منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية المنتدى المسيحي الكتابي العام

إضافة رد

الموضوع: تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين

أدوات الموضوع
قديم 27-06-2017, 05:06 PM   #241
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
3:6 فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى جَبَلٍ وَجَلَسَ هُنَاكَ مَعَ تلاَمِيذِهِ.
4:6 وَكَانَ الْفِصْحُ عِيدُ الْيَهُودِ قَرِيباً.

‏المسيح هنا وحده على التل مع تلاميذه والشعب كله تحت التل يرى ويسمع. القديس يوحنا يود أن يدخلنا معه في هذا المنظر ليتحضر في ذهننا نفس منظر موس النبي على الجبل، بعد أن أكمل الفصح الأول ومسح عار العبودية عن الشعب المذلول، وعبر إلى سيناء يتنسم رائحة الحرية، وكان الشعب كله واقفاً ليسمع ويرى ويرتعب: «وقال لموسى اصعد إلى الرب أنت وهرون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل، واسجدوا من بعيد, ويقترب موسى وحده إلى الرب وهم لا يقتربون، وأما الشعب فلا يصعد معه.» (خر1:24-2)
‏وعلى القارىء أن يتذكر دائمأ أن حلول عيد الفصح عند اليهود كان يوقظ فيهم مشاعر الحرية التي فقدوها تحت عبودية الرومان، وكانوا يتحرقون شوقاً إلى المخلص الذي تكلم عنه موسى ليعيد إليهم الحرية ويخلصهم من نير الرومان. فكانت حساسيتهم مرهفة للغاية، يصورها هنا القديس يوحنا أروع تصوير بكلمات مختصرة للغاية، نتمنى أن لا تفوت على مشاعر القارىء. إذ أن كل كلمة تحمل كما من المشاعر يصعب سردها. ولكن إذا وضعنا الكلمات الأسامية بجوار بعضها حينئذ ينكشف سر الآنجيل:
‏«صعد يسوع على الجبل» _ «عيد الفصح» _ «أكلوا وشبعوا» _ «هذا هو بالحقيقة النبي» _ «علم يسوع أنهم مزمعوم أن يختطفوه ليجعلوه ملكاً».
‏إذن، فالآنجيل يضعنا داخل مشهد من المشاهد الحية التي عاشها الرب وسط شعب أخفق في الرؤيا، إذ انتهى إلى قرار حاسم أن المسيح نبي، وكان عليه حتماً أن يصححح ويكشف عن حقيقة نفسه أنه ليس موسى جديداً بل هو هو الرب الإله، وأنه ليس موسى الذي عليه أن يذبح الفصح للشعب بل هو هو الفصح نفسه، الخروف المذبوح الذي يتحتم أن يؤكل لحمه، ولكن لأنه هو حمل الله الذي دمه بروح أزلى، فكان, بخلاف الفصح الأرضي, يلزم أن يُشرب دمه أيضاً!!
‏وإن كان فصح مصر الأول عهد خلاص من عبودية مصر، فالمسيح فصح خلاص أبدي لحياة أبدية.
‏فالرب صعد إلى الجبل وقلبه مملوء بهذه الرؤيا, ألم يسمع المسيح بأذنيه ما قاله يوحنا المعمدان عه: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يو29:1)؟ ثم ألم يضع المسيح في نفسه أنه الراعي الصالح الذي يضع نفسه عن الخراف؟ والآن هوذا الخراف اجتمعت حوله على سطح التل كما يصفها إنجيل القديس مرقس (34:6): «فلما خرج يسوع، رأى جمعاً كثيراً, فتحنن عليهم, إذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدأ يعلمهم كثيراً». وبدأ الرب يقسم الخبز ويعطي وكأنه يقتطع من لحمه ودمه ليطعم الخراف الجائعة. أكل الشعب وشبع ولم يدر ماذا أكل، إذ حسب اليهود أنهم أكلوا خبز الأرض, ولكن الرب وحده كان يعلم ماذا أعطى وماذا سيعطي.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 27-06-2017, 05:09 PM   #242
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
5:6 فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعاً كَثِيراً مُقْبِلٌ إِلَيْهِ فَقَالَ لِفِيلُبُّسَ: «مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزاً لِيَأْكُلَ هَؤُلاَءِ؟».
6:6 وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِيَمْتَحِنَهُ لأَنَّهُ هُوَ عَلِمَ مَا هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَفْعَلَ.
7:6 أَجَابَهُ فِيلُبُّسُ: «لاَ يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِئَتَيْ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئاً يَسِيراً».


القديس يوحنا يهتم هنا بحوار المسيح مع فيلبس، ومنذ بداية الآنجيل والقديس يوحنا يركز على شخصية فيلبس، فهو التلميذ الذي لم يأتى إلى المسيح، بل المسيح هو الذي ذهب إليه في البداية ليدعوه (يو43:1), وهو الذي في النهاية بعد زمان طويل مع المسيح هذه مدته، ودون جميع التلاميذ، يسأل الرب: «يا سيد أرنا الآب» مما أدهش الرب فرد عليه لائماً: «قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس» (يو8:14-9). وهنا وفي هذا الأصحاح، بادره الرب بالسؤال: «من أين نبتاع خبزاً ليأكل هذا الجمع؟», فلم يكتف فيلبس بصعوبة السؤال من جهة «من أين نبتاع الخبز»، إذ أضاف إلى السؤال صعوبة أخرى هي الأئم عنده إذ «بكم يتكلف هذا الخبز». الرب هنا يريد أن يكشف وضع فيلبس بالنسبة للرسالة.
‏فيلبتس يتبع الرب، ولكن بحساباته الخاصة وفي أضيق حدود الإيمان الشكلي، الرب اختاره لمميزات خاصة في أخلاقه المستقيمة وطيبة قلبه وقدرته في اتباع الرب, ولكن لم تكن له حرارة الإيمان بالرب، وبطولة المغامرة لتحقيق متطلبات الإيمان الحي؛ وكان على الرب أن يكشف له، بل يكشف لنا، بل يكشفنا معه، أن هذا الإيمان الهزيل, بل الميت, لا يوافق الإيمان المسيحي الحي القائم على قدرة الرب الفائقة. وكأن معجزة إشباع الخمسة الألاف من خمس خبزات، مقصودة قصداً لتحطيم حسابات الأرقام والتحفظات التي يضعها العقل القاصر، والحكمة الإنسانية ‏الكاذبة، في طريق اتباع الرب إلى الصليب, ثم إلى المجد والحياة الأبدية. فإما الحسابات والأرقام مع العقل، ومعها الشح والعوز إن في الأخذ أو العطاء؛ وإما الإيمان بالمستحيل مع الله ومعه الشبع الفائض والسخاء في التوزيع والحياة الأفضل.
‏وليس جزافاً أن يسترعي انتباه القديس يوحنا إهتمام المسيح الشديد بفيلبس لامتحان قلبه قبل البدء بالمعجزة. فالمقصود هو القارىء والكنيسة كلها، لكي يمتحن الإنسان قبل البدء بالمعجزة فيكون على مستوى الإيمان بالمسيح كرب وإله، وهو يقرأ ويتأمل ليحصل على نصيبه هو أيضاً من شبع الحياة، بل ومن الفائض أيضاً.
‏ولينتبه القارىء جداً أن المسيح جاء، ليس ليسد الأعواز، بل ليملأ ويفيض، فهو القائل: «... أتيت لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل» (يو10:10)، حيث الترجمة «أفضل» هنا قاصرة جدا، لأن معناها الحرفي بحسب اللغة اليونانية: حياة الكثرة والفيض والسمو اللانهائي, وهذه الأوصاف تليق فقط بالحياة الأبدية. فنحن مدعوون، ليس فقط لأن نؤمن به كرب وإله في ذاته، بل وأن نؤمن أن في يديه شبع سرور: «تعرفني سبل الحياة، أمامك شبع سرور، وفي يمينك نعم إلى الأبد» (مز11:16). فمن أهم وأعظم أوصاف الحياة الأبدية التي يعطيها الله لمتقيه، الفيض في الحب والسرور والسلام والشبع حتى الملء في الأخذ والعطاء. ومن أوصاف الله الملازمة له أنه «غني في المراحم» (أف4:2)، بل وغني جداً.
‏«فرفع يسوع عينيه ونظر أن جمعاً كثيراً مقبل إليه, فقال لفيلبس: من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء. وانما قال هذا ليمتحنه لأنه هو علم ما هو مزمع أن يفعل»: لقد كانت صفة المسيح الاولى مع تلاميذه أنه «المعلم»، ولقد كانت وسيلة الرب للارتقاء بإيمان تلاميذه هي التلقين والتعليم والإمتحان. فبالرغم من أنه كان يعلم ما هو مزمع أن يفعله، ولكنه وضع فيلبس أمام السؤال الحرج للامتحان: «من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء»؟ وتركه يقدر دون أن يوعز إليه بالحل. ولقد اكتشف فيلبس بعد أن أكمل الرب المعجزة مقدار القصور المريع الذي وقع فيه، إذ تحطمت كل حساباته. وهذه هي نفسها الإمتحانات التي يضعها المسيح أمام كنيسته وتلاميذه كل يوم، ولا تزال مشكلة الحصول على «المئتي دينار» هي المشكلة الوحيدة أمام حسابات عدم الإيمان، لأنه بحسب أصول حسابات عدم الايمان يكون الوضع الإقتصادي والمادي هو الحل الأساسي لانتعاش المشاريع والذي ينتهي بها دائماً إلى الإفلاس الروحي. فنحن الآن نقرأ على كل مؤسسة الإعلان الحزين بمقتض حسابات عدم الإيمان «مطلوب مئتي دينار لإشباع الجموع» ويجمع مليون جنيه, ولا تزال الجموع جائعة للحق.
‏هنا السؤال الساخر الذي على فم كل إنسان ناقد: وهل السماء تمطر ذهباً؟ وهو نفس القول الساخر الذي وجهه الشيطان للمسيح، والذي واجهه الرب وهو في أشد محنة الجوع الحقيقي: «قل أن تصير هذه الحجارة خبزاً» (مت3:4). هذا في الواقع معناه الروحي هو محاولة تقييد عمل الله بفرض حلولنا العاجزة بحسب أصول حسابات عدم الإيمان. وعليه, يتحتم أن ندرك أن الإيمان وحده هو الذي يخلق الحلول لأصعب المشاكل, بل يخلق المواعيد: «بالإيمان قدم إبراهيم إسحق وهو مُجرب، قدم الذي قبل المواعيد وحيده.» (عب17:11)
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 28-06-2017, 07:21 PM   #243
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
8:6 قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تلاَمِيذِهِ وَهُوَ أَنْدَرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ القديس بطرس
9:6 «هُنَا غُلاَمٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ وَلَكِنْ مَا هَذَا لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ؟».

‏مرة أخرى يلقي علينا الآنجيل درساً ثميناً في إحترام الإمكانيات الضعيفة والمواهب الصغيرة. من يستطيع أن يصدق أن هذا الغلام الصغير المجهول الهوية يتدخل تدخلاً مباشراً في تكميل معجزة كبيرة بهذا الحد؟ لم تكن تدري أمه حينما دست في مخلاته هذه الأرغفة الشعير الخمسة والسمكتين على عجل, حينما ألح عليها للسماح له باللحاق بالمعلم مع الأهل والصحاب؛ ويا لفرحة الأم حينها أتاها ولدها في المساء يجري ويطفر ويلهث يقص عليها، وهو مقطوع الآنقاس, قصة أرغفتها الخمسة والسمكتين، التي أمسكها الرب بيديه, وباركها فأشبعت آلاف الرجال والنساء والأطفال، والأم تسمع وهي ذاهلة لا تريد أن تصدق, ومن يصدق أن مشاعر الأمومة الحانية نحو حبيبها الصغير تتحول هكذا إلى بركات فائضة في يدي الرب خلال «خمسة أرغفة شعير وسمكتين».
‏خبز الشعير أرخص من خبز القمح وهو غذاء الفقراء، وهذا تماد في إظهار ضعف عطايانا التي يمكن أن يباركها الله لتصير لملء الشبع والغنى، أما السمكتان فبحسب تحقيقات علماء الكتاب المقدس, كانتا مملحتين، وهي عادة أهل السواحل في الإحتفاظ بفائض أسماكهم. وقد أتت الكلمة اليوناية ( ) لتفيد أنها من نوع الأسماك الصغيرة التي نسميها في اللغة الدارجة «بساريا».
«ولكن مأ هذا لمثل هؤلاء»:
‏هذه مقارنة حسابات تؤدي إلى الطرق المسدودة والآبواب المغلقة. وهي مقارنة أعوازنا واحتياجاتنا بالنسبة لأرصدة إيماننا، وهي دائمأ بالناقص، والفشل مصيرها المحتم. ولكن كم مئات وألوف الأشخاص اعتمدوا على حسابات الخمس الخبزات والسمكتين، وهي حسابات الإيمان الذي يصرف من مخازن الله السرية المملوءة دائمأ حتى الفيض, فأقاموا مئات وألوف من مشاريع البر للفقراء والأيتام والمعوزين، قامت ونجحت وآوت الملايين على مر العصور وكان دليلها الإقتصادي الوحيد الخمس الخبزات والسمكتين.
‏إذن، فلتذكر على الدوام هذه المعادلة الإيمانية أن خمسة فقط مضروبة في الإيمان تساوي خسة آلاف زائد اثنتي عشرة قفة.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 28-06-2017, 07:23 PM   #244
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
10:6 فَقَالَ يَسُوعُ: «اجْعَلُوا النَّاسَ يَتَّكِئُونَ». وَكَانَ فِي الْمَكَانِ عُشْبٌ كَثِيرٌ فَاتَّكَأَ الرِّجَالُ وَعَدَدُهُمْ نَحْوُ خَمْسَةِ آلاَفٍ.

‏يلاحظ القارىء هنا أن الرب أمر التلاميذ أن ينظموا الجموع إعداداً للأكل. فمن الناحية العامة قال لهم أن «اجعلوا الناس»، وهنا تُستخدم كلمة ( ) ‏لتفيد الرجال والنساء والأطفال عامة. ثم أمر أن يجلس الرجال بترتيب، وهنا تستخدم كلمة ( ) ‏وهي تعني الرجال فقط ، حيث تذكر الآناجيل الأخرى أن الرب أمر أن يكونوا مجموعات، مئة مئة وخمسين خمسين: « فأمرهم أن يجعلوا الجميع يتكئون رفاقا رفاقا على العشب الأخضر. فاتكأوا صفوفا صفوفا، مئة مئة وخمسين خمسين.» (مر39:6-40)
‏ يلاحظ أن النساء والأطفال لم يُحسبوا ضمن العدد وذلك حسب عادة اليهود, لأنهم يستثنون النساء والأولاد من التعداد, وكذلك لأن عددهم يبدو أنه كان صغيراً.
‏كما يلاحظ القارىء وضوح فكرة الاهتمام بالنظام والترتيب «رفاقا رفاقا» والتي تأتي باليونانية ( )، ثم الصفوف تتكون من مجموعات مجموعات ( ) وهذا الوصف لا يأتي إلا في وصف الحدائق بنظام مجموعات الزهور كل مجموعة معاً. فانظر أيها القارىء وتأمل. وسبق أن نبهنا أن ظهور العشب الأخضر يناسب بالفعل ‏زمن قرب الفصح وهو نهاية أشهر الربيع (أبريل) بعد الشهور المطيرة، وكأن الآناجيل اتفقت معا لتقدم لنا صورة مبدعة نمقها روح المسيح الجمالية، مما أبهرت عيون التلاميذ، وجعلت هذه المعجزة مرسومة بدقة في أذهانهم.
‏كما أن الآناجيل ذكرت العشب الأخضر بتوضيح مما يزيد الرواية واقعية, أن الراوي شاهد عيان، وهو يستحضر لأذهاننا وصف المزمور للمسيح الراعي للخراف: «الرب راعي فلا يعوزني شيء ، في مراع خضر يربضني إلى مياه الراحة يوردني.» (مز1:23-2)
‏وفي الحقيقة نستطيع أن نستشف من وصف القديس. يوحنا وبقية الآناجيل صورة ما كان يجري في قلب المسيح. فالمشهد يعود بنا إلى سفر الخروج ويستحضر إلى ذهننا منظر شعب إسرائيل بعد أن رأى الله على الجبل، كيف جلسوا على السفح وأكلوا وشربوا في حضرة الله: «ثم صعد موس ... ورأوا إله إسرائيل (بحسب ما تراءى لهم) وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا» (خر9:2-11)
‏فهذا الذي حدث في سفر الخروج ما هو إلا نبوة إفخارستية من الدرجة الاولى، حققها المسيح على المستوى السري الملموس، حيث اجتمع فيها للانسان رؤية الله والاكل والشرب في حضرته, وهو نفس ما يصرخ به الشماس على المذبح في بداية القداس الإحتفالي: (أيها الإكليروس وكل الشعب، بطلبة وشكر، بهدوء وسكوت, ارفعوا أعينكم إلى ناحية المشرق لتنظروا المذبح, وجسد ودم عمانوئيل إلهنا موضوعين عليه ...)
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 28-06-2017, 07:24 PM   #245
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
ج- إشباع الجموع
وَأَخَذَ يَسُوعُ الأَرْغِفَةَ وَشَكَرَ وَوَزَّعَ عَلَى التّلاَمِيذِ وَالتّلاَمِيذُ أَعْطَوُا الْمُتَّكِئِينَ. وَكَذَلِكَ مِنَ السَّمَكَتَيْنِ بِقَدْرِ مَا شَاءُوا.

وأخيراً أخذ يسوع الخمس أرغفة على يديه وشكر. وهكذا بدأت قصة البركة العظمى في حياة الإنسان. وهنا تمت عملية التحول السري العجيب؛ فالمادة الميتة أخصبت بروح الحياة، فتحول المحدود إلى اللامحدود، والقليل إلى الكثير الفائض بلا حدود، والخبز البائد إلى عينة لخبز حي يحمل سر الله ، يتكاثر دون أن يخضع لأية معادلة أو نسبة يعقلها أو يفهمها الإنسان. لقد تحولت كل لقمة في يد الرب إلى نعمة, يأكلها الجاهل فيحس بالشبع ولا يعرف من أين أتاه الشبع فيطلب المزيد, ويأكلها المؤمن فتنفتح عيناه ويمسك باليد التي ألقت في قلبه بالنور. هي خبزة شعير في فم الجائع المتلهف لملء البطن، وهي جوهرة ثمينة عليها ختم الآب في عين الجائع لروح الله. هي لقمة سائغة لذيذة في فم الأحمق، وهي نفسها للحكيم جمرة نار تحرق الخطية وتزيل العار عن الذي تنجست شفتاه. هي لقمة لسد جوع الجسد اكلها الجليليون فشبعوا, وهي السر الذي تشتهي الملائكة أن تطلع عليه (ابط12:1)، بل والآنبياء والملوك اشتهوا مجرد أن يروها فلم يروا (لو24:10).
‏ولينتبه القارىء، فحينما يقول الآنجيل إن المسيح «شكر», أي شكر الآب, فهو يشرك الآب في البركة ويثبت أنه «خبز» بحسب مشيئة الآب. وهذا هو «ختم الآب». ولهذا أيضا لا يتم فعل السر في الإفخارستيا إلا بالدعاء باسم الآب والابن والروح القدس .
‏وتأتي كلمة «شكر» بلفظها السرائري (من إفخارستية) في إنجييل القديس يوحنا فقط، وهي الفعل المسيحي المقابل للفظ اليهودي ( ) أى «بارك»، الذي استخدم في الآناجيل الأخرى.
‏ولكن يلاحظ القراء الذين يشتغلون بمفهومات إجراء سر الإفخارستيا، أن بعد الشكر يلزم فعل «كسر»، وهي اللفظة الملازمة دائمأ وحتما لفعل الإفخارستيا. «وبارك وقسم» كما جاءت في الآناجيل الأخرى، «وباركه وقسمه، وأعطاه ... » ( القداس الإلهي) .
‏ولكن القديس يوحنا يلتزم بمفهوم عجيب حقا بالنسبة للفصح الحقيقي الذي ذُبح من أجلنا، أي جسد يسوع على الصليب. إذ اهتم القديس يوحنا جداً أن يذكر أن ذبيحة المسيح العظمى لم يُكسر لها عظم. «وأما يسووع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات .. لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه» (يو33:19-36). لذلك، وبالرغم من أن الآناجيل الأخرى اهتمت أن تذكر الفعل الإفخارستي الملازم للبركة وهو «كسر» الخبز، توضيحاً أن الرب أجرى فعلاً إفخارستياً للخمس خبزات؛ نجد القديس يوحنا, وبعكس المألوف, لا يذكر الكسر بالمرة إمعاناً منه لمطابقة اكثر حرفية بين الفعل الإفخارستي الذي أجراه على الخمس خبزات وبين الفعل الإفخارستي الذي تم في جسده الذي لم يُكسر على الصليب!
‏فانظر أيها القارىء وتأمل في قدرة القديس يوحنا للربط المذهل بين الآية التي أجراها المسيح وبين تطبيقها الذي تم على الصليب. وكأنه يود أن يقول إن الخبز الحي النازل من السماء، الذي هو جسده، الذي قدمه على الصليب عن حياة العالم كله, لا يتجزأ ولا يكسر بل يُعطى ككل: «من يأكلني فهو يحيا بي» (يو57:6). وهذا المفهوم يلزمنا نحن أيضاً، فنحن حينما نتناول من سر الذبيحة المقدمة على المذبح, إنما نتناول، ليس كسرة خبز، بل المسيح كله. كما نلاحظ أن كلمة «شكر» و «وزع» على التلاميذ تأتي بنفس الوضع الإفخارستي كما جاء في سر العشاء الأخير.

التعديل الأخير تم بواسطة ميشيل فريد ; 28-06-2017 الساعة 07:30 PM
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 28-06-2017, 07:26 PM   #246
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
12:6 فَلَمَّا شَبِعُوا قَالَ لِتلاَمِيذِهِ: «اجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْءٌ».
13:6 فَجَمَعُوا وَمَلَأُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مِنَ الْكِسَرِ مِنْ خَمْسَةِ أَرْغِفَةِ الشَّعِيرِ الَّتِي فَضَلَتْ عَنِ الآكِلِينَ.

‏يلاحظ في التفسير اللفظي أن كلمة «شبعوا» تُرجمت هكذا إلى العربية خطأ، لأن أصلها اليوناني ( ) معناه «امتلأوا». وهذا الفعل يأتي ليس فقط لكي يفيد الشبع من الجوع بل ليفيد «الملء», حيث يمتد المعنى عند القديس يوحنا إلى الناحية الكلية أي الملء النفسي والروحي بالراحة والسرور. أما كلمة «الشبع» من الجوع فقط فقد أوردها القديس يوحنا في كلام المسيح للتعبير العكسي عند الذين لم يدركوا السر: الحق الحق أقول كم أنتم تطلبوني ليس لأنكم رأيتم آيات، بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم» (يو26:6)؛ حيث «شبعتم» باللغة اليونانية ( ). والمعنى المقصود واضح، أن الرب أعطاهم أن يذوقوا خبز الإفخارستيا ليمتلئوا حياة «ونعمة» وسروراً وتفتح أعينهم فيدركوا سر الرب، ولكنهم أغفلوا ما ذاقوه من نعمة وسعادة وجروا وراء شهوة بطونهم وجهالة عقولهم وطلبوا منه بعد كل ذلك أن يصنع لهم آية، كنن يُحدر لهم مناً من السماء مثل موسى ليأكلوا ويشبعوا مجاناً. هذا هو أسلوب القديس يوحنا في استخدام الألفاظ للتعبير عن المعاني العميقة التي تحتاج إلى تعمق وفحص دقيق, أما الآناجيل الأخرى فاكتفت بكلمة «الشبع» بمعنى ملء البطن فقط (مت20:14 ومر42:6 ولو17:9).
‏ومما يزيد هذا التفسير يقيناً، أنه بالرغم من أن إنجيل القديس مرقس ذكر أن التلاميذ جمعوا من الكسر اثتي عشرة قفة «ملوءة» حيث جاءت كلمة «مملوءة» باللفظ اليوناني ( )، نجد أن القديس يوحنا لم يشأ أن يذكر كلمة «مملوءة» بالنسبة للقفف، فكلمة «الملء» كانت عند القديس يوحنا ذات عمق كبير ولم يستخدمها قبل ذلك إلا في معنى «ملء المسيح»، «ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا ونعمة فوق نعمة.» (يو16:1)
‏وفي وصف الإفخارستيا في «الديداخي» تأتي أيضا كلمة «الملء» بالنبسة للأكل من الإفخارستيا هكذا:‏(فإذا امتلأتم (أي شبعتم) أعطوا شكراً ...)
‏وأما كلمة «الكسر» فلم ترد في كتب العهد الجديد إلا في قصة إشباع الجموع في الأربعة الآنا جيل. وفي العهد القديم أتت مرتين ولكن ليس بنفس المعنى إذ أتت في صيغة «فتات» «لأجل حفنة شعير ولأجل فتات من الخبز» (حز19:13)، وكذلك في سفر القضاة جاءت بالمفرد: «أسند قلبك بكسرة خبز» (قض5:19‏). وقد دخلت بصيغة الفعل في طقس الإفخارستيا بصورة ملازمة لـ «بارك وكسر»، وعند القديس بولس: «الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح» (1كو16:10‏)
‏أما كلمة «قفة» فتأتي في اليونانية بنفس اللفظ ويظن أنها كانت تستخدم مع الجموع لملء العليقة لإطعام الدواب التي كان يركبها الناس. أما كلمة «سل» التي جاءت في نفس الوضع بالنسبة لمعجزة إشباع الآربعة الآلاف فجاءت باليونانية ( )، وقد وردت هي نفسها في سفر الأعمال (25:9)، وتحت كلمة «زنبيل» (2كو33:11)، وكانت تتسع رجلا جالسا فيها. ومن هذا يتضح لنا حجم الققة في ذلك الوقت.
‏ويلاحظ أن إنجيل القديس يوحنا هو الوحيد الذي ذكر أن الرب بنفسه هو الذي أمر التلاميذ أن يجمعوا الكسر الفاصلة, وأضاف إضافة ذات قيمة إفخارستية عالية للغاية حينما ذكر السبب: «لكي لا يضيع شي».
وهنا يلزم أن ننتبه أن المسيح ركز على الخبز وحده دون السمك، لكي تُجمع كل كسرة، ثم أردف أن ذلك لكي «لا يضيع منه شيء». هذه الجملة ذاتها نسمعها من فم الرب بعد ذلك على مستوى النفوس المؤمنة: «وهذه مشيئة الآب الذي أرسلني أن كل ما أعطاني لا يتلف منه شيئاً بل أقيمه في اليوم الأخير» (يو39:6). إذن، فقول الرب بالنسبة للكسر الفاضلة «لكي لا يضيع ممها شيء»» إشارة بليغة أن الخبز الذي باركه «إفخاريستياس» قد تحول إلى خبز إفخارستي مقدس، فلا ينبغي أن يتلف منه شيء، وهو يرمي من بعيد لتصوير المؤمينن الآكلين من جسده. علما بأن كلمة «لا يضيع» وكلمة «لا يتلف» المترادفتين في اللغة العربية، جاءتا في الأصل اليوناني بتركيب واحد بمعنى «ينحل». وفي شرح المسيح لمعنى الخبز الحي ذكر الخبز الذي يتلف أو يضيع بكلمة «البائد» وهي نفس الكلمة اليونانية ( )
‏كذلك فإن اهتمام الرب بأن يجمع التلاميذ الكسر الفاضلة وإعطاء السبب لذلك لكي «لا يضيع منه شيء» إشارة أخرى ذات هدف بعيد وعميق. فهو يقارن بين الخبز الإفخارستي، أي «خبز الشكر» السري في العهد الجديد، وبين «المن» الذي أكله الشعب في البرية بالضيق، والذي كان لا يفضل منه شيء، إذ كان على قدر حاجتهم اليومية فقط: «ولما كالوا بالعمر (عشر القفة) لم يُفضل المُكثر، والمقلل لم ينقص. كانوا قد التقطوا كل واحد على حسب أكله» (خر18:16). كذلك, فكان إذا طمع أحد في إبقاء شيء منه، فإنه كان يتلف وينتن: «لكنهم لم يسمعوا لموسى, بل أبقى منه أناس إلى الصباح فتولد فيه دود وأنتن فسخط عليهم موسى.» (خر20:16)
‏وواضح الآن من قول الرب باهتمام أن تُجمع الكسر الغاضلة لكي لا يضيع منها شيء, أن هذا في الحقيقة إشارة إلى أن هذا الخبز الإفخارستي المقدس ليس خبز العوز والحاجة فقط بل خبز الزيادة والفضلة والكثرة: «أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل (زيادة)» (يو10:10)، كما هو أيضاً إشارة إلى أنه ليس للضياع والتلف، بل هو خبز ينبغي أن يبقى، بمعنى أن الذي يأكله بعين مفتوحة وقلب مؤمن لا تضيع حياته ولا تتلف بل تبقى وتحيا. وهذه المعاني العميقة سيعود الرب و يشرحها بدقة على مستوى «الخبز الحي» النازل من السماء الذي يعطيه هو، أي جسده، في مقارنة واضحة مع المن الذي أكله آباؤهم وماتوا. ولكن ما أشهى المعاني المستترة في هذا الآنجيل العجيب!!!
‏ويلاحظ القارىء أن من هذه الإشارة التي اهتم بها الرب: أن يجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع منها شيء، أخذت الكنيسة منذ البدء نفس هذا الاهتمام وطبقته على كسر الخبز السري, أي جسد الرب في سر الإفخارستيا، حيث يجتهد الكاهن والشماس معاً أن يجمعوا الفتات المتبقية في الصينية بعد توزيع الجسد ويلتقطها الكاهن باهتمام حتى لا يضيع منها شيء.
‏كما أن جمع الكسر المتفرقة معاً في اثنتي عشرة قفة لا يزال يحمل معنى روحيأ متسعاً. فقد اتحذته الكنيسة في طقس الإفخارستيا ليشير إلى جمع شمل المتفرقين من أبناء الله، بل ورفعت الكنيسة في الطقس الإفخارستي دعاءها الرسمي على هذا المعنى بالذات، وذلك في ترتيب طقس ليتورجية «الديداخي»، التي يُظن أنها من وضع الرسل أنفهسم [أما بخصوص «المكسور» ( أي الخبز المكسور) فقولوا هكذا: نشكرك يا أبانا ... كما كان هذا «المكسور» (أي الخبز المكسور) مبعثراً فوق التلال (قمحاً) ثم جُمع معآ وصار واحداً، هكذا اجعل كنيستك تجتمع معاً من أقاصي الأرض إلى ملكوتك]
‏ومع الفحصر والتدقيق، نجد أن نفس الكلمات بلفظها اليوناني التي جاءت هنا في هذه الإفغارستيا، جاءت في معجزة كسر الخمس خبزات وجكع الكسر التي فضلت. وهذه الكلمات هي «كسر الخبز»، و«شكر»، «على الجبل»، «اجمعوا» و«تجمعت معاً». فإذا أضفنا إليها ما ذكر في إنجيل القديس يوحنا من محاولة جعل المسيح ملكاً بعد معجزة الخمس خبزات مباشرة، تكون قد تطابقت أيضا كلمة « ملكوتك» الواردة في الديداخي مع «المسيح كملك».
‏و بالنهاية نستطيع أن نقول إن رواية إشبعام الجموع من الخمس خبزات بكل تفاصيلها جاءت بوضع إفخارستي غاية في العمق الروحي، أخذته الكنيسة حتى بكلماته وحروفه، إلى درجة أن الكنيسة في العصور الاولى كانت تفضل أن يكون الخبز الإفخارستي من الشعير
‏أما التدقيق في كون الكسر قد جُمعت في اثنتي عثرة قفة، فهذا إشارة واضحة إلى جمع أبناء الله المتفرقين في كنيسة الرسل الاثني عشر المتحدة، في شخص يسوع.
‏كذلك لا يفوتني أنا كاتب هذه السطور ان أحكي للقارىء أن في أيامي وجدت تدقيقاً زائداً عن الحد في البيوت في جمع كسر أو فتافيت الخبز بوجه خاص بعد الأكل باهتمام بالغ، بإحساس جعلني شديد الآنتباه والسؤال دائماً في ذهني, لماذا هذه المبالغة في جمع الكسر أو فتافيت الخبز خاصة؟ وإني رأيت بعيني أن أمي كانت تجمع الكسر وتقبلها قبل أن تضعها في سلة الخبز بعد الأكل. وأخيرأ أدركت أن التراث القبطي لا يزال مطبوعأ بقصة الخمس خبزات، وأن البيت القبطي كان وربما لا يزال يعايش إنجيل يوحنا، بل المسيح.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 29-06-2017, 06:39 PM   #247
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
14:6 فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الآيَةَ الَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ قَالُوا: «إِنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ!».
15:6 وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ.

‏وهنا نأتي، أيها القارىء العزيز، إلى أخطر ما في قصة إشباع الجموع من سالبية وجهالة وخروج عن خط الإيمان الصحيح بالنسبة لحقيقة المسيح المخلص والفادي.
‏واضح من بداية القصة حينما ذكر الآنجيل: «وتبعه جمع كثير لأنهم أبصروا آيالله التي كان يصنعها في المرضى» (يو2:6)، أن هؤلاء الذين تبعوا الرب كانوا مأخوذين بالمعجزات التي تمت لمرضاهم وربما كان فيهم نفس المرضى الذين شفاهم الرب. فلما جاءت معجزة إشباعهم في القفر وصل بهم الحماس إلى أقصاه، ولكنه لم يكن حامساً روحيأ في أهدافه بل جسدياً وسياسياً في مرماه، خاصة إذا أضفنا هذا الحماس الجسدي للشبع الإعجازي المبهر إلى الإحساس بالضيق من العبودية المرة التي كانوا يعانونها تحت حكم الرومان عامة وحكم هيرودس ملك الجليل خاصة، بعدما أقدم على قتل يوحنا المعمدان في السجن, علماً بأن يوحنا المعمدان كان نبيا محبوباً لدى الناس.
‏والآن، لقد رأى المتحمسون من الجليليين صورة تنطبق على النبي الذي ينتظرونه مثل موس يمكن أن يشبعهم خبزاً ويحررهم من العبودية حسب تحقيقات الربيين: «يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون.» (تث15:18)
‏ولكن الرب أجرى معجزة إشباع هؤلاء الخمسة آلاف مع نساء وأولاد لأنه كان لا يمكن أن يصرفهم جائعين، لأن الراعي لا يعذب خرافة. فالرب عندما كان يجري معجزة, أي معجزة, لم يكن يقصد المعجزة بحد ذاتها, ولم تكن المعجزة معجزة بالنبسة له، فهذا عمله. فعمل المسيح هو عمل الله, وأعمال الله كلها معجزات عند الإنسان ولكن ليس عند الله. كل عمل من أعمال الله التي كان يجريها المسيح كان يحمل إشارة أو شهادة أو برهان الله الذي في المسيح .
‏فعندما أخذ المسيح خبزات الخمس على يديه وشكر، صار الخبز حاملاُ سر الله وقوته, صار خبز الله ولكن في سر، فلم يعد خبز الشقاء والعوز والجوع الذي تُعد خبزاته بالأرقام, بل خبز الراحة والسعة والشبع والزيادة بسبب قوة الله المحيية. فالزيادة التي حدثت في الخمس خبزات هي من فعل الروح، والمسيح كان يدرك ذلك, وكان رد الفعل الذي ينتظره هو أن الناس الذين أكلوا من بركة وقوة الله, أن يمجدوا الله ويدركوا سر الله الفائض في المسيح فيؤمنوا بالمسيح بصفته التي أعلنها عن نفسه ويصدقوه أنه ابن الله.
‏ولكن خطأ الناس دائمأ هو أنهم يستخلصون من بركات الله الخاصة لهم مزيدا من التعالى على الآخرين, مغالاة في التعظم بعقائدهم, وفرصة لطلب النقمة على أعدائهم. على هذا الأساس أراد بعض المتحمسين من الخمسة آلاف أن يتخلصوا من واقع جوعهم وعوزهم وأمراضهم وعبوديتهم تحت أرجل الرومان واستبداد هيرودس بأن يصنعوا من المسيح مخلصاً ومنتقماً لهم حسب فكر قلوبهم, وينصبوه ملكاً لأنفسهم بالشكل الذي يستحسنونه. وقد وضعوا في قلوبهم أنه إذا رفض, فعليهم أن يختطفوه عنوة ويجعلوه ملكاً بالقوة، الشيء الذي لم يُسمع به قط على مدى كل تاريخ شعب يعبد الله بالحق!
‏طبعأ، رد الفعل عند القارىء هو أن هذه جهالة، ولكن المحزن أن العالم لا يزال يطلب ذلك، بل وكثير من الحكومات والكنائس والعقائد والمتدينين يصلون ويطلبون ويلحون على الله والمسيح أن يكون ملكاً عليهم وحدهم، ليرد عنهم ظلم الآخرين، وينصرهم على الأقوياء والمستبدين! فالحروب الصليبية باسم المسيح كان شعارها الصليب مرسوماً على البيارق والسيوف، لقد نصبوا الميسح بالفعل ملكاً محارباًأ بالسيف والرمح ليقتل ويحطم المغيرين والأعداء. كذلك أيضاً كانت محاكم التفتيش والقتل واشعال النار في المؤمنين غير الخاضعين لسلطان البابوات (آنذاك), كان كل هذا يجري باسم المسيح الذي نصبه خلفاء أباطرة الرومان ملكاً لأنفسهم على روما وحدها ليخضع العالم تحت أرجلهم؛ بل ولا يزال حتى اليوم كل كنيسة وكل عقيدة تطلب وتلح وتؤكد على المسيح أن يلتزم بنصرتها كملك عليها، بالدفاع عنها، والآنتقام من أعدائها. ولو كان ممكناً أن يظهر المسيح لهم لاختطفوه ولأرادوا أن يجعلوه ملكاً عليهم وحدهم وبالقوة.
‏لهذا كان قلب المسيح ثقيلاً وحزيناً على هؤلاء الجليليين الذين تاهوا عن الله وعن خلاصهم الحقيقي، وفقدوا الرؤية الصحيحة للمسيح كمخلص وفاد. ولم يكن أمام المسيح بعد أن صنع المعجزة إلا أن يختفي فجأة عنهم, «وينصرف وحده»!
‏ولا يزال المسيح إلى الآن يرفض أن يكون ملكاً عنصرياً أو عقائدياً على شعب ما أو على عقيدة ما، أو يكون واسطة لتسهيل الحياة الطبيعية، أو ضامناً لمسرات الناس الأرضية، فـ «المسيح هو رب لمجد الله الآب» (في11:2). وآيات المسيح كلها هي لمجد الآب الذي لن يتأتى إلا بحب الناس بعضهم للبعض, والعفو عن الخاطىء المذنب. وإن قول المسيح: «أنا مجدتك على الأرض» (يو4:17)، يعني أنه أعطى نفسه ذبيحة حب لكل الناس، والمسيح هو مسيح العالم كله لحساب الآب السماوي.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 29-06-2017, 06:45 PM   #248
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
2- الآيه الملازمة لإشباع الجموع
السير على الماء
«أبصرتك المياه يا الله, أبصرتك المياه ففزعت, أرتعدت أيضاً اللجج ... في البحر طريقك وسبلك في المياه الكثيرة وآثارك لم تُعرف.» (مز16:77و19)
«الباسط السموات وحده والماشي على أعالي البحر.» ‏(أيوب8:9)

16:6 «وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ نَزَلَ تلاَمِيذُهُ إِلَى الْبَحْرِ. فَدَخَلُوا السَّفِينَةَ وَكَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَى عَبْرِ الْبَحْرِ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ. وَكَانَ الظّلاَمُ قَدْ أَقْبَلَ وَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ قَدْ أَتَى إِلَيْهِمْ. وَهَاجَ الْبَحْرُ مِنْ رِيحٍ عَظِيمَةٍ تَهُبُّ. فَلَمَّا كَانُوا قَدْ جَذَّفُوا نَحْوَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَوْ ثلاَثِينَ غَلْوَةً نَظَرُوا يَسُوعَ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ مُقْتَرِباً مِنَ السَّفِينَةِ فَخَافُوا. فَقَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ لاَ تَخَافُوا». فَرَضُوا أَنْ يَقْبَلُوهُ فِي السَّفِينَةِ. وَلِلْوَقْتِ صَارَتِ السَّفِينَةُ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي كَانُوا ذَاهِبِينَ إِلَيْهَا

‏«أنت متسلط على كبرياء البحر عند ارتفاع لججه أنت تسكنها» (مز9:89)
‏لقد اشترك مع إنجيل القديس يوحنا في رواية هذه المعجزة الملازمة لمعجزة إشباع الجموع كل من إنجيل القديس متى (22:14)، وإنجيل القديس مرقس (45:6‏), ولكن بأوصاف تختلف اختلافات طفيفة.
‏فبينما يسرد القديس يوحنا هذه المعجزة باختصار شديد، نقرأ في إنجيل القديس مرقس أن المسيح «ألزم تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوا إلى العبر, إلى بيت صيدا (الجليل)، حتى يكون قد صرف الجمع. وبعدما ودعهم مضى إلى الجبل ليصلي» (مر45:6-46). بهذا تكمل الصورة التي أعطاها القديس يوحنا في إنجيله حيث يتضح من كلمة «آلزم» تلاميذه، عند القديس مرقس، أن الرب استخدم سلطانه أمام إلحاح التلاميذ في البقاء معه خوفاً عليه من المتحمسين الذين أرادوا أن يختطفوه، ولكن الرب هو الرب, لا يحتاج إلى آخر. كذلك نفهم من كلمة «ويسبقوا» إلى العبر»، أن الرب وعدهم بالمجيء إليهم. ولكن كيف سيتقابل معهم؟ لم توضح الآناجيل ذلك، وربما كان الإتفاق أن يسروا بالسفينة بحذاء الشاطىء الشمالي للبحيرة, حيث يقابلهم سائراً على الشاطىء. لذلك نقرأ في إنجيل القديس يوحنا: «وكان الظلام قد أقبل، ولم يكن يسوع قد أتى إليهم.» (17:6)
‏ويلاحظ أن الرب ألزم تلاميذه على ركوب السفينة في المساء، فـ «المساء» هنا لا تفيد المقصوا من كلمة «أبسيا» اليونانية, فكلمة «أبسيا» في اليونانية تفيد «الغروب» أي آخر ساعات النهار ولكن قبل ظلام الليل. فالتلاميذ ركبوا السفينة في الغروب. وعندما حل الظلام, وهذا هو بدء الليل الذي يكون بعد الغروب بحوالي ساعة, يقول إنجيل القديس يوحناأن بدخول ‏الليل لم يكن يسوع قد أتى إليهم بعد، فانقطع أملهم من رؤيته سائراً على الشاطىء.
‏والقديس يوحنا هنا لا يورد كلمة «الظلام» إلا ووراءها معنى غياب النور اي المسيح، وهكذا ينسج القديس يوحنا هن الألفاظ معاني أعمق من مجرد شكلها ومعناها البسيط. ومعنى مجيء الظلام بأسلوب القديس يوحنا يكون غياب النور أو الإيمان أي عدم مجيء المسيح، وهذا يحمل معه حدوث تجربة خطرة، فيقول مباشرة: «وهاج البحر من ريح عظيمة تهب»، حيث التجربة هنا تصنعها الطبيعة سواء الرياح أو الأمواج بإيعاز من رئيس سلطان الهواء, القوة المعادية, كما يقول القديس بولس (أف2:2). وهكذا يكون غياب المسيح قد كشف عن حضور المجرب. ومن سياق القصة, كما جاء في إنجيل القديس مرقس: «ولما صار المساء كانت السفينة في وسط البحر, وهو على البر وحده, ورآهم معذبين في الجذف, لأن الريح كانت ضدهم» (مر47:6-48). نفهم من ذلك أن الرياح كانت شمالية غربية، واتجاه السفينة كان نحو الشمال الغربي وهذا اتجاه موقع كفزناحوم. والنتيجة أن الرياح والأمواج قذفت بالسفينة إلى عمق البحيرة بعيدا جدا عن الشاطىء. فإذا عرفنا أن أقص عرض للبحيرة كان نحو أربعين غلوة, بالقياس الروماني, والغلوة أو الستاديون تساوي حوالي 200 متر, أي أن عرض البحيرة حوالى ثمان كيلومترات. والقديس يوحنا يذكر أنهم جذفوا نحو خمس وعشرين أو ثلاثين غلوة أي ما بين خمسة إلى ستة كيلومترات بعيداً عن الشاطىء. ويضيف القديس مرقس أن ذلك استغرق منهم وقتاً طويلاً حيث أصبحوا في الهزيع الرابع: «ونحو الهزيع الرابع من الليل آتاهم ماشياً على البحر» (مر48:6). والهزيع الرابع يقابل الساعة الثالثة بعد نصف الليل. وهذا معناه أنهم ظلوا يجدفون معذبين من الرياح والأمواج التي ضدهم نحو عشر ساعات متواصلة بلا راحة!!
‏وهكذا أيضا, وبالمعنى الروحي العميق, يجيء المسيح في الهزيع الرابع من الليل للمعذبين الذين ينتظرونه بفروغ الصبر. وداود النبي، وكأنه كان على الشاطىء الآخر وراء الدهور السالفة يرصد بالنبوة هذا المنظر المأساوي العجيب، وكيف سيجيء الرب حتماً في الميعاد للخلاص المرسوم يقول: « اَلنَّازِلُونَ إِلَى الْبَحْرِ فِي السُّفُنِ الْعَامِلُونَ عَمَلاً فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ. هُمْ رَأُوا أَعْمَالَ الرَّبِّ وَعَجَائِبَهُ فِي الْعُمْقِ. أَمَرَ فَأَهَاجَ رِيحاً عَاصِفَةً فَرَفَعَتْ أَمْوَاجَهُ. يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاوَاتِ يَهْبِطُونَ إِلَى الأَعْمَاقِ. ذَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِالشَّقَاءِ. يَتَمَايَلُونَ وَيَتَرَنَّحُونَ مِثْلَ السَّكْرَانِ وَكُلُّ حِكْمَتِهِمِ ابْتُلِعَتْ. فَيَصْرُخُونَ إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ وَمِنْ شَدَائِدِهِمْ يُخَلِّصُهُمْ. يُهَدِّئُ الْعَاصِفَةَ فَتَسْكُنُ وَتَسْكُتُ أَمْوَاجُهَا. فَيَفْرَحُونَ لأَنَّهُمْ هَدَأُوا فَيَهْدِيهِمْ إِلَى الْمَرْفَإِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ. فَلْيَحْمَدُوا الرَّبَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَجَائِبِهِ لِبَنِي آدَمَ.» (مز23:107-31)
‏إن قول القديس يوحنا أنهم «نظروا يسوع ماشيا على البحر مقتربا من السفينة فخافوا فقال لهم «أنا هو» لا تخافوا», يحمل مقارنة على التوازي بين موسى والمسيح تأتي في موضح الإعجاز والإعجاب، لأن موسى بعد أكل خروف الفصح مباشرة انطلق بالشعب إلى البحر الأحمر ليشقه ويسير وسط أمواجه بإعجاز يُتعجب منه.
‏وبالعودة إلى قصة الخمس خبزات وما رادفها من ذكر الفصح, يأتي مباشرة ذكر المسيح ماشيا على البحر المضطرب ليعطي تكملة المقارنة مع موسى، الذي لكي يعبر البحر الأحمر مع الشعب أمره الرب أن يفلق المياه ليسير على اليابس في العمق، أما الرب فسار هنا وهو يتهادى على سطح المياه: ابصرته المياه ففزعت!! «أبصرتك المياه يا الله أبصرتك الميا, ففزعت ارتعدت أيضاً اللجج .... في البحر طريقك وسبلك في المياه الكثيرة وأثارك لم تُعرف» (مز16:77و19). أما كيف فزعت المياه وارتعدت اللجج, فهذا يصفه القديس مرقس في اختصار شديد: «فصعد إليهم إلى السفينة فسكنت الريح، فبهتوا وتعجبوا في أنفسهم جداً إلى الغاية.» (مر51:6)
‏أما سلطانه على الرياح والأمواج فيصفه القديس مرقس في موضع أخر هكذا: «فحدث نوء ريح عظيم, فكانت الأمواج تضرب إلى السفينة حتى صارت تمتلىء. وكان هو في المؤخر على وسادة نائماً. فأيقظوه وقالوا له: يا معلم أما يهمك أننا نهلك؟ فقام وانتهر الريح وقال للبحر: أسكت, ابكم, فسكنت الريح وصار هدوء عظيم. وقال لهم ما بالكم خائفين هكذا. كيف لا إيمان لكم. فخافوا خوفا عظيما وقالوا بعضهم لبعض: من هو هذا فإن الريح أيضا والبحر يطيعانه.» (مر37:4-41)
«فرضوا أن يقبلوه (‏يأخذوه) في السفينة»: الآن يلزم أن نصحح الترجمة العربية للآية: »فرضوا أن يقبلوه في السفينة... » والتي جاءت في الترجمة الآنجليزية بصورة أفضل: and willingly received. هنا فعل إرادة ومشيئة وليس «رضا» . وقد جاء الفعل في اليونانية في زمن الماضي المتصل كحالة مستديمة، بمعنى أنه كانت لهم إرادة بتلهف أن يدخل السفينة، وقد جاءت في الترجمة اللا تينية ( ) لتفيد الشعور المتلهف بالإرادة لاستقبال الرب. والذي يزيد هذا المعنى تأكيدا ما جاء في إنجيل القديس مرقس: « وأتاهم ماشيا على البحر وأراد أن يتجاوزهم ... » ونحن نفهم من هذا أن الرب كان سائرا على الأمواج بمحاذاتهم، ولم يكن له قصد أن يدخل السفينة، مكتفيا بأن يظهر نفسه لهم ليبدد خوفهم, ولكن على العكس, فقد ازداد خوفهم من أن يكون الذي يرونه خيالا فطمأنهم بصوته وبالجملة المعهودة: «أنا هو, لا تخافوا» . و«أنا هو» التي سجلها هنا القديس يوحنا تأتي برنينها اللاهوتي المعبر عن شخص الله, فالمسيح أراد أن يعلن عن حضوره الإلهي لتلاميذه في هذه المناسبة. فلما اطمأنوا أنه الرب ، أظهروا إرادتهم أن يأخذوه معهم في السفينة. وكلمة «فرضوا أن يقبلوه» بلغة القديس يوحنا السرائرية تفيد قبول الإيمان بعد نفور الخوف الذي يأتي من عدم الإيمان: « كيف لا إيمان لكم» (مر40:4). كذلك حينما تدخل القديس بطرس ليختبر حقيقة أنه الرب ، (كما ورد في إنجيل متى), «وفي الهزيع الرابع من الليل مضى إليهم يسوع ماشياً على البحر. فلما أبصره التلاميذ ماشيا على البحر اضطربوا قائلين إنه خيال، ومن الخوف صرخوا. فللوقت كلمهم يسوع قائلا: تشجعوا, أنا هو, لا تخافوا. فأجابه القديس بطرس وقال: يا سيد، إن كنت أنت هو فمرني أن آتي إليك على الماء.» (مت25:14-28)
‏يتضح من هذا أكثر أن الرب كان ماشيا بمحاذاة السفينة، كما يتضح أن القديس بطرس أراد أن يسير نحوه ليسير معه.
‏كذلك فإن قول إنجيل القديس مرقس:«دفأراد أذ يجاوزهم»، لا يأتي دون معى أو أهمية لاهوتية، فهذا هو وضع الله حينما كان يتراءى للانساذ قديما، ملما ترادى لموسى؛ حينما اجتاز الرب، أي تجاوزه، ليرى موسى خلفه ولا يرى وجهه: «فقال (موسى): آرني مجدك. فقال (الله): أجيز كل جودتي قدامك, وأنادي باسم الرب (أنا هو) قدامك, وأتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم. وقال: لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش. وقال الرب: هوذا عندي مكان فتقف على الصخرة, ويكون متى اجتاز مجدي، أني آضعك في نقرة من الصخرة، واسترك بيدي حتى اجتاز, ثم أرفع يدي فتنظر ورائي, وأما وجهي فلا يُرى» (خر18:33-23)
‏وهكذا نرى الرب يسير بجوار موسى ويجتاز أمامه، حيث يقول الوحي الإلهي هنا بضرورة أن يجتاز الرب حتى يمكن للانسان التعرف عليه.
‏كذلك نرى نفس الوضع مع إيليا حينما تراءى له الله بعد أن اجتاز أمامه «فقال (الرب): اخرج وقف على الجبل أمام الرب، وإذا بالرب عابر(مجتاز) وريح عظيمة وشديدة قد شقت الجبال وكسرت الصخور أمام الرب ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزلة ولم يكن الرب في الزلزلة, وبعد الزلزلة نار ولم يكن الرب في النار. وبعد النار صوث منخفض خفيف,~ فلما سمع إيليا, لف وجهه بردائه وخرج ووقف في باب المغارة، واذا بصوت إليه يقول: مالك ههنا يا إيليا.» (امل11:19-13)
‏وهنا أيضاً نرى عبور الرب (اجتيازه) أمام إيليا ضرورة إلهية يشترطها الوحي، حتى يمكن التعرف عليه بعد ذلك من صوته.
‏وهذا ما حدث تماما في قصة سير الرب على المياه بجوار السفينة واجتيازه: «وأراد أن يتجاوزهم»، ثم إذ صرخوا كان صوته إليهم: «أنا هو لا تخافورا». هكذا استعلن المسيح ذاته لهم كرب وإله، وليس كخيال، فتعرفوا عليه، فأرادوا في الحال أن يأخذوه في السفينة. هنا يضيف القديس مرقس: «فصعد إليهم في السفينة». وهذا أيضاً رد مباشر عل كثير من العلماء الذين أرادوا أن يقللوا من معجزة السير عل البحر، إذ قالوا أن قول الآنجيل: «ماشياً على البحر»، يفيد أنه كان يسير على شاطئ البحيرة وليس على الماء. فبشيء من البصيرة والدقة العلمية نكتشف زيف تحليلهم للكلمات، إذ يقول القديس مرقس إنه صعد إليهم في السفينة، فلو كان المسيح سائرا على الشاطئ، لكان القول: «ونزل» إليهم في السفينة، لأن الشاطئ، أعلى من مستوى البحر والسفينة. ولكنه يقول «صعد إليهم في السفينة، لأن مستوى الموج الذي كان يسير عليه منخفض عن مستوى السفينة.
‏كذلك يضيف القديس مرقس «فسكت الريح». نعم، فدخول الرب إلى سفينتنا المضطربة، يتبعه حتم سكون وهدوء. وهنا يتضح القصد الآنجيلي أن الرب هو قاهر قوى الموت وسلطانه .

التعديل الأخير تم بواسطة ميشيل فريد ; 29-06-2017 الساعة 06:47 PM
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 02-07-2017, 03:21 PM   #249
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
21- فَرَضُوا أَنْ يَقْبَلُوهُ فِي السَّفِينَةِ. وَلِلْوَقْتِ صَارَتِ السَّفِينَةُ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي كَانُوا ذَاهِبِينَ إِلَيْهَا.

هنا يضيف القديس يوحنا معجزة أخرى على نفس مستوى السير على الماء، تتوافق تماما مع سلطان الرب على إخضاع عنف الريح ولجج البحر. فالذي أضافته الرياح العاصفة من مشقة على الرحلة، وما كسحتله الأمواج من مسافة زائدة، رفعه الرب من حساب الرحلة؛ فللحال وجدوا أنفسهم على الشاطىء. وهنا تطابق لنص القديس يوحنا على النص النبوي في المزمور الذي صور هذه الرحلة من وراء الآزمنة، آمر يتعجب له: «يهدى العاصفة فتسكن، وتسكت أمواجها. فيفرحون، لأنهم هدأوا, فيهديهم إلى المرفإ الذي يريدونه» (مز29:107-30)
‏وبلغة القديس يوحنا, فإنهم حالما تبلوه بإرادة فرحة, بلغوا شاطىء الأمان. إنها صورة حية لنهاية تجربة بحر الحياة الصاخب، ومعاندة القوى الشريرة التي تقف معاندة إلى أن يدخل الرب سفينة العبور، لتعير للحال في ميناء الراحة الأبدي.
‏هنا نكتفي بالشرح القليل الذي قدمناه من خلال السطور أثناء تحليلنا للنصوص الواردة في القصة. لأن الشرح الكامل سوف يقدمه المسيح بنفسه وبإسهاب في مجمع كفرنا حوم في اليوم الثاني من وصول السفينة إلى كفرناحوم .
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 02-07-2017, 03:22 PM   #250
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,273
ذكر
 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318 نقاط التقييم 1114318
حديث الرب فى مجمع كفرناحوم عن جسده الحى كخبز الحياة الأبدية

‏هذا الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام مطولة، وكل قسم يبدأ بمبادرة من اليهود.
أ- الجزء الأول من الحديث (26:6-40), ويبدأ بالسؤال البسيط: «ولما وجدوه في عبر البحر قالوا له: يا معلم متى صرت هنا؟»
‏ب _ الجزء الثاني من الحديث (41:6-51): و يبدأ بتذمر بسؤال استنكاري: «فكان اليهود يتذمرون عليه لأنه قال أنا هو الخبز الذي نزل من السماء, وقالوا : أليس هذا هو يسوع ابن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه...».
‏ج _ الجزء الثالث من الحديث (52:6-58): ويبدأ إثر منازعة فيما بينهم: «فخاصم اليهود بعضهم بعضاً قائلين: «كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده ‏لنأكل؟»
‏وكانت الحقائق التي جاءت ردا على هذه الأسئلة الثلاثة، كغاية لكل حديث، كالأ تي:
‏الجزء الأول من الحديث: اختص باستعلان الحياة الأبدية المخفية في جسد المسيح: «أنا هو خبز الحياة».
‏الجزء الثاني من الحديث: اختص بعلاقة الابن بالآب: «ليس أن أحدا رأى الآب إلا الذي من الله. هذا قد رأى الآب»؛ «لا يقدر أحد أن يقبل إلي إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني...»
‏الجزء الثالث من الحديث: اختص بالحصول على المسيح الكلمة المتجسد بأكل جسده وشرب دمه: «من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية... فمن يأكلني فهو يحيا بي».
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل حقاً كل تفسير إنجيل يوحنا ، من وضع القديس كيرلس؟ مكرم زكى شنوده المنتدى المسيحي الكتابي العام 0 09-11-2016 01:39 AM
تفسير إنجيل يوحنا 7 : 38 alaa86 الاسئلة و الاجوبة المسيحية 7 07-04-2011 06:49 PM


الساعة الآن 03:13 PM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2019، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة