عرض مشاركة واحدة
قديم 09-03-2018, 08:32 AM   #782
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,377
ذكر
 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900
22:21 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ فَمَاذَا لَكَ؟ اتْبَعْنِي أَنْتَ»

‏الرد هنا عميق ومتشعب! يضرب في الواقع، ويضرب حتى إلى منتهى الزمن؛ يكشف عن إلوهية متفوقة، وسلطان على الزمن وعلى الموت والحياة، وعلى مصائر الناس وأقدارهم. فالمسيح يستعلن وجوده القائم والدائم، وكيف يقبض على زمام الكنيسة في تحركها عبر الزمن برسلها وأبائها وأنبيائها, يحدد أيامهم ويقيس أعمارهم بخطة تنتهي حتماً بمجيئه.
‏كان سؤال بطرس يختص بمشيئة المسيح قبل أن يختص بحياة يوحنا، لأن حياة رسول لا تحددها الأقدار المحتومة، بل مشيئة الله المحتومة التي لا يفك ختومها إلا المسيح، مضيفاً عليها، أو مختزلا منها كما يشاء؛ لأنه كالآب يُحيى من يشاء!
‏وقول المسيح: «إن كنت أشاه أنه يبقى إلى أن أجيء», ليس هو افتراضاً للجدل، بل هو حق قائم بالحقيقة. فالذي أقام لعازر من الموت بعد أن أنتن، أعسير عليه أن يُبقي يوحنا لا يموت؟ والذي قام من بين الأموات ناقضاً الموت وأوجاعه, أكثير عليه أن يفصل بين يوحنا والموت؟
‏ولكن هل قالها الرب كمجرد رد لبطرس كي لا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي؟ أم يقصد بها قصداً يلوح بإجراء ينوي أن يأتيه؟
‏لم يكن سؤال القديس بطرس نابعاً من ذاتية تتحرق شوقاً لمعرفة مصائر الرسل، بقدر ما كان يشعر أنه يمثل في كنيسة الله حركة ناشطة وعملاً, هما من واقع طبيعته التي هذبها له المسيح لتعمل على مستوى الروح.
‏وكان يشعر أن القديس يوحنا يمثل الحب الهادىء الوديع المتأمل والمتأجج كالنار شديدة الفعل بطينة الحركة. فكان بطرس يصبو أن يدرك في يوحنا مسار هذه القوة الفعالة، كما أدرك هو في نفسه مسار حركته التي ستنتهي بالشهادة! كانت غيرة بطرس من يوحنا كغيرة مرثا من مريم. لقد ضجت مرثا من قعود أختها تحت رجلي المسيح تسمع كثيراً ولا تعمل شيئاً؛ بينما هي قد هدها الجهد وأجهدتها الحركة في أعمال كثيرة لخدمة ضيافة الرب. وأخيراً انفجرت، لا في مريم، بل في ‏المسيح تؤاخذه بصراحة: «يا رب اما تبالى بان اختي قد تركتني أخدم وحدي، فقل لها أن تعينني» (لو40:10). فكان الرب لها لائمأ، ولسلوكها مؤاخذاً، وعلى أسلوبها معنفاً، مع أنه كان يحبها، وأعطى لمريم الطوبى لأنها اختارت النصيب الصالح «الذي لن يُنزع منها.» (42:10)
‏وهنا تجيء كلمة: «لن يُنزع منها» بالنسبة لمريم موازياً ومطابقاً لقوله لبطرس بالنسبة ليوحنا: «أنه يبقى حتى أجيء». فحياة القديس يوحنا ومنهجه وأسلوبه، واضح أنه يمت بصلة وثيقة لأسلوب مريم ومنهجها. فكل منهما اختار المحبة والاستماع إلى «الكلمة» والتأمل فيها واتباع الرب من كل القلب، وكلاها فاز بإعجاب المسيح واستحوذ على محبته. وهذا كان بالنسبة لمريم «النصيب الصالح الذي لن ينزع منها»، وبالنسبة ليوحنا كان يشاء أن يبقى إلى الأبد. ولكنه، فيما يبدو لنا، أن المسيح أبقى على منهجه وإنجيله يحياه عاشقوه في كل العالم عوضا عنه إلى أن يجيء. وأليست الرهبانية الباقية إلى الأبد صورة لحياة يوحنا؟ هذا هو القديس يوحنا وهذه هي حياته الهادئة التي تحياها له الكنيسة ولسوف تحياها له الرهبنة إلى الأبد!
‏أما بطرس فليس له أن يتذمر، فالرب سبق وثبت اسمه وثبت إيمانه النشيط الشجاع العامل في الكنيسة، على نفس المنوال والى الأبد: «أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت18:16‏), وها هي الكنيسة تحيا إيمانه, فتزلزل أبواب الجحيم كل يوم.
‏لقد استؤمن بطرس على مفاتيح ملكوت السموات، وأما يوحنا فاستؤمن على أسرار السماء ذاتها واطلع على كل ما هو عتيد أن يكون، وشاهد السماء الجديدة والأرض الجديدة، وقاس مع الملاك أورشليم السماوية، وعاين عرش الله، وتعرف على كل الأجناد السماوية!
‏والآن: «بطرس» مات وإيمانه لا يزال يتكلم بعد! ... و«يوحنا» مات ولا يزال حبه يُسبح به تسابيح الأزل...
‏«فماذا لك؟ أتبعني أنت»: ليس من شأن القديس بطرس أن يتابع حياة الرسل الآخرين، إن حدود مسئوليته تقف عند اتباعه هو للمسيح وحسب. فإن عاش يوحنا حتى مجيء المسيح فهذا ليس «له» ولا يخصه، وإن مات شهيداً أو بغير شهادة، فهذا أيضأ ليس له، يكفيه هو أن يتبع المسيح. هذا الرد ينفي أن يكون المسيح قد أعطى لبطرس حق الرئاسة على الرسل ولا حتى الإشراف أو القيادة. الرب أعطى بطرس أن يشدد إخوته عندما يرجع من محنته بعد أن ذاق مرارة الإنكار وحيرة الجحود. فكما تثبت إيمانه بصلاة الرب عنه، هكذا كان ينبغي أن «يثبت» بإيمانه إخوته عن اختبار.
‏ولقد كان بطرس حقاً عموداً ثابتاً وقوة مركزية ذات إشرع وسط التلاميذ. وقد أبدى شجاعته في مواجهة رؤساء الكهنة وعنف سلوكهم واتهمهم علنا وبكل قوة بتحمل جرم قتل المسيح «رئيس الحياة قتلتموه» (أع15:3)، حتى ضج منه رؤساء الكهنة واستصرخوه ليكف عنهم: «فلما أحضروهم، أوقفوهم في المجمع, فسألهم رئيس الكهنة قائلآ: أما أوصيناكم وصية أن لا تعلموا بهذا الاسم، وها أنتم قد ملأتم أورشليم بتعليمكم وتريدون أن تجلبوا علينا دم هذا الإنسان. فأجاب بطرس والرسل وقالوا: ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس. إله آبائنا أقام يسوع الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة, هذا رفعه الله بيمينه رئيساً ومخلصاً، ليعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا.» (أع27:5-31)
‏كان بطرس بالنسبة للكنيسة قلبها الخفاق، ولسانها الناطق، وروحها الوثابة، جريء جرأة الأسد، لا يلين ولا يهادن في مواجهة النظام اليهودي وعتق الرئاسة الكهنوتية. فاستطاع أن يحفظ «الكيان الرسولى» مستقلاً عن سطوة النظام اليهودي، فجعل له مكانة لا تقل عن مكانة السنهدريم وسلطانه، وعلى يديه بزغ نجم الكنيسة الأولى في فلسطين مبشراً بشروق شمس المسيحية على العالم كله.
«أتبعني أنت»: وكانت كلمة المسيح هذه لبطرس هي آخر كلمة قالها المسيح بحسب إنجيل يوحنا، والمعتقد أن بعدها اختفى عنهم! وهي لم تُكتب لبطرس فقط، بل كدعوة لكل قارىء وسامع.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة