عرض مشاركة واحدة
قديم 31-05-2020, 08:29 AM   #4
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
عموماً الإيمان ليس لفظة تُنطق
نتيجة فكرة أو مجرد اعتناق عقيدة أنا مقتنع بها، وليس إقراراً نظرياً بحقيقة باردة. فالله الذي أعرفه – بحسب منطقي أنا – هوَّ إله الكون وإله ألفاظ الكتاب المقدس، هذا إله فلسفي صُنع العقل وحده، فإذا كان هذا الإله الفلسفي إله الكون واللفظ جامد جمود الهندسة والعلوم الأكاديمية وحبيس التعبيرات اللاهوتية الغير مفهومة والتي يتعثر فيها العقل، أو هوَّ حبيس ألفاظ قائم عليها صراع بين مؤيد ومُعارض؛ هذا إله غريب لا أستطيع أن أعرفه إله حي بل سأعرفه عن طريق الناس وصراعاتهم الفلسفية (التي قسمت الكنيسة عبر العصور) وعن طريق معتنقي العقائد التي قد تتضارب مع بعضها البعض في خلافات لا حصر لها ولا اتفاق فيها، لأن الله الحي الحقيقي ينبغي أن يتحرك نحوي وأتحرك نحوه بجذبه الخاص ليُصبح إلهي أنا على المستوى الخاص. لأنه ينبغي أن يحب ويميل نحوي ليتصل بي ولأتصل أنا به، أي يكون لي شركة معهُ بصفته إله حي واختبر حضوره المُحيي.

=====
فالإله العقلي يُصبح الإله الحي إذا خاطبني أنا بشكل شخصي، أي تحدث إليَّ وتحدثت أنا إليه. فالله الحي ليس جامد، وليس هوَّ إله التفلسف أو اللفظ الجامد والصراعات اللاهوتية، بل هوَّ إله إبراهيم الذي يأتي إلى إبراهيم بشخصه ويدعوه دعوه خاصة، هو إله الآباء الذي يكشف لهم نفسه، ويُقيم بينه وبين من يُخاطب حواراً، ويُقيم علاقة حقيقية في واقعه اليومي على المستوى العملي المُعاش.

=====
وبناء على ذلك، فلغة الإنجيل هيَّ لغة حوار بين طرفين، أي بين شخصين، الطرف الأول أو الشخص الأول هوَّ الله صاحب المبادرة، والطرف الثاني صاحب الاستجابة هوَّ الإنسان أي أنا على المستوى الشخصي، وكما يقول القديس تيخون من زادونسك من الناحية الاختبارية العملية: [كلما تقرأ الإنجيل فالمسيح نفسه هوَّ الذي يُكلمك. وبينما أنت تقرأ، أنت تصلي وتتحدث معه].
فأي حوار عموماً يتطلب طرفين وليس طرف واحد، أي شخصين، وحوار الله حوار مُلزم، أي يُعطي ويأخذ: فالله يعطي كلمته للإنسان، ودور الإنسان أن يتجاوب مع كلمة الله المعطاة لهُ؛ ففي لغة الحوار بين الله والإنسان: الله يتكلم والإنسان يسمع أولاً ثم يُجيب، وأيضاً الإنسان يتكلم والله يسمع ويُجيب؟؟ وأي جواب يطلب الله، سوى جواب الإيمان؟ فبدون إيمان لا يُمكن إرضاؤه، بل يستحيل على الإطلاق إرضاؤه (عبرانيين 11: 6)، وأي جواب يطلب الإنسان، إلا استجابة الله لصلاته، وبدون إيمان أيضاً تستحيل استجابة الصلاة مهما كانت حسب قصد الله في نظرنا.

=====
وأبسط معنى للإيمان، هوَّ التصديق، أي تصديق الله بكل بساطة مثل بساطة الأطفال، أي تصديق كلمته كما هي، تصديق مطلق بلا مناقشة أو حوار، أو تفسير أو فلسفة أو تأويل أو تحوير أو حتى تأمل من جهة فكري وتصوري الشخصي عنها، أي ينبغي قبولها وتصديقها كما هيَّ في ذاتها، أي كما قالها الرب بنفسه، فالله يتكلم والإنسان يسمع ويؤمن، أي يُصدق ويثق فيه كالأطفال، فينطق بعد سماع الكلمة قائلاً ببساطة: آمين = "حقاً هكذا يكون" أو "بالحقيقة هذا سيكون فعلاً"، وطبعاً ذلك لأن الله الحق تكلم، ومعنى الله تكلم = فعل، لأن منذ البدء مكتوب: "قال الله.. فكان كذلك" (أنظر سفر التكوين الإصحاح الأول)

=====
ولكن، من الصعب جداً بل ومن المستحيل، أن يقول الإنسان "آمين" أي "حقاً هكذا يكون" ثم يُطيع ويخضع لكلمة الله، بدون إشراق النعمة على القلب، والاستعداد لحضور الله الحقيقي والرغبة الحقيقية في أن تتحقق أقوال الله كما هي فعلياً على أرض الواقع [لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ عَلَى الأَرْضِ كَمَا هِيَ فِي السَّمَاءِ – ترجمة تفسيرية متى 6: 10]، وتصير كلمته ذات مفعول في داخلي، أي تُغيرني على المستوى الشخصي فعلياً، في واقع حياتي اليومية.

=====
فلا بُدَّ من أن يكون هُناك استعداد قائم في قلب الإنسان، الذي هوَّ الاستعداد والرغبة الحقيقية في التغيير الداخلي، أي أن تتغير حياته فعلاً، مهما كانت صالحه أو نافعة في نظره، أي يكون الإنسان أو أنا شخصياً، مشتاق للتغيير والتجديد حسب الصورة التي قصدها الله في المسيح يسوع ربنا، بل ومقتنع تماماً – في داخلي – بحتمية التغيير وضرورته.
=====
وبالطبع الإيمان وحده بكلمة الله هوَّ الذي يُعطي التغيير الحقيقي لحياتنا: فأجاب قائد المئة وقال يا سيد لست مستحقا أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي؛ وامرأة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة وقد أنفقت كل معيشتها للأطباء ولم تقدر أن تُشفى من أحد، جاءت من ورائه ولمست هدب ثوبه لأنها قالت في نفسها إن مسست ثوبه فقط شفيت. ففي "الحال" وقف نزف دمها، فقال يسوع من الذي لمسني وإذ كان الجميع ينكرون قال بطرس والذين معه: يا معلم الجموع يضيقون عليك ويزحمونك وتقول من الذي لمسني، فقال يسوع قد لمسني واحد لأني علمت إن قوة قد خرجت مني (متى 8: 8؛ لوقا 8: 43 – 46، متى 9: 21)

=====
وذلك لأن الإيمان، هو دعوة في الأساس، قائمة على عمل، وهذا العمل عمل إلهي بالدرجة الأولى، وهو عمل قائم على عهد، وهذا العهد قائم على سفك دم، وهذا الدم المسفوك هو دم ابن الله الحي، دم يسوع المسيح، دم العهد الجديد، دم بصخة مقدسة، أُعطى في سرّ تأسيس عشاء مقدس على مائدة سماوية ملوكية خاصة، وهو هو دم الإفخارستيا؛ وهذا الدم هوَّ الذي يُطهر ويغسل، والذي به لنا قدوماً لله ولعرش النعمة لننال عوناً في حينه: فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي؛ ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور، فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل (أي) خطية. (العبرانيين 9: 14؛ 1يوحنا 1: 7)

=====
فالله يدعونا دعوة عهد جديد لا كالعهد الأول الذي يختص بالجسد، لكي لا نعيش بحسب الجسد بل حسب الروح، وهذه الدعوة دعوة لإتباع خطوات الرب يسوع بالإيمان، خطوة بخطوة إلى الجلجثة والقبر ومن ثمَّ القيامة وخبرة الصعود المتواصل معه؛ أي أننا مدعوين بالإيمان، أن نتبع الرب يسوع المسيح ونترك كل شيء ونسير وراءه بإخلاص التلميذ المحب لمعلمة والملتصق والمتحد بل والملتحم به أشد التلاحم كرأسه وإلهه: وفيما يسوع مجتاز من هناك رأى إنساناً جالساً عند مكان الجباية اسمه متى فقال له اتبعني، فقام وتبعه؛ فقال بطرس ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك. (متى 9: 9؛ لوقا 18: 28)

=====
فبحسب واقع إنجيل خلاصنا نحن مدعوين بالإيمان أن نسير في طريق الرب، وما هوَّ طريقه، سوى طريق الآلام والموت، أي طريق الرب طريق الصليب ونهايته القيامة، فلا قيامة بدون موت ولا موت بدون صليب، ولا صليب بدون إيمان، ولا إيمان بدون كلمة الله، ولا إصغاء لكلمة الله بدون استعداد للطاعة: أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا، وأن تصطبغا بالصبغة التي اصطبغ بها أنا، فقالا له نستطيع، فقال لهما يسوع أما الكأس التي أشربها أنا فتشربانها، وبالصبغة التي اصطبغ بها أنا تصطبغان. (مرقس 10 :38 – 39)

=====
عموماً الإيمان بكلمة الله، دون أن نتبع الرب فعلياً، ليس لهُ أي معنى أو قيمة تُذكر؛ فالإيمان لهُ متطلباته، ومتطلبات الإيمان الحي هوَّ سماع صوت الله وحفظ وصاياه التي تحمل قوة تنفيذها فيها، ولأن الإيمان ينشأ بدافع من الحب، أي حب الإنسان لله، فالحب وحده يدفع الإنسان بتلقائية بحفظ وصايا من يُحب: الذي عنده وصاياي ويحفظها، فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأُظهر له ذاتي. (يوحنا 14: 21)
وماذا يعنى حفظ الوصية، غير الطاعة: بالإيمان إبراهيم لما دُعيَّ (من الله) أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدا أن يأخذه ميراثاً، فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي، بالإيمان تغرب في أرض الموعد كأنها غريبة، ساكنا في خيام مع اسحق ويعقوب الوارثين معه لهذا الموعد عينه، لأنه كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله، بالإيمان سارة نفسها أيضاً أخذت قدرة على إنشاء نسل وبعد وقت السن ولدت إذ حسبت الذي وعد صادقا، لذلك ولد أيضا من واحد وذلك من ممات مثل نجوم السماء في الكثرة و كالرمل الذي على شاطئ البحر الذي لا يعد، في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض، فأن الذين يقولون مثل هذا يظهرون إنهم يطلبون وطناً، فلو ذكروا ذلك الذي خرجوا منه لكان لهم فرصة للرجوع، ولكن الآن يبتغون وطناً أفضل أي سماويا، لذلك لا يستحي بهم الله أن يدعى إلههم لأنه أعد لهم مدينة، بالإيمان قدم إبراهيم اسحق وهو مُجرب (test)، قدم الذي قبل المواعيد وحيده، الذي قيل له انه بإسحق يدعى لك نسل، إذ حسب إن الله قادر على الإقامة من الأموات. (عبرانيين 11: 8 – 19)

=====
عموماً، الحياة المسيحية، حياة عمل، بمعنى أنها حياة تنحصر في عمل الإيمان العامل بالمحبة، المحبة التي بدورها تدفع الإنسان لتبعية الرب من كل قلبه، وتبعية الرب تُلزم الإنسان بالطاعة التامة لوصاياه.
=====
إذاً فحياتنا المسيحية على مستوى الفعل والعمل كواقع، لا بُدَّ من أن تمتلئ من حياة الإيمان المدعمة بالطاعة الخالصة، وهذا الإيمان هوَّ الإيمان الحي الذي يجعلنا من خلال كلمة الله أن نتغير، ونندفع وراء الرب المسيح ملك المجد بأتباعه حتى الموت موت الصليب، حاسبين كل الأشياء (مهما ما كانت بل وكل شيء وأي شيء) خسارة ونفاية من أجل فضل معرفته، لأننا لن نستطيع أن نحيا مُجاهدين ضد الخطية حتى الدم، نحيا حياة الغلبة والنصرة، بحياة مقدسة شريفة (حسب إرادة الله) متفقة مع وصاياه الخفيفة والحلوة للنفس التي تحبه، طالما لم نحسب تلك الحسبة (أي حساب كل الأشياء خسارة) نستخدم العالم لكن قلبنا ليس فيه، أي نستخدمه على مستوى الخارج حسب حاجتنا الطبيعية، لكن قلبنا غير متعلق بأي شيء فيه على الإطلاق لذلك لا نحزن على خسارة ولا نفرح بمكسب.
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة