عرض مشاركة واحدة
قديم 22-11-2020, 11:37 PM   #14
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 919
ذكر
 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437 نقاط التقييم 14553437

....................

غير أن العقل للأسف ـ والعقل منتوج العهد القديم ومن ثم رهينه دائما حبيس أفكاره ـ يعود ليتساءل: ولكن كيف يموت اللاهوت، أو يجوع أو يعطش أو يبكي أو ينام؟ أي أن العقل ينبش ويحفر ولا يهدأ حتى يستخرج اللاهوت مرة أخرى من هذه الوحدة التي لا تنفصم، يقسم المسيح الذي لا ينقسم، ويقع بذلك في التناقض! سبب التناقض إذاً هو أن العقل يفرض ازدواجيته وانقسامه هو نفسه على المسيح! التناقض ليس أبدا في المسيح بل هو تناقض العقل ذاته!

العقل ـ بتشبيه بسيط ـ يشبه الأحمق الذي يميّز ويفصل بين "الموجة" المحدودة و"البحر" اللامحدود، يصر على أنهما اثنين، "موجة" و"بحر"، غافلا تماما عن أن كليهما في الحقيقة "ماء" ومن ثم فهما ـ على الأقل من منظور الماء ـ في الحقيقة واحد!

(«المثل لا يطابق الممثول في كل وجه» كما ذكرنا سابقا فانتبه فضلا حتى لا نقع بأي خطأ أو عثرة. هذا التشبيه لا يُستخدم إلا للرهبان المتقدمين جدا، لأنه قد يوحي بمذهب "وحدة الوجود" وهذا ليس ما تقول المسيحية رغم توافر الشواهد عليه بالكتاب. أحاول فقط تقريب الصورة قليلا لعقلك، فلا تتشبث فضلا بأي مثال ثم ترهقني وتشقيني من حيث أردت مساعدتك)!

لو أن هذه "الموجة" نطقت ـ وكان لديها "وعي الماء" وإدراكه ـ لقالت ببساطة: «أنا والبحر واحد»!

بالمثل: من منظور المسيح نفسه، أي بوعي المسيح وإدراكه، "وعي الوحدة" ذاتها، قال يسوع ببساطة: «أنا والآب واحد»!

***

هذا هو نفسه السبب أن يسوع لم يقل «أنا الله» كما يحتج الغافلون دائما ويطلب سجناء العهد القديم. وهل تقول الموجة أبدا «أنا البحر»؟ بالقطع لا! ذلك لأن تميّز الموجة هكذا كموجة ـ مقابل البحر كبحر ـ هذا نفسه تمييز العقل القديم بينهما! أما وقد اتحدت الموجة والبحر اتحادا كاملا (عبر اكتشاف "الماء" كما في المثال، أو عبر "التجسد" كما في المسيحية) فقد انتهى التمييز بينهما ومن ثم غابت "الموجة" و"البحر" كليهما! أصبحت الحقيقة الوحيدة هي فقط "الماء"!

بالمثل: الحقيقة الوحيدة هي فقط "المسيح"، أي فقط هذه "الوحدة" نفسها بين اللاهوت والناسوت! لذلك فالإنسان الذي يدرك حقيقة هذه الوحدة لا يعود يرى موجة ذاته أبدا إذا جاز التعبير، ولا أية موجة أخرى، بل يرى فقط المسيح في كل إنسان، وعن نفسه يقول كما قال الرسول «أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ»!

لا توجد بالتالي أية لغة هنا على الإطلاق للتعبير حقا. لا نملك إلا الإشارة فقط إلى هذا المسيح، هذا "الاتحاد" الذي يتجاوز سائر الأفكار والمفاهيم والتصورات، هذا "الواحد" فوق كل العقول! انظر كم اجتهد يسوع نفسه كي يشرح ـ عبر لغة العهد القديم ـ هذا الذي لا يمكن أبدا شرحه: أنا والآب واحد ـ مَن رآني فقد رأى الآب ـ الآب فيّ وأنا فيه ـ صدقوني أني في الآب والآب فيّ.. إلخ!

***

أما وقد أدركنا محنة العقل وعجز اللغة نقول ختاما: إننا لا نملك في المقابل إلا أن نعود نحن أيضا إلى العهد القديم لنشرح ـ وفق أفكاره ومفاهيمه ـ حقيقة ما حدث. من هنا نقول إنه رغم اتحاد الطبيعتين: ما يزال اللاهوت لاهوتا والناسوت ناسوتا، سيان أدرك الناس حقيقة المسيح أو خفيت عليهم! (ما تزال الموجة موجة والبحر بحرا، سيان أدرك الناس حقيقة الماء أو خفيت عليهم)!

نقول أيضا إن اللاهوت مطلقا، اللاهوت منفصلا منفردا كما عرفناه بالقديم، لا يمكن أبدا أن يموت! لكن هذا بحد ذاته لا يمنع وحدة اللاهوت والناسوت أن تموت، والفرق هنا هو أنها حتى إن ماتت تقوم! واحد العهد الجديد إذاً، المسيح، نعم قد يموت، لأنه الإله المتأنسن. ولكن لنفس السبب، لأنه الإله المتأنسن، لا يغلبه الموت أبدا وبالتالي فحتى إن مات يقوم! (ولأنها وحدة وجودية شاملة فهكذا أيضا في الحقيقة كل مَن آمن به ودخل فيه وفي هذه الوحدة معه: لا يموت وحتى «لو مات فسيحيا»)!


عذرا للإطالة وأتمنى أن تكون الصورة قد اتضحت ولو قليلا!


خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة