الموضوع: العدل الالهي
عرض مشاركة واحدة
قديم 15-02-2021, 05:31 PM   #30
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 972
ذكر
 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602

أسعد الله مساء الأحباء جميعا. شكرا للحوار الجميل، ولي في النهاية إذا سمح الوقت تعقيب مختصر، ربما يكون هاما خاصة في ميدان البحث والتأمل الروحي. مشكلة هذا السؤال ـ ومشكلة الفلسفة بوجه عام ـ هي أننا نتعامل مع أفكار ومفاهيم مجردة. لكن الأفكار والمفاهيم ـ كالكلمات والرموز ـ دورها هو فقط تمثيل الحقيقة والتعبير عنها. ليست هي نفسها الحقيقة ولكنها فقط تمثلها وترمز إليها.

كلمة النار مثلا لن تحرق هذه الشاشة. كلمة الماء لن تصيبها بالبلل. لماذا؟ لأنها مجرد رموز، أشارات ترمز فقط للنار أو للماء. كذلك بالضبط الأفكار: تمثل الحقائق وترمز إليها لكنها ليست الحقائق ذاتها. شتان مثلا بين "فكرة النار" بعقولنا وبين "النار" كما نعاينها في الواقع. شتان بين "فكرة الماء" وبين خبرة "الماء" نفسها. (وبالمثل شتان بين "فكرة الله" وبين "الله" ذاته، السبب الذي لأجله تستحيل معرفة الله عقلا! ذلك أن عقولنا لا تملك إلا هذه الأفكار، هذه التمثيلات والرموز التي تشير فقط إلى حقيقته سبحانه، أما حقيقته نفسها فكالنار والماء وكل شيء بالوجود: لا يمكن إدراكها حقا إلا عبر الخبرة المباشرة)!


هذه الأفكار لا شك ميّزت الإنسان عن سائر الخليقة، أعطتنا قدرة "الرمز" للأشياء نيابة عن "الأشياء" نفسها، ساعدتنا بالتالي في اختراع اللغة والتواصل فيما بيننا، وهكذا ظهرت الحضارة الإنسانية كلها. ولكن كان لذلك ثمن باهظ أيضا، وأشير هنا باختصار إلى نقطتين رئيسيتين:
الأولى: هي أننا صرنا نخلط بين الرمز والحقيقة التي يشير الرمز إليها، وأوضح مثال على ذلك في حياتنا هو خلطنا مثلا بين المال والثروة! المال ـ هذه الأوراق النقدية ـ هو مجرد رمز أو تعبير عن الثروة، التي هي الأرض مثلا أو العقارات أو الذهب. لكننا ـ نتيجة الخلط ـ صرنا نشتهي المال ذاته، نسعى لجمعه وتكديسه، وكأنه هو نفسه الثروة لا مجرد تعبير عنها!

الثانية وهي الأهم: هنا أننا أضفنا إلى الواقع ـ عالم الخبرة المباشرة، الحياة نفسها كما نحياها ـ عالما آخر موازيا لا يوجد إلا بعقولنا فقط، ثم أصبحنا نعيش في هذا العالم العقلي المفترض! على سبيل المثال: كم امرأة قابلت في حياتك؟ عشرة؟ مائة؟ ألف؟ الإجابات كلها خاطئة، لأنك ببساطة لم تقابل ولا حتى امرأة واحدة طيلة حياتك!

لإدراك ذلك انظر جيدا إلى "خبرتك" نفسها، وفقط خبرتك لا "أفكارك" عن هذه الخبرة: ما قابلته حقا كان وجها معينا رأته عيناك، يصاحبه صوت مميّز سمعته أذناك، وعطر شمّه أنفك، وربما يدان لمستهما أيضا يداك. هذه هي خبرتك الحية الحقيقية نفسها، التي جاءتك تحت عنوان عام هو "ليلى" مثلا، والتي تتميز به عن خبرة أخرى باسم "سارة"، أو باسم "ماري"، وهكذا.


لكن العقل يأخذ هذه الخبرات المتنوعة فيجرّدها من كل ما هو متميز أو مختلف، يأخذ المشترك فقط فيما بينها ثم يضع لذلك مفهوما عاما يضمها جميعا: "امرأة"! صارت هناك بالتالي "ليلى" و"سارة" و"ماري" إلخ، وصارت هناك أيضا "امرأة"! في الواقع نفسه،في الحياة كما نعيشها، ليست هناك حقا أي "امرأة". هناك فقط خبرات حية نابضة شديدة الثراء نسميها ليلى، أو سارة أو ماري. أما في عقولنا فهناك تجريد لكل هذه الخبرات: امرأة!

هكذا ظهرت "مفاهيم" جديدة لا حصر لها: امرأة، رجل، قطة، كلب، بيت، مقعد، منتدى، إلخ. كل هذه ليست سوى مفاهيم عقلية مجردة (إضافة عقلية نضيفها نحن فوق خليقة الله، كما نضيف "خريطة" على وجه الأرض ونقسمها دولا متعددة)، وكلها بالتالي لا وجود له حقا بخبرتنا نفسها أو بواقعنا المباشر!


ثم انتقل العقل بعد ذلك من هذه المفاهيم الأولى إلى المفاهيم العامة: الخير، الشر، الحب، العدل، الحرية، الوجود، العدم، إلخ! أي أننا نعيش ببساطة في بحر من المفاهيم العقلية المجردة!

***

أما آثار ذلك قكانت وخيمة على حياتنا! أهمها أننا أصبحنا تدريجيا نعيش في هذا العالم العقلي الموازي ـ عالم المفاهيم التي لا وجود لها ـ ونسينا أن نعيش الحياة نفسها، الخبرة المباشرة ذاتها، بكل روعتها وتفاصيلها وثرائها!

(من آثار ذلك أيضا أننا صرنا نتكلم مثلا عن المحبة ونفكر في المحبة بينما لا ننتبه وربما حتى لا نعرف كم من المحبة نبذل حقا في حياتنا! نتكلم عن البر ونفكر بالبر أكثر مما نهتم بممارسة البر فعليا! نتكلم عن الكبرياء وننكر الكبرياء بينما قد ينطوي سلوكنا على الكبرياء دون أن نشعر! نعيش وكأن "أفكارنا" السامية تكفي بحد ذاتها كي يتوافق "سلوكنا" تلقائيا مع هذه الأفكار. ولكن فرق بين أن نؤمن عقليا بالمحبة وأن نحب فعلا! فرق بين أن ننكر عقليا الكبرياء وأن يكون تصرفنا متواضع حقا! فرق بين أن نعتنق عقليا إيمان المسيح، وأن تمتلئ حياتنا من ثم بالمواعظ والترانيم، وبين أن يكون سلوكنا مسيحيا فعلا! كل هذا الخلل ينتج من أننا نعيش طوال الوقت في عالمين اثنين معا: نحن من ناحية سجناء عالم عقلي مجرد، عالم وهمي تماما يمتلئ بأفكار البر ومفاهيم الصلاح والتقوى والمحبة، بينما من ناحية أخرى تعيش أجسادنا واقعيا في عالم آخر، عالم الخبرة الحية المباشرة، الذي فيه بالعكس نخطئ ونعثر ونشك ونكره ونطمع ونخاف ونتكبر ويظهر كل ضعفنا، ولكن دون أن نعترف بذلك وحتى دون أن نشعر به معظم الوقت)!

البحث في "المفاهيم" لا شك هام جدا، ولكن حتى لا نطيل أكثر من ذلك نعود لرسالتك وللنقطة التي نهدف إليها من كل هذا:

..........................................

خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة