عرض مشاركة واحدة
قديم 23-03-2017, 08:39 PM   #65
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,377
ذكر
 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900 نقاط التقييم 1216900
32- وَشَهِدَ يُوحَنَّا: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ.
33- وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لِأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ.

‏الأية الاولى على لسان الرسول القديس يوحنا وقد سمعها بأذنيه منه رأساً، لذلك أوردها هنا في البداية تأكيداً لما سيرويه عن لسان المعمدان نفسه. وفي شهادة الرسول يتذكر أنه وصف الروح القدس الذي نزل من السماء واستقر عليه بأنه كان «مثل حمامة»، وهذا هو التقليد الرسولي كما وصفه الإنجيليون الثلاثة.
‏والذي يلفت أنظارنا هو قول المعمدان: «إني قد رأيت الروح». هنا كلمة «الرؤيا» تأتي بمعنى المشاهدة فوة العادة أي الرؤيا الإيمانية. هنا وهنا فقط تكمن القدرة السرية الموهوبة للمعمدان مسبقاً منذ أن كان في بطن أمه لكشف سر المسيح! وحضور الروح القدس هنا هو الحضرة الإلهية التي من خلاها وهب للمعمدان الرؤية الإيمانية التي بها اكتشف سر المسيح ابن الله. فكانت نعمة «رؤية» الروح هي التي أوصلته لنعمة رؤية المسيح والإيمان أنه هو ‏المسيا ابن الله.
‏ويخطىء من يعتبر حلول الروح القدس هو حلول أقنومي أو أن المسيح امتلأ بالروح وقتئذ. فالمسيح هو الكلمة المتجسد ابن الله قبل أن يعتمد كما هو بعد أن اعتمد، واحد مع الأب والروح القدس بالإتحاد، جوهر واحد للآب والابن والروح القدس.
‏علماً بأن كلمة: «ومستقراًعليه» هي جزء من العلامة أو جزء آخر من الدليل، لكي يتأكد به المعمدان أن من تستقر عليه الحمامة تماماً هو هو يكون.
‏كذلك لا يقول اللاهوت إن المسيح صار مسيحاً بعد العماد، بل هو المسيح يوم أن حبل به في البطن، فهو ممسوح من الله ملكاً للدهور كلها ورئيس كهنة الخيرات العتيدة لحظة أن قبل الإرسالية، لحظة آن أخلى ذاته ليأخذ شكل العبد ويصير في الهيئة كإنسان وهو الله.
‏أي أن المسحة التي أخذها على الاردن هي مسحة بدء الخدمة كإشارة من الروح فقط وليست للملء أو الإرسالية، فالإرسالية تمت قبل التجسد، والملء فيه لحظة حبل به في البطن حين قدسه الله وأرسله إل العالم. وللتأكيد نعود فنقول إن الحلول والملء والتقديس والمسح هذه كلها تمت بالتجسد وليس بالعماد. والعماد اظهرها وأعلنها وأطلقها للعمل.
فالذي تم على الاردن هو عملية التكريس العلني التي هي بمثابة استقلان بدء حياة المسيح المخصصة للصليب؛ انتقل بعدها المسيح من الحياة العادية التي كان يظهر فيها كأنه إنسان عادي, نجار الناصرة, إلى حياة الصليب العلنية حيث يظهر فيها لاهوته بانفتاح السماء وإعلان الآب عن حقيقته المخفية أنه ابنه الحبيب. والروح القدس النازل عليه للتعيين والإشارة كشفت في الحال للمعمدان, بالعين الإيمانية, أنه ابن الله المملوء من الروح القدس والمزمع أن يعمد بالروح القدس.
‏فهذه المسحة التي تمت بصوت الأب من السماء وحضور الروح القدس والمعمدان كشاهد، كانت هي بدء الإرسالية العملية بصورتها العلنية وبشهادة الشهود في السماء والأرض، لم يأخذ المسيح فيها مؤهلات جديدة للخدمة فهو الكامل وملء الذي يملأ الكل. ولكن هذه المسحة استعلنت علنا بنوته للآب واحتيازه ملء حب الآب وملء الروح القدس, فهي كانت لحظة تنصيب للخدمة وليست إعداداً أو تكميلاً. وهذه اللحظة عينها قال عنها المسيح بعدئذ «من أجلهم أنا أقدس ذاتي». و يلاحظ أنه لم يقل «أقدس جسد»، فالجسد مقدس باتحاد اللاهوت، منذ كان في البطن، تقديساً كلياً وكاملاً لا يحتاج قط إلى تكميل أو تقديس أخر في المعمودية، وإلا أصبنا حقيقة إتحاد اللاهوت بالناسوت إصابة خطرة وبليغة, ولكن قوله هو: «اقدس ذاتي» وتفيد «أقدس ذاتي بإرادتي», بمعنى أكرس حياتي منذ لحظة المسحة للارسالية تكريساً كلياً لحساب الفداء وذبيحة الصليب التي فيها وبها وحدها نتقدس نحن.
‏من هذا يتضح قوله: «من أجلهم أنا أقدس ذاتي»، أي من أجلهم أخصص حياتي للموت عنهم، ولا تفيد أبداً أنه لم يكن مقدساً قبل أن يحصر حياته العملية في خدمة الصليب وحده، بل كان مقساً بل قدوساً من البطن: «فأجاب الملاك وقال لها الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله» (لو35:1). هذه شهادة الملاك من السماء. لذلك فحياته كلها كانت مقدسة وهو وُلد لحساب الصليب.
‏ولكننا نعلم من الإنجيل أنه مارس حياته العملية ثلاثين سنة وكان نجاراً في الناصرة، ولكن بعد لحظة المسحة أي التكريس للخدمة في الأردن انحصرت حياته في الصليب. هذا هو بدء «من ‏اجلهم أقدس ذاتي»، وفيها استعلن لاهوته وبنوته للآب، وبالتالي وبالضرورة استعلن ملؤه من الروح القدس لما حل عليه الروح القدس، مشيراً إليه، فكانت مسحة استعلان، فظهر للناس, وخاصة للتلاميذ في هذا الملء، فهو لم يمتلىء من الروح القدس في الاردن بل بالحري استعلن ملؤه من الروح القاص كما استعلنت بنوته للأب تماماً وبالتساوي. فالابن له الروح القدس خاصة ‏كالآب؛ وهو لا بأخذه ‏بل يعطيه.
‏نفهم من هذا أن قول القديس لوقا في إنجيله: «أما يسوع فرجع من الاردن ممتلئاً من الروح القدس» أنه رجع من الاردن وقد استعلن ملؤه من الروح القدس . لأننا بالمثل لا نستطيع أن نقول أنه رجع من الاردن وهو ابن الله كأنه أخذ البنوة الإلهية في العماد؛ فكما أن المسيح كان ابن الله قبل العماد وبعد العماد، هكذا يتحتم أنه كان ممتلئاً من الروح القدس قبل العماد وبعد العماد. ولا يجوز لاهوتيأ أن يقال أن المسيح امتلأ من الروح القدس مرتين كبطرس أو بولس.
‏والمعمدان دائماً يكرر «وأنا لم أكن أعرفه» ولكن ليس المعمدان وحسب، بل إن المسيح فعلاً كان مخفياً عن أقرب المقربين إليه: «لأن إخوته أيضاً لم يكونوا يؤمنون به» (يو5:7). فالمسيح باعتباره المسيا الأتي, ابن الله، عُرف لحظة حلول الروح القدس عليه من السماء كإشارة عليا ونداء الصوت من المجد الآسنى: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (مت17:3). فهذه لحظة دخوله إلى العالم مخلصاً وفادياً، لحظة الخدمة التي بدأت بالعد التنازلي حتى نقطة الصفرحينما قال: «قد أكمل» ‏(يو30:19‏)، وأسلم الروح على الصليب!
‏ومرة أخرى يتضح لنا دور المعمدان الرئيسي في استقلان شخص المسيا يسوع المسيح ابن الله، وهذا هو محور الأصحاح الأول في إنجيل القديس يوحنا بل وفي الإنجيل كله. فمن الخطأ الظن أنه بحسب إنجيل القديس يوحنا كان للمعمدان دور ما في الخلاص أو في ملكوت الله، لأن هذا كله هو عمل المسيح وحده. كذلك نفهم أن المعمدان أخذ وعداً إلهياً مباشراً مُسبقاً من مصدر لم يصح به، ولكنه هو هو الله وليس آخر وهو الآب الذي يشهد دائماً للابن، أن في أثناء التعميد فإن الذي يرى الروح نازلاً ومستقراً عليه يكون هو المسيا الآتي: «الذي سيعمد بالروح القدس».
ولم يشير المعمدان إلى أن المسيح أخذ الروح القدس، ولا المسيح نفسه أشار إلى مثل هذا.
‏ومرة أخرى نصحح ما جاء في شرح كثير من كتب الشرح ، فإن عماد المسيح واستقرار الروح القدس عليه بهيئة حمامة لم يكن أبداً لتأهيل المسيح للتعميد بالروح القدس أو لنوال الروح القدس أصلاً، وإنما كان لاستعلان المسيح وإظهاره لإسرائيل.
‏بل ويقول ذهبي الفم إن المعمدان نفسه لم يكن في حاجة شخصية للتعميد أكثر من أنه بواسطة الإغتسال يُعد الآخرين للايمان بالمسيح: [هو(المعمدان) لم يكن، إذن، بحاجة إلى المعمودية (بالماء)، ولا هذا الإغتسال كان له هدف أكثر من أن يعد الآخرين جميعاً لطريق للايمان بالمسيح، لأن المعمدان لم يقل, بالنسبة للعماد, «حتى لكي أُظهر الذين يعتمدون» أو «حتى لكي أخلصهم من خطاياهم»، ولكن قال «لكي أظهره لإسرائيل».]
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة