الموضوع: الله والعنف
عرض مشاركة واحدة
قديم 26-05-2019, 01:12 PM   #23
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 806
ذكر
 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021 نقاط التقييم 12002021
اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اوريجانوس المصري مشاهدة المشاركة
تمام ولكن لو كان التحريم غير دائم
مثل أكل الخنازير او زواج من محارم

أستاذنا الحبيب: ليس هناك تحريم دائم وتحريم مؤقت. هذا معناه أن الشريعة تتغير وهذا شرحناه بالفعل (في تشبيه القمر على سبيل المثال). الذي يتغير، مرة أخرى، هو الإنسان نفسه، وهو ما يُستعلن بالتالي لهذا الإنسان ـ حسب وعيه في كل مرحلة ـ من كمالات الشريعة، وهو ما تحقق بتمامه آخيرا مع السيد المسيح!

مسألة الخنزير والحيوانات النجسة عموما على سبيل المثال: هل تسمح المسيحية ـ بناء على هذا التفكير ـ بأكل الحيونات النجسة، أو التي كانت في القديم نجسة؟ حاشا! بل بالأحرى تعيد المسيحية تعريف النجاسة ذاته وترفع في المقابل مفهوم الطهارة إلى أعظم معانيه وأسماها. السيد المسيح لم يلتفت إلى الحيونات أيّها نأكل وأيّها لا نأكل وإنما اشتبك مباشرة مع الإنسان نفسه ومع عقله وقلبه وروحه! هذا في الحقيقة هو هدف المسيح دائما بل غاية تجسده: الإنسـان! لذلك في وصية أخرى يبدو أنه خالفها أيضا ـ وصية السبت ـ قال بوضوح كلمته الخالدة: السبت إنما جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت!

المسيح إذاً ـ وهو صاحب الشريعة ـ يكشف هنا أخيرا عن أعمق المبادئ وأروعها على الإطلاق: وهو ببساطة أن الإنسان أهم من الشريعة، بل الإنسان ـ منذ البدء ـ هدف الشريعة!

ولأن الأمر أكبر حقا من مسألة السبت، وتأكيدا لحقيقة أن الإنسان هو الغاية والشريعة هي الوسيلة ـ لا العكس كما يقول الفريسيون في كل زمان ومكان ـ راح له المجد يُذكّرهم بما فعله داود ولم يكن يحل له حسب الشريعة: فقال لهم: «أما قرأتم قط ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه؟ كيف دخل بيت الله في أيام أبيأثار رئيس الكهنة وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلا للكهنة، وأعطى الذين كانوا معه أيضا». (مر 25:2)


بهذا الفهم إذاً ـ وبهذه المركزية للإنسان لا للشريعة ـ نقول إن المسيح لم يلتفت إلى أيّ الحيونات نأكل وأيّها لا نأكل وإنما اشتبك مباشرة مع الإنسان نفسه ومع عقله وقلبه وروحه. وهكذا راح له المجد يعلمهم ويعلمنا جميعا ما الطهارة حقا وما النجاسة:
اتركوهم. هم عميان قادة عميان. وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة. فأجاب بطرس وقال له: فسر لنا هذا المثل. فقال يسوع: هل أنتم أيضا حتى الآن غير فاهمين؟ ألا تفهمون بعد أن كل ما يدخل الفم يمضي إلى الجوف ويندفع إلى المخرج؟ وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر، وذاك ينجس الإنسان... لأنه من الداخل، من قلوب الناس، تخرج الأفكار الشريرة: زنى، فسق، قتل، سرقة، طمع، خبث، مكر، عهارة، عين شريرة، تجديف، كبرياء، جهل. جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان. (مت 15، مر 7)
المسيحية إذاً لا تبيح ما كان محرّما أو تجيز ما كان نجسا، المسيحية بالأحرى تعيد بناء العقل الإنساني نفسه وتعيد تشكيل مفاهيمه كلها وأفكاره ووجدانه بما يتناسب مع "الإنسان الجديد" ويرفعنا حقا إلى السماء وإلى أمجاد "بنـوة" القدوس ذاته!

وعليه فالنجس دائما محرّم أستاذنا الحبيب ـ دائما لا مؤقتا. الفرق هو فقط قدرتنا نحن في كل مرحلة على فهم ماهية النجاسة وماهية الطهارة في المقابل، كذلك قدرتنا اليوم ـ في المسيح ـ على استيعاب أن القديم كله بالأحرى رمـز ظهر أخيرا في الجديد مرموزه، كله ظـل أشرقت في الجديد حقائقه!


خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة