عرض مشاركة واحدة
قديم 20-06-2020, 12:28 PM   #6
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
تابع ثانياً: مفهوم الخطية
άμαρτία = خطية، تعدي
[ثالثاً] الخطية والناموس الإلهي، ومفهوم الخطية في الفكر اليهودي الصحيح
1 - أننا نلاحظ أن إدراك الخطية ومعرفة خطورتها – بالنسبة للعهد القديم والفكر اليهودي الأصيل – متجه بأكثر قوة نحو الناموس الأدبي الأخلاقي أو القانون الإلهي، لأن جوهر الخطية هو انتهاك لناموس الله ووصاياه، لأن إدراك الخطية مستحيل أن يكون بغير ناموس يظهرها ويفضحها ويكشف ظلمتها، لأن بدون الناموس لم تكن هناك معرفة للخطية: لم أعرف الخطية إلا بالناموس، فإنني لم اعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته.[1]
لأن الناموس مرآة النفس الذي يظهر مدى وسخ الإنسان من الداخل ومدى تورطه في الخطية، ومدى عمل الخطية وسلطانها ليحيا في الموت ويقع تحت الدينونة:
+ فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت (سلطان) الخطية. لأني لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده، بل ما ابغضه فإياه أفعل. فان كنت أفعل ما لست أريده فاني أصادق الناموس أنه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة فيَّ. فاني أعلم انه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي شيء صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحُسنى فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أُريده بل الشرّ الذي لست أُريده فإياه أفعل. فأن كنت ما لست أُريده إياه أفعل فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ. إذاً أجد الناموس لي حينما أريد أن أفعل الحُسنى أن الشر حاضر عندي. فإني أُسرّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت.[2]
وبالطبع، بما أن الأمم الذين ليسوا من شعب إسرائيل ولا يعرفون وصايا الله، فهم جميعاً خطاة، لأن ليس معنى أنهم بلا ناموس أصبحوا مبررون لأنهم لا يعلمون ويعرفون وصايا الله، لأن لهم الناموس الطبيعي حسب الضمير الإنساني: لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم[3]؛ فالإنسان على كل وضع ليس له ما يبرر موقفه: لأن أموره (أمور الله) غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر.[4]
==========
2 – فالخطية – في مفهومها الصحيح بالنسبة للعهد القديم – هي فعل إرادي يقوم به الإنسان، بل – بأكثر تحديد – هي موقف الإنسان تجاه الله. والخطية تتمحور حول العهد، فقد دخل الله بمبادرة خاصة منه في علاقة مع البشر، وحدد لهم بنفسه الشروط التي يجب أن ينفذوها حسب الطبيعة المخلوقين عليها. فكانت كلمات الشريعة هي بنود عهده الخاص ويُصاحبها شعائر طقس العهد، ومن رفض العهد هو الذي لم ينفذ شروطه، وهذه تُسمى خطية ضد العهد، وهنا يتم فسخ هذا العهد بين الإنسان والله فيُطرح بعيداً في الموت طبيعياً، لأن عهد الله عهد حياة وبركة وارتباط، وخارج هذا الارتباط يوجد الظلمة والموت طبيعياً، وهذه هي الخطية التي فيها حدد الإنسان موقفه تجاه الله برفضه لعهده الذي أقامه بنفسه مع الإنسان.
==========
وبلا أدنى شك في أن هذا المدلول للخطية يخص بالدرجة الأولى شعب إسرائيل الذي نال العهد والشريعة (وطبعاً الكلام موجه لنا في العهد الجديد أيضاً كما سنوضحه فيما بعد).
إذاً فكل عمل بشري يُعارض أو لا يتوافق مع شريعة الله هو خطية، والألفاظ العبرية التي تدل على هذا العمل تُظهر نشاط الإنسان الخاطئ وخطورة وضعه:
· فالكلمة [חטא] تُترجم في العربية [خطأ أو إثم]، وتُستعمل أيضاً لكي تصف العلاقة بين البشر، وتُستعمل للتعبير عن تعدٍ وإهمال وخيانة تجاه الله (خيانة عهد) وإلى القاعدة السلوكية التي وضعها.
· والكلمة [עון] تُشير إلى الضلال الذي به ينحرف الإنسان عن الطريق المستقيم وسيره في طرق معوجة.
· والكلمة [פשע] تُشير إلى أن الإنسان يترفع ضد الله ويخونه كما يفعل العبد أمام سيده.
وبالإجمال، نستطيع أن نقول إن الخاطي هو الإنسان الذي فشل في علاقته مع الله بإهماله للقواعد السلوكية التي تتفق مع من أقام معه علاقة، فحدث خيانة للعهد، لذلك يقوم باقتراف الشرّ والإثم، أو يفعل ما يحلو لهُ تاركاً نفسه لأهواء الشهوات لتعمل فيه لحساب الموت.
عموماً نقدر أن نقول: الخطية ليست حدثاً يقع مصادفة، وكأن الإنسان صالح بطبيعته وموجه بشرائع مجتمع صالح، وبذلك يكون ضلَّ بدون علم منه أو دراية، ولكن – في الواقع العملي المُعاش – الخطية تولد من "قلبه الشرير": فالفرعون الذي قاوم الله [قسى قلبه[5]] لئلا يخضع لما طلبه موسى ويطلق الشعب ليعبد الله في البرية، وأيضاً نجد هذه القساوة لشعب إسرائيل نفسه في رحلته في البرية وأظهر أنه [شعب قاسي الرقاب]، ونجد قصة الطوفان التي جعلت الله يقول: [لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته].

==========
فالشرّ نجده متوغلاً في التاريخ الإنساني كله ومتعلِّق بكل مجتمع بشري وفي كل فرد من أفراد المجتمع مهما ما كان وضعه أو مقامه أو عمره، فالخطية تنتشر مثل الخمير في العجين كله، وطبيعة فعلها المرّ هو تذوق ثمرها من حزن واكتئاب يُمرر النفس ويجعل الإنسان في حالة موت منفصلاً عن الحياة، يُحاصره القلق ويملأ نفسه باضطراب عظيم وتشويش، أي أنه يعاني من حدث اسمه الانفصال عن الله القائم فيه وعليه وجوده الحقيقي، وهذا نجده عملياً في الحزن الخانق المُصاحب للخطية بعد اقترافها أو تتميمها، الذي يصل أحياناً لحد الكآبة الشديدة، والتي أن استمرت تفقد الإنسان الحس أو توصله لحالة اليأس الكامل المُدمِرّ للنفس، والبعض يصل – في حالات متأخرة – أحياناً لحد الانتحار لأنه فقد كل أمل في إصلاح ذاته، لأن الخطية لا تترك الإنسان إلا حِطاماً مثل النار حينما تشتعل في مكان فهي تستمر وتتغول إلى أن تدمر المكان كله حتى أنه لا يصلح لشيء بعد، ومن المستحيل إصلاحه (بعد ذلك) إلا لو تم بناءه وإعادة تكوينه من جديد، ومن هنا ندرك أن الخطية خاطئة جداً بل وخطيرة للغاية على حياة الإنسان الذي يعيش بها وفيها:
+ الشهوة إذا حبلت تلد خطية، والخطية إذا كملت[6] تنتج (تولِّد أو تُنشئ[7]) موتاً.[8]

==========
[1] (رومية 7: 7)
[2] (رومية 7: 14 – 24)
[3] (رومية 2: 14)
[4] (رومية 1: 20)
[5] طبعاً فرعون كان قلبه قاسي والله ختم على هذه القساوة وتركه لقساوته، لأن الله لا يقسي قلب أحد لكنه يوثق الحقيقة كما هي في واقعها، لأن لو هناك أمل (ولو ضئيل) في توبة فرعون، ما كان تركه الله أبداً في قساوة وعناد قلبه الشرير.
[6] أصبح لها وجود فعلي وشكل أو هيئة
[7] والموت الذي تنشئه الخطية يبدأ بالحزن والألم النفسي العميق لأن أعماق النفس مسها موت الخطية، ولا حل غير موت النفس وخلقها من جديد لتعود لبساطة طفولتها البريئة، فالخطية مدمرة لحياة الإنسان لأنها مثل الجراد الذي يهجم على الحقول الخضراء لا يتركها إلا وقد جردها من كل ما هو أخضر فتتكبد خسارة فادحة.
[8] (يعقوب 1: 15)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة