فمن السهل أن يبدأ إنسان علاقة مع الله. ولكن هل يستطيع أن يستمر أم لا؟!
إن الغلاطيين بدأوا بالروح ولكنهم لم يستمروا، فكلموا بالجسد (عل 3: 3) وديماس خدم مع بولس الرسول، ولم يستمر، وتركه لأنه أحب العالم الحاضر (2تى 4: 10).
ما أسهل أن يحيا الإنسان في حياة المحبة لفترة معينة
لكن المهم أن يستمر، لأن الرب قال لملاك كنيسة أفسس (عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى) (رؤ 2: 4) ولذلك قال الرب (أثبتوا في محبتي)
البدء سهل، ولكن القوة في الاستمرار. قال مار اسحق: كل تدريب لا تثبيت فيه، يكون بلا ثمر.
إن الشيطان إذا وجدك قد بدأت في عمل روحي، يبذل كل جهده لكي يمنعك عنه فلا تستمر فيه. ولذلك فإن عنصر الاستمرار في العمل الروحي، يحتاج منك إلى جدية وإرادة وعزيمة قوية وضبط نفس..
والاستمرار يدل على صدق الرغبة في الحياة مع الله. كما أنه يعطى الخبرة الروحية
ذلك لأن الإنسان كلما استمر في فضيلة معينة، فإنه يدرك بالوقت أبعادها وحروبها والمعطلات التي تقف أمامها، وكيفية الانتصار على كل ذلك. وبهذا تكون له خبرة بالطريق الروحي، ودراية بحروب الشياطين فيه.
ومن أجل هذا الاستمرار، قال الرب (من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص) ذلك لأن البدايات الطيبة ليست كل شيء، فقوتها إنها تستمر حتى المنتهى، حتى الموت.
لذلك قال الرسول (أنظروا إلى نهاية سيرتهم، وتمثلوا بإيمانهم، (عب 13) فعظمة هؤلاء القديسين إنهم استمروا في الأمانة للرب إلى نهاية سيرتهم.
إن بدأت في عمل روحي، ووجدت إنك لم تستمر فيه، ابحث عن السبب وعالجه. ربما تكون قد بدأت بمستوى فوق طاقتك. لذلك قال القديسون (عمل قليل مستمر، خير من عمل كبير ينقطع بعد حين).
لا تقل إذا أخطأت: ماذا أفعل، طبيعتي شريرة! فطبيعتك ليست شريرة. إنما الشر دخيل عليها.
لقد خلق الله الإنسان طاهرًا بسيطًا، حتى أن آدم وحواء كانا عريانين في الجنة، وهما لا يعرفان (تك 2) ثم سقط آدم وحواء بغواية الحية، وليس بفساد الطبيعة. وعرف الإنسان الشر. وبقى الشر دخيلًا عليه، لأنه لم يكن من طبيعته الأصلية.
ثم قدس المسيح طبيعتنا، حينما اتحد بها في بطن العذراء. وتجددت هذه الطبيعة في المعمودية باستحقاقات الدم الكريم.
وصرنا أعضاء في جسد المسيح، أي الكنيسة. وصرنا مسكنًا للروح القدس بسر المسحة المقدسة. ونلنا مواهب العهد الجديد التي لم تكن من قبل. وبقى الشر دخيلًا علينا.
حقا، ما أجمل قول الأب الكاهن في القداس الغريغورى:
(و باركت طبيعتى فيك) إذن صارت طبيعة مباركة.
حقا، إنها ما زالت طبيعة قابلة للميل، بحكم حرية الإرادة . ولكن هذا الميل ليس فرضًا عليها، وليس السقوط جزءًا من طبعه. ويمكن توجيه الإرادة إلى الخير.
وبهذه الطبيعة البشرية، استطاع آباؤنا القديسون أن يصلوا إلى درجات عُليا في محبة الله، بنفس طبيعتنا..
ويمكن في ذلك قراءة سير الآباء الرهبان والمتوحدين، وسير الآباء السواح، وسير الشهداء والمعترفين وأبطال الإيمان، وقصص الأبرار في كل جيل، بتوليين ومتزوجين..
حتى الذين انحرفوا وسقطوا، ساعدتهم نفس الطبيعة على التوبة، والنمو إلى درجات عالية في حياة القداسة.
هؤلاء التائبون نفضوا الشر الذي كان دخيلًا على طبيعتهم، وعادوا إلى النقاوة التي خلقهم الله بها منذ البدء، بل عادوا إلى القداسة التي يريدها الرب لهم. إن الخطية قد تفسد طبيعتك. وتوالى السقوط قد يجعل الخطيئة طبعًا لك، وليس طبيعة.. ولكن يبقى كل هذا دخيلًا على الصورة التي خلقك الله بها وأعادك إليها.