منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية المنتدى المسيحي الكتابي العام

إضافة رد

الموضوع: كل يوم اية واحدة وتامل .. asmicheal

أدوات الموضوع
قديم 21-11-2018, 09:16 AM   #231
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710


"إن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوَّج"
( متى 19 - 10 )

لم يكن التلاميذ قد أدركوا بعد سرّ الملكوت كما يليق ولا فهموا "الاتّحاد"، لهذا رأوا في الحياة الزوجيّة كما عرضها السيِّد تكاد تكون مستحيلة. أمّا المؤمن فإذ يتذوّق الملكوت السماوي في قلبه ويختبر ثباته في عرسه الأبدي وحلول عريسه في داخله يتقبّل زوجته من يديه، فيرى في اتّحاده معها عملًا إلهيًّا فائقًا يقوم به الروح القدس نفسه.

لقد ظنّ التلاميذ البتوليّة أسهل من الزواج، لكن السيِّد صحَّح لهم مفهومهم معلنًا أنه كما الاتّحاد الزوجي هو صورة للحياة الملكوتيّة الأبديّة، فإن البتوليّة أيضًا تقدّم صورة حيّة لهذه الحياة وبشكلٍ أعمق.

=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 26-11-2018 الساعة 08:21 AM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 26-11-2018, 08:22 AM   #232
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710
"ليس الجميع يقبلون هذا الكلام، بل الذين أُعطى لهم. لأنه يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أمَّهاتهم. يوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان خَصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات من استطاع أن يقبل فليقبل"
[متى 19 : 11-12].

ليست البتوليّة الحقّة هروبًا من الزواج بسبب صعوبة الحياة الزوجيّة، لكنها دخول في الحياة الملكوتيّة الأبديّة. إن كان طريق الزواج المسيحي يبدو صعبًا، فإن الحياة البتوليّة الحقيقية هي هبة ليست للجميع، إذ يقول: "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أُعطيَ لهم"
ليست كل بتوليّة حسب الجسد هي بتوليّة حقَّة، فقد ميّز السيِّد بين ثلاثة أنواع من البتوليّة:

أولًا: يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أمّهاتهم، يقصد بهم غير القادرين على الحياة الزوجيّة بسبب مرض جسدي. هؤلاء تُحسب بتوليّتهم -إن صح التعبير- ليست إلا عجزًا عن الزواج، يحمل الجانب السلبي، فلا تُقدّم شيئًا كبتوليّة.



ثانيًا: يوجد خصيان خصاهم الناس، هؤلاء غالبًا ما كانوا نوعًا من العبيد اِئْتمنهم السادة على ممتلكاتهم، فخصُوهم لخدمة الرجال والنساء معًا في بيوت سادتهم. فيُحرم هؤلاء الخصيان من حياتهم الزوجيّة لأجل خدمة سادتهم! هذه صورة مرّة للحياة البتوليّة - إن صح التعبير - التي لا تُقدَّم عن عجز كالفئة السابقة وإنما يتقبّلونها إرضاءً للناس. إنهم يحملون صورة التقوى والعفّة لا من أجل الملكوت، وإنما من أجل كرامةٍ زمنيّةٍ ومجدٍ باطلٍ، وهذه أخطر صورة للحياة المسيحيّة الشكليّة.



ثالثًا: يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، وهذه فئة روحيّة رائعة تضم في الحقيقة جميع المؤمنين العاملين بالحب لله بكونهم بتوليّين روحيّين، عذارى ينتظرون العريس، وعلى وجه الخصوص جماعة البتوليّين روحًا وجسدًا من أجل الرب.

البتوليّون من أجل الملكوت السماوي هم الذين تقدّموا لصليب ربّنا يسوع المسيح، لا ليُحرموا من الحياة الزوجيّة عن عجز ولا من أجل الناس، وإنما اشتياقًا للتكريس الكامل روحًا وجسدًا للعريس الأبدي. هؤلاء يناجيهم السيِّد، قائلًا: "أختي العروس جنّة مُغْلقة، عين مُقْفلة، ينبوع مختوم" (نش 4: 12). أنها ليست عاجزة ولا مقفرة، إنّما هي جنّة تكتظ بكل أنواع الأشجار وعين ماء وينبوع لا ينضب، لكنها لا تترك هذا كلّه لآخر غير عريسها. إنها بتول لا تعاني حرمانًا، كما لا تُسلّم ذاتها إلا لمن قدّم حياته لها.

هذا ويلاحظ أن الحياة البتوليّة ليست إلزاميّة إذ يختم السيِّد حديثه هكذا: "من استطاع أن يقبل فليقبل" [12].
يقول القديس جيروم: [لا يوجد إلزام ترتبط به، فإن أردت أن تنال المكافأة إنّما يكون ذلك بكامل حريتك
ويقول القديس أمبروسيوس: [أن ما يعلنه السيِّد هنا ليس بوصيّة ملزِمة لكنها مشورة يقبلها الراغبون في درجات الكمال

يحذّرنا القديس كبريانوس لئلا نعتمد على بتوليّة الجسد وحدها حتى وإن كانت من أجل الرب، إنّما يلزم الجهاد في بتوليّة النفس خلال التمتّع بالحياة الكنسيّة المقدّمة. لقد خشَىَ َعلى البتوليّين من الكبرياء خلال بتوليّتهم الجسديّة، إذ يقول: [ليت الذين صاروا خصيانًا من أجل ملكوت السماوات مرّة يُرضون الله في كل شيء، ولا يضادّون كهنة الله ولا رب الكنيسة خلال عثرة شرّهم


=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 02-12-2018 الساعة 06:38 AM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 02-12-2018, 06:39 AM   #233
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710


"أمّا يسوع فقال: دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات. فوضع يديه عليهم ومضى من هناك"
[متى 19 : 14-15].


إن كان المتزوّج يتلمَّس مفهوم الملكوت السماوي خلال حياته الزوجيّة المقدّسة والاتّحاد الزوجي الفائق، والبتول يلتهب قلبه حنينًا نحو الملكوت كعذارى تترقَّب عريسها، فإن الأولاد الصغار هم المَثل الحيّ الذي يُقدّم لكل مؤمن ليكون له حق العضويّة في هذا الملكوت. لم يقدّم الأولاد كفئة بين فئات كثيرة تتمتّع بالملكوت، وإنما هي الفئة الوحيدة التي يلتزم الكل أن يدخل إليها لينعم بالملكوت، فالملكوت إنّما هو ملكوت البسطاء! إذن لنرجع ونصر مثلهم، نحيا ببساطتهم فنكون بحق أبناء الملكوت.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذه هي حدود الحكمة الحقيقيّة: أن تكون بسيطًا بفهم. هذه هي الحياة الملائكيّة، نعم لأن نفس الطفل الصغير نقيّة من كل الشهوات

لنقف قليلًا عند حديث السيِّد مع تلاميذه بخصوص الأولاد: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات"، ففي هذا الحديث نكتشف أمرين:



أولًا: ليس هناك طريق وُسطى، إمّا ندعو الأولاد للتمتّع بالسيِّد المسيح، أو نقف أمامهم عثرة فنمنعهم. إمّا نعمل لحساب الملكوت، فنجمع أبناء الملكوت، أو لحساب مملكة الظلمة، فنعوق الآخرين عن الحياة مع الله. هذا هو ما أعلنه السيِّد بقوله: "من لا يجمع معي فهو يفرّق".



ثانيًا: إن عملنا لحساب الملكوت، فندعو الأولاد، يتحقّق هذا بإقتدائنا بالأولاد. لنحمل فينا روح البساطة كأولاد لله البسيط، حتى نقدر أن نلتقي بالأولاد فنحملهم بالحب إلى السيِّد المسيح محب البشر!

=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 03-12-2018 الساعة 08:42 AM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 03-12-2018, 08:43 AM   #234
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710


"وإذا واحد تقدّم وقال له:

أيها المعلّم الصالح،

أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبديّة؟"
[ متى 19 : 16].


جاء هذا الشاب وكأنه يمثّل الأغنياء، وجاءت إجابة السيِّد تكشف عن إمكانيّة دخول الأغنياء الملكوت خلال الباب الضيق.


=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 05-12-2018 الساعة 10:39 AM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 05-12-2018, 10:40 AM   #235
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710

"لماذا تدعوني صالحًا؟! ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله" [متى 19 : 17]


جاء هذا الشاب وكأنه يمثّل الأغنياء، وجاءت إجابة السيِّد تكشف عن إمكانيّة دخول الأغنياء الملكوت خلال الباب الضيق. ولكن قبل أن يجيبه على سؤاله قال له: "لماذا تدعوني صالحًا؟! ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله" [17].
إنه لم يقل "لا تدعوني صالحًا"، إنّما رفض أن يدعوه هكذا كمجرد لقب، ما لم يؤمن بحق أنه الصالح وحده. فقد اِعتاد اليهود على دعوة رجال الدين بألقابٍ لا تليق إلا بالله وحده، وقد أراد السيِّد تحذيرهم بطريقة غير مباشرة. وكأنه السيِّد يقول له: إن آمنت بي أنا الله فلتقبلني هكذا وإلا فلا. هذا وقد أكّد السيِّد نفسه أنه صالح، فيقول: "أنا هو الراعي الصالح" (يو 10: 11)
لقد عُرف الأغنياء بالمظاهر الخارجيّة وحب الكرامات، وكأن السيِّد المسيح بإجابته هذه أراد أن يوجِّه الأغنياء إلى تنقية قلوبهم من محبّة الغنى بطريق غير مباشر، مع رفض محبّة الكرامات والألقاب المبالغ فيها.

لقد أظهر هذا الشاب شوقه للحياة، لذلك قدّم له السيِّد إجابة عن اشتياقه، وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [الذين ينحنون أمامه بعنق عقولهم للطاعة يهبهم وصايا ويعطيهم نواميس. ويوزِّع عليهم الميراث السماوي، ويقدّم لهم البركات الروحيّة، فيكون بالنسبة لهم مخزنًا لعطايا لا تسقط
أجابه السيِّد: "إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا" [17]. وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن كنت لا تريد أن تحفظ الوصايا، فلماذا تبحث عن الحياة؟ إن كنت تتباطأ في العمل، فلماذا تُسرع نحو الجزاء


=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 08-12-2018 الساعة 10:19 AM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 08-12-2018, 10:20 AM   #236
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710


إن أردت أن تكون كاملًا، فاذهب وبع أملاكك، وأِعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني"
[متى 19 : 21].


القديس جيروم: [هذه هي ذروة الفضيلة الكاملة الرسوليّة أن يبيع الإنسان كل ما يملك ويوزِّعه على الفقراء (لو 18: 22)، متحرّرًا من كل عائق ليعبر إلى الممالك السماويّة مع المسيح[710].] [خادم المسيح الكامل ليس له شيء بجانب المسيح

[ترْجِم كلماته إلى عمل، فإنك إذ تتعرى تتبع الصليب حيث العرس، وتصعد سلّم يعقوب الذي يسهل صعوده لمن لا يحمل شيئًا

كما يقول: [يَعد الشيطان بمملكة وغنى ليُحطم الحياة، أمّا الرب فيَعدْ بالفقر ليحفظ الحياة

يقول القديس كبريانوس: [إن كان الكنز في السماء، فيكون القلب والعقل والمشاعر في السماء، ولا يستطيع العالم أن يغلب الإنسان الذي ليس فيه شيء يمكن أن يُغلب. إنك تستطيع أن تتبع الرب حرًا بلا قيود كما فعل الرسول - وكثيرون في أيامهم، الذين تركوا مالهم وأقرباءهم والتصقوا بالمسيح برباطات لا تنفك


يقول القديس أغسطينوس: [إن كانت لديهم الإرادة أن يرفعوا قلوبهم إلى فوق، فليدّخروا ما يحبّونه هناك. فإنهم وإن كانوا على الأرض بالجسد فليسكنوا بقلبهم مع المسيح. لقد ذهب رأس الكنيسة أمامهم، ليت قلب المسيحي أيضًا يسبقه إلى هناك... فإن كل مسيحي يذهب في القيامة إلى حيث ذهب قلبه الآن. لنذهب إلى هناك بذاك العضو (القلب) الذي يمكنه الآن أن يذهب. فإن إنساننا بكلّيته سيتبع قلبه ويذهب إلى حيث ذهب القلب... لنرسل أمتعتنا مقدّمًا إلى حيث نستعد للرحيل

كثيرون نَفَّذوا هذه الوصيّة بطريقة حرفيّة، فمن أجل الدخول إلى الكمال باعوا كل شيء وأعطوا الفقراء، ليكون السيِّد المسيح نفسه كنزهم. لكن فيما هم يبيعون بطريقة حرفيّة باعوا ما في القلب فلم يعد للعالم مكان فيه. فالبيع الخارجي يلزم أن يرافقه بيع داخلي وشراء، أي بيع من القلب مع اقتناء للسيّد المسيح ليملأ القلب، الذي سبق فأسره حب الغنى واهتمامات بالحياة.

هذا ما أكّده الآب موسى، قائلًا: [إننا نرى بعضًا ممن زهدوا أمور هذا العالم، ليس فقط الذهب والفضة، بل والممتلكات الضخمة يتضايقون ويضطربون من أجل سكِّينة أو قلم أو دبُّوس أو ريشة، بينما لو وجَّهوا أنظارهم نحو نقاوة القلب بلا شك ما كانوا يضطربون من أجل الأمور التافهة، فكما لا يبالون بالغنى العظيم، يتركون أيضًا كل شيء


ويقدّم لنا الكتاب المقدّس أبانا إبراهيم مثالًا حيًا للغني الذي باع من قلبه من أجل الرب، مع أنه لم يعش كفقير. ففي الظهيرة كان يترقَّب مجيء غريب يشاركه الطعام، ويطلب من زوجته أن تهيئ الطعام بيديها ولا تتركه لجاريتها وخَدَمها. إنه يعيش كمن لا يملك شيئًا، فقد باع كل شيء، ليس في القلب موضع للغنى أو الهمّ. يظهر ذلك بوضوح في أكثر من موقف، فعندما حدثت مخاصمة بين رعاة مواشيه ورعاة مواشي لوط في محبّة سأل ابن أخيه أن يختار الأرض التي تروق له دون أن يضع قلبه على موضع معيّن، قائلًا له: "لا تكن مخاصَمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك، لأننا نحن أخَوان. أليست كل الأرض أمامك، اعتزل عنّي، إن ذهبت شمالًا فأنا يمينًا وإن يمينًا فأنا شمالًا" (تك 13: 8-9). وعندما أُنقذ لوط والملوك الخمسة والنساء وكل ممتلكاتهم في كسرة كدرلعومر، إذ أراد أن يترك ملك سدوم لإبراهيم الممتلكات مكتفيًا بأخذ النفوس، أصرّ إبراهيم ألاّ يأخذ خيطًا ولا شِراك نعْل، ولا من كل ما هو له (تك14: 23).


=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 10-12-2018 الساعة 09:31 AM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 10-12-2018, 09:34 AM   #237
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710
"الحق أقول لكم أنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات. وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله"
فلما سمع تلاميذه بهتوا جدا قائلين: إذا من يستطيع أن يخلص

فنظر إليهم يسوع وقال لهم: هذا عند الناس غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع

(متى 19 : 24 - 26 )

لم يقل السيِّد "أنه يستحيل"، وإنما "يعسُر"، ومع هذا فإنه إذ بُهت التلاميذ جدًا قائلين: "إذًا من يستطيع أن يخلُص؟" نظر إليهم يسوع ربّما نظرة عتاب مملوءة ترفُّقًا، وقال لهم: "هذا عند الناس غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع" [26]. إنه يعاتب تلاميذه الذين لم يُدركوا بعد أنه ليس شيء غير مستطاع لدي الله. حقًا إن الله قادر أن يعبُر بالجمل من ثقب إبرة، بتفريغ قلب الغَني من حب الغِنى وإلهاب قلبه بحب الكنز السماوي.

للقدّيس جيروم تعليق جميل على ذلك، إذ يقول: [لكن ما هو مستحيل لدى البشر ممكن لدى الله" (مر 10: 27). هذا ما نتعلّمه من المشورة التي قدّمها الرسول لتيموثاوس: "أوْصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يُلقوا رجاءهم على غير يقينيّة الغِنى، بل على الله الحيّ الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتّع، وأن يصنعوا صلاحًا، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة، وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدّخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل لكي يمسكوا بالحياة الحقيقيّة (الأبديّة)" (1 تي 6: 17-19). ها نحن نتعلّم كيف يمكن للجمل أن يعبُر من ثقب إبرة، وكيف أن حيوانًا بسنام على ظهره إذ يُلقي عنه أحماله يمكن أن يصير له جناحيّ حمامة (مز 55: 6)، يستريح في أغصان الشجرة التي نمت من حبّة الخردل (مت 13: 31-32)

يحذّر القديس أغسطينوس الفقراء لئلا يتّكلوا على فقرهم في ذاته كجواز لهم بالدخول إلى الملكوت، قائلًا: [ِاستمعوا أيها الفقراء إلى المسيح... من كان منكم يفتخر بفقره ليَحْذر من الكبرياء لئلا يسبقه الغَني بتواضعه. اِحذروا من عدم الشفقة لئلا يفوق عليكم الأغنياء بورعهم. اِحذروا من السُكر لئلا يفوق عليكم الأغنياء بوقارهم. إن كان ينبغي عليهم ألا يفتخروا بغناهم، فلا تفتخروا أنتم بفقركم

وفي نفس المقال يحذِّر أيضًا الأغنياء قائلًا: [الكبرياء هو الحشرة الأولى للغِنى، إنه العُثْ المُفسد الذي يتعرّض للكل ويجعله ترابًا

مرّة أخرى يحدّث الاثنين معًا فيقول: [أيها الأغنياء اُتركوا أموالكم، أيها الفقراء كُفُّوا عن السلب! أيها الأغنياء وزّعوا إيراداتكم، أيها الفقراء لجِّموا شهواتكم. استمعوا أيها الفقراء إلى الرسول نفسه: "وأمّا التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة" (1 تي 6:6)... ليس لكم منزلًا مشتركًا مع الأغنياء، لكن تشاركونهم في السماء وفي النور. اطلبوا القناعة والكفاف ولا ترغبوا فيما هو أكثر


=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 11-12-2018 الساعة 11:05 AM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11-12-2018, 11:07 AM   #238
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710


فأجاب بطرس حينئذ وقال له: ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك. فماذا يكون لنا

( متى 19 - 27 )


الأنبا بفنوتيوس على هذه العبارة الرسوليّة، قائلًا: [لم يتركوا شيئًا سوى الشِباك البالية، لذلك فإن عبارة "تركنا كل شيء" يُفهم منها ترك الخطايا التي هي بالحقيقة أهم وأخطر... فإن ترك التلاميذ لممتلكاتهم الأرضيّة المنظورة تركًا تمامًا ليس سببًا كافيًا لينعموا بالمحبّة الرسوليّة، ويتسلّقوا بشوق واجتهاد المرحلة الثالثة التي هي شاهقة وتخص قليلين

يقول القديس جيروم: [خادم المسيح الكامل لا يطلب شيئًا بجانب المسيح وإلاَّ فهو ليس بكامل



=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 13-12-2018 الساعة 09:59 AM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 13-12-2018, 09:59 AM   #239
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710


"الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا، تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر. وكل من ترك بيوتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمّا أو امرأة أولادًا أو حقولًا من أجل اسمي، يأخذ مائة ضعف، ويرث الحياة الأبديّة. ولكن كثيرون أوَّلون يكونون آخرين، وآخرون أوَّلين"
[متى 19 : 28-30].


سيقف التلاميذ في يوم الرب العظيم كديّانين للأسباط الاثني عشر، لأن ما كان ينبغي لهؤلاء أن يفعلوه، أي الكرازة بالمسيّا الملك قد تخلّوا عنه ليقوم التلاميذ البسطاء به، تاركين كل شيء من أجل الملكوت.
هذه المكافأة الأبديّة يرافقها مكافأة في هذا العالم "مائة ضعف". يُعلّق الأب ثيوناس على ذلك، قائلًا: [بالأحرى إن جزاء المكافأة التي وعد بها الرب هو مائة ضعف في العالم لمن كان زهدهم كاملًا.... ويتحقّق هذا بحقٍ وصدقٍ. لا يضطرب إيماننا، لأن كثيرين استغلّوا هذا النص كفرصة لبلبلة الأفهام، قائلين بأن هذه الأمور (مائة ضعف) تتحقّق جسديًا في الألف سنة... لكن الأمر المعقول جدًا، والواضح وضوحًا تامًا أن من يتبع المسيح تخِفْ عنه الآلام العالميّة والملذّات الأرضيّة، متقبِّلًا إخوة وشركاء له في الحياة، يرتبط بهم رباطًا روحيًا، فيقتني حتى في هذه الحياة حبًا أفضل، في هذه الحياة مئة مرّة عن (الحب المتأسِّس على الرباط الدموي

لتوضيح ذلك تقول بأن الله يهب المؤمن في هذه الحياة مائة ضعف مقابل ما تركه من أجل المسيح، بجانب الحياة الأبديّة. فالراهب الذي يرفض الزواج يُحرَم من وجود زوجة وأولاد له، فإذا به في حياته الرهبانيّة يتقبّل سلامًا فائقًا، ولذّة روحيّة خلال اتّحاده مع عريس نفسه تفوق كل راحة يقتنيها زوج خلال علاقته الأسريّة.

الراهب الذي يترك بيته بقلبٍ محبٍ بحق يجد البرّيّة كلها بيته، وكما نعلم عن راهب معاصر جاء من أثيوبيا بعد أن باع كل شيء من أجل المسيح، فردّ له الله عطاياه مضاعفة، إذ صارت تستأنِس له الوحوش المفترسة والضارة، فيعيش في البرّيّة في طمأنينة أكثر أمانًا ممن يعيشون في القصور. إنه يملك في قلبه مئات الأضعاف ممّا يملكه الأغنياء وعلى مستوى أعظم!

يقول القديس كيرلس الكبير: [هل يصير الإنسان زوجًا لزوجات كثيرات أو يجد على الأرض آباء كثيرين عِوض الآب الواحد، وهكذا بالنسبة للقرابات الأرضيّة؟! لسنا نقول هذا، إنّما بالأحرى إذ نترك الجسديّات والزمنيّات نتقبّل ما هو أعظم، أقول نتقبّل أضعافًا مضاعفة لأمور كنّا نهملها... إن ترك بيتًا يتقبّل المواضع التي هي فوق، وإن ترك أبًا يقتني الآب السماوي. إن ترك إخوته يجد المسيح يضمُّه إليه في أخوة له. إن ترك زوجة يجد له بيت الحكمة النازل من فوق من عند الله، إذ كتب: "قل للحكمة أنتِ أختي واِدع الفهم ذا قرابة" (أم 7: 4). فبالحكمة تجلب ثمارًا روحيّة جميلة، بها تكون شريكًا في رجاء القدّيسين، وتُضَمْ إلى صحبة الملائكة. وإذ تترك أُمّك تجد أمًّا لا تقارن، أكثر سمُوًّا "أورشليم العُليا التي هي أمّنا (جميعًا) فهي حُرَّة" (غل 4: 26)... فإن من يُحسب مستحقًا لنوال هذه الأمور يُحسب وهو في العالم سامٍ وموضع إعجاب، إذ يكون مزيَّنًا بمجد من قبل الله والناموس
=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 14-12-2018 الساعة 02:10 PM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 14-12-2018, 02:20 PM   #240
asmicheal
احبك ربى ياقوتى
 
الصورة الرمزية asmicheal
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: مصر ام الدنيا - القاهرة
المشاركات: 14,296
انثى
مواضيع المدونة: 11
 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710 نقاط التقييم 1242710

"فإن ملكوت السماوات يشبِه رجلًا رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فعَلَة لكرْمه"
[متى 20 -1]

يشبّه السيِّد ملكوت السماوات برجلٍ رب بيت خرج يستأجر فعَلَة لكرمه، فاتِّفق معهم في الصباح على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، وخرج أيضًا في نحو الساعة الثالثة ليستأجر آخرين قيامًا في السوق كبطّالين وأرسلهم إلى كرمه، وهكذا في نحو الساعة السادسة والساعة التاسعة فعل ذلك، وتكرّر الأمر نحو الساعة الحادية عشر حيث سأل الواقفين كل النهار بطّالين عن وقوفهم هناك، فأجابوا: "لأنه لم يستأجرنا أحد". وفي المساء استدعى رب البيت وكلائه ليعطيهم الأجرة، مبتدئًا من الآخرين إلى الأوّلين. وإذ أعطى فعَلَة الساعة الحادية عشر دينارًا دينارًا، وجاء دور الأوّلين ظنّوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا هم أيضًا دينارًا دينارًا. وفيما هم يأخذون تذمّروا على رب البيت.

من هو هذا الرجل رب البيت الذي يستأجر الفعلة إلا "كلمة الله الحيّ" الذي هو رب السماء والأرض، يرى في خليقته السماويّة والأرضيّة بيته الذي يدبّر أموره ويهتمّ به؟! أمّا كرْمه فهو القلب الذي فيه يُقيم مملكته، كقوله "ملكوت الله في داخلكم". إنه يزرع برّه فينا بروحه القدّوس مُعلنًا ذاته في داخلنا. ملكوته هو تجلّيه فينا!

ما أجمل تعبير السيِّد عن ملكوت السماوات وهو يشبهه برجلٍ رب بيت يخرج من ساعة إلى ساعة عبر النهار كلّه يستأجر فعَلَة من السوق ليعملوا في كرمه. إنه يخرج في الساعات الخمس حسب الترتيب اليهودي باكر والثالثة والسادسة والتاسعة والحادية عشر للعمل طوال اليوم خلال الفَعَلة في كرْمه.

ما هي هذه الساعات إلاّ مراحل حياة الإنسان عِبر كل حياته، فباكر تُشير إلى الطفولة، والثالثة إلى الصبوّة، والسادسة حيث وقت الظهيرة تُشير إلى الشباب، والتاسعة تُشير إلى الرجولة، والحادية عشر إلى الشيخوخة، أي إلى الساعة الأخيرة من حياتنا. هكذا يدعونا الله للعمل منذ طفولتنا المبكّرة مشتاقًا أن يكون كل العمر مكرسًا لحساب ملكوته ويبقى يدعونا فاتحًا ذراعية بالحب لنا حتى اللحظات الأخيرة من عمرنا فإنه لا ييأس قط منّا، مشتاقًا أن نستجيب لدعوته، ونعمل لحسابه. إن الكرم مفتوح لنا والصوت الإلهي لا يتوقّف مادام الوقت يُدعى اليوم، ومازلنا نحمل نفسًا ولو كان الأخير! لهذا يقول الرسول بولس: "عظوا أنفسكم كل يوم مادام الوقت يُدعى اليوم لكي لا يُقسَّى أحد منكم بغرور الخطيّة" (عب 3: 13).

هكذا يخرج السيِّد إلينا ليدعونا للعمل، مشرقًا علينا بنوره ليجعل يومنا كلّه نهارًا بلا ليل، فنعمل بلا توقف، إذ يقول: "ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل. مادمتُ في العالم، فأنا نور العالم" (يو 9: 4، 5). إنه يخرج إلينا ليدعونا لا بالكلام وإنما بالعمل، إذ يعمل فينا أعمال أبيه ليجتذبنا إليه مادام الوقت نهار، ونوره مشرق فينا، لئلاّ نوجد مُصِرّين على عدم قبوله، فنختم حياتنا بليْلٍ قاتمٍ حيث لا يقدر أحد أن يعمل.
مُعلنًا ذاته في داخلنا. ملكوته هو تجلّيه فينا!



ثانيًا: ما أجمل تعبير السيِّد عن ملكوت السماوات وهو يشبهه برجلٍ رب بيت يخرج من ساعة إلى ساعة عبر النهار كلّه يستأجر فعَلَة من السوق ليعملوا في كرمه. إنه يخرج في الساعات الخمس حسب الترتيب اليهودي باكر والثالثة والسادسة والتاسعة والحادية عشر للعمل طوال اليوم خلال الفَعَلة في كرْمه.

ما هي هذه الساعات إلاّ مراحل حياة الإنسان عِبر كل حياته، فباكر تُشير إلى الطفولة، والثالثة إلى الصبوّة، والسادسة حيث وقت الظهيرة تُشير إلى الشباب، والتاسعة تُشير إلى الرجولة، والحادية عشر إلى الشيخوخة، أي إلى الساعة الأخيرة من حياتنا. هكذا يدعونا الله للعمل منذ طفولتنا المبكّرة مشتاقًا أن يكون كل العمر مكرسًا لحساب ملكوته ويبقى يدعونا فاتحًا ذراعية بالحب لنا حتى اللحظات الأخيرة من عمرنا فإنه لا ييأس قط منّا، مشتاقًا أن نستجيب لدعوته، ونعمل لحسابه. إن الكرم مفتوح لنا والصوت الإلهي لا يتوقّف مادام الوقت يُدعى اليوم، ومازلنا نحمل نفسًا ولو كان الأخير! لهذا يقول الرسول بولس: "عظوا أنفسكم كل يوم مادام الوقت يُدعى اليوم لكي لا يُقسَّى أحد منكم بغرور الخطيّة" (عب 3: 13).

هكذا يخرج السيِّد إلينا ليدعونا للعمل، مشرقًا علينا بنوره ليجعل يومنا كلّه نهارًا بلا ليل، فنعمل بلا توقف، إذ يقول: "ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل. مادمتُ في العالم، فأنا نور العالم" (يو 9: 4، 5). إنه يخرج إلينا ليدعونا لا بالكلام وإنما بالعمل، إذ يعمل فينا أعمال أبيه ليجتذبنا إليه مادام الوقت نهار، ونوره مشرق فينا، لئلاّ نوجد مُصِرّين على عدم قبوله، فنختم حياتنا بليْلٍ قاتمٍ حيث لا يقدر أحد أن يعمل.

إن كان الله قد وعد الكل بالدينار، هذا لا يعني أن يؤجِّل الإنسان توبته وطاعته للعمل في كرم الرب، وكما يقول القديس أغسطينوس: [هل أولئك الذين استأجرهم في كرْمه، عندما جاءهم صاحب الكرم في الساعة الثالثة كمثال قالوا له... انتظر إننا لا نذهب حتى الساعة السادسة؟ أو أولئك الذين وجدهم في الساعة السادسة، هل قالوا: إننا لسنا ذاهبين إلاّ في الساعة التاسعة...؟ إذ نعطي الكل بالتساوي، لماذا نذهب ونُتعب أنفسنا أكثر ما يلزم...؟ فإنه ما كان يعطيهم لو لم يذهبوا... بل يجاوبهم: ألا تريدون أن تعملوا الآن يا من لا تعرفون إن كنتم ستعيشون حتى تكبروا في السن أم لا؟ لقد دُعيتَ في الساعة السادسة، تعال، حقًا إن صاحب الكرم يعدك بدينار، إن أتيت في الساعة الحادية عشر، لكنّه لم يعدك أنك تعيش حتى الساعة السابعة؛ لا أقول الحادية عشرة بل ولا السابعة. إذن لا تؤجّل، فإن الذي دعاك يؤكّد لك المكافأة، لكن الأيام غير مؤكدة

القديس أغسطينوس أيضًا: [إن السيِّد في هذا المثل قد فتح الباب للجميع، فلا ييأس أحد، إنه يكرّر الدعوة قابلًا الجميع، لكن لنبدأ أيضًا لئلا نتحطّم بالرجاء الفاسد خلال التأجيل، إذ يقول: لا تؤجل، لا تغلق أمامك الباب المفتوح الآن. هوذا واهب المغفرة فاتح الباب أمامك، فلماذا تؤجِّل؟ لتبتهج، فإن الباب مفتوح وأنت لم تقرع، لكن هل يبقى مفتوحًا إلى الأبد بالنسبة للذين سيقرعون ويبقون خارجًا...؟ إنك لا تعلم ما سيحدث غدً

ثالثًا: دعوة السيِّد لنا للعمل في كرمه ليست فقط دعوة عمليّة ومستمرّة عبر كل حياة الإنسان من طفولته حتى شيخوخته، وإنما هي أيضًا دعوة للإنسانيّة عِبر التاريخ كلّه من مهدِه حتى نهايته على الأرض. يقول الأب غريغوريوس (الكبير): [لا يوجد زمن توقّف فيه الرب عن إرسال فعَلَة للعمل في كرْمه، أي تعليم شعبه

الله ينزل إلينا عبر التاريخ كله، من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل، وكأنّه من ساعة إلى أخرى، يطلب فعَلَة يستأجرهم من السوق، لكي يدخل بهم إلى كرْمه الإلهي، ليهبهم المكافأة الأبديّة عند مساء حياتنا الزمنيّة.


* يا لهذه النعمة العظيمة التي لا توصف! إبراهيم المؤمن لم يدخل بعد الفردوس... أمّا اللص فدخله. وموسى لم يدخل، أمّا هذا اللص فدخله بالرغم من مخالفته الناموس.

وهذا ما يقوله القدّيس بولس الرسول مندهشًا: "حيث كثرت الخطيّة ازدادت النعمة جدًا" (رو 5: 20). إن هؤلاء الذين احتملوا ثقل النهار وحده لم يدخلوا بعد، أمّا صاحب الساعة الحادية عشرة فدخل. فلا يتذمّر أحد على رب البيت لأنه سوف يقول له: يا صاحب ما ظلمتَك؛ أو ما يحلّ لي أن أفعل ما أريد بمالي؟[729]

القديس كيرلس الأورشليمى


رابعًا: وللعلامة أوريجينوس تفسير رمزي لهذه الساعات الخمس، فإنها وإن كانت تُشير إلى الحقبات الخمس السابقة (آدم، نوح، إبراهيم، موسى، السيِّد المسيح)، لكنها تمثّل دعوة الله لنا خلال الحواس الخمس لكي ما يدخل إلى قلبنا ويقيم مملكته فينا



=

التعديل الأخير تم بواسطة asmicheal ; 18-12-2018 الساعة 07:43 AM
asmicheal غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اية وتامل عن الخوف حبيب يسوع المرشد الروحي 1 05-08-2015 01:39 PM
اية وتامل حبيب يسوع المرشد الروحي 0 08-05-2013 01:24 PM
من التكنولجيا نتامل مينا اميل كامل المرشد الروحي 0 27-04-2013 10:21 AM
ايه وتامل +SwEetY KoKeY+ المنتدى المسيحي الكتابي العام 16 22-04-2009 12:46 AM
ايه وتامل mansour المنتدى المسيحي الكتابي العام 7 31-03-2009 11:29 PM


الساعة الآن 06:08 AM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2019، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة