منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية الاسئلة و الاجوبة المسيحية

إضافة رد

الموضوع: الله والعنف

أدوات الموضوع
قديم 05-04-2019, 12:10 PM   #1
اوريجانوس المصري
عابر سبيل
 
الصورة الرمزية اوريجانوس المصري
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
الدولة: عائدٌ من القبر
المشاركات: 7,770
ذكر
مواضيع المدونة: 7
 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336
Icons51

الله والعنف


القسوة والعنف في العهد القديم
وتظهر خلال الشريعة من عقاب الرجم وقتل من مس التابوت والاباده الجماعية وموت الأطفال

هل يمكن اعتبار ان الشريعه كانت من موسي لتنظيم حياه الشعب
وليس املاء من الله لموسي (اي ان الله هو مصدرها )
اوريجانوس المصري غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 08-04-2019, 10:01 PM   #2
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 748
ذكر
 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024

القضية ليست فقط في القسوة والعنف، في هذا الإصحاح أو ذاك، وإلا استطاع أخوتنا في اللاهوت الدفاعي مثلا أن يردوا على هذا الأمر. ما يجعل هذه القضية القديمة مفتوحة دائما، تؤرقك هكذا منذ فترة كما أرقت الكثيرين بل حتى أعثرتهم، هو أن شخصية الإله نفسه في العهد القديم ليست هي أصلا ـ بل حتى لا تشبه ـ شخصيته في العهد الجديد! كيف يكون حقا هذا المُحب الوديع المتواضع القلب هو نفسه ذلك الجبار المنتقم ذو سخط رب الجنود؟

لكن هذه ليست معضلة حقا بل تفسيرها بسيط. إن نور الشمس شفاف أبيض، ولكن إذا كان زجاج نافذتك مثلا أزرق، ستضيء الغرفة كلها بلون أزرق. الآن: هل الشمس هي التي أضاءت الغرفة؟ نعم، بالتأكيد. ولكن أيضا لا، لأن ضوء الشمس ليس أزرق. الصواب بالتالي هو أن نميـّز أولا بين الضوء ولونه. هو أن نقول إن النور جاء من الشمس، نعم، ولكن النور اصطبغ بالأزرق ـ أو بغيره ـ حسب لون النافذة!

كذلك: الشريعة والوحي كله من الله، نعم، لكنه ظهــر عنيفا أو رفيقا، وديعا أو غضوبا، قاسيا أو رحوما، حسب قلوب البشر التي تتلقاه!

الله بالتالي ـ الذي يستحيل ابتداء إداركه في ذاته ـ ظهر وديعا في العهد الجديد كما ظهر هو نفسه جبارا في العهد القديم! إنه سبحانه في ذاته لا هذا ولا ذاك، بل لا يمكن لعقولنا أبدا حتى أن تتخيل كنهه! نوره هو حقا ما يملأ الغرفة، نعم، لكن لونه هو ما تضيفه ـ بالضرورة ـ نوافذ قلوبنا وإدراكنا ووعينا على هذا النور!


لذلك فإن مفتاح الشريعة والعهد القديم كله نجده في كلمة واحدة، في عبارة السيد له المجد حول مسألة الطلاق عندما قال: من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية!

إن قسوة البشر هي ما فرضت قسوة الشريعة، بل قسوة التاريخ وقسوة الحروب وقسوة العالم كله وحتى قسوة الله نفسه!

ولكن لا يعني هذا أن الله ذاته كان حقا قاسيا ثم صار رحيما. إن الله لا يتغير، أو حتى يغير شريعته، إنما نحن الذين نتغير! نحن الذين تتبدل نوافذنا، وعينا وقلوبنا، من ثم يبدو ـ بل يظهر حتى في كتابنا ـ كما لو أن نور الشمس الواحد يتبدل أيضا ويتغير!

أرجو أن تكون الصورة قد اتضحت ولو قليلا.


خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09-04-2019, 06:48 PM   #3
اوريجانوس المصري
عابر سبيل
 
الصورة الرمزية اوريجانوس المصري
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
الدولة: عائدٌ من القبر
المشاركات: 7,770
ذكر
مواضيع المدونة: 7
 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336
تمام
إذن كيف دخلت القسوة الشريعة وهي وحي
اوريجانوس المصري غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09-04-2019, 09:16 PM   #4
My Rock
خدام الكل
 
الصورة الرمزية My Rock
 
تاريخ التسجيل: Mar 2005
الدولة: منقوش على كفيه
المشاركات: 26,698
ذكر
مواضيع المدونة: 16
 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412
أخي الحبيب

من المهم ان نفهم قداسة الله و قسواة الخطية وتعديها على الله القدوس. الكتاب المقدس يعلمنا ان أجرة الخطيئة هي موت. الرب عادل ويعاقب الحاطئ، فكلما ازدات الخطيئة كلما ازداد عقابها.
ما تسميه بالقسوة هو نتيجة الخطيئة التي هي ضد طبيعة ومشيئة الله.

My Rock غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09-04-2019, 11:00 PM   #5
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 748
ذكر
 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024
اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اوريجانوس المصري مشاهدة المشاركة
تمام
إذن كيف دخلت القسوة الشريعة وهي وحي

من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية!

هذا أجبناه بالفعل. ماذا كشفت لنا عبارة السيد المسيح؟ كشفت باختصار عن "حالة القلب" الذي كانت تخاطبه الشريعة. لذلك قلنا إن هذه العبارة هي مفتاح الفهم. ما هي حالة القلب في تلك اللحظة التاريخية؟ إنها القسوة! كل قسوة بالتالي تجدها في الشريعة ـ عموما ـ هي انعكاس لهذه القسوة التي كانت القلوب عليها.

الرجم على سبيل المثال ـ الذي تراه أنت اليوم قاسيا ـ كان بالعكس من أرحم أنواع الإعدام إذا وضعناه في سياقه التاريخي! إذا قرأت التاريخ وعرفت أنواع الإعدام المختلفة وكيف "تفنن" الإنسان حقا بل أبدع في اختراع وسائل للتعذيب الذي يفضي إلى الموت لعرفت معنى "قساوة قلوبكم" التي كان المسيح يشير إليها. لا أريد أن آتيك هنا بأمثلة حتى لا أفسد عليك ليلتك، ولكن يكفي أن أخبرك مثلا أن سلخ الضحية حيا ـ السلخ نفسه ليس الرجم ـ كان أرحم ما يزال من وسائل أخرى عديدة للإعدام اخترعها الإنسان ومارسها، بل استمر يمارس بعضها حتى إلى القرن التاسع عشر!


اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اوريجانوس المصري مشاهدة المشاركة
............. وهي وحي

يا أستاذنا الحبيب كله وحي. هذه النقطة دقيقة جدا لكنها مهمة جدا فحاول معي فضلا مرة أخرى: لو كان إسرائيل يتكلم اللعة الصينية مثلا لجاء الوحي بالتالي صينيا. هل معنى هذا أن الله ذاته يتحدث الصينية تحديدا؟ لو كان إسرائيل بالعكس يتكلم الفرنسية لجاء الوحي فرنسيا. هل معنى هذا أن لغة الله نفسه هي الفرنسية؟

لا هذا ولا ذاك. نقول بالأحرى إن اللغة الصينية التي ظهر الوحي الإلهي بها ليست لغة الله ذاته، ولكنه رغم ذلك ظهر بها لأنها لغة الإنسان الذي يخاطبه هذا الوحي.

اقرأ هذه العبارة التي بالأزرق جيدا. هذا مثال مبسط جدا. الآن سنقوم بتوسعة هذا المثال وتطويره قليلا: فقط استبدل كلمة "لغة" بكلمة "ثقافة". الفرق بينهما ليس كبيرا فـ«اللغة وعاء الثقافة» كما هو معروف. نحن نفكر حتى عبر اللغة! تصير عبارتنا بالتالي هكذا:
إن الثقافة الصينية التي ظهر الوحي الإلهي بها ليست ثقافة الله ذاته، ولكنه رغم ذلك ظهر بها لأنها ثقافة الإنسان الذي يخاطبه هذا الوحي.
هل اتضح المقصود؟ إن القسوة والغضب والانتقام والعقوبة والرجم إلخ: كل هذه ثقافة وتعبير عن ثقافة. لكنها ليست ثقافة الله ذاته، سبحانه، وإنما ثقافة الإنسان الذي كان يخاطبه الوحي!

* * *

الشريعة والوحي كله إذأً من الله، نعم، وهذا ما شبّهناه في رسالتنا السابقة بنور الشمس الشفاف الأبيض. لكن القسوة، أو حتى الرحمة، وبالجملة كل ما هو بشري ـ ثقافي، وجداني، عقلي ـ هذا هو لون نوافذنا، اللون الذي أضافته بشريتنا نحن بالضرورة إلى هذا الوحي!

وأقول "بالضرورة"! لماذا؟ لأنه لابد أن يتلون الوحي الإلهي ببشريتنا. هذه حتمية. كما أوضحنا: إذا كان المتلقي صينيا، لابد عندئذ أن يكون الوحي صينيا، وإلا ما فهمه أحد! بالمثل: إذا كان المتلقي قاسي القلب جهولا عنيدا، ما أسهل أن يتحول إلى عبادة أوثان وعجول مثلا، لابد بالتالي حتما أن تكون الشريعة عندئذ بدورها قاسية، وإلا عجزت عن أي دور تشريعي أو حتى تنظيمي في هذه "الثقافة". بل لابد أن يكون الإله نفسه عندئذ هو حقا هذا السيد الجبار المهيب رب الجنود، وإلا ما عبده أحد أو عرفه أحد أو حتى اهتم بالأمر!


ولكن ـ وهنا يجب فضلا الانتباه ـ هذا لا يعني أن الوحي نفسه في ذاته وحي قاس، أو أن القسوة هي مقصود الله وإرادته منذ البدء، أو أن الله ذاته ـ سبحانه تنزه وتعالى عن كل أفكارنا ـ هو حقا هذا الجبار المخيف الغضوب، بالمعنى البشري للكلمة!

الوحي ـ بعبارة أخرى ـ هو نور الله الشفاف الذي لا لون له، لا لغة له، لا ثقافة له، لا حدود له، وحي القدوس سبحانه كلمته الذي لا تحيط به أبدا عقولنا. هذا الوحي ـ في حالته "الإلهية" هذه إذا جاز التعبير ـ فوق الأفهام جميعا، لا يمكن استيعابه أبدا أو إدراكه، على الأقل ليس بعقولنا. من ثم لكي يستوعب العقل هذا الوحي لابد من ترجمته أولا، النزول به إلى لغة بشرية أولا، وضعه في وعاء ثقافة إنسانية أولا، وهكذا يتلون هذا الوحي الباهر الشفاف أخيرا، يصطبغ بـ"ألوان البشر" الذين يخاطبهم، "يتحدد" بحدودهم! يصير من ثم عبريا أو يونانيا.. يصير رحبا أو ضيقا.. يصير قاسيا أو رحوما.. يصير باختصار "إنسانيا" ـ رغم إنه ما يزال بالقطع وحيا إلهيا لا شك في ذلك!

(ولأنه الإلهي اللا محدود لم يزل، فقط "يبدو" محدودا، لا تنتهي قراءة هذا "الكتاب المقدس" أبدا ولا تنتهي أبدا معانيه وأنواره وأسراره)!

* * *

اقرأ فضلا رسالتيّ مرة أخرى. لدينا في الحقيقة 3 مستويات هنا من الفهم أو من التفسير وأنا أصر حتى الآن على مخاطبتك من المستوى الثالث والأعمق حتى أحسم معك تماما هذه القضية. أخبرني فقط هل أدركت المقصود حتى الآن أم ما يزال غامضا. سأعود إن شاء الله في كل حال برسالة ختامية أشرح فيها باختصار هذه المستويات الثلاثة من التفسير حتى يكتمل بنعمة الرب فهمنا تماما.

خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 09-04-2019, 11:03 PM   #6
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 748
ذكر
 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024
اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة My Rock مشاهدة المشاركة
......................
ما تسميه بالقسوة هو نتيجة الخطيئة التي هي ضد طبيعة ومشيئة الله.

بالضبط. القسوة بالتالي ـ حتى بالوحي ـ مصدرها الإنسان ليس الله. هذا بالضبط ما أرمي إليه. فقط أحاول هذه المرة أن نحقق وعيا أشمل بالكتاب وبهذه القضية المزمنة حول القسوة والعنف عموما في العهد القديم، لعلنا بنعمة الرب ننتهي منها أخيرا وننتقل من ثم لما هو أهم وأروع وأجمل!

أهلا أستاذنا الحبيب، أسعدتني مشاركتك.

خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 10-04-2019, 05:52 AM   #7
My Rock
خدام الكل
 
الصورة الرمزية My Rock
 
تاريخ التسجيل: Mar 2005
الدولة: منقوش على كفيه
المشاركات: 26,698
ذكر
مواضيع المدونة: 16
 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412 نقاط التقييم 17579412
آمين. اشكرك اخي الحبيب من أجل محبتك. الرب يحفظك ويديم المحبة بيننا.
My Rock غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 10-04-2019, 11:25 PM   #8
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 748
ذكر
 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024


فاجأني الليلة أنك تركت الأمر كله فجأة وشرعت في سؤال جديد! أتمنى بالتالي ألا أكون قد أثقلت عليك، فالمعنى الذي كنت أقصد ربما يكون بالفعل صعبا. من ناحية أخرى: كتبت بالفعل هذا الصباح "جزءا" من الخريطة التي أخبرتك عنها وكنت أنوي إرسالها في الختام، وهي الخريطة أو الخلاصة التي أعتقد ألا بد منها حتى يتضح المقصود وتتبين ما هي منطلقاتي خلف كل ما كنت أقول. الآن وقد تركتَ الأمر هكذا، لا داعي بالتالي لكتابة المزيد، ولكني سأرسل على الأقل هذا الجزء المكتوب بالفعل وهو ـ نشكر الرب ـ الجزء الأهم، حول هذا "المستوى الثالث" الذي كنت أشير إليه.

__________________________

...................


المستوى الثالث


في هذا المستوى نقول بالأحرى إن الكتاب المقدس هو ترجمة بشرية ـ ثقافية واجتماعية وتاريخية ـ لأفكار إلهية لا حدود لسموها ولا انتهاء لمعانيها! الكتاب المقدس كله ـ وإن كتبه «أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس» ـ ما يزال يعكس "فكر الله" ومن ثم ما يزال دونه عقل الإنسان وغاية فهمه ومنتهى حكمته، لأن «أفكاري ليست أفكاركم، ولا طرقكم طرقي، يقول الرب. لأنه كما علت السماوات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم».

وهنا بالتالي ـ من الناحية اللاهوتية ـ نتجاوز حتى ما قاله مار إسحق السرياني! (في المستوى الثاني). لقد نفينا صفات "الأنسنة" عن الله كالغضب والغيرة وغيرها، أما هنا فنصل إلى كمال التجريد له سبحانه وننفي عنه الصفات جميعا ـ حتى صفة المحبة ـ ما دامت بالمعنى الإنساني! هيهات لنا أن نفقه أصلا معنى المحبة الإلهية! كل الصفات "إسقاط" إنساني محدود على حقائق إلهية لا محدودة. إن تعبير "شخصية الإله" نفسه الذي استخدمناه طيلة الوقت هنا هو نفسه إسقاط آخر ومن ثم تعبير خاطئ! كيف عرفنا ابتداء أن له سبحانه "شخصية" ـ إلا لأننا، نحن البشر، يحمل كلٌ منا شخصية تميّزه؟

لنقرأ هذه الفقرة القصيرة من كتاب "علم اللاهوت"، المجلد الأول، لنعرف كيف تكونت حقا هذه "الشخصية الإلهية" في عقولنا:
إن الإنسان عندما أراد أن يصف الله جل شأنه نظر إلى الموجودات التي حوله فوجدها نوعين: جليل وخسيس، فنسب الجليل لله ونرهه عن الخسيس، فوصفه بأنه موجود لينفي عنه العدم، ووصفه بأنه قادر لينفي عنه الضعف، والحقيقة أن الله أسمى وأرفع من ذلك بما لا يُحد. وليت شعري أليس يوصف الله بأنه حيّ، ولكن ما معنى الحياة؟
أي أن الوجود نفسه والقدرة وغير ذلك من الصفات التي لا تقبل الجدل هي نفسها لا تصف الله حقا في ذاته وإنما فقط تصف "فهم الإنسان" لله ومنتهى إداركه لهذا المنزّه فوق كل عقل!

لذلك فالله لا يمكن معرفته عقلا وإنما فقط عبر "خبرة" مباشرة! الله سبحانه فائق مطلق لا محدود لا منظور، ومن ثم فهو خفيّ تماما بالنسبة للعقل. ولكن هكذا أيضا أفكاره وطرقه، هكذا معانيه ومقاصده، وهكذا من ثم الوحي كله!


الكتاب المقدس إذاً ـ الكتاب الذي بين أيدينا ـ هو حرفيا نقطة التقاء السماء بالأرض! الكتاب الذي يصير فيه الخفيّ منظورا و"يبدو" المطلق نسبيا واللا محدود محدودا. الكتاب الذي يستطيع معه العقل من ثم أن يلمح أخيرا ولو قبسا خافتا من أنوار الله وهكذا يستطيع الإشارة إليه: «ها هو ذا، الجبار المهيب» ـ أو «ها هو ذا، الوديع المتواضع»!

ولكن: كيف صار الخفيّ منظورا وظهر اللا محدود كأنه محدود؟

حدث هذا بالضبط كما حدث "التجسد"، عندما تنازلت المعاني الإلهية اللا متناهية فتجسدت في حروف إنسانية متناهية! عندما قَبـِل سبحانه أن يتشكل وحيه اللا محدود في لغة بشرية محدودة، وأن تلبس شريعته ثقافة الإنسان فتتحدد من ثم بأحكام هذه الثقافة وتتقيـّد بأفكارها وتتلون بألوانها!َ هكذا ـ وهكذا فقط ـ أمكن أن تظهر وأن تستعلن شريعة السماء مطلقة البر فائقة القداسة. ولكن هكذا أيضا، وبالضرورة، أخذت شريعة السماء من ثقافة الأرض ملامحها المميزة ـ كما أخذ جسد الكلمة بالضرورة ملامح الجسد البشري! فهذه أخيرا ـ هذه الملامح المميزة ـ هي ما تصفه أنت اليوم بالقسوة!

ولكن قسوة أم رحمة، عدل أم محبة، أيا ما كان وصفنا للشريعة والعهد القديم عموما: هذا في كل حال هو لون الثقافة الإنسانية التي تجسد فيها الوحي على الأرض، لا لون الوحي ذاته كما هو في السماء! لون قساوة البشر وقساوة أفكارهم وقلوبهم، لا لون القدوس سبحانه في علاه تنزّه عن كل صفاتنا وكل لغاتنا!


______________________

ملاحظـــات:

1- كنا في هذا الموضوع نتحدث ـ باختصار شديد ـ ليس عن العهد القديم ولكن فقط عن "ظاهرة العنف" في العهد القديم، والتي هي بالفعل موضوع مناظرة ساخنة وطويلة ومُضنية بين أهل الإيمان وأهل الإلحاد. أما العهد القديم عموما فليس مجرد مسلسل للعنف، بل جزء نعتز تماما به من الكتاب المقدس، كما أنه أيضا ـ بعيدا عن قداسته الدينية ـ درّة أدبية ومعزوفة من أجمل ما عرف الأدب العبري والإنساني بوجه عام. كذلك حين نركز ـ بالضرورة في هذا السياق ـ على وجه واحد من شخصية الإله، الجبار المهيب، نرجو من زائرنا الكريم الذي لم يقرأ العهد القديم ألا يختزل الأمر كله في هذا الوجه فقط، فهو في العهد القديم أيضا ـ وأولا ـ سبحانه القدوس «قدوس أنا الرب»، سبحانه «ذو صلاح وصدق، طويل الأناة، مدبر الجميع بالرحمة»، سبحانه نور داود وكل مُحبيه وخلاصهم، «سراجهم ونور ظلمتهم»، سبحانه «الذي يخبئهم في مظلته يوم الشر وبستر خيمته يسترهم»!

2- أشكرك ـ أستاذنا الحبيب أوريجانوس ـ على الحوار وأرجو ألا تعود للرد أو حتى التعليق. هذه مجرد خاتمة أعتقد أنها ضرورية، خلاصة لكل ما كنت أرمي إليه كما ذكرت، وأيضا لكي لا يترك كلانا الأمر معلقا أو مفتوحا هكذا فجأة. علاوة على ذلك فقد بدأتَ بالفعل سؤالا جديدا وأتذكر أن قوانين الموقع هنا لا تسمح بطرح سؤالين معا هكذا بالتوازي. بكل حال فقط أخبرك أن هذه آخر كلماتي شخصيا هنا. تحياتي في الختام وعذرا عن أية صعوبة أو حرج ربما تكون كلماتي قد سببته، دون قصد بالتأكيد. سلام المسيح وعلى المحبة دائما نلتقي.



خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 10-04-2019, 11:39 PM   #9
اوريجانوس المصري
عابر سبيل
 
الصورة الرمزية اوريجانوس المصري
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
الدولة: عائدٌ من القبر
المشاركات: 7,770
ذكر
مواضيع المدونة: 7
 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336
اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة My Rock مشاهدة المشاركة
أخي الحبيب

من المهم ان نفهم قداسة الله و قسواة الخطية وتعديها على الله القدوس. الكتاب المقدس يعلمنا ان أجرة الخطيئة هي موت. الرب عادل ويعاقب الحاطئ، فكلما ازدات الخطيئة كلما ازداد عقابها.
ما تسميه بالقسوة هو نتيجة الخطيئة التي هي ضد طبيعة ومشيئة الله.

اشكرك أستاذي علي التوضيح
ولكن هنا هل العقاب من الله ام هو أجرة ونتيجة الخطية
اوريجانوس المصري غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 10-04-2019, 11:47 PM   #10
اوريجانوس المصري
عابر سبيل
 
الصورة الرمزية اوريجانوس المصري
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
الدولة: عائدٌ من القبر
المشاركات: 7,770
ذكر
مواضيع المدونة: 7
 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336 نقاط التقييم 5044336
كود:
فاجأني الليلة أنك تركت الأمر كله فجأة وشرعت في سؤال جديد! أتمنى بالتالي ألا أكون قد أثقلت عليك، فالمعنى الذي كنت أقصد ربما يكون بالفعل صعبا. من ناحية أخرى: كتبت بالفعل هذا الصباح "جزءا" من الخريطة التي أخبرتك عنها وكنت أنوي إرسالها في الختام، وهي الخريطة أو الخلاصة التي أعتقد ألا بد منها حتى يتضح المقصود وتتبين ما هي منطلقاتي خلف كل ما كنت أقول. الآن وقد تركتَ الأمر هكذا، لا داعي بالتالي لكتابة المزيد، ولكني سأرسل على الأقل هذا الجزء المكتوب بالفعل 

ب
العكس نهائي
انا قرأت ردك أكثر من ثلاث مرات وللاسف لن استطيع هضم الفكرة لذلك تركت الموضوع حتي أقرأه عدت مرات أخري حتي اتمكن من ذلك وحتي يتم شرح أكثر ولا أسأل كثير في الموضوع

اتمني لو حضرتك تكمل الرد وعدم ردي فقط لصعوبة هضم الفكرة لأنها جديده عليا

فتح موضوع أخري لا يعني انتهاء الاول بل البحث في اكتر من تسأل تدور في رأسي

عارف اني تعبك ولكن معجب جدا بطريقه شرحك أنتظر التوضيح اكثر[/SIZE][/FONT][/COLOR]

التعديل الأخير تم بواسطة اوريجانوس المصري ; 10-04-2019 الساعة 11:50 PM
اوريجانوس المصري غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الخدمة الوطنية الالزامية والعنف الطائفى ElectericCurrent المنتدى العام 0 27-06-2015 12:37 PM
بين الحزم والعنف asmicheal ركن الاجتماعيات و الشبابيات 5 24-02-2010 07:32 PM
المسيحية والعنف JOJE المنتدى المسيحي الكتابي العام 4 09-01-2010 08:46 AM
اسمع ما يقوله العالم عن الاسلام والعنف man4truth الاخبار المسيحية والعامة 0 01-04-2008 08:07 PM
وتحول من الكبرياء والعنف إلى الطاعة اثناسيوس الرسول القصص و العبر 2 03-03-2008 12:34 AM


الساعة الآن 09:51 AM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2019، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة