عرض مشاركة واحدة
قديم 03-03-2017, 08:02 PM   #19
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,434
ذكر
 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482 نقاط التقييم 1231482
ما هي الظمة.
‏عرفنا أن النور الحقيقي هو طبيعة الله و "الكلمة"، ومعلوم أن «الظلمة» بحسب معرفة الإنسان المادية والقياسية هي غياب النور ليس إلا، أي لا توجد ظلمة, ككيان بحد ذاته, ولكن الظمة تصير أحيانا بغياب النور. وهذا المقياس ينطق على المعنى الروحي «للظلمة» بمفهومها الروحي إلى حد كبير. فإذا أخذنا «النور» مأخذاً شخصياً يكون «النور» هو الله من جهة طبيعته. وبالتال تكون «الظلمة» هي الشخص الذي يخلو من طبيعة الله المضيئة والمنيرة (روحياً) خلواً تاماً سواء كان هذا شيطاناً أو إنساناً. وقد عرفنا الإنجيل بكل يقين أن شخص الظمة هو الشيطان. حيث يقدم لنا الإنجيل معرفة الله وكلمته أنه "المحيي" للانسان جسدياً وروحياً، والشيطان أنه "قتال ‏للناس منذ البدء" جسدياً وروحياً، وإن الله وكلمته أمين وصادق في كل ما يقول ويعمل، وأن الشيطان "كذاب وأبو الكذاب" (يو 44:8). ومن ذلك نرى أن الله نور حقاً وأن الشيطان ظلمة بالحقيقة، ويدعوه المسيح «سلطان الظلمة»: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 53:22)، وهي ساعة تزور حكم الموت للمسيح.
‏فإذا عرفنا الظلمة بحد ذاتها خلواً من شخص، أي من جهة طبيعتها وعملها، تكون هي السالبية بكل معانيها وأعمالها:
‏فإن كان النور الحقيقي أي الله هو "المحبة" وهو "الرحمة" والسلام" و"الحق" و"الأمانة"؛ يكون الظلام أو الظلمة هي اللامحبة وكل ما يتفرع منها، البغض والكراهية والحقد والحسد والنميمة والذم والقتل..... إلخ.
وهي اللارحمة وكل ما يتفرع منها، القسوة والنقمة والتعذيب......إلخ.
‏وهي اللاسلام وكل ما يتفرع منه، القلق والضيق والاضطراب والتشويش والخوف .....إلخ
وهي اللآحق وكل ما يتفرع منه، الغش والتزوير والتحريف والكذب....إلخ .
‏وهي اللا أمانة وكل ما يتفرع منها: الخيانة والإختلاس والسرقة...... إلخ .
‏فهذه كلها أعمال«الظلمة» التي تتخذ وجودها ونشاطها من غياب "النور"
‏لذلك عندما يقول القديس يوحنا إن: الله نور وليس فيه ظلمة البتة" (1يو5:1), فهذا يعني خلو طبيعته المنيرة الخيرة من كل السالبية خلواً باتاً.
وعندما يقول إن الحياة الأبدية التي في "الكلمة" "فيه كانت الحياة", وهذه الحياة هي «نور الناس»، فهو يقصد بكل تأكيد أن حياة «الكلمة» في الناس هي مصدر كل الإيجابيات، فهي حضرة نور الله وصفاته داخل النفس البشرية حيث ينمو الحب وتزدهر الرحمة وينشر السلام ويتجذر الحق وتثبت الأمانة. وذلك كله يتم على جهتين:
‏فمن جهة الخالق وكلمته, فإنه يتعهد صورته التي خلق لتبقى على صورة خالقها، ومن جهة الإنسان تنزع الصورة فيه بحسب طبيعتها لتحاكي أصلها وتتعدل عليه.
‏هذا كله بدأ منذ الخلق وسار في طريق الزمن، مرة يعلو ومرة ينخفض، من شعب لشعب ومن إنسان لإنسان، والله يعدل طريقته بحسب اعوجاج الانسان أو استقامته، من إعلان لإعلان، ومن تزكية لتزكية، ليبلح قصده من الخلق يوم خلق. إلى أن "أظهرت الحياة الآبدية", التي في الكلمة, التي كانت عند الأب في صميم جوهرها، وتجسد النور بملء فعله كأخر مرحلة من خطة الله الأزلية، ليأخذ الإنسان صورة خالقه ويدخل معه الحياة في حال التبني.
وقول القديس يوحنا أن "االنور يضىء في الظلمة والظلمة لم تدركه" هو تصوير بديع لحال الإنسان الذي أخفق كثيراً ومراراً في الإمساك بالنور أو التعرف عليه. فأول إخفاق شنيع ومريع كان في انحياز آدم وحواء إلى الظمة وخروجهما من دائرة النور الفعال, ثم على مدى كل الأزمنة القديمة وعلى ستوى الفهماء والحكماء والشعراء والفلاسفة الكبار، أخفق الإنسان أن يمسك بالنور أو يتحول إليه: " لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ. وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى وَ الطُّيُورِ وَ الدَّوَابِّ وَ الزَّحَّافَاتِ." رو 21:1-23)
‏بل ويمعن بولس الرسول في إظهار مدى تسرب النور الإلهي والحكمة الإلهية إلى حكماء العالم قديماً، وخاصة حكماء أثينا، وبالرغم من امتلاكهم "حكمة الله" فإنهم لم يخضعوا لنورها، وبالتال لم يدركوا الله بالحكمة لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة, استحسن الله أن يخص المؤمنبن ‏بجهالة الكرازة (الصليب). (1كو 21:1)
‏وهذا ما يقصده القديس يوحنا في تصويره لمرحلة عمل «الكلمة» في العالم والناس فيما قبل ظهوره في العهد القديم على ألسنة الأنبياء، كـ «كلمة الله» وكنور, عندما اختار له أخصاء من شعب اختاره لنفسه للاعلان عن الله وعن قرب
‏الظمة تتعقب النور: يقول القديس يوحنا أن "النور يضىء" وهذا بحكم طبيعته الإلهية الخيرة، وهو يضىء على الجميع بلا استثناء كما يقول الإنجيل: "يشرق شمسه على الأشرار والصالحين" (مت45:5). ولكن لكي يبين الله عظم صلاحه فإنه يركز عمل نوره عل الظمة والجالسين في الظمة.
ولقد تحدد منذ الدهر بفم أنبياء كثيرين أن المسيح سيكون "نوراً للأمم" بقدر ما سيكون «مجداً لشعبك إسرائيل» (لو32:2). لذلك أصبح من طبيعة النور الخلاصية أنه يعقب الظمة منذ الآزل: «للرب حرب مع عماليق من دور إلى دور» (خر 16:17). وهو يفتش عن الذين له في مسالك الأرض كلها: "الشعب السالك في الظمة أبصر نوراً عظميماً. الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور." (إش 2:9)
‏وتعقب النور للظلمة أنشأ بالتالي ترصداً وتعقباً مضاداً من جهة الظلمة تجاه النور، وذلك ‏بحسب قانون الأفعال والحركات، مادية كانت أو روحية، القائل بأن لكل فعل رد فعل، بمقتض تدبير الله تجاه إبليس المدعو أيضاً «سلطان الظمة»، حينها قال الله للحية التي كانت تنطق بفم إبليس: «وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها، هو يسحق (يرصد) رأسك وأنت تسحقين (ترصدين) عقبه.» (تك 15:3)
‏وقول القديس يوحنا أن «الظلمة لم تدركه» هو وصف دقيق للعجز الذي ظهر به الشيطان في صراعه ضد مصدر النور بطول الزمن وعل مدى الحياة.
فقد لخص سفر الرؤيا معركة المسيح مع إبليس والعالم هكذا: " فَنَظَرْتُ، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ قَوْسٌ، وَقَدْ أُعْطِيَ إِكْلِيلاً، وَخَرَجَ غَالِباً وَلِكَيْ يَغْلِبَ" (رؤ 2:6)
‏وهنا غلبة النور على الظلمة تأتي على مرحلتين: الاولى في الفعل الماضي "َخَرَجَ غَالِباً" والثانية لأفعال قادمة « وَلِكَيْ يَغْلِبَ» .
‏وحرب الظلمة، من اسمها تعرف أنها حرب خداع وتزييف، لها صورة الحرب وهي ليست حرباً، ولها صورة الحق وهي الكذب بعينه.
‏بدأها الشيطان بحديث الحية مع الإنسان وهو في صورة الأضعف «حواء»: «أحقأ قال الله لا تأكلا من "كل" شجر الجنة» (تك 1:3). هذا أول تزييف للحق، فالله لم يقل هذا ولكن هذا مدخل التشكيك.
ثم يبني الشيطان على التشكيك فكرة لها صورة الصدق، وهي الكذب المسموم, والتجربة التي صدقها الإنسان فمات بالفعل: «فقالت المرأة للحية من ثمر شجر الجنة نأكل, وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة لن تموتا...» (تك 2:3-4). فأكل الإنسان ومات. هذه الحرب, حرب الغواية والغش والخدع قائمة بحسب بولس الرسول كما هي حتى اليوم: «ولكني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تُفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح.» (2كو 3:11).
‏ولكن أقوى مواجهة تمت بين النور والظمة على مدى تاريخ الإنسان وعمره كانت مع المسيح: «لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء» (يو 30:14), «من منكم يبكتني على خطية.» (يو46:8 ‏)
‏ولكن الشيطان في استخدام سلطان الظلمة أكثر من حدوده ووثق في أدوات القتل التى يملكها من شهود زور، ورؤساء يبخرون للكذب وحرفية الناموس القاتلة وحناجر الشعب ألجاهل وقاض جبان. وهكذا، فإنه وعلى الصليب رأى بولس الرسول كيف تم القبض على رؤساء الظلمة وكيف فُضحوا وشٌهر بهم: « إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّراً ايَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ اشْهَرَهُمْ (فضحهم) جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيهِ (أى فى الصليب).» (كو 14:2-15)
ومن هذا, ولهذا صار الصليب رعباً للشيطان وسلاحاً ضد كل أعمال الظلمة.
‏فإذا أردنا أن نبلور حرب الظلمة الأولى مع أدم وحواء، فهذه يلخصها لنا القداس الإلهي في مطلعه قائلاً: "والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس... ". أما إذا أردنا أن نبلور حرب ‏الظلمة الكبرى على الصليب، فهذه يلخصها الإنجيل بقوله: " فَأَجَابَهُمْ بِيلاَطُسُ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟». لأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً." (مر 9:15-10)
‏فالحسد, وهو الصفة الاولى لمن فقد النعمة, كان عمل الظلمة تجاه الإنسان لحجز النور عنه ولاطفاء النور ذاته، ولكن قرار الإنجيل الأخير أن الظلمة لم تدرك قصدها!! ولن تدرك!!
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة