتخذ جسداً (أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له فلنسبحه ونمجده وتزيده علواً على الأبد).
==========
يقول القديس أثناسيوس الرسولي:
+ وكما أن المعلم الصالح الذي يعتني بتلاميذه، إذ يرى أن بعضاً منهم، لا يستفاد من العلوم التي تسمو فوق إدراكهم، فإنه يتنازل إلى مستواهم ويعلمهم أموراً أبسط، هكذا فعل كلمة الله كما يقول بولس "إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، استحسن الله أن يُخلّص المؤمنين بجهالة الكرازة" (1كورنثوس 1: 21)
+ ولأن البشر قد تركوا التأمل في الله وانحطت نظراتهم إلى أسفل كأنهم قد غاصوا في الأعماق باحثين عن الله في عالم الحسيات، صانعين لأنفسهم آلهة من البشر المائتين، ومن الشياطين، لهذا فإن محب البشر ومخلّص الجميع كلمة الله أخذ لنفسه جسداً، ومشى كإنسان بين البشر، وجذب أحاسيس كل البشر نحو نفسه.. وعن طريقه يعرفون الآب.
+ لأن المخلّص تمم بتأنسه عمليتي المحبة
(أولاً) أنه أباد الموت من داخلنا وجددنا ثانية
(ثانياً) أنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن نفسه وعرّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومدّبر وملك الكون. (تجسد الكلمة ف15: 1 و2 + ف16: 5)
==========
لقد أخطأ آدم أولاً، ومن بعده كل نظرائه البشر ساروا في طريق التمرد، فقد دسنا بعد ذلك الوصية المقدسة، وبحسب التدبير فأن المسيح الرب ابن الله الحي أتى في ملء الزمان ليُهان لأجل خطايانا، لأنه حمل خطايانا في جسده، حاملاً كل أوجاع الموت، فالبار تألم من أجل الأثمة، وصار سبب خلاصنا الأبدي بتقديم جسده للموت، ولذلك كانت الضربة التي تقبلها المسيح الرب هي اتمام للعار الذي حمله، ولكنها كانت تحمل خلاصنا من عبئ التعدي الحاصل للبشرية كلها، وبالرغم من أن هو اللوغوس الإله المساوي للآب في الجوهر فهو وحده الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. (1بطرس 2: 24)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة