منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية المرشد الروحي

إضافة رد

الموضوع: جوهر الحياة المسيحية وأساسها الحي (موضوع كامل مع العظات الصوتية مرفوعة على اليوتيوب)

أدوات الموضوع
قديم 30-06-2019, 09:12 AM   #1
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
RG6

جوهر الحياة المسيحية وأساسها الحي (موضوع كامل مع العظات الصوتية مرفوعة على اليوتيوب)







جوهر الحياة المسيحية
على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس

لسماع العظات (10 عظات) على اليوتيوب أضعط
هنــــــــــــــــــــــا


aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 30-06-2019, 09:14 AM   #2
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
إنجيل مرقس 4: 3 – 20
سرّ ملكوت الله
+ اسمعـــــوا
هوذا الزارع قد خرج ليزرع. وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت طيور السماء وأكلته. وسقط آخر على مكان مُحجر حيث لم تكن له تربة كثيرة فنبت حالاً إذ لم يكن له عمق أرض. ولكن لما أشرقت الشمس احترق وإذ لم يكن له أصل جف. وسقط آخر في الشوك فطلع الشوك وخنقه فلم يُعطي ثمراً.
وسقط آخر في الأرض الجيدة فأعطى ثمراً يصعد وينمو فأتى واحد بثلاثين وآخر بستين وآخر بمئة. ثم قال لهم من له أُذنان للسمع فليسمع.

ولما كان وحده سأله الذين حوله مع الاثني عشر عن المثل. فقال لهم: "قد أُعطي لكم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله وأما الذين هم من خارج فبالأمثال يكون لهم كل شيء. لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا، ويسمعوا سامعين ولا يفهموا، لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم. ثم قال لهم: "أما تعلمون هذا المثل فكيف تعرفون جميع الأمثال:
الزارع يزرع الكلمة
· وهؤلاء هم الذين على الطريق، حيث تُزرع الكلمة، وحينما يسمعون يأتي الشيطان للوقت وينزع الكلمة المزروعة في قلوبهم (إذ هي موضوعه في الخارج أمام الطيور).
· وهؤلاء كذلك هم الذين زرعوا على الأماكن المُحجرة، الذين حينما يسمعون الكلمة يقبلونها للوقت بفرح، ولكن ليس لهم أصل في ذواتهم بل هم الى حين، فبعد ذلك إذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فللوقت يعثرون.
· وهؤلاء هم الذين زرعوا بين الشوك، هؤلاء هم الذين يسمعون الكلمة، وهموم هذا العالم، وغرور الغنى، وشهوات سائر الأشياء، تدخل وتخنق الكلمة فتصير بلا ثمر.
· وهؤلاء هم الذين زرعوا على الأرض الجيدة، الذين يسمعون الكلمة ويقبلونها ويثمرون، واحد ثلاثين، وآخر ستين، وآخر مئة.
+ لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شرّ،
فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تُخلِّص نفوسكم (يعقوب 1: 21)
aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 30-06-2019, 09:20 AM   #3
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس
1 – مدخل للموضوع

في واقع خبرة الحياة المسيحية نجد أنها لا تعتمد على الشكل الخارجي للإنسان،

بمجرد تنفيذه للطقوس، وحفظة البنود المعلنة للعقيدة سواء من خلال القوانين الكنسية، أو المعرفة المسيحية كمعلومات فكرية أو عن طريق الحوار الجدلي وإقناع الآخرين؛ فحياة المسيحي الحقيقية تبدأ من الداخل، تكون في الأعماق، أي أنها تنغرس سراً في كيانه الشخصي كبذرة، ثم تنمو وتزدهر كشجرة عظيمة قائمة عند مجاري المياه، وتأتي بثمرها في حينه وورقها لا ينتثر وكل ما يصنعه ينجح فيه لأنه وفق مشيئة الله الظاهرة في قلبه، فالحياة المسيحية الحقيقية باختصار شديد وأكثر تحديد، هي الحياة في الله، وبالتالي تجلي وظهور حياة الله في الإنسان طبيعياً، لأن الله بنفسه هو الذي يغرس نفسه في الإنسان ويشع حياته فيه ومن خلاله للآخرين، وذلك بهدوء دون ضجة.
أي أن المسيحي الحقيقي هو الشخص الذي حياته في الله وحده،
بمعنى أني لو قلت إني مسيحي حقيقي، يعني الله في داخلي أكثر من أي شيء آخر، وسعيي كله أن ألتقية وأفتش عنه في مكانه الطبيعي أي في الداخل وليس في الخارج بعيداً عني، وذلك بسبب أن الكلمة صار جسداً وحلَّ فينا (غرس نفسه فينا باتحاد غير قابل للافتراق)، وقد صرنا هياكل الله وروح الله يسكن فينا، وفي داخلنا طبيعياً – حسب الخلق – صورة الله المطبوعة والذي أعاد شكلها الأصيل تجسد الكلمة واستعلانه في ملء الزمان حسب التدبير.
فالإنسان بطبيعة خلقه هو صورة الله الغير منظور،
إذ أن له كيان روحي مستمد من الذي جبله على غير فساد، وهذا هو سرّ حنينه واشتياقه الدائم – الذي لا يتوقف – إلى الله خالقه، ولكي نعتاد أن نعيش في هذا المجد العظيم ونعود لأصل الصورة فينا، لا بُدَّ من أن ننزل إلى داخلنا ونغوص في أعماقنا، أي نقطع مسيرة الدخول لأعماق قلوبنا، لنلتقي مع الله المطبوعة ملامحه الخاصة سراً في داخل القلب في أعماق نفوسنا، بصورة مجيده، هذه الصورة التي وضعنا عليها تراباً ازداد على مر الأيام، فأخفيناها، حتى أننا صرنا في حالة قلق دائم واضطراب عظيم في هذا الزمان الرديء، نحمل الأوجاع الكثيرة لأننا لم ندخل بعد لهذا العمق، ولم نعرف أنفسنا في جمال صورتها الحقيقية الأصيلة المخلوقة عليها، والمطبوعة فيها بسرّ الخلق الفائق والتي تُسمى (الجوهر العقلي).
فسبب تعب النفس الحقيقي وعدم راحتها وعرقلتها وعدم امتدادها نحو الأبدية وشللها الروحي،
يتلخص في أنها أخفت سرها وبالتالي ضاع معه حل مشكلتها، مما تسبب لها في أحزان وضيقات نفسية ومشقات كثيرة لا تنتهي، والتي تشعر أن ليس لها سبب محدد واضح أمام عينيها، لأن مهما ما بلغ الإنسان من مراكز مرموقة مُميزة، أو معرفة عقلانية واسعة، فأنه يظل دائماً يشعر بنقص يزيد كلما ابتعد عن حقيقة جوهره الأصيل.
وطبعاً الرجوع والعودة للنفس ليس بالشيء العادي ولا الهين علينا،
بل هو صعب للغاية بالرغم من بساطته الشديدة، لأننا في الواقع أصبحنا غرباء عن أنفسنا، نجهل حقيقتها المخفية في باطنها.
فمن السهل التعرف على العالم الخارجي المحيط بنا، ومن السهل أيضاً التعرف على الحياة المسيحية ومظهرها الخارجي، من جهة الفكر والبحث في الكتب والمراجع والتوسع في المعرفة كما نشاء، لأن كل هذا مُتاح لنا، لأنه يأتينا عن طريق الحواس الخارجية والعقل، وكل شخص يستطيع أن يستوعب الأمور حسب قدراته العقلية ومدى انفتاحه الفكري، أما التعرف على النفس من جهة الداخل، فصعب للغاية، لأنه لا يأتي على مستوى العقل أو الفكر أو الذَكاء، أو القدرة على المعرفة والفهم، إنما على مستوى البصيرة والإدراك والحس الداخلي، هذا الذي فقدناه فلم يعد في إمكاننا أن نعرف أنفسنا على حقيقتها.
فالحياة المسيحية الحقيقية هي باختصار وتركيز:
الرجوع إلى النفس [من جهة اليقظة والانتباه ورد العقل، بمعنى الرُشد = فرجع إلى نفسه وقال (بحكمة قال) كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلكجوعاً (لوقا 15: 17)] لهدف الدخول – بالنعمة الإلهية – في الله والحياة في محضره لأن هذا هو وضع الإنسان الطبيعي منذ الخلق الأول، فحضرة الله بملء نوره الفائق هو أعمق ما في الإنسان من عظمة ومجد، لأن الإنسان خُلِقَ أساساً في هذه الحضرة الإلهية، وهي جوهر وأصل حياته ومحورها، وهي في الأساس نبع حريته وكمال سعادته وسلامه وراحته الخاصة الدائمة التي لا تُنزع، فهي مصيره الأبدي الذي لا يقدر أن يحيا بدونه على الإطلاق.
إذاً فالمنهج الأصيل للمسيحي الحقيقي هي حياته الداخلية،
واستمرار وجوده في الحضرة الإلهية، وذلك على مستوى اللمس من جهة كلمة الحياة: الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة [قالت في نفسها (المرأة نازفة الدم) انمسست ثوبه فقط شفيت] (1يوحنا 1: 1؛ متى 9: 21)
والسؤال المطروح وان كان الحال هكذا فلماذا لا يتمتع المسيحي بهذه الحياة المجيدة!
وهذا السؤال يجعلنا نُلقي الضوء على المعوق الرئيسي الذي يفصل الإنسان عن هذا الاستعلان الفائق والحياة المجيدة في الحضرة الإلهية، أي في الجو الإلهي، بل ويشوه طبعه الأصيل ويشوش فكره ويجعل النور الإلهي منطفئ فيه، وهذا العائق يُسمى بـ: الأهواء (ميول النفس الداخلية، الميول المنحرفة، وهي المحرك الأساسي للشهوات وهي تُسيطر على الإرادة)، التي هي أصل الخطايا وسبب تحركها فينا، لأنها سبب رئيسي وجوهري للانفصال عن الله وتشويه الطبع الإنساني الأصيل، وأن لم يتحرر – كل واحد فينا – من هذه الأهواء، حرية واقعية فعليه مؤثرة ومُغيره، لن يستطيع أن يكتشف في داخله اللؤلؤة الكثيرة الثمن، فيبيع كل شيء لاقتنائها، حتى نفسه يحسبها رخيصة عنده من أجل اقتناء هذا الكنز العظيم الذي للتقوى الحقيقية.
لأن الأهواء، مثل استمرار تراكم التراب فوق مدينة ملك عظيم،
حتى اختفت كل معالمها الجميلة وطمست شكلها المُميز ودفنت الكنوز المتواجدة فيها والمنتشرة في كل مكان، لأن الإهمال كفيل أن يخفي أعظم وأثمن الكنوز، ويشوه أجمل مناظر طبيعية ممكن يتخيلها إنسان، فوجود الأهواء وفعلها المُدمر للنفس، يجعل الإنسان خرباً، فقيراً مُعدماً، مشوهاً داخلياً ولا راحة لهُ ولا سلام، لا منظر له ولا جمال، لا يُدرك مدى غناه العظيم، ولا يدري بالكنز الثمين الغالي المدفون داخله.
لذلك علينا على ضوء هذا الموضوع أن نكتشف أنفسنا،
ونزيح تلك الأهواء عنا، بمعونة النعمة الإلهية المُخلِّصة وحدها، لأن النعمة مثل الماء الذي يُسكب في غرفة مملوءة بالتراب الكثيف، الذي غطى كل ملامحها وجعلها لا تصلح للسكن، فتسهُل إزاحته، ويظهر كل ما كان يخفيه من معالم الجمال المُستتر فيها، وتعود الغرفة نظيفة مُرتبة تصلح للمعيشة مرة أُخرى.
وهكذا كل واحد فينا أيضاً، لأن عمل النعمة الإلهية (إن أطعنا وصية الله وانغرست الكلمة فينا) هي أن تصلب الجسد مع الأهواء والشهوات،
وتنزح كل ما لا يتفق ولا يليق بسكنى الله القدوس، فتُعيد تشكيل النفس من جديد على صورة اللوغوس نفسه، أي تجملها بهيئة خاصة وتمسحها بمسحة المسيح الخاصة، مسحة ملوكية كهنوتية، إذ تكسيها نور بهاء المجد الإلهي، حتى تصير صالحه ومُهيأة للسُكنى الإلهية، لتكون مقرّ وهيكل مفرز ومُخصص لله الثالوث القدوس.
وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي،
أُمة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تُخبروا بفضائل الذيدعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب، الذين قبلاً لم تكونوا شعباً وأما الآن فأنتم شعب الله، الذين كنتم غير مرحومين وأما الآن فمرحومون؛ ومن يسوع المسيح الشاهد الأمين البكر من الأموات ورئيس ملوك الأرض، الذي أحبنا وقدغسلنا من خطايانا بدمه، وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه (1بطرس 2: 9، 10؛ رؤيا 1: 5، 6)
فيا إخوتي ملكوت الله هو الغرس الإلهي الصالح،
أي زرعه الملوكي الخاص، وهو غرس كلمته فينا، وكلمته الخارجة منه هي روح وحياة، وهي تعمل بحسب طبيعتها كقوة خارقه تخترق أعماق النفس من الداخل، تُنقي وتغسل وتُزيل كل ما تلطخت به النفس من خطايا وآثام وتُغير هيئتها الفاسدة بهيئة الخليقة الجديدة في المسيح يسوع، وبالتالي – أن تم حفظ الكلمة بقبولها من القلب – تتحقق السكنى فينا كما قصدها الرب يسوع: أَجَابَ يَسُوعُ: إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً. (يوحنا 14: 23)
وهذا بيتم فينا حسب النبوة التي قيلت عن العهد الجديد: هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب: أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً (إرميا 31: 33، أنظر عبرانيين 8: 10)
aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 30-06-2019, 09:27 AM   #4
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
2 – تمهيـــــــــــــــــــــد
دعوة الإنسان العليا – الدعوة الملوكية الشريفة

يلزمنا أولاً أن نعي ونُدرك أن الدعوة الإلهية تأتي عادةً عن طريق الكنيسة،

لأن الكنيسة تعرف شخص المسيح، لأنه رأسها وهي جسده على نحوٍ خاص، فهو مُستعلن فيها، يتجلى فيها، ويحضر حضوراً سرياً فائقاً في وسطها، حضور دائم مستمر، يعمل فيه على تطهيرها وتنقيتها، ويُشكلها على صورته، ويكسيها بره الخاص، ويشع فيها نوره الأبدي، ويجملها بالفضائل الإلهية بشكل خاص مُميز، وكل هذا يزداد كل يوم على طول الأيام والأزمنة، لذلك فأن كل من دخل إليها من بابها الرسمي الذي هو [الإيمان بيسوع المسيح، واعتمد وبدأ يحيا بالخليقة الجديدة]، فقد صار عضواً حياً من لحمه وعظامه، وطبيعياً يحيا في سرّ التقوى وشركة القديسين في النور، بوحدة الحق في المحبة، وذلك بكونه صار من ضمن رعية الله القديسين، من أهل بيته الخاص (والكنيسة هي أعضاء المسيح الذين يحيون بالإيمان العامل بالمحبة).
والكنيسة الحقيقية كل عملها وشغلها الشاغل الأوحد هو إظهار وتمجيد واستعلان شخص ربنا يسوع، وتقدمه للمؤمنين وغير المؤمنين (دون فرض ولا إجبار)، فهي تقدمه للعالم كله (بلا استثناء) بصفته مسيح العالم، المُخلّص والفادي الوحيد، مُحيي النفس وشافيها من أوجاعها الداخلية، لذلك تستمر تدعو الجميع – بمحبة الله بدعوة التوبة (اقترب منكم ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل) – لكي يتبعوا المسيح في التجديد، وتقدِّمه للمؤمنين إلهاً حياً مُحيياً مجدداً طبيعتهم فيه من خلال سرّ الكلمة وشركة الإفخارستيا، المن السماوي النازل من عند أبي الأنوار لأنه حياة أعضاء جسده الحي وقوة ثباتهم فيه.
والكتاب المقدس في الكنيسة هو سيف الروح، إذ انه على نحو سري هو استعلان صوت المسيح الحسي المُحيي، الذي نادى لعازر هلم خارجاً، فسرت فيه قوة حياة أقامته من الموت، وهو هو نفس ذات الصوت عينه التي تنطق وتُنادي به الكنيسة أولادها بفم شخص ربنا يسوع المسيح القائم من الموت، لأن الكنيسة الحقيقية لها نطق المسيح الخاص، أو تنطق بفمه بالروح، فقراءة الكلمة في الكنيسة وسماعها هو سرّ قوة الحياة لكل من يسمع هذا الصوت بإيمان دون أن يرتاب فيه، لأن سماع صوت الابن يؤدي للحياة والخلود: الحق، الحق، أقول لكم: "أنه تأتي ساعة وهي الآن، حين يسمع الأموات صوت ابن الله، والسامعون يحيون". (يوحنا 5: 25)

وعلى هذا الأساس نتقدَّم دائماً – في الكنيسة – إلى سماع الكلمة من فم الله المُحيي، الذي نطق بها ويستمر ينطق بها في كل زمان ومكان من خلال خُدامه الأمناء الممسوحين بالمسحة الإلهية والمدعوين من الله للخدمة في كنيسته حاملين رسالة الروح الواحد.

وبالطبع أيضاً نفس النداء، نفس الصوت، نفس النطق، هو عينه ما زال في زماننا هذا الآن وسيستمر لانتهاء الدهور، فالكتاب المقدس لو بلغنا سره الإلهي وأصغينا لهذا الصوت المُحيي الذي فيه، سنكتشف طبيعة لغته، إذ أن لغته لغة حوار بين طرفين، الله والإنسان، ومن صميم هذا الحوار – حوار المحبة – نجد اللذة المتبادلة والحب المتدفق الحاصر للإنسان (محبة المسيح تحصرنا)، ومن صميم هذا الحب الفائق نجد الدعوة الإلهية العُليا وضحت لكل إنسان يقترب من هذا المجد الفائق: وهي دعوة – مؤكدة ومثبتة – من الله للإنسان للتمتع بالشركة مع العريس السماوي، لأنها دعوة وحدة واتحاد والتصاق كثمرة التجسد الإلهي، لأن الرب أتى كالتدبير ليجمع المتفرقين إلى واحد فيه.
+ وجعل يسوع يكلمهم أيضاً بأمثال قائلا:
يشبه ملكوت السماوات إنسانا ملكاً صنع عُرساً لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس فلم يريدوا أن يأتوا. فأرسل أيضا عبيداً آخرين قائلا قولوا للمدعوين هوذا غذائي أعددته، ثيراني ومُسمناتي قد ذبحت، وكل شيء مُعد، تعالوا إلى العرس. ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون امسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.
فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده أما العرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العُرس. فخرج أولئك العبيد إلى الطرق وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين فامتلأ العرس من المتكئين.
فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لُباس العرس. فقال له يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس! فسكت. حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. لان كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون. (متى 22: 1 – 14)
فالدعوة غالية وكريمة جداً، إذ أن المائدة الملوكية قد أُعدت وتهيأت لاستقبال المدعوين، وثوب العُرس صار جاهزاً للارتداء، إذ أنه هو شخص الكلمة المتجسد بنفسه وذاته: لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (في المسيح) قد لبستم المسيح. (غلاطية 3: 27)
فهذا هو ثوب البرّ الحقيقي المنسوج بعمل الله وحده، والمختوم بدم ربنا يسوع الذي سفك على عود الصليب، ثوب برّ مجاني تماماً، مُهدى من الملك نفسه للجميع دون تمييز، مُقدَّم مجاناً بلا قيد أو شرط، وهو لا يُعطى إلا لمن يقبل الدعوة ويتوب ويعود للحضن الحلو ويتقبل النعمة المُخلِّصة، لذلك مكتوب: ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط. أي العداوة، مُبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً. ويُصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلا العداوة به (أي الصليب)، فجاء وبشركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين. لان به لنا كُلينا قدوما في روح واحد إلى الآب. فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مُقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح. (أفسس 2: 13 – 22)
وما هي طبيعة الدعوة العظمى والثمينة؟
"تعالوا لأن كل شيء قد اُعد". لأن الله الآب قد أعد في المسيح لجميع الناس تلك العطايا التي مُنحت للعالم بواسطته، التي هي غفران الخطايا، والتطهير من كل دنس، وشركة وعطية الروح القدس، والتبني فيه، واستعلان ملكوت الله في الداخل: وأُعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأُعطيكم قلب لحم، وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها؛ ولما سأله الفريسيون متى يأتي ملكوت الله أجابهم وقال: "لا يأتي ملكوت الله بمراقبة. ولا يقولون هوذا ههُنا أو هوذا هُناك، لأن ها ملكوت الله داخلكم. (حزقيال 36: 26 و27؛ لوقا 17: 20 و21)

+ مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات، في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة، إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته، لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب، الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته، التي أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة، إذ عرفنا بسرّ مشيئته حسب مسرته، التي قصدها في نفسه لتدبير ملء الأزمنة، ليجمع كل شيء في المسيح، ما في السماوات وما على الأرض في ذاك، الذي فيه أيضاً نلنا نصيباً مُعينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته، لنكون لمدح مجده، نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح، الذي فيه أيضا أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم، الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس، الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده. (أفسس 1: 3 – 14)

وحينما نعي هذه الدعوة المقدسة المهيبة والمفرحة جداً لكل نفس، لن نتعجب أو نندهش من الذين باعوا كل شيء – بسهولة، بتلقائية دون صراع – وارتضوا أن يخسروا كل ما للعالم حتى أنهم حسبوه مع القديس بولس خسارة ونفاية من أجل أن يربحوا اللؤلؤة الواحدة الوحيدة الغالية الكثيرة الثمن، بل – ونحن أنفسنا – سنبيع كل شيء بلا أدنى تردد، ونبغض الخطية فتسقط من تلقاء ذاتها بسهولة ويُسر، إذ قد ربحنا الواحد الوحيد شخص ربنا يسوع وصار هو باذته الكنز الخفي الذي للنفس المستتر في داخلها، بل صار هو ثوبها النفيس الذي يستحيل أن تفرط فيه أبداً أو تطرحه عنها بعيداً.
aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 30-06-2019, 09:29 AM   #5
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
3 – مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة

معرفة الكتب وقوة الله
* الله والنفس الإنسانية
(1) الله
هو تحديداً مصدر الحياة بشكل عام للخليقة كلها، وسرّ حياتنا على نحو خاص، هو الأول والآخر، الألف والياء، المبدأ والغاية، ومعرفته = حياة أبدية:هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك γινώσκω أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يوحنا 17: 3)

ويعرفوك هنا = [أدرك – لاحظ – يعي – يفهم – ميز – يُدرك عن طريق الحواس العُليا أو الحواس وهي في حالة من السمو والرفعة – لمس]، وهذه المعاني تندرج تحت معنى البصيرة = [نظر وأبصر وفطن فتأثر وتفاعل]
والمعرفة هنا هي جوهر الإيمان المسيحي الحي، أي أنها قوة وعي إيماني تُقرِّبنا إلى الله الآب بواسطة المسيح يسوع، وتُحضرنا أمامه بكونه إله حي وحضوره مُحيي، وذلك بغرض أن تسري حياته الخاصة في داخلنا بروحه القدوس، وهذه الحياة هي تيار الحياة الأبدية نفسها.

والحياة الأبدية التي تسري فينا بمعرفة الله، طبيعتها غير متغيرة وأحوالها مستقرة دائمة، وكل من تسري فيه تنتعش روحه وترتاح، إذ يشعر بقرب الله منه، إذ يجده ساكناً ومستقراً في قلبه، وبذلك يحملها ذخيرة في نفسه يواجه بها كل لحظات حياته، وبخاصة المعاكس منها والمتعب والمؤلم، فيعبرها بسلام عميق بثقة الإيمان الحي.

والحياة الأبدية – في عمقها اللاهوتي المتسع – هي عينها الحضرة الإلهية في ملء قوتها وبهاء مجدها، وهي نفسها تذوق الشركة مع المسيح، إذ أنها عبارة عن تيار تدفق دائم لحياة الله في الإنسان، لذلك صارت شركتنا مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح، وصارت دعوة الرسل والتلاميذ ومن ثمَّ الكنيسة كلها على مرّ العصور، بل وفي جيلنا هذا هي عينها نفس الدعوة التي نطق بها الرسول: الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به، (والهدف: لكي يكون لكم أيضا شركة معنا، وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. (1يوحنا 1: 3)
والسؤال المطروح اليوم: هل يُمكن أن نعرف الله على هذا المستوى الفائق!!!
فبالرغم من أن لنا إيمان وثيق بهذا الكلام، بل وعلى يقين ووعي منه، وهو ليس غريب على مسامعنا أبداً، إنما للأسف الشديد، فهو عند الكثيرين معلومات محفوظة أو دراسات مكتوبة، أو مجرد فكر نظري ليس له أي تطبيق في واقع حياتهم اليومية المُعاشه، ولا يشعرون بأن الحياة الأبدية تسري فيهم فعلياً بكل قوتها وسلطانها الطارد للظلمة ومثبت البرّ، وبسبب ذلك لا يستطيعوا أن يتيقنوا أن لهم حياة أبدية، ولا يعرفون هل لهم الملكوت والحياة مع الله أم هم خارجه.
(2) النفس الإنسانية
هي تلك الجوهرة الثمينة الخاصة بالله وحده، والتي في أول ظهور لها، كانت في حالة بريق أخاذ من النقاوة والطهارة والقداسة التي تعكس بهاء مجد الله الحي، إذ أنها صورته الخاصة التي تعبر عنه أمام الخليقة كلها، بكونه ميزها بصورته وجعلها مثاله وأعطاها عقل راجح مستنير، لذلك رفعها لتكون تاج الخليقة ورأسها، ومعرفتها في جوهر حقيقتها هي معرفة صلاح الله واتساع محبته، إذ إنها تعكس صورته هوَّ، لأن الصورة تعبر عن الأصل وتشهد لهُ.
فهل يمكن أننا نعرف أنفسنا على هذا المستوى المجيد فنلتقي من خلالها بالله!!!
وهنا يلزمنا أن نقف لنوضح نوع المعرفة:
فإن أردنا حقاً أن نعرف الله ونعرف أنفسنا في عمق جوهر حقيقتها، لا بد من أن نفرق بين معرفتين: معرفة الكتب، وقوة الله التي تجعلنا نصل للمعرفة الحقيقية بالله الحي: فأجاب يسوع وقال لهم أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله. (مرقس 12: 24)

التعديل الأخير تم بواسطة aymonded ; 30-06-2019 الساعة 09:32 AM
aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 30-06-2019, 09:35 AM   #6
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
* معرفة الكتب وقوة الله
(1) معرفة الكتب:
فتشوا الكتب (المقدسة ἐραυνᾶτε τὰς γραφάς) لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي (يوحنا 5: 39)، وفتشوا هنا أتت مختصة بالكتب المقدسة؛ وقد أتت في المعنى اليوناني لتدل على الفحص الدقيق الشديد المثابر للأسفار، لأنها تعني الصدق والجدية والمواظبة (diligent - diligent student - diligent effort - diligent work)، فالتفتيش هنا عبارة عن عمل دؤوب مثابر (أعمال حفر وتنقيب)، أو طالب مجتهد أو جهد مبذول، وكلها تُشير للعمل الجاد والشخصية الملتزمة، أي انها تُمثل مسألة حياة أو موت لذلك تستدعي الاهتمام البالغ الشديد، أو تختص بالمستقبل بالنسبة للطالب، لذلك يهتم جداً ويبذل كل مجهود مُخلص بكل طاقته.
وبهذا العمل الدؤوب المثابر ستظهر طبيعة الأسفار إذ أنها تشهد للمسيح الكلمة: لأنه اخذ من الله الآب كرامة ومجداً إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى: "هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مُقبلاً من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس. وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت التي تفعلون حسناً أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مُظلم، إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم. عالمين هذا أولاً إن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس؛ الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم. باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها. (2بطرس 1: 17 – 21؛ 1بطرس 1: 10 و11)

وهنا لنا أن نقف وقفة للأهمية، لأنه توجد كلمة مهمة للغاية قد نغفل عنها في الكلام فيضيع المعنى المقصود، وهي: (انتبهتم)، فالكلمة التي استخدمها بطرس الرسول (انتبهتم إليها) = προφητικὸν وهي تأتي بمعنيين في منتهى الأهمية:
I pay attention to & devote myself to
المعنى الأول: استأنس لها، أعطاها أُذنه، أرهف السمع وأجاد الإصغاء، انتبه وراقب ولاحظ، والمعنى الثاني: خصص أو كرس نفسه بأمانة وإخلاص، وتُشير هنا إلى انشغل وانكب، أي تفانى.
وبالرغم من أهمية دراسة الكلمة بهذه الطريقة التي قالها الرب يسوع وبطرس الرسول، لكن في الحقيقة، فأن معرفة الكتب في حد ذاتها لا تكفي إطلاقاً بالرغم من أهميتها الشديدة، فيمكن أن يتعمق الإنسان في الكتب، ويسهر عليها ويفحصها بكل دقة شديدة على كل وجه وبتفاني تام وإخلاص، بل ويحفظها حفظاً، ويستذكرها ويدرسها بعمق، ولكن ما المنفعة أن لم نصل من خلالها لمعرفة الله، بكونه شخص حي، نتعايش في محضره الخاص، ونتلامس معه، فننال تلك القوة التي اخترقت جسد نازفة الدم، فننال شفاء وراحة من أتعابنا وأوجاعنا الداخلية، فاليهود كمثال عرفوا الكتب، وتعمقوا فيها، ودرسوها، وشرحوها بدقة وتدقيق، وصاروا متخصصين في بحث الأسفار المقدسة وشرحها وتأويلها، بل وأنشأوا مدرسة فلسطين لتعليم الأسفار ودراستها وشرحها.
وبالرغم من طول الأيام وهذه السنوات الكثيرة في البحث والدراسة الشاقة، لم ينفتح ذهنهم على سرّ الحياة الأبدية الكائنة في الأسفار الإلهية، ليدركوا منها الأمور المختصة بالمسيح الإله الحي، حتى حينما أتى المسيح الرب بنفسه وظهر في الجسد، والتي تشهد له الأسفار المقدسة، لم يعرفوه، ولا قبلوه، ولا حتى استفادوا منه شيئاً، بل ولم يدخلوا راحته، ولم يتذوقوا قوة نعمته [أَجَابَهُمْ يُوحَنَّا: أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ وَلَكِنْ فِي وَسَطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ (يوحنا 1: 26)]، وذلك لأنهم لم يستمعوا لكلمته الحية الخارجة من فمه، لتستقر في قلوبهم التي تحجرت بكبرياء المعرفة؛ فالأسفار في حد ذاتها استعلان كامل للرب يسوع المسيح: "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لوقا 24: 27)

فأن اعتمدنا على معرفتنا للكتب وحدها، وارتكزنا على الشق الأول من الآية التي نطق بها الرب يسوع، أي معرفة الكتب وحدها دون أن نبلغ الشق الآخر (قوة الله)، أي أن لم تمسنا قوته الإلهية المغيرة والمجددة لطبيعة النفس، فستبقى الكتب تكديس معلومات لفخر وحساب الذات، لتصير – في النهاية – حصن كبرياء صلد مُميت للنفس، لأن العلم ينفخ أن لم تمسه قوة الله المُخلِّصة، لذلك الرسول بطرس لم يتكلم كلام مبتور عن الكلمة النبوية، لأنه قال: تفعلون حسناً أن انتبهتم إليها (προφητικὸν) كما إلى سراج منير في موضع مُظلم، إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم، وهنا الكلام واضح [أن انتبهتم إليها – إلى أن]، إذاً الغرض من الانتباه للكلمة والإصغاء إليها وتكريس الوقت لدراستها هو الاستنارة وليس المعرفة لمجرد المعرفة.

فمشكلة معظمنا في هذا الجيل، بالرغم من معرفة الكتب، والتعمق في دراستها، وكثرة الأبحاث، وسهولة الوصول لتلال ضخمة من المراجع الدقيقة المتخصصة في الشرح والتفسير، ومعرفة كل شاردة وواردة في التقليد الكنسي والمعارف الروحية واللاهوتية، فقد أخفقنا في أن نسمع صوت الله الحسي في الأسفار، وأصبح الإيمان ضعيف بلا رؤية، ولذلك تهتز النفس أمام أي تعليم، لأنها تُعجب بالتعاليم المزوقة والمغلفة بالمصطلحات القوية والشروحات الموسعة بلا إفراز ولا تمييز، ولذلك لا تثبت في الحق الذي لم يُستعلن بعد في القلب والذهن بقوة الله.

بل المشكلة الأكبر أنه بالرغم من التفتيش والبحث الدقيق والركض وراء التعاليم الإلهية، فأن قلة قليلة جداً تسمع صوت الله المُحيي وتسري فيها الحياة الأبدية، وذلك لأن كثيرين لم يكونوا على مستوى صوت الله الحسي في الأسفار، فتعثروا في صوت المسيح ولم يعرفوه: الحق، الحق، أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة، بل قد أنتقل من الموت إلى الحياة. (يوحنا 5: 24)

لذلك علينا أن نحذر، ونعرف أنه من الممكن جداً – وبسهولة شديدة – معرفة الكتب بمعزل عن الله، أي بدون قوة الله، والتي تؤدي بدورها إلى تقوية العقل وتنشيطه، ليصير – في النهاية – بارع في الفلسفة والحوار والمناقشة والمجادلة، رغم صحة الكلمات ودقة التعبيرات، والتي لا غبار عليها، أو حتى فيها أي خطأ، بل صحيحة تمام الصحة وعاقلة تمام التعقل، بل كلها عمق وفيها أصالة التعليم الحقيقي، لكنها تفتقر لبراهن الروح والقوة، وبذلك تكون مصيبة كبرى للنفوس، وسيف قاتل للتواضع ووداعة القلب.
وبالطبع الكتب في معرفتها بدقة وتدقيق فيها منفعة عظيمة لا نستطيع أن نُقلل من شأنها، أو نستهين بها، أو نستغني عنها أبداً، بالطبع إذا كان الإنسان مُخلصاً فيها، وغرضه أن يصل لقوة الله المُحيية، ليكون له شركة معه في النور، وبذلك تظهر منفعتها من غرضها، إذ أنها تولد اشتياق (حار) خاص في النفس لتصل لقوة الله، وبذلك تصير المعرفة هنا، درجة أولية من خلالها ترتقي النفس للدرجة الثانية والتي هي الأساس وهي قوة الله.
aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 30-06-2019, 09:39 AM   #7
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
(2) المعرفة الشخصية لله - بقوة الله:
المعرفة الحقيقية لله، هي عِبارة عن حس عميق سري داخلي، أي حس عميق في النفس لا يراه أحد من الخارج، أو يستطيع أن يُميز وجوده في أي إنسان، لأن المعرفة هنا داخليه (باطنية) تخص النفس وعلاقتها الشخصية السرية مع الله القدوس، لأنها معرفة مباشرة، قلبية، واعية، بالله الحي، وهي تؤدي بطبيعتها إلى الراحة، وبالتالي إلى الفرح العميق والسلام الثابت الذي لا يتزعزع أمام المحن والتجارب مهما ما كانت درجة صعوبتها، لأن هذه المعرفة فيها لقاء حقيقي حي وشخصي جداً، واتصال مباشر واعي بالله، تعيه النفس وحدها.

فالله في ذاته هو إله حي مُشع بنوره الخاص، وهو الإله المجهول (عندنا) الذي لم نكن نعرفه، وبكونه وحده الكاشف والمُعلن عن نفسه، فقد أظهر لنا ذاته، ومعرفته الحقيقية من خلال الابن الوحيد الذي خبر في ملء الزمان وأظهر من هو الإله الحقيقي الذي ينبغي أن نعبده ونقدم له حياتنا كلنا: الله لم يراه أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هُوَّ خَبَّر (يوحنا 1: 18)

فالله يكشف عن ذاته لنا – في الابن الوحيد – شخص حي وحضور مُحيي، وهذه هي قوة الله التي تُستعلن لنا وتمسنا داخلياً، لأنه يتجه ويتحرك نحونا، بغرض أن يُعطينا حياة أبدية حقيقية دائمة التدفق، يصبها في كياننا ويفرشها على نفوسنا وأرواحنا وحتى هيكل جسدنا، وذلك أن تقبلناها منه بالإيمان، حينئذٍ نشعر بقوة سلطانها وتدفقها، إذ تسري فينا مثل الماء في مجراه، ولا نقدر أن نفحصها ونعرف دقائق تفاصيلها، لكنها تشدنا بقوة نحوها، وتسبينا، حتى تُسيرنا أسرى محبة الله التي تُحاصرنا، وتستمر تعمل بنشاط دائم، ولا تهدأ فينا حتى تحقق فينا الوصية الأولى، لكي نحب الله بكل القلب طبيعياً بدون مشقة، ولا تتوقف عن عملها، إذ تستمر تنقلنا من إيمان لإيمان، ومن محبة لمحبة: [فأجاب يسوع إن أول كل الوصايا هيَّ: "أسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا ربٌ واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك". هذه هي الوصية الأولى] (مرقس 12: 29 و30)
ولنا الآن أن نعرَّف من الناحية العملية ما هو اللقاء الحقيقي مع شخص المسيح الكلمة، ففي الحقيقة هناك علامات عملية ظاهرة ومعلنة في الإنجيل، توضح لنا ثمار المواجهة والمقابلة مع مسيح القيامة والحياة، اللوغوس وحيد الآب، فلقاءه:
· هو لقاء لعازر الميت، الذي سرت فيه قوة الحياة، فقام من قبره، وذلك حينما سمع صوت ابن الله الكلمة الحي: "لعازر هلم خارجاً"
· هو لقاء نازفة الدم، حينما مست هدب ثوبه – بالإيمان – فبرأت في الحال.
· هو لقاء التي أمسكت في ذات الفعل متلبسة بجريمتها، فتبررت في محضره، وصار لا دينونة عليها، وأُطلقت حُره، لم يمسها أحد بسوء.
· هو لقاء السامرية عند بئر المياه، والتي كشف الله أعماق قلبها، وبررها، فتركت جرتها وماء بئر يعقوب، وركضت تنادي بفرح لتعلن وتكشف أنها التقت بالمسيا الحقيقي شخصياً.
· هو لقاء شاول وهو في طريقه لقتل أتباع المسيح الرب، فتحول إلى بولس عبد يسوع المسيح، وحسب كل الأشياء خسارة ونفاية من أجل فضل معرفته وحده.

وهذه كلها هي عِبارة عن أمثلة قليلة تُعبِّر عن خبرة المعرفة الحقيقية لله الحي، معرفة اختبارية شخصية واقعية، فيها حياة الله تدفقت وانسكبت وتغلغلت في النفس، وبالتالي لا تحتاج إلى برهان لإثباتها أو إقناع عقلي، لأن فيها يقين قاطع داخلي، بشهادة الروح القدس – نفسه – في القلب (الروح يشهد لأرواحنا) بيقين، فهي حقاً معرفة تبرير وغفران، ذات سلطان قوي، قادر فعلياً على كسر قيود الخطايا، وغسل وتطهير الضمير بالتمام، ولها – حسب طبيعتها – سلطان محبة يهز الكيان كله، آسراً القلب وجاذبه لله الحي، ليكون مقراً لسُكناه الخاص.

وحينما ندخل في خبرة هذا اللقاء الحي المُحيي، أي نتواجه مع مسيح الله، مسيح القيامة والحياة، سنخرج بيقين فرح لا يُنقض شاهدين على عمل الله قائلين: الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة، فأن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد. (1يوحنا)

لذلك يا إخوتي علينا أن نعي المستوى الحقيقي لمعرفة الله من جهة خبرة اللقاء مع المسيح الرب، لأن الكتب لن تنفعنا، ولا حتى عمق وأصالة الدراسات اللاهوتية، مهما ما تبحرنا فيها وعرفناها المعرفة الصحيحة والسليمة الكاملة والتامة، لأن بدون أن يكون لنا هذه المعرفة الحقيقية بالله الحي من جهة لقاءه الخاص وسريان حياته فينا، فأنه لمن المستحيل أن نعرفه وندخل راحته ونحيا نحبه من كل القلب والنفس والفكر والقدرة، بل سنجمع المعلومات الصحيحة والعميقة كلها ونعرضها للناس كتماثيل حجر، تصير لهم عثرة، وحاجز صد، تمنعهم عن معرفة الله على مستوى لقاءه الخاص المفرح للنفس وناقلها من الظلمة للنور ومن الهوان للمجد، لأن المعرفة التي لا تنقل الإنسان من طبيعته المُظلمة الضعيفة، لطبيعة نورانية جديدة أخرى، يرتفع بها للمستوى السماوي ليرى ما لا يُرى، هي معرفة باطلة تقوده للكآبة وفقدان الرجاء الحي والمكوث في الظلمة وظلال الموت، وربما تمرضه نفسياً، بسبب الصراع ما بين عدم توافق الخارج مع الداخل، أو تجعله مرائياً وبارع في تمثيل التقوى التي تصطرع مع الوصية وتجعله يهرب من محضر الله والمواجهة الصادقة مع المسيح الرب، فيحيا في حالة من الإخفاق الروحي المستمر.

ولنا الآن أن نسأل سؤال هام للغاية يخص موضوع البرهان أو الإثبات، لأن كثيرين يتساءلون كيف لي أن أتيقن أني عرفت الله، لذلك سنوضح هذا بشكل بسيط كالآتي:
كيف لنا أن نقول على منظر ما جميلاً! أو قطعة موسيقية رائعة!
بالبرهان؟ أم بالقراءة وتفتيش الكتب؟ أم بسؤال الناس ومعرفة رأيهم الخاص؟
بالطبع نحن لا نسأل مثل تلك الأسئلة لكي نتعرف على الجمال المُحيط بنا، سواء ما نراه أو نسمعه، لأننا نرى جمال المنظر بأعيننا، ونسمع الموسيقى بآذاننا، ونتلامس معهما كأمر واقع، ولا فائدة من أن يُناقشنا أحد ليقنعنا لِما فيهم من رونق وجمال خاص، لأن هذا الجمال يؤثر فينا داخلياً ونشعر به بتلقائية، ويجعلنا في حالة من الاسترخاء والراحة.

فلو العالم كله دخل معنا في حالة من الجدل والتحدي ليُعارضنا، ووقف أمامنا ليقنعنا أن ما رأيناه ليس فيه أي نوع من أنواع الرونق والجمال الخاص، فأننا لن نصدق إلا ما شعرنا به من خلال خبرة الرؤية والسمع، لأن هذا ما فحصناه على مستوى الخبرة الحقيقية في واقع حياتنا المعاش، وهكذا معرفتنا اليقينية بلقاء المسيح الرب على المستوى الشخصي، الذي لن يستطيع أحد أن يقنعنا عكس ما حدث معنا فعلياً وواقعياً، لأن اللقاء لم يكن فلسفة فكر، أو معلومة من كتاب، أو موضوع في اجتماع، ولا حتى خزعبلات فكرية، ولا مجرد تأثير نفسي عابر مؤقت، ولا أحلام في الخيال، بل موقف حدث فيه تغيير حقيقي فعلي، لأننا تلامسنا معهُ ومستنا قوته المُحيية الخالقة المؤلهة، وهذا كان موقف المولود أعمى ورده على الفريسيين حينما قالوا له: "اعط مجدا لله. نحن نعلم ان هذا الانسان خاطئ"، فقال لهم: أخاطئ هو؟ لستُ أعلم. إنما أعلم شيئاً واحداً: إني كنت أعمى والآن أُبصر. (أنظر يوحنا 9)

عموماً رجوعاً للمثل الذي نتكلم عنه، فأننا نرى كثيرون لا يرون جمال المنظر أو يشعروا بجمال الموسيقى!، فالكثيرون يمرون أمام شمس الغروب البديع ولا ينظرون إليها أو يهتمون، والذين لا يتذوقون جمال الموسيقى عددهم يفوق – كثيراً جداً – عدد الصُم الحقيقيين.
ولمـــــــــــاذا؟!!
ذلك لأنهم لم يستعدوا داخلياً ولم يهيئوا أنفسهم لتقبل هذا النوع من الجمال، لأنهم لا يبالون أو يهتمون من الأساس، وبهذا يغلقون على أنفسهم باب عالم بكاملة؛ وهكذا بالنسبة لمعرفة الله ومعرفة النفس، فالإنسان غافل تماماً عن حياته الداخلية، بل حياته ترتكز دائماً على الراحة الظاهرية، لذلك يبدأ يومه بالتفكير في الماديات وكيف يسدد حاجته اليومية، بل والمستقبلية، لذلك يبدأ يومه بالهم وينهي يومه بالقلق والاضطراب، وأحياناً الحزن العميق والكآبة والدموع، فكل حلمه أنه كيف يسدد حاجات وعوز الجسد بالنسبة له أو لأسرته، وكيف يحقق غدٍ أفضل في هذا العالم الحاضر، وبذلك تكون حياته عبارة عن شقاء لا ينتهي، ونكد لا يزول.(وطبعاً هذا الاهتمام ليس خطأ في ذاته لكنه ناقص لأنه محصور في حياة فارغة من الحضرة الإلهية)

عموماً يلزمنا الوعي بالحياة المسيحية الحقيقية، لأنها خبرة شفاء حقيقي على مستوى الداخل، سواء من الخطية أو الأتعاب النفسية المُدمرة، لأن في الله وحده راحة القلب وسلام النفس، ومن نال قوة الشفاء يستحيل ينساها أبداً، لأن الأعمى لن ينسى اليوم الذي رأى فيه، والميت لن ينسى اليوم الذي قام فيه، والمريض المجروح لن ينسى اليوم الذي شُفي فيه، وهذه كلها خبرات حقيقية تظل ذكرى لا تُنسى ولا تحتاج لبرهان أو إثبات لأنها حدثت فعلياً على المستوى الشخصي.

aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 30-06-2019, 09:41 AM   #8
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
(2) المعرفة الشخصية لله - بقوة الله:
المعرفة الحقيقية لله، هي عِبارة عن حس عميق سري داخلي، أي حس عميق في النفس لا يراه أحد من الخارج، أو يستطيع أن يُميز وجوده في أي إنسان، لأن المعرفة هنا داخليه (باطنية) تخص النفس وعلاقتها الشخصية السرية مع الله القدوس، لأنها معرفة مباشرة، قلبية، واعية، بالله الحي، وهي تؤدي بطبيعتها إلى الراحة، وبالتالي إلى الفرح العميق والسلام الثابت الذي لا يتزعزع أمام المحن والتجارب مهما ما كانت درجة صعوبتها، لأن هذه المعرفة فيها لقاء حقيقي حي وشخصي جداً، واتصال مباشر واعي بالله، تعيه النفس وحدها.

فالله في ذاته هو إله حي مُشع بنوره الخاص، وهو الإله المجهول (عندنا) الذي لم نكن نعرفه، وبكونه وحده الكاشف والمُعلن عن نفسه، فقد أظهر لنا ذاته، ومعرفته الحقيقية من خلال الابن الوحيد الذي خبر في ملء الزمان وأظهر من هو الإله الحقيقي الذي ينبغي أن نعبده ونقدم له حياتنا كلنا: الله لم يراه أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هُوَّ خَبَّر (يوحنا 1: 18)

فالله يكشف عن ذاته لنا – في الابن الوحيد – شخص حي وحضور مُحيي، وهذه هي قوة الله التي تُستعلن لنا وتمسنا داخلياً، لأنه يتجه ويتحرك نحونا، بغرض أن يُعطينا حياة أبدية حقيقية دائمة التدفق، يصبها في كياننا ويفرشها على نفوسنا وأرواحنا وحتى هيكل جسدنا، وذلك أن تقبلناها منه بالإيمان، حينئذٍ نشعر بقوة سلطانها وتدفقها، إذ تسري فينا مثل الماء في مجراه، ولا نقدر أن نفحصها ونعرف دقائق تفاصيلها، لكنها تشدنا بقوة نحوها، وتسبينا، حتى تُسيرنا أسرى محبة الله التي تُحاصرنا، وتستمر تعمل بنشاط دائم، ولا تهدأ فينا حتى تحقق فينا الوصية الأولى، لكي نحب الله بكل القلب طبيعياً بدون مشقة، ولا تتوقف عن عملها، إذ تستمر تنقلنا من إيمان لإيمان، ومن محبة لمحبة: [فأجاب يسوع إن أول كل الوصايا هيَّ: "أسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا ربٌ واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك". هذه هي الوصية الأولى] (مرقس 12: 29 و30)
ولنا الآن أن نعرَّف من الناحية العملية ما هو اللقاء الحقيقي مع شخص المسيح الكلمة، ففي الحقيقة هناك علامات عملية ظاهرة ومعلنة في الإنجيل، توضح لنا ثمار المواجهة والمقابلة مع مسيح القيامة والحياة، اللوغوس وحيد الآب، فلقاءه:
· هو لقاء لعازر الميت، الذي سرت فيه قوة الحياة، فقام من قبره، وذلك حينما سمع صوت ابن الله الكلمة الحي: "لعازر هلم خارجاً"
· هو لقاء نازفة الدم، حينما مست هدب ثوبه – بالإيمان – فبرأت في الحال.
· هو لقاء التي أمسكت في ذات الفعل متلبسة بجريمتها، فتبررت في محضره، وصار لا دينونة عليها، وأُطلقت حُره، لم يمسها أحد بسوء.
· هو لقاء السامرية عند بئر المياه، والتي كشف الله أعماق قلبها، وبررها، فتركت جرتها وماء بئر يعقوب، وركضت تنادي بفرح لتعلن وتكشف أنها التقت بالمسيا الحقيقي شخصياً.
· هو لقاء شاول وهو في طريقه لقتل أتباع المسيح الرب، فتحول إلى بولس عبد يسوع المسيح، وحسب كل الأشياء خسارة ونفاية من أجل فضل معرفته وحده.

وهذه كلها هي عِبارة عن أمثلة قليلة تُعبِّر عن خبرة المعرفة الحقيقية لله الحي، معرفة اختبارية شخصية واقعية، فيها حياة الله تدفقت وانسكبت وتغلغلت في النفس، وبالتالي لا تحتاج إلى برهان لإثباتها أو إقناع عقلي، لأن فيها يقين قاطع داخلي، بشهادة الروح القدس – نفسه – في القلب (الروح يشهد لأرواحنا) بيقين، فهي حقاً معرفة تبرير وغفران، ذات سلطان قوي، قادر فعلياً على كسر قيود الخطايا، وغسل وتطهير الضمير بالتمام، ولها – حسب طبيعتها – سلطان محبة يهز الكيان كله، آسراً القلب وجاذبه لله الحي، ليكون مقراً لسُكناه الخاص.

وحينما ندخل في خبرة هذا اللقاء الحي المُحيي، أي نتواجه مع مسيح الله، مسيح القيامة والحياة، سنخرج بيقين فرح لا يُنقض شاهدين على عمل الله قائلين: الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة، فأن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد. (1يوحنا)

لذلك يا إخوتي علينا أن نعي المستوى الحقيقي لمعرفة الله من جهة خبرة اللقاء مع المسيح الرب، لأن الكتب لن تنفعنا، ولا حتى عمق وأصالة الدراسات اللاهوتية، مهما ما تبحرنا فيها وعرفناها المعرفة الصحيحة والسليمة الكاملة والتامة، لأن بدون أن يكون لنا هذه المعرفة الحقيقية بالله الحي من جهة لقاءه الخاص وسريان حياته فينا، فأنه لمن المستحيل أن نعرفه وندخل راحته ونحيا نحبه من كل القلب والنفس والفكر والقدرة، بل سنجمع المعلومات الصحيحة والعميقة كلها ونعرضها للناس كتماثيل حجر، تصير لهم عثرة، وحاجز صد، تمنعهم عن معرفة الله على مستوى لقاءه الخاص المفرح للنفس وناقلها من الظلمة للنور ومن الهوان للمجد، لأن المعرفة التي لا تنقل الإنسان من طبيعته المُظلمة الضعيفة، لطبيعة نورانية جديدة أخرى، يرتفع بها للمستوى السماوي ليرى ما لا يُرى، هي معرفة باطلة تقوده للكآبة وفقدان الرجاء الحي والمكوث في الظلمة وظلال الموت، وربما تمرضه نفسياً، بسبب الصراع ما بين عدم توافق الخارج مع الداخل، أو تجعله مرائياً وبارع في تمثيل التقوى التي تصطرع مع الوصية وتجعله يهرب من محضر الله والمواجهة الصادقة مع المسيح الرب، فيحيا في حالة من الإخفاق الروحي المستمر.

ولنا الآن أن نسأل سؤال هام للغاية يخص موضوع البرهان أو الإثبات، لأن كثيرين يتساءلون كيف لي أن أتيقن أني عرفت الله، لذلك سنوضح هذا بشكل بسيط كالآتي:
كيف لنا أن نقول على منظر ما جميلاً! أو قطعة موسيقية رائعة!
بالبرهان؟ أم بالقراءة وتفتيش الكتب؟ أم بسؤال الناس ومعرفة رأيهم الخاص؟
بالطبع نحن لا نسأل مثل تلك الأسئلة لكي نتعرف على الجمال المُحيط بنا، سواء ما نراه أو نسمعه، لأننا نرى جمال المنظر بأعيننا، ونسمع الموسيقى بآذاننا، ونتلامس معهما كأمر واقع، ولا فائدة من أن يُناقشنا أحد ليقنعنا لِما فيهم من رونق وجمال خاص، لأن هذا الجمال يؤثر فينا داخلياً ونشعر به بتلقائية، ويجعلنا في حالة من الاسترخاء والراحة.

فلو العالم كله دخل معنا في حالة من الجدل والتحدي ليُعارضنا، ووقف أمامنا ليقنعنا أن ما رأيناه ليس فيه أي نوع من أنواع الرونق والجمال الخاص، فأننا لن نصدق إلا ما شعرنا به من خلال خبرة الرؤية والسمع، لأن هذا ما فحصناه على مستوى الخبرة الحقيقية في واقع حياتنا المعاش، وهكذا معرفتنا اليقينية بلقاء المسيح الرب على المستوى الشخصي، الذي لن يستطيع أحد أن يقنعنا عكس ما حدث معنا فعلياً وواقعياً، لأن اللقاء لم يكن فلسفة فكر، أو معلومة من كتاب، أو موضوع في اجتماع، ولا حتى خزعبلات فكرية، ولا مجرد تأثير نفسي عابر مؤقت، ولا أحلام في الخيال، بل موقف حدث فيه تغيير حقيقي فعلي، لأننا تلامسنا معهُ ومستنا قوته المُحيية الخالقة المؤلهة، وهذا كان موقف المولود أعمى ورده على الفريسيين حينما قالوا له: "اعط مجدا لله. نحن نعلم ان هذا الانسان خاطئ"، فقال لهم: أخاطئ هو؟ لستُ أعلم. إنما أعلم شيئاً واحداً: إني كنت أعمى والآن أُبصر. (أنظر يوحنا 9)

عموماً رجوعاً للمثل الذي نتكلم عنه، فأننا نرى كثيرون لا يرون جمال المنظر أو يشعروا بجمال الموسيقى!، فالكثيرون يمرون أمام شمس الغروب البديع ولا ينظرون إليها أو يهتمون، والذين لا يتذوقون جمال الموسيقى عددهم يفوق – كثيراً جداً – عدد الصُم الحقيقيين.
ولمـــــــــــاذا؟!!
ذلك لأنهم لم يستعدوا داخلياً ولم يهيئوا أنفسهم لتقبل هذا النوع من الجمال، لأنهم لا يبالون أو يهتمون من الأساس، وبهذا يغلقون على أنفسهم باب عالم بكاملة؛ وهكذا بالنسبة لمعرفة الله ومعرفة النفس، فالإنسان غافل تماماً عن حياته الداخلية، بل حياته ترتكز دائماً على الراحة الظاهرية، لذلك يبدأ يومه بالتفكير في الماديات وكيف يسدد حاجته اليومية، بل والمستقبلية، لذلك يبدأ يومه بالهم وينهي يومه بالقلق والاضطراب، وأحياناً الحزن العميق والكآبة والدموع، فكل حلمه أنه كيف يسدد حاجات وعوز الجسد بالنسبة له أو لأسرته، وكيف يحقق غدٍ أفضل في هذا العالم الحاضر، وبذلك تكون حياته عبارة عن شقاء لا ينتهي، ونكد لا يزول.(وطبعاً هذا الاهتمام ليس خطأ في ذاته لكنه ناقص لأنه محصور في حياة فارغة من الحضرة الإلهية)

عموماً يلزمنا الوعي بالحياة المسيحية الحقيقية، لأنها خبرة شفاء حقيقي على مستوى الداخل، سواء من الخطية أو الأتعاب النفسية المُدمرة، لأن في الله وحده راحة القلب وسلام النفس، ومن نال قوة الشفاء يستحيل ينساها أبداً، لأن الأعمى لن ينسى اليوم الذي رأى فيه، والميت لن ينسى اليوم الذي قام فيه، والمريض المجروح لن ينسى اليوم الذي شُفي فيه، وهذه كلها خبرات حقيقية تظل ذكرى لا تُنسى ولا تحتاج لبرهان أو إثبات لأنها حدثت فعلياً على المستوى الشخصي.

aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 30-06-2019, 09:41 AM   #9
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
4 – الموضــــــــــــــــــــــوع

(1) سرّ الله وسرّ الإنسان
السؤال الصعب المطروح والمُحير على مدى تاريخ الإنسانية كله هو: من أنا ومن أنت؟ من أين أتينا وإلى أين نذهب؟؛ والإنسان الذي يستطيع أن يُجيب على هذا السؤال برؤية واضحة عن يقين ثابت لا يتزعزع، هو إنسان عرف نفسه معرفة حقيقية وكل شيء أصبح واضحاً مكشوفاً أمام عينيه.
فمَن يعي نفسه ويكتشف حقيقة جوهرها الخفي، فأنه يستيقظ وتتفتح عيني ذهنه ليرى الحقائق أمامه ساطعة كشمس النهار، لأنه يرى ما لا يُرى إذ يرتفع للمجد الفائق الذي أُغفل عنه لأنه لم يكن يعرف نفسه بعد، وبذلك يحيا حياة الهدوء والسلام العميق والسعادة في ملئها، لأن حينما نعرف أنفسنا فأننا نعود لأصلنا، وأصلنا هو الله الحي خالقنا على صورته كشبهه، وحينما نعود إليه نلتصق به طبيعياً دون مشقه، وذلك بكون الكلمة اتحد بنا في ملء الزمان لأنه اتخذ جسدنا ليكون جسده الخاص لكي يُعيد خلقتنا فيه بصورة اشد بهاء مما كانت عليه سابقاً، إذ يُلبسنا ذاته ليرفعنا معه للسماوات ويدخلنا راحته الخاصة، هذه الراحة التي نختبرها ونتذوقها منذ إيماننا ومعرفتنا به إله حي وحضور مُحيي، حتى أننا في أشد الظروف قسوة نصبر ونعبرها بحكمة وسلام ونظرنا مُثبت على مجد قيامته الذي لا يزول متيقنين أن وراء الصليب قيامة.

عموماً بحسب الحق المُعلن في كلمة الله، فأن في أعماقنا – إن لاحظنا ودققنا – حنين وشوق عظيم للغاية، وجوع وعطش شديد مع لهفة لمعرفة الله، لذلك نظل نفتش ولسان حالنا يقول: أين الطريق؟ وكيف نسير؟

ولكن عادةً نقع في حيرة شديدة من أمرنا، لأن أحياناً كثيرة نُريد أن نعرف أنفسنا ونفهمها، لكننا نجدنا تارة نريد أن نتوب بكل صدق ونقترب من الله بشوق عظيم وحنين داخلي يشدنا نحوه، فنصلي ونصوم ونقرأ كلمة الله بنهم شديد ونذهب للاجتماعات الروحية ونتأثر بها جداً وربما نتحرك ونخدم أيضاً بكل طاقتنا بأمانة وإخلاص شديد، وأحياناً أخرى ننقلب ونسير في طريق عكسي مضاد للحق، فنركض بلهفة وراء شهوة الجسد بكل جموح وعدم انضباط إلى حد الفجور غير مبالين بالتوبة والرجوع لله الحي، طارحين عنا الوصية المقدسة، بائعين كل ما هو ثمين لأجل الخطية، وأحياناً أُخرى نقف ضالين عن الحق تائهين في منتصف الطريق، أي نكون في حالة وسط لا نريد خطية ولا حتى برّ الله، وقد كرهنا كل شيء حتى أنفسنا، وحتى كل ما كان يسعدنا صار ليس له طعم وفقد حلاوته في أعيننا، فنعيش في ضيق وعدم راحة، مضطربين داخلياً، نحيا في عدم سلام وقلق دائم دون راحة ونحن لا نفهم السرّ في ذلك، وفي النهاية نجد أن في داخلنا صراع لا ينتهي فنصرخ بحيرة من أمرنا ونأن في أنفسنا بوجع قائلين:
كيف أعرف نفسي وأفهمها فهماً صحيحاً، فأنا لا أعرف ماذا أُريد وكيف أعيش، وإلى أين أذهب وأي طريق أختار، وكيف ألزم نفسي وأحيا وفق طبيعتي!!!

ولكن حينما نكون صادقين مع أنفسنا ونبدأ ندخل في المعرفة الحقيقية لله الحي ونبدأ نرتاح ويهدأ الصراع في داخلنا، فأننا كثيراً ما نشعر بانقسام داخلي بين معرفتين، وهي:
(1) إما أن نعرف الله فنكره أنفسنا ونبغضها ونصير في خصومه معها لأننا نجدها تحرمنا منه بجموحها وأحياناً بتطرفها وعدم قدرتها على الثبوت في حالة البرّ والتوبة ومخافة الله أي التقوى.
(2) أو نعرف أنفسنا وننغمس في رغباتها فنبتعد عن الله تماماً إذ نجده مانع عظيم أمام طموحنا ورغباتنا وأحلامنا الأرضية، وقد نتخذ الآية حصن لنا وحجة دامغة: وقال للجميع إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني (لوقا 9: 23)، فيصير أمامنا الطريق صعب للغاية كله مشقة وعقبات لا تنتهي، فنبتعد بكل راحة ضمير ولسان حالنا يقول: "من يستطيع أن يفعل ذلك إلا لو كان ملاك لا إنسان".

عموماً مشكلتنا كلنا تتلخص في أننا دائماً ما نجد صعوبة بالغة في التوفيق بين المعرفتين (أي معرفة النفس ومعرفة الله)، فنجد أنفسنا بين أربعة أمور تُحيرنا جداً في اتخاذ القرار:
1- إما أن نتخلى عن أنفسنا وأحلامنا ورغباتنا، بل وحياتنا وسط هذا العالم ونعرف الله.
2- أو نتخلى عن معرفة الله، ونتنازل عن وصاياه، لنعرف أنفسنا وننحصر فيها ونحقق كل متطلباتها ورغباتنا بشتى الطرق.
3- أو نقف في حالة وسط، ونحاول بكل طاقتنا وبكل حيلة أن نوفق بين الأمور ونمسك العصا من المنتصف، ونسير بسياسة توفيقية على مبدأ المثل الشهير (ساعة لقلبك وساعة لربك)
4- أو نكون في حالة سلبية ولا مبالاة، ولا نتخذ أي قرار ونترك الأمور على ما هي ونتركها للظروف تسير كيفما شاءت، ونعمل بمبدأ المثل الشعبي الشهير (مطرح ما ترسي دقلها)

ولكن بعبارة واضحة مختصرة وصريحة صادمة يقول القديس الأنبا انطونيوس الكبير: من عرف نفسه عرف الله، ومن عرف الله يستحق أن يعبده بالروح والحق.
وهنا يكمُن سرّ الله وسرّ الإنسان، ولكن كيف يكون هذا!!!
v "فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم انموا وأكثروا واملئوا الأرض. (تكوين 1: 27، 28)

فقبل السقوط (كما رأيناها في حالة آدم) نجد الإنسان – بطبيعة تكوينه وصورة الله المخلوق عليها – كان في حالة من الانسجام التام مع الله ومع نفسه، ولا يوجد تعارض بين رغباته الخاصة وإرادته الشخصية، وإرادة الله ومشيئته، بل هناك انسجام وتوافق واضح للغاية في لقاء حي دائم ومستمر مع الله في حالة إصغاء تام للتعلَّم منه، مع وجود طاعة منقطعة النظير ليس فيها أي نوع من أنواع التردد، لأنه لا يوجد صراع على وجه الإطلاق، لكن بفعل حالة الانفصال الحادث بالسقوط، حدثت حالة من التغرب عن الحضرة الإلهية صنعت هذا الانقسام الذي بدوره أنشأ هذا الصراع الداخلي المرير، وعدم الوعي ولا فهم طبيعة الله ولا الوصول لمعرفته أو الشركة معه بسهولة.

ويشرح القديس غريغوريوس النيصي سرّ حنين النفس وشوقها الطبيعي لله قائلاً: إذا كان الإنسان قد دُعيَّ للحياة ليكون شريكاً في "الطبيعة الإلهية"، فلا بدَّ أن يكون تكوينه أساساً يؤهَّله لهذه المشاركة...
كان من الضروري أن شيئاً من المماثلة الإلهية يُمزج بالطبيعة البشرية حتى تجعله هذه العلاقة يميل إلى ما تمُت إليه.. من أجل هذا وهب للإنسان كل السجايا (أي الملامح الطبيعية التلقائية والعفوية) الجديرة باللاهوت، حتى يتوق كل من هذه الفضائل (الحكمة، البصيرة... الخ) إلى مثيله في الله. ولأن الأبدية ملازمة للاهوتية على الإطلاق، كان لا بُدَّ من ألا تُحرم منها طبيعتنا، بل أن تُذوَّد بعنصر الخلود.
وبفضل هذه الهبة الممنوحة، نجدها – النفس – مشدودة دائماً إلى ما يفوق قامتها، يحدوها دائماً الحنين إلى الأبدية. هذا ما تُشير إليه رواية خلق الإنسان في عبارة واحدة جامعة شاملة عندما تقول أن "الإنسان عُمل على صورة الله" (تكوين 1: 26).
والقديس أثناسيوس الرسولي يعلّق على نفس الآية شارحاً معنى صورة الله في الرسالة عن الروح القدس قائلاً: يعني أن نفهم الإنسان باعتباره أبناً لله في الابن الحقيقي.

من هنا نستطيع أن نعي، أنهُ ينبغي أن نقوم برحلة ضرورية وحتمية، وهي أن نغوص في داخل أنفسنا، ولنصغي لكلمات القديس مقاريوس الكبير:
إن المسيحيين يعرفون جيداً أن النفس هي أثمن من جميع الأشياء المخلوقة، فإن الإنسان وحده هو الذي صُنع على صورة الله ومثاله.. الإنسان هو أعظم قدراً.. فهو وحده الذي سُرَّ به الرب.. فتأمل في كرامتك وقدرك العظيم، حتى أن الله جعلك فوق الملائكة، لأنه لأجل معونتك وخلاصك جاء هو بنفسه شخصياً إلى الأرض. (عظة 15: 43)

التعديل الأخير تم بواسطة aymonded ; 30-06-2019 الساعة 09:44 AM
aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 30-06-2019, 09:47 AM   #10
aymonded
مشرف
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 15,759
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366 نقاط التقييم 52983366
+ الإنسان موضوع سرور الله وسرّ المرض الإنساني
من واقع أحداث الخلق وإعلان كلمة الله فأن الإنسان هو موضوع سرور الله وسرّ شبع ربنا يسوع، وقد أعلن وأظهر الرب ذلك بمعنى بديع في الكتاب المقدس عند لقاؤه بالسامرية:
فقال لها يسوع أعطيني لأشرب، لأن تلاميذه مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعاماً، فبعد لقاء السامرية أتى التلاميذ بالطعام: سأله تلاميذه يا مُعلم كُل. فقال لهم أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم، فقال التلاميذ بعضهم لبعض: ألعل أحد أتاهُ بشيء ليأكل. قال لهم يسوع: طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله. (أنظر يوحنا 4: 31 – 34)

فلننتبه جداً لأننا أمام سرّ فائق متبادل وعظيم للغاية، إن أدركناه بالقلب سنلقي أنفسنا على شخص المسيح الحلو بالتمام ولن نصدق عدو الخير أو نتمسك بالخطية على الإطلاق، بل سنتوب بسهولة ونشبع بالرب الشافي والمُريح للنفس فعلاً وعلى مستوى خبرة اللقاء الحي بشخصه الرائع، فهنا نحن أمام سرّ عظيم متبادل بين طرفين، أي بين الله والإنسان، فالإنسان هو شبع الله وفرحه وموضوع مسرته الخاصة، والله أيضاً شبع الإنسان الحقيقي وفرح قلبه وسعادته الداخلية وراحته، ويُعبَّر عن ذلك القديس أغسطينوس قائلاً:

خلقتنا لأجلك (لذاتك)، وقلوبنا لن تجد راحتها إلا فيك؛ سأطلبك ربي داعياً إياك، وسأدعوك مؤمناً بك، لأنك لنا كرزت. سيدعوك ربي إيماني؛ إيماني الذي وهبتني إياه، ألهمتني إياه في تجسد ابنك. (اعترافات القديس أغسطينوس ترجمة برتي شاكر؛ الطبعة الثالثة ص 7)

ومن هنا فقط نستطيع أن نُميز ونعي تمام الوعي، لماذا يظل يُفتش الله عن الإنسان باستمرار وإصرار، مهما كانت خطاياه فادحة، وعيوبه خطيرة للغاية، ولو حتى وصلت لقمة الفجور، وهذا ما نلاحظه في جلوس شخص ربنا يسوع مع الخطاة والأثمة كما حدث مع المرأة الخاطئة والسامرية وغيرها، ونتحسس موضوعنا وسطهم، لأننا منهم فعلاً على مستوى خبرة الخطية وميول قلبنا النجس. وندرك أيضاً لماذا الإنسان يظل يُفتش عن الله بحنين وشوق داخلي يظهر في كل الديانات بلا استثناء، بل وحتى للذين ليس لهم أي دين أو عقيدة.

فمنذ السقوط ونحن نسمع قول الله [آدم أين أنت؟] (أنظر تكوين 3: 9)، وأيضاً نجد صوت الإنسان يصرخ في عبادة الله بطرق مختلفة، عله يجد الطريق، وهو يُعبر بطريقة ضعيفة بأنين داخلي [أين أنت يا الله، أريني وجهك]
+ أين الطريق إلى حيث يسكن النور. (أيوب 38: 19)
+ صارت لي دموعي خُبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم: "أين إلهك" (مزمور 42: 3)
+ ثم ذكر الأيام القديمة موسى وشعبه أين الذي أصعدهم من البحر مع راعي غنمه أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه. (أشعياء 63: 11)
+ تطلع من السماوات وانظر من مسكن قدسك ومجدك أين غيرتك وجبروتك، زفير أحشائك ومراحمك نحوي امتنعت. (أشعياء 63: 15)

وفي قمة صراخ الإنسان وعوزه واقترابه من ضيق الموت الخانق نجد ما يُذهلنا جداً، ففي وسط التفتيش المتبادل بين الله والإنسان، وفي صميم فشل الإنسان الزريع للوصول إلى الله ومعرفته الحقيقية من جهة الدخول في حياة الشركة وعلى مستوى المعاينة بالرؤية، ربط الله بملء محبته المتدفقة نحو محبوبة الإنسان، مصيره بمصيرنا ليحدث اللقاء الحقيقي فنجد الله، أو بمعنى أدق الله يجدنا ويلتقي بنا أولاً مثل ما فعل مع السامرية: لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون لهُ الحياة الأبدية. (يوحنا 3: 16)

عموماً نستطيع الآن أن نفهم ما هو سرّ المرض الإنساني على ضوء ما شرحناه سابقاً:

فالإنسان المريض روحياً والمتعب في داخله – وهذا التعب ينعكس على كل أعماله التي تُظهر قلق قلبه المستتر – هو إنسان تاهت منه نفسه، وانغلقت على نفسها، فانعزلت عن أصلها وأُخفي سرها، فتاه معها حل مشكلته، فدخل في حالة من الصراع الدائم بين رغبته الدفينة نحو الحق والحياة وراحة الله، وبين طبيعته الملوثة وقلبه النجيس الذي يجد أن ميوله دائماً منحرفة ولا يستطيع أن يخضعها أو يقومها أو حتى يقاومها أو يُبطلها:
+ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. إِذاً أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. وَلَكِنِّي أَرَى نَامُوساً آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟ (رومية 7: 18 – 24)

ويقول القديس مقاريوس الكبير: أن العالم الذي تراه من حولك، ابتداءً من الملك حتى الشحات جميعهم في حيره واضطراب وفتنة، وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشرّ الذي دخل الإنسان... وأعني به شوكة الموت. (عظة 15: 49)

لقد انفصلنا عن الأصل، اقتلعت الشجرة من أرضها فيبست وسرى الموت فيها ولم تعد تثمر ثمراً صالحاً، حقاً قد تشتتنا في هذا العالم الساقط المضطرب وانحصرنا في عيشنا الجسدي وشهوات قلبنا الدنس، وحملنا كل هم وغم في أنفسنا، هذا الذي يزداد مع الأيام، فنضطرب ونحزن ونحيا في عدم راحة وقلق دائم مستمر، وانطمست المعالم الإلهية فينا، والموت أصبح يسري في داخلنا بسبب سلطان الأهواء الذي يعمل في أعماق قلوبنا من الداخل، حتى صارت ثمارنا فاسدة: كذب، نفاق، تعالي وكبرياء، شكل التقوى وإنكار قوتها؛ وغيرها من الأمور الناتجة من سلطان الخطية والموت الذي يعمل في أعضاءنا حتى نُثمر للموت.

فنحن أن نظرنا على مدى تاريخ البشرية من بعد السقوط فإننا نجد الإنسان بتاريخه الطويل والمتعب، قد انغمس في هموم الدنيا والخطية والشهوة وتعظم المعيشة، وتعظيم الذات التي أصابته بالعمى ولهته عن التفتيش الدائم عن الله القدوس مُحيي النفس، فقد نسى الإنسان نفسه ولم يعرف حقيقتها ولم يعرف مصيره: أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب. وأما أنتم فلا تعلمون من أين آتي ولا إلى أين أذهب (يوحنا 8: 14)
لقد ضاعت كرامة الإنسان وإنسانيته التي لن يقدر على تحقيقها إلا في الله وحده فقط، فالإنسانية هبطت للتراب وخارت كل قواها إذ ضاعت في التشتت والتفتت والانقسام، وصار صراخه عبر التاريخ الإنساني كله: من ينقذني من هذا الموت الذي تسلط عليَّ؛ أين الحل؟!!!
والحل الحقيقي بالطبع – كما رأينا مما سبق – هو أن يعود الإنسان لجوهر نفسه وينظر بعمق ليتعرف على صورة خالقة المنعكسة على قلبه بسرّ دفين ينتظر أن يكتشفه.

aymonded متصل الآن   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عظة جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس aymonded المرئيات و الأفلام المسيحية 0 27-09-2016 11:51 AM
تابع جوهر الحياة المسيحية (3) سرّ الله وسرّ الإنسان aymonded المرشد الروحي 5 29-07-2014 10:13 AM
تابع جوهر الحياة المسيحية (5) (الجزء الأخير) ماذا نفعل بالتحديد aymonded المرشد الروحي 5 08-07-2014 05:26 PM
تابع جوهر الحياة المسيحية (4) العودة للنفس ومعرفة الله aymonded المرشد الروحي 7 05-07-2014 05:48 AM
جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس الجزء الأول aymonded المرشد الروحي 18 28-06-2014 02:15 PM


الساعة الآن 07:43 AM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2019، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة