عرض مشاركة واحدة
قديم 03-03-2017, 07:01 PM   #17
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
5- وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ

هنا يضع القديس يوحنا، ولأول مرة «النور» في مقابل «الظلمة», الوجود في مقابل العدم.
أما النور فقد عرفه بعد ذلك أنه «النور الحقيقي» وهكذا يتضح أنه طبيعة الله. لأن هناك فرقاً هائلاً بين النور المخلوق الذي هو قوة وطاقة وبين النور الخالق الذي هو حياة.

فإن كنا في الأية السابقة قد وجدنا الحياة الآبدية, التي في الكلمة, وقد دخلت في علاقة مباشرة مع الإنسان بعد الخليقة «كل شيء به كان»، وهذه الحياة كانت هي مصدر النور للناس: «والحياة كانت نور الناس»؛ فهنا في هذه الأية: «النور يُضيء في الظلمة» يزيد المعنى السابق إيضاحاً من جهة مبادرة النور من تلقاء ذاته للقيام بعمله الجوهري أي "الإضاءة", بمعنى أن الكلمة لم يُلق على الإنسان كل مهمة التعرف على النور أو الوصول إليه. فالنور الإلهي يضيء من ذاته ومن سخاء طبيعته الالهية, كما يصفه إشعياء النبي: «وَيَكُونُ نُورُ الْقَمَرِ كَنُورِ الشَّمْسِ وَنُورُ الشَّمْسِ يَكُونُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ كَنُورِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فِي يَوْمٍ يَجْبُرُ الرَّبُّ كَسْرَ شَعْبِهِ وَيَشْفِي رَضَّ ضَرْبِهِ» (إش 26:30), وهو ما يصفه بولس الرسول في اختباره العجيب: رَأَيْتُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ فِي الطَّرِيقِ أَيُّهَا الْمَلِكُ نُوراً مِنَ السَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ الشَّمْسِ قَدْ أَبْرَقَ حَوْلِي وَحَوْلَ الذَّاهِبِينَ مَعِي. (أع 13:26).

وهنا نلتقط الفكرة المبدئية في علاقة النور بالخليقة، فحقيقة «النور يضيء في الظلمة» في معناها الخصب تفيد نصرة الخلق على العدم، كما تفيد نصرة الحق على الباطل، أو معرفة الله على الجهالة، وبالنهاية وعلى الواقع الملموس تجسد الكلمة ذاته فيما بعد. لأن هذا هو بالفعل دخول النور إلى العالم المظلم: "وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم..." (يو 19:3). وبدخول النور إلى ظلمة العالم انقسم عالم الإنسان إلى إنسان النور وإنسان الظلمة, وان كان إنسان الظلمة يعيث فساداً وتخريباً، ولكن لن يتغلب غير الموجود على الموجود. فإنسان النور اكتسب وجوداً أزلياً، أما الظلمة فتنتهي إلى العدم ولن يبقى إلا النور.

كذلك ففي هذه الأية يكون القديس يوحنا لا يزال منحصراً في الكلمة وعلاقته بالناس,لأن «الإضاءة» هى نور الاستعلان بالنسبة للخليقة ذات الإدراك الروحي عامة, وذلك قبل أن يحصر عمله مع خاصته أى مع شعب أسرائيل. فقوله: "النور يضيء في الظمة" يتجه إلى مطق عمل "الكلمة" في الظلمة بالنسبة للانسان عامة, دون تخصيص حقبة زمنية أو شعبب مميز أو أية ظروف خاصة. فالإشارة هنا إل طبيعة عمل جوهر النور الإلهي في الكلمة تجاه طبيعة الإنسان الروحية كإنسان. وهذه الحقيقة أشار إليها القديس بولس الرسول هكذا: "لأن الأمم الذين ليس عندهم ناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس, فهؤلاءه إذ ليس لهم الناموس, هم ناموس لأنفسهم, الذين يظهرون عمل الناموس مكتوباً فى قلوبهم شاهدأ أيضاً ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة." (رو 14:2-15)

واضح من كلام القديس بولس أن النور الإلهي لم يحرم الأمم من الحصول على صورة منيرة لقوانين الله الأخلاقية التي تصلح أن تدينهم وتبكت ضمائرهم.
‏كذلك سبق أن استشهدنا بقول للقديس بولس الرسول عل نفس المستوى باعتبار أن الله أظهر معرفته للناس عامة منذ الدهر: «إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ. لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. (رو19:1-20)

واضح، إذن، أن النور يضيء في الظلمة بصورة عامة منذ بدء الخلق، لأن هذا عمل يختص بصميم طبيعة الكلمة بالنسبة للناس، باعتبار أن الإنسان مخلوق مُدرك على صورة الله، والله مدرك كامل, فالعلاقة بينه وبين الكلمة علاقة كيانية، حيث يستمد منه الإنسان كيانه وإحساسه بنفسه عامة، وادراكه الروحي خاصة. لذلك تقول الأية: "حتى إنهم بلا عذر"

يتبع

التعديل الأخير تم بواسطة ميشيل فريد ; 03-03-2017 الساعة 07:03 PM
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة