منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية الرد على الشبهات حول المسيحية

إضافة رد

الموضوع: الرهبنــة والرهبــان – مفاهيم خاطئة

أدوات الموضوع
قديم 28-12-2016, 01:44 AM   #1
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 748
ذكر
 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024
Lightbulb

الرهبنــة والرهبــان – مفاهيم خاطئة




الرهبنـــة بدعــــة مسيحيــــة

واحد من أشهر المفاهيم الخاطئة ـ نظرا لوروده بالقرآن ـ هو أن الرهبنة "بدعة" لم يفرضها الله ولكن فرضها المسيحيون على أنفسهم. وهذا في الحقيقة ليس مجرد ادعاء باطل ولكنه أيضا يكشف عدم الفهم لمعنى الرهبنة أو تاريخها، ولا عجب لأن الفقر مثلا، أو البتولية، وهما من ملامح الرهبنة الأساسية، كليهما يتعارض تماما مع دعوة هذا الكتاب وثقافته، فهو نفسه الكتاب الذي يدعو المؤمنين على سبيل المثال أن "يتاجروا مع الله"، أو أن "يقرضوا الله قرضا حسنا"، لأجل أن تزيد بالطبع أرباحهم، كما أنه أيضا ـ مقابل البتولية ـ نفس الكتاب الذي بالعكس يعد المؤمنين بالحسان الفاتنات وبالملاح الحوريات مكافأة في العالم الآخر، مع كل ما لذ وطاب من طعام وشراب، من لحم وخمر وفاكهة وعسل، في أكبر مهرجان سماوي للملذات الحسية يديره الله شخصيا. كان حتميا بالتالي أن يتصادم هذا الكتاب مع المسيحية عموما ومع الرهبنة بوجه خاص، بل كان لابد أن تظهر الرهبنة في مرآته كأنها نظام شاذ غريب عجيب، أو بالضبط كما قال "بدعة" لم يفرضها الله أو حتى يتوقعها ولكن فرضها المسيحي على نفسه!

لا يلزمنا الرد بالتالي على هذا الادعاء بل حتى لا يعنينا، لكنها بداية جيدة ندخل منها إلى هذا الموضوع عن الرهبنة والرهبان، وردنا يأتي في الحقيقة من وجهين اثنين لا من وجه واحد، الوجه التاريخي والوجه الكتابي:


الوجه التاريخي
تاريخيا فإن النسك والزهد وطلب الله دون سواه والعزلة لأجل الصلاة والمناجاة معه، كل ذلك نزوع طبيعي عند الإنسان، رافقه في كل زمان ومكان ولا يمكن بالتالي أن يكون بدعة جديدة أتى بها شخص محدد أو جماعة بعينها. نحن من ثم لا نعرف مَن هو أول الرهبان حقا، سيان على المستوى العام أو على المستوى المسيحي بوجه خاص. أما على المستوى العام فقد عاش بالشرق الأقصى قبل ميلاد السيد المسيح آلاف الرهبان وانتشرت آلاف الأديرة، من مختلف الديانات البرهمية والبوذية والطاوية والجينية وغيرها، كما ظهرت أيضا في مصر نفسها ممارسات الاعتكاف والعزلة بالمعابد خاصة معبد سيرابيس بالعصر البطلمي، ناهيك عن النزعات الانعزالية الفلسفية التي ظهرت أيضا مع ما يُعرف بالأفلاطونية الجديدة وهي فلسفة تحتفي كثيرا بالنسك والتقشف والتأمل. نضيف إلى ذلك وجود جماعات متعددة كانت تحمل ملامح الرهبنة المبكرة، مثل جماعة الترابيوتاي اليهودية حول سواحل بحيرة مريوط، أو جماعات الزهاد العرّافين على ضفاف النيل بصعيد مصر، أو كهنة هليوبوليس الذين اشتهروا بالعيش على الكفاف، وغيرهم. كيف إذاً ـ وهكذا المشهد العام داخليا وخارجيا ـ يجرؤ أي حصيف على تحديد كيف بدأت الرهبنة عموما كممارسة إنسانية، أو أين بدأت، أو مَن هو حقا أول من "ابتدعها"؟


وأما على المستوى المسيحي بوجه خاص فرغم أن القديس الأنبا أنطونيوس هو أبو الرهبان فإنه لم يكن تاريخيا أوّلهم. نعم، لقد تميزت الرهبنة المسيحية حقا عن كل هؤلاء الذين ذكرنا وعن كل تلك الحركات المتعددة التي سبقتها وعاصرتها، ولكن من ناحية أخرى لم "يبتدع" أنطونيوس أسلوبا جديدا للحياة سماه "الرهبنة" ثم دعا الناس إليه، وإنما بالعكس ظهر الرهبان المسيحيون أولا وانتشروا، تلقائيا وعفويا، شرقا وغربا، بما في ذلك كبار الآباء السوّاح مثل القديس الأنبا بولا، ثم بعد ذلك جاء أنطونيوس فكان أول مَن نظر لهؤلاء النساك الزهاد الأوائل نظرة واحدة شاملة ثم ـ بتوجيه الرب وإرشاده ـ نظم أمرهم ووضع قواعدهم وحدد منهجهم.

فهكذا وُلد "النظام" الرهباني المسيحي أولا، ومنه خرج من مصر وانتشر بكل أنحاء العالم، لكن "الممارسة" النسكية ذاتها قديمة قدم الإنسان، وبالتالي فقد وجدناها حتى مسيحيا عند بولا أولا، وعند أوريجانوس قبل بولا، وعند فرنتنيوس وجماعته قبل الجميع، وهكذا، وكل هؤلاء قبل أنطونيوس، بل تمتد الرهبنة بمعناها العام إلى الوراء لتصل حتى إلى النساك الأوائل كيوحنا المعمدان وإيليا وغيرهما.


الوجه الكتابي

وأما كتابيا فادعاء البدعة مردود أيضا، لأن الرهبنة بالعكس تطبيق حرفي أمين للكتاب المقدس ووصاياه وليست أبدا بدعة دينية، عقائدية أو تشريعية أو طقسية، لم تكن موجودة من قبل. يتجلى ذلك بكل وضوح ـ على سبيل المثال ـ في سيرة القديس أنطونيوس نفسه، فبعد أن زلزل موت أبويه عقله وكيانه وأغرقته الأسئلة القاسية الصعبة، كانت آية بالكتاب سمعها هي المحرك الذي وجّه حياته كلها فيما بعد. هكذا كانت البداية الأولى تماما: "إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع كل مالك واعط الفقراء وتعال اتبعني فيكون لك كنز في السماء". شعر أنطونيوس حين سمعها بالكنيسة ذات صباح أنها قرئت لأجله خصيصا، وللحال خرج فوزع أرضه على الفقراء ولم يحتفظ سوى بالقليل لأجل أخته التي كانت هي كل ما بقي له بالدنيا. لكنه بعد ذلك مرة أخرى بالكنيسة سمع الكاهن يقرأ "لا تهتموا للغد فعندئذ قرر أن يعطي كل شيء حتى هذه البقية الباقية للفقراء، ثم وضع أخته ببيت للعذارى وانطلق خارج قريته عاقدا العزم على مسلك جديد جذريا لحياته كلها.


هذا مجرد مثال فقط، ولكنه يكفينا، فكما نرى تشكلت بدايات أنطونيوس ثم حياته كلها فيما بعد حسب الكتاب المقدس دون حياد عنه أو إضافة عليه، فلا بدعة من ثم أبدا من الناحية الكتابية أو الإيمانية وإنما بالعكس تطبيق حرفي لآيات الوحي الشريف وتعليم السيد المسيح ذاته. حتى التزام البتولية ـ والتي يعتبرها العلامة أوريجانوس أعظم المواهب كمالا بعد الاستشهاد ـ نجد مرجعيتها قبل أوريجانوس أيضا بالكتاب، في وصية لسان العطر التي تشمل الإصحاح السابع كله تقريبا من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، وخلاصتها: "حسن للرجل أن لا يمس امرأة ... أريد أن يكون جميع الناس كما أنا (بتولا) لكن لكل واحد موهبته الخاصة من الله ... إذاً، مَن زوج فحسنا يفعل، ومن لا يزوج يفعل أحسن". البتولية بالتالي ـ حتى رغم تعارضها "ظاهريا" مع الطبيعة ـ ليست بدعة أبدا في ضوء الكتاب، بل بالعكس هي الأفضل حسب نصه، إن كان مستطاعا، وإلا فالزواج، الذي هو أيضا حسن، بل وزنة وموهبة.


الرهبنـــة هــــروب من العــــالم

يستحيل من حيث المبدأ الهروب من العالم، ذلك أن العالم داخلنا بقدر ما هو خارجنا، بل إن العالم داخلنا هو الأهم وهو الأساس وهو ما ينعكس بعد ذلك خارجنا! إن الراهب قد يقرر حقا مغادرة العالم، لكنه يبقى في البداية تحت الاختبار والملاحظة لسنوات وسنوات قبل أن ينهض راهبا حقيقيا، فلماذا؟ ببساطة لأنه ـ رغم ابتعاده جغرافيا ـ يذهب إلى البرية أو إلى الجبل ويأخذ العالم معه، يحمله سرا داخله، في عقله وقلبه وفي نوازع نفسه وخواطر فكره وميول جسده! العالم إذاً لا يفارقنا أبدا كما نتصور، بل يتحرك معنا أينما ذهبنا، شئنا أم أبينا، ومن ثم فـ"الهروب من العالم" ليس سوى وهـم يتخيله فقط الصغار الذين يتناولون الأمر رومانتيكيا دون إدراك لعمق الرهبنة وتحدياتها، أو الغرباء الذين ينظرون إلى الرهبان فقط من الخارج، أيضا دون إدراك لعبء الرهبنة وتحدياتها.



الرهبان يتركون شدائد العالم وآلامه ليس فقط ملذاته

مفهوم أخر من أكثر المفاهيم خطأ وبطلانا، ذلك أنه ليس أصعب ولا أقسى ولا أشد من حياة الرهبان! لا نقول فقط إن الخروج من العالم هو بحد ذاته أعظم الشدائد، بل نؤكد أن حياة الراهب بعد ذلك هي نفسها شدة متصلة. قال القديس مكاريوس الكبير ذات مرة: "لعشرين عاما لم أشبع، لا من طعام، ولا من شراب، ولا من نوم"! الراهب خاصة بالعصور الأولى لم يكن ينام، وإذا نام فلعل "القلاية" التي ينام فيها لا تتسع لكي يمد جسده كاملا، أو ربما ينام عامدا فوق مقعد خصيصا لأجل ذلك، لأجل ألا يمد ساقيه أبدا، كما كان الحال في جماعة القديس باخوميوس. بل إن البعض قد ينام واقفا، متكئا على عصاه أو مستندا إلى جدار. بكل حال وبغض النظر كيف ينام الراهب فإنه كان يقوم بمنتصف الليل ليصلي، وقد يصل عدد المزامير بالصلاة الواحدة إلى ستين مزمورا. الراهب لم يكن يأكل تقريبا إلا الخبز الجاف، أو الخبز والملح، وربما بعض الزيت في الأعياد. أما صومه فقد يمتد أياما، تبلغ في العادة أسبوعا كاملا، ثم لعله لا يجد بعد ذلك طعاما سوى نفس الخبز والملح أو بعض أوراق الكرنب. كان القديس الأنبا بيشوي يأكل مرة واحدة كل اثني عشر يوما، ولم تكن هذه الأكلة الواحدة تزيد عن خبز وملح. وأما القديس الأنبا مكاريوس فقد بلغ الغاية حين صام أربعين يوما متصلة ونتج عن ذلك أن وهن عظمه وقيل سقطت لحيته.


هكذا كانت قسوة النسك خاصة في البدايات حتى أن رهبنة الغرب، وقد جاءت الرهبنة كلها من مصر أولا، لم تتحمل هذه الشدة وكان لزاما أن تعيد صياغة النظام القبطي بالقرن السادس. ولكن الأهم ـ قديما وحديثا، بالشرق كما بالغرب ـ هو أن الراهب يقوم بكل هذا النسك وهذه العبادة بعيدا عن الأعين، متجردا تمام التجرد، لا يعرف أحد عنه أي شيء سوى الله وحده! لقد طوى التاريخ من ثم سيرة المئات بل الآلاف من الرهبان والنساك العظام بأعماق الصحارى دون حتى أن نعرف بوجودهم! بل لقد كدنا لا نعرف شيئا البتة عن قديس بقامة الأنبا بولا نفسه، وهو شيخ السوّاح، لأننا ما عرفنا بوجوده إلا صدفة، فقط قبيل وفاته مباشرة، بعد أن قضى منفردا بالبرية نحو ثمانين عاما لم يلتق خلالها بإنسان واحد!

فما هي حقا الحياة الأكثر شدة وتعبا وقسوة: حياتنا نحن بالعالم، أم حياة الرهبان بعيدا في عزلتهم وفقرهم وتجردهم؟


تجارب العالم أعمق وأكبر من مجرد أتعاب جسدية

نعم، لكن التجارب التي نواجهها هي نفسها التي يواجهها الرهبان أيضا، إن لم تكن تجاربهم أشد وأعمق. على سبيل المثال: لو أن تاجرا حاربه منافسوه وأنهكوه واضطهدوه حتى ضاع في النهاية جهد عمره وتبددت ثروته وخسرت تجارته: هذه لا شك تجربة مريرة ينتج عنها الألم ويكابد الإنسان بسببها كثيرا من المعاناة. ولكن ما هو حقا سر هذا الألم وما هو سبب المعاناة الحقيقي؟ إنها ليست التجارة أو الخسارة أو ضربات السوق أو كيد المنافسين ـ هذه كلها هي فقط حركة الدراما و"ديكورات" العالم وكيف يتم "حبك" هذه المسرحية الوهمية التي نعيشها هنا. سر الألم وسبب المعاناة الحقيقي هو ببساطة رغبة التملك والكسب، ولن أقول الطمع. إن إحباط هذه الرغبة داخلنا هو تحديدا ما يسبب الألم والمعاناة لدينا. لو لم تكن الذات الإنسانية رهينة لهذه الرغبة أسيرة لها ما شعر الإنسان أبدا بأي ألم، وتأكيدا لذلك ـ كما نرى بالفعل واقعيا ـ فإنه بنفس درجة استعباد هذه الرغبة لعقولنا وسيطرتها علينا بقدر ما تكون درجة الألم وتأتي شدة الانكسار عند الإحباط والخسارة.


الراهب ـ في المقابل ـ ليست لديه حقا أية تجارة أو خسارة أو منافسة، لكنه إنسان ومن ثم لديه مثلنا نفس أساس المشكلة ومبعث الألم وسر الشقاء، ألا وهو رغبة التملك والكسب، ومرة أخرى لن أقول الطمع! الراهب بالتالي ـ وبحكم إنسانيته ـ لديه أيضا نفس الشدة والمعاناة، إن لم يكن أكثر، لأنه في عزلته بعيدا يتصارع مع كل هذه الرغبات والنزوات والأهواء مباشرة، مع كل تلك الشهوات وكل تلك الشياطين والوحوش داخله، مباشرة وجها لوجه دون وسيط ودون أية دراما أو ديكورات أو التفاف أو تمويه.

لأجل ذلك قلنا إن العالم يذهب معنا أينما ذهبنا ولا سبيل للهرب منه حقا. إن قلب الإنسان ـ ما دام عبدا خاضعا لرغباته مغلوبا بشهواته ـ هو هو ذاته ولو كان ساجدا بالبرية أو بأعماق الجبل، كما أن القلب الناسك الزاهد ـ الذي غلب وانتصر ـ هو هو ذاته ولو كان قائما وسط ضجيج الشوارع أو حتى في قلب ماخور طافح!


الرهبنــة قمــــع للجســــد

ليس في المسيحية أية مشكلة على الإطلاق مع الجسد. "قمع الجسد" تعبير قد نقوله مجازا، أما حرفيا، بما يشي أن الجسد "شر"، فهذه من العقائد الباطلة التي شاعت بالفعل في الماضي ولأجلها خصيصا تعمّد الرسول كما رأينا في خطابه إلى أهل كورنثوس أن يكون واضحا تماما. إن الجسد بحد ذاته ليس سوى أنسجة وألياف وعضلات وعظام، فأين من ثم المشكلة؟ هل هي "المادة" بحد ذاتها؟ وهل الرغبة أو الشهوة حقا بهذا الجسد، أم أن موطن الشهوة الحقيقي هو بالأحرى العقل، شأنها شأن اللذة والألم وكل ما ننسبه عادة إلى الجسد والجسد منه براء؟

إن صوم الراهب الطويل ونسكه الشديد وسهره في الصلاة وتعبه إجمالا قد ينعكس حقا على جسده، لكن مقصود ذلك كله هو أولا تحرير العقل وليس إماتة الجسد ـ كما في بعض الأنظمة الشرقية القديمة مثلا. إن الذي يشتهي حقا هو العقل وليس أبدا الجسد. إن الذي يأسرنا ويستعبدنا هو عادات العقل وليست أبدا عادات الجسد. إن الذي يشوّش رؤيتنا ويعمي بصائرنا ويردينا بكل هاوية هو العقل وأفكاره وليس أبدا الجسد، الذي هو في النهاية ليس سوى كتلة من ألياف وأنسجة لا تنطق ولا تدرك ولا وعي بها.

الغاية من ثم هي أولا تزكية العقل وترقيته وتجديده (ونقصد العقل هنا بدلالته الأشمل، أي كل ما هو غير مادي أو جسدي، شاملا القلب) وليست الغاية أبدا قمع الجسد لذاته أو قهره أو إهدار قواه. بل بالعكس: إن نور العقل الذي تزكى وتطهر ـ حين تشرق في فضائه أخيرا نعمة الرب ـ ينعكس على هذا الجسد فيمنحه الصحّة وقد يعمر طويلا، كما يعطيه أيضا القوة للقيام بنسكه وربما حتى للمزيد من الصوم والصلاة إذا شاء صاحبه.


الحرب ضد الغرائز حرب ضد الطبيعة وبالتالي خاسرة حتما

صحيح، بل مؤكد. لكن الخطأ هنا هو أن الرهبان لا "يحاربون" الغرائز أو "يتصارعون" حقا مع الشهوات والرغبات كما ذكرنا منذ قليل. بالعكس: إن أية مقاومة تمنح العدو قوة إضافية وقد ينتج عنها بالتالي تأبيد لوجوده، ولعل هذا نفسه قبس من نور وصية السيد له المجد حين قال "لا تقاوموا الشر". وعليه فالراهب المسيحي لا يحارب أي شيء ولا يصارع مباشرة أية غريزة أو شهوة أو طبيعة فيه، وإنما هو في الحقيقة مأخوذ عن كل هذا بالنور الإلهي، يكاد يذوب عشقا في محبة الرب، يكاد يحترق بخورا في هيكل بهائه، بل يكاد عقله يتلاشى كليا في حضرة المحبوب أمام فيض الجمال والجلال والمجد الذي دونه كل وصف! أو كما نقرأ في مقدمة الكتاب الأشهر "بستان الرهبان" بعبارة أخرى:


"ليست الرهبنة مذهبا صوفيا يعتقد فيه الراهب أنه يرضي الله بممارسات نسكية، أو مذهبا نفسانيا يهدف فيه إلى اكتساب قوى نفسانية مما قد يكون كامنا في الطبيعة البشرية، بل هي حب الفادي الذي يتملك المؤمن، بفعل النعمة التي انسكبت فيه، فجعلته يركز ذاته على الرب، وأخذت الاهتمامات العالمية والمادية تسقط عنه بحكم انطلاقه في دروب حب المخلص والتأمل فيه. ولذا جاء ما يسمي بالنذر الثلاثي – العفة والطاعة والفقر - تصويرا لسلوكه من الخارج أكثر منه أهدافا يسعى إليها. ففي انشغاله بالمتعة الروحية جاء تعففه عن المتعة الجسدية بأنواعها، وفي انسحاقه أمام الفضل الإلهي جاء إنكاره لذاته وهو ما يظهر خارجيا في طاعته لمشيئة المدبر، وفي شبعه بالروح جاء تجرده عن مطالب الراحة الجسدية أي الفقر. وهو في كل ذلك يسلك بروح الصلاة وسكون التأمل والالتزام بالعمل كمن لا يمتلك متاعا. فهذه الصفات السلوكية هي الصورة الخارجية للحالة الداخلية"!


الرهبـــــان أفضـــــل من العلمانييـــــن

ليس صحيحا بالعموم أو على وجه الإطلاق. رغم أن الرهبان هم لا شك جند المسيح وهم حقا أشباه الملائكة وهم تلك الصفوة التي طرحت حرفيا كل شيء لأجل الرب، رغم ذلك لا نقول إنهم مطلقا الأعلى أو الأفضل، فقد يوجد بين العلمانيين مَن يضارع أو حتى يفوق أعظم الرهبان قدرا ويعلوه منزلة! بل ذلك ما يعلنه الرب نفسه للرهبان كي يمتثلوه ويعتبروه وينتفعوا منه، كما حدث مثلا مع أنطونيوس نفسه، وهو كوكب البرية أب الرهبان، حين أخبره الرب عن ذلك الطبيب الذي كان يضارعه محبة لله، أو عن ذلك الخياط بالإسكندرية الذي لم يكن فقط يضارعه بل كان يفوقه! أيضا على سبيل المثال في سيرة مكاريوس الكبير، وهو عملاق آخر وشمس من شموس الرهبنة في عهدها الأول، نجد مثل ذلك مرة أخرى، حين أعلن له الرب عن سيدتين متزوجتين تفوق حياتهما حياة أكبر العابدين في الصحراء إخلاصا ومحبة وسموا! وبالطبع فقد ذهب قديسنا الكبير يبحث عنهما حتى اهتدي إليهما، ثم سألهما عن سرهما وعن تدبيرهما مع الله وجلس يسمع منصتا، في أثر طويل سجله لنا أيضا "بستان الرهبان"، ينتهي ختاما بخروج القديس مكاريوس من عندهما وهو يقرع صدره ويلطم وجهه ويقول: "ويلي ويلي، ولا مثل هاتين العالميتين لي محبة..."!



الرهبنة ـ مجرد ترك الناس ـ تعبير عن أنانية الراهب

نعم، صحيح تماما، بشرط أن الراهب منفصل حقا عن الآخرين! ولكن إذا كانت كل الكنيسة جسد واحد متصل وكيان واحد لا ينقسم فكيف ينفصل الرهبان عنا أو ننفصل نحن عنهم؟ بل بالعكس: إننا بسر اتصالنا بهم في المسيح ـ رغم المسافة والبعد الظاهري بيننا ـ ننال من فيض بركاتهم وتشملنا مراحم الله التي تفتح صلواتهم أبوابها! إنهم بسر هذا الجسد الواحد يشعرون بكل آلامنا وأوجاعنا، عميقا في حشايا قلوبهم، كما أننا أيضا في المقابل نشعر بقوتهم وننهل من سلامهم ونثبت بثباتهم! وبالطبع غني عن البيان أن نبع ذلك كله ومصدره هو شمس البر المسيح ذاته رأس هذا الجسد الواحد الجامع.


أما عموما خارج الفهم المسيحي ـ ولأن الرهبنة ممارسة إنسانية عالمية لا مجرد نظام مسيحي فقط ـ فإن هذا الادعاء شهير والرد عليه من ثم رد قياسي مشترك تكاد تتفق عليه سائر الثقافات والديانات والملل الشرقية، وهو لا يبتعد في الحقيقة كثيرا عن الفهم المسيحي. هذا الرد ببساطة هو أن الراهب بالأحرى "سـفينة"، فالرهبان روحيا ـ رغم غيابهم وعزلتهم عن العين والحواس ـ كالسفن التي تحمل الناس فيعبرون على متنها إلى شاطئ النجاة! إنهم يقومون بهذا الدور الفريد حتى في عزلتهم بعيدا، على نحو روحي غير منظور، وذلك بما يبلغون هم شخصيا من عمق روحي ينعكس باطنيا على الجميع! وكالسفن: بينما يحمل بعضها عشرة، بعضها يحمل مائة، بينما قد يحمل بعضها آلافا وآلافا من السابحين أو الغارقين ببحر الحياة! (هذه الصورة تنطبق بالفعل على آبائنا السادات القديسين الأوائل الذين نهلوا أولا من ملء النعمة ثم فاضوا حقا على الآلاف بنور كلمتهم وهدى حكمتهم وعطر سيرتهم. كانوا من ثم حقا كالسفن التي حملت الآلاف إلى شاطئ النجاة، وإن كنا فقط نؤمن أن ذلك لا يتأتى أبدا بهم أو من تلقاء أنفسهم وإنما يتحقق فقط بنعمة الرب وعمله فينا وفيهم).

* * *

وبعد، نتمنى ختاما أن تكون أهم المفاهيم المغلوطة عن الرهبنة والرهبان قد اتضح الخطأ بشأنها أو زال اللبس عنها وظهر المقصود من ورائها. الشكر ختاما لقراءتكم ومشاركتكم وللإضافة أيضا، سواء بمفهوم آخر مغلوط فاتنا، أو بتصحيح لأي خطأ وقعنا فيه سهوا، صلوا لأجل ضعفي والنعمة معكم.

* * *

للمزيد من الدراسة والاطلاع
- بســـــــتان الرهبــــــان
- فردوس الآباء (بستان الرهبان الموسع)
- تاريخ الرهبنة والديرية في مصر – د. رءوف حبيب
- دراسات في تاريخ الرهبانية والديرية المصرية – د. حكيم أمين
* * *

خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 28-12-2016, 03:52 AM   #2
اغريغوريوس
محاور
 
الصورة الرمزية اغريغوريوس
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
الدولة: في اورشاليم السماوية
المشاركات: 3,588
ذكر
مواضيع المدونة: 8
 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249 نقاط التقييم 1169249
الرب يباركك يا استاذ خادم البتول لو تقدر ترد علي نقطة بيقولوها ...
اني الرهبنة والعزلة غلط لاني المسيح قال اذهبوا واكرزوا للخليقة كلها ... واتكلم عن خدمة الاخوة الاصاغر ودي بعيده عن الرهبنة طبعا فيه رد مطول بس حابب حضرتك تزودها للبحث الرائع في الاعلي ...
اغريغوريوس غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 28-12-2016, 02:16 PM   #3
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 748
ذكر
 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024


العفو يا أستاذنا نحن نتعلم منكم. أشكر محبتك على القراءة والتعليق ويا ليتك تقدمت فأضفت ذلك بنفسك وأثريت ما كتبناه. طلبت ذلك بالفقرة الأخيرة بالفعل والآن أجدد الدعوة فلا تتردد رجاء أخي الحبيب في أية إضافة، خاصة وأنه موضوع كبير بالغ الثراء والجمال.

حسب فهمي المحدود فإن "العزلة" ليست أبدا من "شروط" الرهبنة. فقط في البداية يطلب التدبير ذلك بالطبع وتكون العزلة هنا شبيهة بفطام الطفل عن أمه، فهي أيضا فطام للراهب عن العالم. أما بعد ذلك فالعزلة اختيارية، يميل لها الرهبان طبيعيا وتلقائيا لأنهم بالفعل يتجاوزون العالم بما فيه ويرتفعون عن كل باطله وأوهامه. رغم ذلك لو أن حدثا استدعى حضورهم للعالم فإنه بالقطع لا يوجد أبدا ما يمنع ذلك. الدليل على هذا نجده عند أبي الرهبان نفسه، قديسنا الكبير أنطونيوس، الذي قطع عزلته بالبرية وحضر إلى العالم مرتين على الأقل: الأولى عندما حل الاضطهاد في عهد مكسيمينوس واشتد على المسيحيين، فعندئذ خرج الشيخ الجليل يعضد المؤمنين ويشد من أزرهم ويقويهم في أمانتهم، وكان يزور السجون ويتنقل بين المدن متعرضا في ذلك لأشد الأخطار في شجاعة نادرة وثبات هائل. وأما خروجه الثاني فكان بالعام 338 عندما استفحلت محنة جديدة هي هرطقة "آريوس" هذه المرة. هبط الشيخ عندئذ مرة أخرى من الصحراء الشرقية وذهب يساند ويؤازر قديسنا الكبير أثناسيوس في كفاحه المرير ضد الهراطقة، ولا شك أن وجوده وشخصيته المعروفة ودوره الكبير مع قديسنا الرسولي كان من أكبر الدعائم في رد المصريين إلى الإيمان الحق والقضاء على هذه الضلالة. وإذاً فليست العزلة قانونا أو شرطا على الإطلاق.

أما بالغرب فلا يظهر عادة هذا اللبس والأمر أوضح بكثير، ذلك أن أنظمة الرهبنة هناك ـ كرهبان الكرمل مثلا (ويميزهم اللون البني مع الغطاء الأسود على رأس الراهبات)، وربما الدومينيكان أيضا (أصحاب الزي الأسود) ـ تسمح للراهب ألا يرتدي هذا الزي أصلا وألا يعيش بالدير أساسا، بل يبقى كما هو بالعالم حتى وهو راهب. رهبان الكرمل بالتالي ـ وهم من أعمق وأعظم رهبان العالم ـ ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: رهبان الدير ـ راهبات الدير ـ رهبان وراهبات العالم! إنه لذلك تحديدا كتبت بهذا المقال: "إن قلب الإنسان ـ ما دام عبدا خاضعا لرغباته مغلوبا بشهواته ـ هو هو ذاته ولو كان ساجدا بالبرية أو بأعماق الجبل، كما أن القلب الناسك الزاهد ـ الذي غلب وانتصر ـ هو هو ذاته ولو كان قائما وسط ضجيج الشوارع أو حتى في قلب ماخور طافح!"





العزلة بالتالي هي فقط طبيعة هذا النمط من الحياة الذي يصفه ـ على سبيل المثال ـ نيافة العلامة الحبر الجليل المتنيح الأنبا أغريغوريوس بأنه: "الانحلال عن الكل للاتحاد بالواحد"! هذا هو "جوهر الرهبنة" على حد تعبيره. فهي ليست حقا عزلة وإنما هي بالأحرى "انحلال" عن العالم، "فـك" للرباطات التي تربط الإنسان به و"تحرّر" من كل قيوده. عدا ذلك فالراهب داخل العالم ما قضت الضرورة وسمحت الظروف بذلك. وبكل حال يجدر أن نرى الكرازة بمعناها الشامل الذي لا يقف عند حدود الوعظ مثلا أو التعليم، فهذه "مواهب" لا يملكها الجميع وبالتالي لا يُسأل الجميع عنها. أما الكرازة بمعناها الأشمل فإنها تضم بالحري كل ما نقول ونفعل. سلوكنا كله قد يقوم كرازة. محبتنا كرازة. غفراننا كرازة. عطاؤنا كرازة. إيثارنا للحق ولو على حساب الذات كرازة. مساعدة الضعيف، جبر الكسير، إغاثة الملهوف، نصرة المظلوم، طمأنة الخائف... كله كرازة.. حتى مداعبة طفل بالطريق كرازة، ومجرد ابتسامنا في وجه الناس كرازة. كل ذلك كرازة، لأن كل ذلك عند الثبات عليه يكشف أن قوة ما ـ قوة تفوق حدود إنسانيتنا وضيق ذاتيتنا وأنانيتنا ـ هي ما يحركنا حقا وما يعمل فينا!

وعليه فإن الرهبنة بحد ذاتها كرازة! الرهبان هم درر هذا التاج وجواهره، فأية كرازة ننتظر من الرهبان أعظم من كونهم رهبانا؟ أية كرازة حقا أفضل من أن يصير الإنسان "نورا" في العالم؟ يقول حبرنا الجليل الأنبا أغريغوريوس أيضا في عبارة جميلة: "... إذا استنار الراهب من داخل صار هو ذاته نورا.. ثم يصير مركزا للنور.. ينير ويضيء ويشيع فيما وفيمن حوله نورا.. عندئذ يشعّ نوره فيستضيء به سواه، ويصير بالتالي بركة لغيره، وبهذا يزداد نفعه للعالم بأسره"!

* * *

مرة أخرى هذا هو فقط فهمي البسيط للأمور وأرجو ألا تتردد في المشاركة والإضافة. أشكرك ختاما أستاذنا الحبيب أغريغوريوس ربنا يبارك قلمك وخدمتك والنعمة معك.

* * *

خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 29-12-2016, 10:22 AM   #4
عبود عبده عبود
مفصول لمخالفة قوانين المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 16,661
ذكر
مواضيع المدونة: 1
 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309
اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خادم البتول مشاهدة المشاركة
الوجه الكتابي
وأما كتابيا فادعاء البدعة مردود أيضا، لأن الرهبنة بالعكس تطبيق حرفي أمين للكتاب المقدس ووصاياه وليست أبدا بدعة دينية، عقائدية أو تشريعية أو طقسية، لم تكن موجودة من قبل.
هل معنى كلامك أن الرهبنة هى ( الفريضة الغائبة ) ؟
حسب ما كتبت نصاً ( التطبيق الحرفى الأمين للكتاب المقدس ووصاياه ) ؟
ماذا عن مليارات المسيحيين ؟ أغافلون هم عن أمانة التطبيق ؟

اقتباس:
في سيرة القديس أنطونيوس نفسه، فبعد أن زلزل موت أبويه عقله وكيانه

وأغرقته الأسئلة القاسية الصعبة، كانت آية بالكتاب سمعها هي المحرك الذي وجّه حياته كلها فيما بعد. هكذا كانت البداية الأولى تماما: "إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع كل مالك واعط الفقراء وتعال اتبعني فيكون لك كنز في السماء". شعر أنطونيوس حين سمعها بالكنيسة ذات صباح أنها قرئت لأجله خصيصا، وللحال خرج فوزع أرضه على الفقراء

ولم يحتفظ سوى بالقليل لأجل أخته التي كانت هي كل ما بقي له بالدنيا.

لكنه بعد ذلك مرة أخرى بالكنيسة سمع الكاهن يقرأ "لا تهتموا للغد فعندئذ قرر أن يعطي كل شيء حتى هذه البقية الباقية للفقراء، ثم وضع أخته ببيت للعذارى وانطلق خارج قريته عاقدا العزم على مسلك جديد جذريا لحياته كلها.

واضح من القصة أن أخت القديس ( اليتيمة ) كانت أصغر منه
وبدلاً من أن يعوضها عن فقد أبويها ويكون هو سندها فى الحياة
فإذا به يُقرر الهروب من هذه المسئولية ...
ولم يكتف !!
بل بدد ميراث ( اليتيمة ) ورماها فى دار أيتام من أجل أن يسلك ( حياته ) هو !!

أم أن للقصة سياق آخر غفلت أنت عن ذكره ؟

عبود عبده عبود غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 29-12-2016, 08:11 PM   #5
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 748
ذكر
 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024


اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبود عبده عبود مشاهدة المشاركة
هل معنى كلامك أن الرهبنة هى ( الفريضة الغائبة ) ؟
حسب ما كتبت نصاً ( التطبيق الحرفى الأمين للكتاب المقدس ووصاياه ) ؟
ماذا عن مليارات المسيحيين ؟ أغافلون هم عن أمانة التطبيق ؟

أهــــلا بالأســتاذ عبــود


بالطبع ليس هذا هو المقصود. هناك "حسن" وهناك "أحسن"، بالضبط كما رأينا في مسألة البتولية وكيف شرحها لسان العطر. وعليه فمليارات المسيحيين بالطبع لا تنقصهم أبدا أمانة التطبيق أو أية أمانة لمجرد أنهم ليسوا رهبانا. إن التكريس لله شاملا كاملا مطلقا هو لا شك تعبير الحياة المسيحية الأمثل والأكمل و"الأحسن"، لكن الزواج أيضا "حسن" بل مكرّم حسب قول الرسول (ليكن الزواج مكرّما). وعليه نعم، فات أغلب الناس الأحسن، ولكن "حسنا" ما زال أمرهم و"حسنا" ما يفعلون. علاوة على ذلك فإن أعلى درجات الكمال لا تستحيل عليهم لمجرد أنهم ليسوا رهبانا ـ حتى أعلى الدرجات. هناك كما ذكرنا أمثلة تؤكد أن تلك ليست أبدا قاعدة مطلقة، بل حتى العمالقة، أنطونيوس ومكاريوس، كان هناك بين العلمانيين من فاقهم وتجاوزهم. حقا من العسير أن يبلغ العلماني المهموم بالحياة والمعاش والزوجة والنسل ما يبلغه الزاهد الناسك المكرّس، لكن ذلك أيضا ليس محالا.

وعليه فليس هناك أية غفلة أو ضياع للأمانة أو حتى تقصير. الصورة هنا ليست بالأساس صورة حسن مقابل رديء، مثلا، حلال مقابل حرام، أو نور مقابل ظلمة. الصورة هنا بالعكس كلها نور في نور، حسن وأحسن، فالكل بالتالي نجوم مشرقة وإن تنوعت درجات الإشراق، لأن "مجد الشمس شيء، ومجد القمر آخر، ومجد النجوم آخر. لأن نجما يمتاز عن نجم في المجد"!


اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبود عبده عبود مشاهدة المشاركة
واضح من القصة أن أخت القديس ( اليتيمة ) كانت أصغر منه
وبدلاً من أن يعوضها عن فقد أبويها ويكون هو سندها فى الحياة
فإذا به يُقرر الهروب من هذه المسئولية ...
ولم يكتف !!
بل بدد ميراث ( اليتيمة ) ورماها فى دار أيتام من أجل أن يسلك ( حياته ) هو !!


أم أن للقصة سياق آخر غفلت أنت عن ذكره ؟


طبعا الالتفات لـ"نصف سطر" كهذا من كل سيرة الرجل لا شك موهبة لا يملكها إلا محامي بارع! فقط المحامي يستطيع ذلك، بل هذا في الحقيقة "أكل عيشه"، لأنه بنصف سطر كهذا يمكنه فعلا تدمير قضية من خمسمائة صفحة مثلا، أو تحويل حكم من تأبيدة إلى براءة!
ولكن "باردون يا متر".. القانون بل الدستور هنا كله مختلف. منطقك هو منطق العالم الزائف الفاسد المخادع. فقط هذه العبارة على سبيل المثال: "وبدلا من أن يعوّضها عن فقد أبويها ويكون هو سندها فى الحياة..." فقط هذه العبارة تكشف عن الغشاوة وحتى الغرور. (وأما بالنسبة لرجل مثل القديس أنطونيوس فهذه العبارة بالأحرى "تجديف" يا أستاذ!)

يا سيدي: مَن أنت حقا حتى تكون "سندها في الحياة" ومَن أنت كي تقدم لها أو لغيرها أي تعويض؟؟؟ يا سيدي: إذا كنت لا تدرك ابتداء كيف يتشكل قدرك ولا من أين يأتي حقا رزقك، لا تفقه كيف يعمل حتى عقلك، لا تتحكم بما يحدث حتى في جسدك، لا تقدر أن تدفع حتى أمراضك، لا تستطيع أن تحفظ حياتك ولو برهة بل لا تملك حتى أنفاسك، فمَن أنت حقا أيها المغرور كي تظن بإمكانك دعم غيرك أو تعويضه ناهيك عن القيام "سندا له في الحياة"؟؟؟ بل كيف تسند غيرك أو تقوم به إذا كنت أنت ذاتك مفتقر تماما وكليا إلى السند، عاجز قطعا ومطلقا عن القيام بنفسك؟؟؟


يوما ما كان أنطونيوس هذا مثلك، ولكن حين مات أبوه وقف أمام جسده مذهولا: كيف تحول هذا الإنسان العاقل الحيّ النابض الذي ملأ الدنيا كلها هكذا في لحظة واحدة إلى هذه الكتلة الساكنة الهامدة الميتة؟؟؟ كان أنطونيوس مثلك، لكنه واجه السؤال بكل إصرار وجسارة ورفض أن يتجاهل أو أن يتناسى! كان صادقا أمينا، مع نفسه أولا، ومن ثم أصر على السؤال رغم كل قسوته ولم يتنازل أبدا عن الحقيقة وعن اليقين ولم يسكن أخيرا إلا وقد تفجر ينبوع النعمة وأشرقت شمس أبي الأنوار في قلبه! كان أنطونيوس مثلك، لكنه تحـــرر! عرف الحق فتحـــرر! وعندئذ سلّم لله، كليا ومطلقا، ببساطة لأنه تحــــرر!

فمنذ تلك اللحظة ـ وقد أصبح التسليم لله كاملا مطلقا، وأصبح القلب في حضرة القدوس قائما لا يغادر ـ خرج أنطونيوس عن قانون هذا العالم ومنطق تدبيره وصار الله ذاته هو المرشد المُلهم المُوجه لكل فكر وقول وفعل! وعليه لا يا سيدي، لم يكن أبدا منح الميراث للفقراء "تبديدا" له كما هو منطقك، كما لم يكن سكنى أخته بالدير "رميا" لها كما تظن أو يظن سواك من أسرى العالم. بل كان كل ذلك بتوجيه صاحب الأمر نفسه وتنفيذا لمشيئته ـ صاحب الميراث والدير والأخت وأخيها والأرض كلها وما عليها، "السند" الوحيد الذي عليه يستند الجميع بل "به نحيا ونتحرك ونوجد" كما علمنا الرسول!

وماذا ستقول لو تجاهل شيخنا صوت الله في قلبه ـ وهو يدرك أنه صوت الله ـ ثم ضاع رغم ذلك الميراث وتبدد؟ ماذا ستقول إذا شاح عن وجه الله وترك دعوته لأجل أخته ثم ضاعت رغم ذلك أخته، مرضت أو شـُـلّت أو ضلّت أو... أخذها الذي خلقها؟ يا سيدي: أليس مثل هذا هو بالفعل ما ترون بالعالم كل يوم؟ ألا تعترفون أبدا بخواء حرصكم وهشاشة تدبيركم وفقر عقولكم؟ ألا تصدقون أبدا حقيقة عجزكم وافتقاركم كليا للعليّ المدبر؟ فمتى تتعلمون؟ متى تصدقون؟ متى تفيقون؟


والخلاصة: جميل لا شك أن تكون فارسا نبيلا وأن تريد مخلصا الوقوف "سندا بالحياة" لأختك الوحيدة، لا شك ولا جدال... ولكن الأجمل هو أن تدرك أولا الحقيقة ـ كما أدركها هذا الأنطونيوس، القديس المعلم الناسك الشامخ الفذ كوكب البرية أبو الرهبان! والحقيقة ببساطة هي أن الله لا سواه هو السند الحق الوحيد. فهو سندها، وحده دون شريك، وهو سندك أيضا معها. علاوة على ذلك فالحقيقة أيضا ببساطة هي أنه لولا الله ما قمتَ أنت من الأساس فارسا نبيلا، من الأساس، كما أنه لولا الله ما أردتَ اليوم لأجلها هذا الذي تريد!


خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 01-01-2017, 08:33 PM   #6
II Theodore II
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية II Theodore II
 
تاريخ التسجيل: Oct 2016
المشاركات: 213
ذكر
 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615 نقاط التقييم 150615
ربنا يباركك استاذ خادم البتول مجهود رائع
II Theodore II غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 01-01-2017, 10:24 PM   #7
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 748
ذكر
 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024

أستاذ تيودور أشكر مرورك وتشجيعك. جئت أتعلم منكم وهنا في الدفاعي بالذات ضعفي مجرد ضيف عليكم بينما حضرتك الحقيقة فارس كبير.. يعني حتى رغم إنك عضو جديد نسبيا لكنك نجم مشرق من أول يوم وموهبة كبيرة جدا ربنا يزيد ويبارك. صلي لأجل ضعفي أخي الحبيب ولا تبخل بأي توجيه أو ملاحظات، سلام المسيح والنعمة معك.


خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 03-01-2017, 01:42 AM   #8
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 748
ذكر
 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024 نقاط التقييم 10585024
الأخ الأستاذ مصلوب لأجلي أشكر وقتك ومرورك العاطر وأمتن كثيرا لكل ملاحظاتك وإضافاتك القيّمة. أتفق معك تقريبا في كل ما تقول أخي الحبيب، وأعلق إن شاء الله غدا على الجزء الخاص بموضوعنا وهو الرهبنة بالتفصيل. أما فيما يتعلق بعبود فلا أميل أن يكون هذا بحد ذاته محل نقاش. الأمر واضح تماما فيما يتعلق بما يعنيه النقاش الجاد البناء حقا وكيف يجب أن يبدأ وينمو ويتطور ثم ينتهي. أما على المستوى الشخصي فالأستاذ عبود في الحقيقة لا يحتاج أصلا إلى شهادتك هذه أو إلى شهادتي. عبود ـ علاوة على كونه صديق ـ نجم من نجوم المنتدى بل عمود من أعمدته، ولولا الذكاء والنباهة والظرف وسعة الاطلاع، مع حسن الخلق وطيب المعشر ورفعة المنبت، ما أمكنه أبدا أن يبلغ ما بلغ سيان على صفحات الموقع أو في قلوب محبيه ـ وأنا بالطبع أحدهم. أتفق بالتالي تماما مع كل ما تقول بشأنه هنا دون تحفظ بل وأُزيد عليه أيضا، وأُزيد الكثير. فلا يا أخي ليس عندي أبدا هذا الخلط. بالعكس أتمنى ألا يكون عندك أنت أو عند القارئ عموما.

نعود بمشيئة الرب غدا لما أضفته حول الرهبنة، فالشكر الجزيل على مداخلتك، مصلوب لأجلي، لك أطيب المنى وحتى نلتقي.


خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 03-01-2017, 01:51 AM   #9
Molka Molkan
لستم المتكلمين
 
الصورة الرمزية Molka Molkan
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
الدولة: ويل لي إن كنتُ لا اُبشر
المشاركات: 23,874
ذكر
مواضيع المدونة: 37
 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005 نقاط التقييم 3156005
الإخوة الأحباء، تم حذف المداخلات الخارجة عن كون الموضوع "شبهة" و"رد"، مع الرد عليها، أرجو أن تحافظوا على موضوعات القسم في هذا النسق، من أراد أن يستفهم أو يعترض أو يستزيد فليراسل كاتب الموضوع وليس أن نحول الموضوع المتعلق بشبهة ورد إلى حوار يحمل هو نفسه كلاما يكون هو بدوره يحتاج رد.

الأخ الحبيب عبود، يمكن أن تفتح موضوع جديد وتكتب فيه إعتراضك الكامل على الرهبنة المسيحية من وجهة نظرك وسيرد عليك الإخوة جميعًا، لأنك ستكون أنت صاحب الإعترض، أما لو كان لديك مجرد أسئلة إستفهامية فمكانها هو قسم الأسئلة كما تعرف.

ملحوظة: لا مانع لديّ من إرسال المشاركات المحذوفة لأصحابها عبر الرسائل الخاصة لكي لا يضيع فكرهم او كتابتهم أو وقتهم في إعادة الكتابة مرة أخرى.
Molka Molkan غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 03-01-2017, 08:33 AM   #10
عبود عبده عبود
مفصول لمخالفة قوانين المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 16,661
ذكر
مواضيع المدونة: 1
 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309 نقاط التقييم 57725309
اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Molka Molkan مشاهدة المشاركة


الأخ الحبيب عبود، يمكن أن تفتح موضوع جديد وتكتب فيه إعتراضك الكامل على الرهبنة المسيحية من وجهة نظرك وسيرد عليك الإخوة جميعًا،
" مولكا " .. كل سنة وأنت طيب
معنديش أى أعتراضات على الرهبنة ولا أسئلة .... فقط أستوقفنى تعبير
( التطبيق الحرفى الأمين للكتاب المقدس ووصاياه )
وهو – كما ترى فى الصُلب الدفاعى للموضوع – فكان لازم أسأل صاحبه
وبعد كدة الحوار أدار نفسه ( جاب بعضه يعنى ) مش أكتر - والمسألة أنتهت
عبود عبده عبود غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
بدعة الرهبنة, برسوم المحرقي


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مفاهيم طبية خاطئة mary naeem الملتقى الثقافي و العلمي 0 07-06-2013 02:05 PM
مفاهيم خاطئة مسيحيا!! ABOTARBO المرشد الروحي 9 17-08-2010 10:52 PM
مفاهيم خاطئة candy shop الملتقى الثقافي و العلمي 8 21-01-2008 04:18 PM
مفاهيم خاطئة عن المرأة المصرية ramyghobrial ركن الاجتماعيات و الشبابيات 4 25-09-2006 07:06 PM


الساعة الآن 10:08 PM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2019، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة