منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية المرشد الروحي

موضوع مغلق

الموضوع: دراسة تفصيلية في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس المقدمة العامة

أدوات الموضوع
قديم 19-05-2020, 06:35 AM   #1
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
افتراضي

دراسة تفصيلية في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس المقدمة العامة


دراسة تفصيلية في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω



===========================

قد سبق وتم وضع الدراسة على أجزاء متفرقة
وفي هذا الموضوع سيتم تجميع الدراسة كموضوع واحد كامل
على فقرات كاملة لسهولة قراءته ووضعه كمرجع دراسي في المنتدى
سيتم غلق الموضوع وسيتم فتحه بعد الانتهاء منه للأسئلة والتعليقات
============================
لنك الصفحة المخصصة لطرح الأسئلة على الفيسبوك
https://www.facebook.com/Enytion
============================
===== الفهــــــــــــــــــــــــــــــرس =====

1 – تمهيد عـــام
2 مقدمة عامة
+ مقدمـــــة
أولاً: تعريف المصطلحات (التقدمـــــــــة والذبيحــــة).
ثانياً: أصل وطبيعة الذبيحـــــــة ونظريـــــــــة تقدمها
ثالثاً: أهمية الذبيحة وشمولها – لمحة تاريخية سريعة
(أ) البشرية الأولى
(1) التقدمــــــــــــــــة
(2) المحرقــــــــــــــة
(3) العهـد مع إبراهيم
(4) إسحـــــــــــــــــق
(5) يعقــــــــــــــــوب
(6) الفصــــــــــــــــح
(7) ذبيحة الشكر وتمجيد الله – يثرون
(ب) الحقبة الموسوية
(1) ذبيحـــــــــــــــــــة العهد
(2) الذبائح في خيمة الشهادة
(جـ) عصر القضاة والملوك
(د) عصر ما بعد السبي
رابعاً: مصدر تشريع الذبائـــــــــــح
خامساً: مواقع العبادة وتقديم الذبائح
=====================
3 – الملامح العامة للذبائح في العهدين
أولاً العهد القديم
أولاً: تطور طقوس الذبائح
1 – البساطة البدائيــة
2 – تشعب الطقــوس
ثانياً: جوانب الذبيحة المختلفة
(1) أنواع مختلفة تظهر في التاريــــــــخ
(2) نحو صورة جامعة في سفر اللاويين
ثالثاً: من الطقوس إلى الذبيحة الروحية
(1) الطقوس كعلامة للذبيحة الروحيـــــة
(2) الديانـــــــــــــــة الباطنيـــــــــــــــــة
أ – أولوية الديانة الباطنية
ب – قمــة الديانة الباطنية
ثانياً: العهد الجديد
(1) استمــــــــــــرار وتفوق
(2) معنى الذبيحـــــــــــــــة
(3) يسوع يقدم نفسه ذبيحـة
(أ) تمهيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد
(ب) يسوع المسيــــــــــح حمل الله
(جـ) تقدمة يسوع تُنشأ عهداً جديداً
===========================
4 – ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم
تمهيد
[أ] الذبيحــــــــــــة كهبــــــــــــــــــــــــــــة
[ب] ترتيب الذبائح وارتباطها معــــــــــــاً
[جـ] الذبائح الدموية والتقدمات الطعاميـة
1 – قاعدة عامــــــــة
2 – الدم أساس الحياة
3 – الدم قوة تطهير وتقديس وتكفير وعهد
+ تعبيــر ولي الدم
4 – الدم في العهد الجديـــــــــــــــــــــــــد
+ دلالة كلمة αἷμα (دم) وتعبير لحماً ودماً
+ مفهـــــــــــــــــــــــــــــــــوم الدم القرباني
[د]الذبائح الدموية واستخدام الحيوانات وشروط الذبيحة
1 - تمركز الذبائح حول الدم والهدف التكفير والتقديس
2 - الحيوانات المستخدمــــــــــة في الذبائـــــــــــــــــح
3 – شروط الذبيحة
[هـ] تعدد أنواع الذبائح وغايتها وكيفية تقديمها عمليـــــاً
المراجــــــع
==============================

تم الكتاب الأول بنعمة الله
وقريباً الكتاب الثاني: ذبيحة المحرقة
مع ملحوظة أن المراجع موجودة في النسخة الالكترونية PDF
ولتحميل الموضوع بشكل كتاب
أضغط (هنــــــــــــــــــــــا)

لكي يتم التحميل أضغط على العلامة الخضراء المكتوب عليها
Download (2.08MB)
==========================
للتعليق على الموضوع أو طرح أي سؤال فيه
أضغط هنـــــــــــــــا

التعديل الأخير تم بواسطة aymonded ; 12-06-2020 الساعة 02:07 PM
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-05-2020, 06:44 AM   #2
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
1 - تمهيد عـــــــــام
منذ البدء، بدء التاريخ الإنساني عند الخلق، الله خلق الإنسان بشكل مُميز (Characteristically)، على صورته كشبهه ليكون أرضه الخاصة، أرض اللاهوت(حسب سبق التعيين والاختيار: أفسس 1: 4، 5)[1]، أي أن هيكله الإنساني صار مقراً لسكنى الله وحلوله الخاص، لأن الله بطبيعته لا يسكن في هياكل مصنوعة من حجر وطوب وخشب أو كل ما هو مصنوع بأيدي بشرية، لأن الله روح وليس مادة لكي يحتويه مكان مادي، ولكن بمحبة فائقة وتنازل مُذهل – غير مُدرك – الله القدوس البار وحده شاء أن يكون الإنسان وحده (بشكل فريد) أرض فلاحته الخاصة، هيكله الشخصي، المقرّ الوحيد لسُكناه وسط الخليقة، من خلاله يشع نوره ويعكسه على الخليقة كلها، لذلك نجد هذا الإعلان العجيب أعلنه الرب لنا نحن المؤمنين به، لأنه قال للرسل ومنهم لكل إنسان يؤمن: "أنتم نور العالم"، ولكننا لسنا نور العالم من ذاتنا كأننا نبع النور، فهذا مستحيل، لأن القمر يستمد نوره من الشمس فيُضيء، وهكذا أيضاً لكون الله هوَّ بذاته النور، هوَّ بشخصه يحل ويسكن ويستقر فينا، وبكونه نبع النور الحقيقي، ونحن نلتصق به ونتبع خطواته منقادين بروحه، لذلك ونحن أرضه الخاصة وهيكله الذي يسكنه، يشع من خلالنا نوره أمام العالم عبر كل الدهور وفي جميع العصور:
+ فأنكم أنتم هيكل الله الحي كما قال الله إني سأسكن فيهم (والكلمة صار جسداً وحلَّ فينا) وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً [2]؛ أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم [3]
+ هذا هو الخبر الذي سمعناه منه ونخبركم به أن الله نور وليس فيه ظلمة البتة [4]، الظلمة قد مضت والنور الحقيقي الآن يُضيء [5]؛ كان النور الحقيقي الذي يُنير كل إنسان آتياً إلى العالم [6]؛ ما دام لكم النور آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور [7]؛ أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة [8]؛ أن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية [9]
+
أنتم نور العالم لا يمكن أن تُخفى مدينة موضوعة على جبل [10]؛ وأما من يفعل الحق فيقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة [11]؛ فليُضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات [12]

وبالرغم من أن الله خلق حبيبه الإنسان على صورته المجيدة ليعكس بهاء مجده الخاص على الخليقة كلها، لأنه كُلل على الخليقة وترأسها لهذه الغاية، لكنه لم يحفظ الصورة وشوه طبعه وسقط وأضاع المثال، ودخل في حالة الظلمة والموت، فحدثت له كارثة عظيمة إذ فقد الكنز الثمين الذي له وسار في طريق الموت، فانغلق أمامه نور الحياة، ولم يعد قادراً أن ينظر للوجه الحسن المُنير، فانغلق على الله وانعزل عنه وفقد نقاوة طبيعته الأصلية وبساطتها، وانطفأ نور ذهنه المُضيء، ولم يعد بقادر أن يعكس النور الإلهي للخليقة كما كان، لذلك يقول القديس مقاريوس الكبير:
+ أن آدم بتعديه الوصية، حدثت له كارثة مزدوجة، فهو فقد نقاوة طبيعته التي كان حاصلاً عليها، والتي كانت جميلة على صورة الله ومثاله، ومن الجهة الأخرى فقد أيضاً تلك الصورة عينها التي كان سيرث بها كل الميراث السماوي بحسب الوعد.
فاذا افترضنا أن عملة ذهبية، عليها صورة الملك، قد خُتمت بختم مزيف، فأن الذهب يضيع، والصورة التي كانت عليه تصبح بلا قيمة، هكذا كانت الكارثة التي حلت بآدم. وإذا تصورنا عزبة كبيرة تدر خيرات كثيرة، ففي أحد أركانها كرم مزدهر، وفي مكان آخر منها حقول مثمرة، وفي غيره مواشي وقطعان غنم، وفي موضع آخر ذهب وفضة، هكذا كانت العزبة عزبة آدم - ثمينة جداً قبل العصيان، وأقصد بالعزبة، إناء آدم الخاص، ولكنه حينما قبل مقاصد وأفكار الشر ورحب بها، هلك من أمام الله.
ولكننا مع ذلك، لا نقول، أن كل شيء قد ضاع وتلاشى ومات، بل انه مات عن الله، ولكنه ظل حياً بالنسبة إلى طبيعته، فها عالم البشر كله كما نراه، يسعى في الأرض، يشتغل ويعمل ولكن الله ينظر إلى أفكارهم وتصوراتهم فيصرف النظر عنهم وليس له شركة معهم، لأنهم لا يفكرون فيما يرضي الله، وكما أن الاتقياء إذا مروا أمام البيوت ذات السمعة القبيحة، والأماكن التي ترتكب فيها الفحشاء والفسق، فأنهم ينفرون منها ويرفضون مجرد النظر ناحيتها - لأن هذه الأمور هي موت في نظرهم - هكذا فإن الله يغض النظر عن أولئك الذين تمردوا على كلمته وعصوا وصيته فتعبر عينه عليهم ولكنه لا يكون في شركة معهم. ولا يستطيع الرب أن يجد راحة في داخل أفكارهم. [13]
وهكذا دخل الإنسان في الموت ولم يستطع أن يفلت منه، وأصبح غير قادر على أن يُرضي الله بكل ما يعمله مهما ما كان سموه، لأن الظلمة ملكت عليه وحجبت عنه النور الحقيقي، نور إشراق وجه الله الحي، وأحاطت بكل أفكارهمن كل جانب، وصارت تغلبه بكونها تسكن أعضاؤه وقد تسلطت عليه بالموت، فأصبحت حياته كلها تحت العبودية ونيرها المُرّ [الذين خوفا من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية (عبرانيين 2: 15)]
+ بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ ذَلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاقٍ غَيْرُ مُنْكَشِفٍ، الَّذِي يُبْطَلُ فِي الْمَسِيحِ[14]؛ فإني أعلم أنه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي، شيءٌ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى (حسب مشيئة الله طبيعياً) فلستُ أجد. [15]
وليس ذلك فقط بل صار صراخه الدائم – في العلن والخفاء – أين المُنقذ، من يُصالحني على الله، من يُصحح علاقتي به ويضمن عدم فسخها مرة أخرى، بل وإلى الأبد!!!
+ ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت. [16]
+ ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا. [17]
وحينما بحث كل واحد وفتش عن آخر مُعين ليصير وسيطاً بينه وبين الله ليصنع سلاماً ويُعيد الشركة كما كانت، لم يجد، لأن كل إنسان مهما من كان حتى لو كان أعظم الأنبياء، غير قادر على أن يُصحح وضع نفسه مع الله، فكيف يستطيع أن يفعل هذا من أجل الناس، لذلك من الصعوبة التامة اللجوء لإنسان لأجل الخلاص من طبعنا الفاسد، لأن من يطلب ويفتش عند الناس على خلاص نفسه أو حتى عند ذاته بصنع أعمال حسنة ظناً انها تُصلح بينه وبين الله فأنه كمثل من يطلب العافية من السقيم، ويسأل الميت الحياة، ويستغيث بمن هو أعجز شيء عن الاغاثة. [18]

+ ولذلك فقد جاء الذي خلق النفس والجسد، جاء بشخصه وأبطل كل عمل الشرير، وكل أفعاله التي عملها في أفكار البشر، وجدد وأعاد خلقة الصورة السماوية، لكي يصنع تجديداً للنفس، لكي يعود آدم مرة أخرى ملكاً وسيداً على الموت. وفي ظلال الناموس سمى موسى مُخلِّصاً لإسرائيل لأنه أخرجهم من مصر، وكذلك الآن فإن المسيح المُخلِّص والمحرر الحقيقي، يدخل إلى مكامن النفس الخفية ويخرجها من ظلمة مصر، ومن النير الثقيل والعبودية القاسية المرة. ولذلك فهو يأمرنا، أن نخرج من العالم ونصير فقراء في الأمور المادية المنظورة ولا نهتم بالاهتمامات الأرضية، بل نقف ليلاً ونهاراً على الباب وننتظر الوقت الذي يفتح فيه الرب القلوب المغلقة ويسكب علينا موهبة الروح القدس. [19]

ولكن الله لم يخلصنا عن طريق إصلاح طبعنا الإنساني التي عضته الحية القديمة فسرى سمها القاتل فيه، لأن هذا الطبع قد فسد بالتمام وغير قابل للإصلاح مثل الطعام الفاسد أو الأثاث القديم الذي يحتاج لإحلال وتجديد: الكل قد زاغوا (ارتدوا عن الله) معاً، فسدوا، ليس من يعمل صلاحاً (حسب مشيئة الله وتدبيره الحسن)، ليس ولا واحد. [20]، فطبيعتنا القديمة الساقطة لا تستطيع أن تتقبل الصلاح الإلهي الفائق لأنها صارت صلدة كالصخر (من كثرة الإثم وشدة الظلام الذي يُحيط بها من كل جانب)، لأن: كل الرأس مريض وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة، بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بالزيت. [21]

لذلك نجد أن الله في العهد القديم أظهر الطريق الوحيد للخلاص والنجاة من الموت، لأن [أمر الله موسى - في الشريعة - أن يصنع حية من نحاس ويرفعها ويثبتها على رأس ساري فكان كل من لدغته الحيات ينال الشفاء بمجرد تثبيت نظره على الحية النحاسية، ولقد صنع موسى هذا بتدبير وقصد إلهي، حتى أن أولئك المعوقين بالاهتمامات الأرضية، وعبادة الأصنام، ولذات الشيطان، وكل أنوع الشر - (هذه الأشياء هي سم الحيات) - فأنهم بهذه الوسيلة يتطلعون إلى أعلى، إلى ما هو فوق إلى الأمور السمائية، واذ يبتعدون بنظرهم عن الأشياء السُفلية فترة من الوقت فأنهم يعطون اهتمامهم لما هو أعلى وأسمى، وهكذا يتقدمون رويداً رويداً إلى ما هو أعلى وأكثر سمواً لكي يعرفوا ويتعلَّموا ذلك الذي هو الأعلى جداً والأسمى جداً والفائق لكل الخليقة.
ولكن ما المقصود بالحية الميتة؟ الحية المثبتة على رأس الساري كانت تشفي أولئك الذين لدغتهم الحيات. فالحية النحاسية التي بلا حياة قد أبطلت فعل سم الحيات التي فيها حياة. وهذا رمز إلى جسد الرب. فالجسد الذي أخذه من العذراء، قد قدمه على الصليب، وعلقه هناك مثبتاً على الخشبة، وهذا الجسد المائت على الصليب غلب وقتل الحية التي تعيش وتزحف داخل القلب. فهو أعجوبة عظيمة: كيف أن حية ميتة قتلت حية عائشة، ولكن كما أن موسى صنع أمراً جديداً لما عمل حية من نحاس، هكذا الرب ايضاً قد صنع شيئاً جديداً من العذراء مريم، ولبس هذا الجسد بدلاً من أن يحضر معه جسداً من السماء، فالروح السماوي دخل في الطبيعة الانسانية وعمل فيها، وجعلها تدخل في شركة مع اللاهوت اذ لبس الجسد البشري الذي صوره وشكله في بطن العذراء، وكما أن الرب لم يأمر بصنع حية من نحاس في العالم الا في عهد موسى، هكذا ايضاً لم يظهر في العالم جسد بلا خطية الا جسد الرب يسوع. لأنه حينما تعدى آدم الأول الوصية، ملك الموت وتسلط على جميع أبنائه بدون استثناء ولذلك جاء الرب وغلب بجسده المصلوب الحية العائشة.
وهذا الأمر العجيب "هو لليهود عثرة ولليونانيين جهالة" [22] ولكن ماذا يقول الرسول؟
يقول: "ولكننا نكرز بيسوع المسيح وإياه مصلوباً، وهو لليهود عثرة ولليونانيين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فالمسيح قوة الله وحكمة الله" [23]، لأن الحياة هي في الجسد المائت على الصليب. هنا الفداء. هنا النور] [24]

ولكي ندرك قوة الفداء لندخل فيه ينبغي أن نعرف أن الرب يسوع أتى في ملء الزمان كالتدبير ليُقدِّم نفسه ذبيحة كفارة عن حياة العالم، لذلك قدَّم لنا في العهد القديم الرمز اللازم لكي يُؤهل فكرنا ويكيف كل قوانا وقدراتنا العقلية والكيانية لتستقبل خلاصه العظيم الفائق لنعي ونُدرك ما يقدمه لنا من مجد وبهاء يفوق كل قدراتنا، وذلك لكي يُعيدنا لما هو أعظم مما كنا فيه قبل السقوط، بل أيضاً يعطينا ضماناً أننا سنظل في الحضن الإلهي ولن نخرج خارجاً أبداً، طالما نحن متمسكين بخلاصه ولن نطرح عنا اسمه، لأنه اتحد بنا بسبب اتخاذه بشريتنا متحداً بها اتحاداً غير قابل للافتراق، لأن هو الذي نزل بذاته وبشخصه واتخذ جسدنا مسكناً له، هو عينه الذي صعد بنفس ذات الجسد عينه الذي اتحد به اتحاداً فائقاً بسرّ لا يُشرح، وجلس به عن يمين العظمة في الأعالي، ويستحيل أن يتخلى عن جسده، لذلك نحن قد ضمنا به أننا لن نُطرح خارجاً، فخلاصنا أصبح مضموناً ولنا الآن ثقة بالدخول للأقداس، لأننا لا ندخل بقدراتنا وأعمال الناموس بل بما منحه لنا، لأننا فيه وهو فينا فكيف لا نكون معه، وهو متحداً بنا حسب التدبير الخلاصي المعلن في الإنجيل.
+ ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح، بالنعمة أنتم مخلصون؛ لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله؛ لا بأعمال في برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس. [25]
+ فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع. طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده. وكاهن عظيم على بيت الله. لنتقدم بقلب صادق، في يقين الإيمان، مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير، ومغتسلة أجسادنا بماء نقي، لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً لأن الذي وعد هو أمين. [26]
لذلك علينا الآن بكل مهابة شديدة أن ندخل في هذا الموضوع باشتياق قلب مُصلي في الروح القدس، طالباً قوته لكي يعلن لنا عمله بالسرّ في قلوبنا ليُدخلنا فيه لنفهم ونُدرك سرّ ذبيحته الفائقة، لكي ندخل في سرّ الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء، الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلنا. [27]

وقبل أن ندخل في الموضوع، علينا أولاً أن نفهم بعض الأشياء عن الذبيحة من جهة التطبيق العملي وذلك من خلال كلمات القديس مقاريوس الكبير ونضعها في ذهننا أثناء قراءتنا للموضوع كله لأنها في منتهى الأهمية وذلك من أجل أن نحيا ونعيش في واقعية سرّ الخلاص العظيم في حياتنا الشخصية، (مع ملحوظة لا بُدَّ من أن نضعها في الاعتبار، وهو أن ذبائح العهد القديم ما هي إلا ظل باهت لذبيحة شخص ربنا يسوع ولا تساويها أبداً، لا في حقيقتها ولا في قوة فعلها الخلاصي والتطهيري للضمير ولا مفهومها الكامل وفعل قوتها الأبدي، لأن العهد القديم ظل الحقيقة مُقدَّمة للإنسان لكي تؤهله لاستقبال الخلاص الثمين)، فيقول القديس مقاريوس:

+ فالذبيحة ينبغي أولاً أن تُذبح بواسطة الكاهن، وتموت، ثم تُقطَّع قطعاً وتُملح، وبعد ذلك توضع على النار. فأن لم يذبح الكاهن الخروف أولاً ويموت، فإنه لا يُملح ولا يُقرَّب كقربان محرقة للرب.

هكذا نفسنا أيضاً ينبغي أن تأتي إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقي ليذبحها، وتموت عن هوى فكرها الخاص وعن حياة الخطية الشريرة التي كانت تعيشها قبلاً. يجب أن تخرج منها الحياة، حياة الأهواء الشريرة. كما أن الجسد إذا خرجت منه النفس يموت، ولا يعود يعيش بالحياة التي سبق أن عاشها، فلا يسمع ولا يمشي، كذلك المسيح رئيس كهنتنا السماوي حينما يذبح نفسنا بنعمة قوته، ويُميتها عن العالم فأنها تموت عن حياة الشرّ التي كانت تعيشها، فلا تعود تسمع أو تتكلم أو يكون لها شركة وتوطن في ظلمة الخطيئة لأن حياتها – التي هي الأهواء الشريرة – قد خرجت منها بواسطة النعمة. والرسول يصرح قائلاً "قد صلب العالم لي وأنا صلبت للعالم" [28].

فالنفس التي لا تزال تحيا في العالم وفي ظلام الخطيئة ولم تمات بواسطة المسيح ولا يزال روح الخبث في داخلها أعني نشاط ظلمة أهواء الشر، التي تتحكم فيها فإن هذه النفس لا تنتمي إلى جسد المسيح، لا تنتمي إلى جسد النور، بل هي في الحقيقة جسد الظلمة ولا تزال جزءاً لا ينفصل من الظلمة، أما الذين لهم حياة روح النور، أعني قوة الروح القدس فإنهم جزء لا ينفصل من النور.

لذلك فلنصلي لكي نُذبح بواسطة قوته ونموت عن عالم الظلمة الخبيث ولكي تموت فينا روح الخطية، لكي نلبس وننال حياة الروح السماوي، وننتقل من حيث الظلمة إلى نور المسيح، ولكي نستريح في الحياة إلى مدى الدهور.

فكما أن المركبات تتسابق في الميدان والمركبة التي تسبق الأخرى تصير لها مانعاً وحاجزاً وعائقاً، حتى أنها لا تستطيع ان تتقدم وتصل إلى النصرة، وهكذا أيضاً سباق أفكار النفس والخطيئة في الانسان. فإذا حدث أن سبق فكر الخطيئة فانه يعوق النفس ويحجزها ويمنعها، حتى أنها لا تستطيع أن تقترب إلى الله وتنال النصرة منه. ولكن حيث يركب الرب ويمسك بزمام النفس بيديه فانه دائماً يغلب لأنه بمهارة يدير ويقود مركبة النفس إلى ذهن سماوي ملهم كل حين. وهو - أي الرب - لا يحارب ضد الخبث إذ له دائماً القوة الفائقة والسلطان في نفسه، بل هو يصنع النصرة بنفسه. [29]


======================
[1] كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ
[2] (2كورنثوس 6: 16)
[3] (1كورنثوس 3: 16)
[4] (1يوحنا 1: 5)
[5] (1يوحنا 2: 8)
[6] (يوحنا 1: 9)
[7] (يوحنا 12: 36)
[8] (يوحنا 8: 12)
[9] (1يوحنا 1: 7)
[10] (متى 5: 14)
[11] (يوحنا 3: 21)
[12] (متى 5: 16)
[13] (عظات القديس مقاريوس الكبير عظة 12: 1و 2)
[14] (2كورنثوس 3: 14)
[15] (رومية 7: 18)
[16] (رومية 7: 24)
[17] (أيوب 9: 33)
[18] (الحكمة 13: 18)
[19] (عظات القديس مقاريوس الكبير عظة 11: 6)
[20] (مزمور 14: 3؛ 53: 3؛ رومية 3: 12)
[21] (إشعياء 1: 5و 6)
[22] (1كورنثوس 1: 23)
[23] (1كورنثوس 1: 23، 24؛ 2: 2)
[24] (عظات القديس مقاريوس الكبير عظة 11: 8 و9 و10)
[25] (أفسس 2: 5 و8؛ تيطس 3: 5)
[26] (عبرانيين 10: 19 – 23)
[27] (1بطرس 1: 10)
[28] (غلاطية 6: 14)
[29] (عظات القديس مقاريوس الكبير عظة 1: 3 و9)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-05-2020, 06:49 AM   #3
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
2- مقدمـــــــــــــــة عامة
===============
مقدمـــــــــــــــــــــــة
+ أولاً: تعريف المصطلحات (التقدمة والذبيحة)
أن كلمة أو لفظة وتعبير [تَقْدِمَة] الخاصة بتقدمة الذبيحة؛ هي الكلمة العربية المكافئة للعبرية، ومعناها في اللغة العربية: [قَدَّمَه (قدم الشيءَ إِلى غيره): جَعلَهُ قُدَّامَهُ، وهي تُشير إلى عطية أي هدية مقدمة بشكل خاص كنوع من أنواع التقدير والتكريم]، لذلك يأتي معنى التقدمة (الخاصة بالذبائح) أنها تعني هبه لا تُرد لأنها تُذبح، أي هدية أو عطية عن طيب خاطر بمسرة قلب صريح في الإيمان صادق في المحبة [بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلَّهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ، فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ – عبرانيين 11: 4]، أي أنها هديه مُميزة كاعتراف بالفضل والجميل، أو بالمعنى العام عند بعض الفلسفات الدينية والشعوب البدائية: [هي تقدمة لكسب تحالف أو منع شرّ].

والذبيحة في اللغة الإنجليزية مأخوذة من مجموعة كلمات لاتينية تعني "شيئاً مقدساً" أو "تقديس" (أي أنها تُشير إلى جعل شيء ما مُقدساً، أي تكريسه وتخصيصه أي وقفه لشيء، أو بمعنى أدق فرزه وتخصيصه لتقديمه كهدية مُميزة لشخص عالي المقام، صاحب مكانة رفيعة، وفرزه تعني = فرز الشّيء من غيره، أي: عزله عنه، نحّاه وفصله، ميَّز جيِّده عن رديئهُ، مثل فرَز القمح عن التبنأوفرَز الذهب من الرصاص).

وبعض الباحثين يستخدمون المعنى الأول (التقدمة) ليعني تقديم شيء كمنحة أو هبه، والكلمة الثانية (ذبيحة) لوصف الهبة على أنها شيء عُرض وقُدم على وجه الخصوص لكائن إلهي. وآخرون يستخدمون كلمة ذبيحة للإشارة إلى أي تقدمة تتضمن طقس ذبح حيوان. وفي كلتا الحالتين تٌعتبر "التقدمة" أو "القربان" تعبيراً عاماً بأكثر مما هو الحال لكلمة ذبيحة، لأن التقدمة يتم فيها تقديم أي شيء ومن ضمنها الذبيحة، أما الذبيحة فهي تختص بالذبح فقط.

+ والمصطلح العبري "يُقدم قرباناً" هو جمع بين الفعل يُقدم وقَرَّبَ، أو يُقدم قُرباناً (للمذبح):
+ [ودعا الرب موسى وكلمه من خيمة الاجتماع فقال: قل لبني إسرائيل إذا قرَّب أحدٌ منكم قرباناً للرب، من البهائم] [1]
+ [وإذا قرَّب أحد قربان تقدمة للرب يكون قربانه من دقيق ويسكب عليها زيتاً ويجعل عليها لبانا. ويأتي بها إلى بني هرون الكهنة ويقبض منها ملء قبضته من دقيقها وزيتها مع كل لبانها ويوقد الكاهن تذكارها على المذبح وقود رائحة سرور للرب] [2]
وتعبير قرَّب יַקְרִ֥יב (qarab) باللغة العبرية يعني على وجه الدقة: دنا أو اقترب، قَرُب مِنْه أو إلَيْه، أتَى بِـ؛ أحْضَر؛ أعْطَى؛ أوْرَد؛ جاء بِـ؛ منح؛ عَطَاء؛ هَدِيّة، [والتعبير هنا يأتي بمعنى: أسلوب أو طريقة، بمعنى ان الله هنا يتكلم عن الأسلوب أو الطريقة للتقديم أو التقريب].

أما بالنسبة للكلمة اليوناني (التقدمة) prosfora - προσφορα فهي تعني في الأصل: إحضار،تقديم. وقد اُستخدمت بمعنى تقديم الهبات (الهدايا) الذبائحية، ثم بوجه خاص تقديم الطعام، خاصة في شكل تقدمة حبوب. وقد أُستخدم الفعل prosfero προσφέρω لعمل التقدمة وجعلها في شكل عطية (كتهيئة الهدية)، وقد أتى التعبير ليُشير إلى الخضوع الكامل للألوهة.
أما كلمة قُرْبان קָרְבָּ֖ן (qorban) تعني: إعْطاء؛ إهْدَاء؛ أُضْحِيّة؛ بَذْل؛ تَقْدِمَة؛ تَقْدِيم؛ ذَبِيحَة؛ مَنْح، والمعنى العام للكلمة: [كُلُّ مَا يتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الَّلهِ مِنْ ذَبِيحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا]

عموماً تعبير "قرب قرباناً יַקְרִ֥יב קָרְבָּ֖ן" يُقدم السياق اللازم لتقديم جميع أنواع الذبائح. وكان بوسع الشخص أن يُقرَّب قُرباناً، قد يكون تقدمة مُحرقة كما في لاويين 1: 3، وهي تقدمة ذبح حيوان، أو قربان تقدمة كما في لاويين 2: 1، وهي تقدمة بلا ذبيحة، أو ذبيحة سلامة كما في لاويين 3: 1، ونلاحظ أن الكلمة العبرية "ذبيحة זֶבַח" لا ترد في لاويين من الإصحاح 1 حتى الإصحاح 3: 1 تقريباً، فالتركيز الأول كان على التقدمة وبعدها الذبيحة.

عموماً نجد أن كلمة "قربان" تُستخدم كتعبير شامل لتقديم الذبائح الحيوانية أو الغير حيوانية، وحتى بالنسبة للتي تُذبح خصيصاً لأكلات جماعية، وتعبير "نظام الذبائح" يُمكن استخدامه للإشارة إلى جميع ذبائح وتقدمات العهد القديم ككل.
وفي نظام التقدمة والذبائح في العهد القديم، نجدها معروفة على المستوى الأكاديمي والشعبي بأن تفاصيلها كثيرة جداً وقد تبدو لنا معقدة وصعبه للغاية، ولا يوجد تفسير مفصل لها، وذلك بسبب الطبيعة المتأصلة في العمل الطقسي نفسه، والمعنى أساساً يُفهم من العرض وليس من الشرح.
===============
[1] (لاويين 1: 1و2)
[2] (لاويين 2: 1و2)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-05-2020, 06:56 AM   #4
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
ثانياً: أصل وطبيعة الذبيحة ونظرية تقدمها
========================
إن أصل نشأة تقديم الذبائح أمر تحوطه الأسرار وكثير من الغموض، وذلك لأنه يرجع إلى عصور ما قبل التدوين التاريخي وقد عُرفت عن طريق بعض الرسوم التي وُجِدت في كهوف الجبال وغيرها من الآثار التي تدل على حياة الإنسان البدائي. ويُسجل لنا سفر التكوين حقيقة تقديم الذبائح، ولكنه لا يذكر شيئاً عن كيفية بدايتها أو نشأتها على وجه التحديد وبالتفصيل. كما أننا نقرأ عنها في عصور الآباء، ثم نجد شريعة موسى تقرها وتُقننها بأمر إلهي منظم ومرتب.

وعموماً نجد أن تقديم الذبائح أمراً شائعاً عند كل الشعوب منذ أقدم العصور، وأنواع الذبائح التي عادةً تُقدَّم في جميع الحضارات القديمة، يا إما من الحيوانات أو البشر أو تقدمة من البقول أو العسل أو أي نوع من أنواع الطعام أو من الأشياء مثل حصاه أو عصا أو حربه... الخ.
وقد افترض علماء الثقافة وعلم الإنسان وعُلماء الاجتماع وأطباء علم النفس، ومؤرخو الديانات الكثير من النظريات المختلفة – بعيداً عن الكتاب المقدس – عن أصل وأهمية شيوع تقديم الذبائح بين كل الشعوب كظاهرة دينية والتي تتمثل معناها في الآتي:
[الهبة كشكر للإله – الوجبة أي كشركة مع الإله – التقديسالرضاالتكفير]

وتتلخص هذه النظريات والتحليلات في 6 نقاط كالتالي:
1- النظرية النفسية لتخفيض القلق من خلال تقديم ذبائح لأحد الآلهة.
2- النظرية السحرية والتي تقول بأن هلاك الذبيحة التي تم التضحية بها تتسبب في إطلاق قوة سحرية لصالح مقدم الذبيحة.
3- ويعتبر بعض العلماء أن تقديم الذبائح عموماً من ابتكار الإنسان [1] لتكوين علاقة مودة مع الإله أو لإكرامه أو لاسترضائه، أو لمشاركته الطعام للدخول في عهد معه.
4اعتقاد بعض العبادات بوجود روح الإله في حيوان ما، وإذ يأكل الإنسان (العابد لهذا الإله والمؤمن به) من الذبيحة فهو يأكل الإله ويكتسب في نفسه كل الصفات الجسمانية والعقلية والأدبية التي للإله الساكن في الذبيحة. وفي بعض الحالات كان العابد يشرب دم الذبيحة وبذلك – حسب اعتقاده الخاص – يمتص منها الحياة. كما كانوا في بعض الحالات ينهشون لحم الحيوان قبل أن يموت تماماً، أي وهو ما زال ينبض بالحياة، حتى يمتصوا روح الإله الذي يسكنه.
5- نظرية المنحة، وقد أطلقها تيلر Tyler سنة 1871 والتي يقول فيها إن الذبيحة منحة أو هبة مقدمة، فقد اختزل كافة القرابين والذبائح إلى الفكرة الآلية الخاصة بالتبادل أو الرشوة أو دفع الثمن بمعنى: [أُعطيك لكي تعطيني أيضاً مقابل ذلك].
وفلسفة هذه النظرية أتت من أن الذبيحة الحيوانية تعوزها السمة الأخلاقية، لذلك ليس لها – في الأساس – أي مغزى أخلاقي هام، ولم تكن تعبيراً عن العبادة الحقيقية بأي شكلٍ كان، بل كانت في جوهرها، عملية اقتصادية تجارية كتلك الموجودة بين البشر والمبنية على فكرة [خد وهات؛ اُعطيك فتُعطيني في المقابل، عطية أمام عطية متبادلة ومتساوية في القيمة]، فكل شيء له ثمن، وكل عطاء مُثمن بعطاء مقابل يساويه.
مع أن هذه النظرية لا تتفق – مثل سابقتها – مع ما جاء في تكوين الإصحاح الرابع، والذي يُعتبر أول ذكر لقربان الحبوب أو ثمار الأرض والذبيحة الحيوانية في تاريخ البشرية، طبقاً لما جاء في الكتاب المقدس. وعلى عكس هذه النظرية:
فيبدو أن قايين وهابيل قَدَما قربانهما إجلالاً واحتراماً لله كإله شخصي، وذلك لكي يكسبا رضاه، ومن الواضح أن الله في هذا الموقف لا يتأثر بالعطية أو مُعطيها على أساس رشوة أو شيء مقابل شيء، أو حتى مقابل رضاؤه كفعل مُقدَّم له من الخارج، فالله أظهر بوضوح شديد أنه ينظر أولاً للقلب والنية والضمير وليس للعطية في حد ذاتها مهما عظمت أو كبرت أو صغرت أو مهما ما كان سموها، فالله مهتم بالنواحي الأخلاقية الداخلية، وبالاستجابة لأقواله بالطاعة.

لذلك نلاحظ أن الله استجاب لشخص ولم يستجيب للآخر [ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر فاغتاظ قايين جداً وسقط وجهه] [2]، ويشرحها القديس يوحنا الرسول: [ليس كما كان قايين من الشرير وذبح أخاه، ولماذا ذبحه لأن أعماله كانت شريرة وأعمال أخيه بارة] [3]، ومن هنا نفهم أن الله لا يرتشي أو ينظر لقربان مُقدَّم إليه حتى لو كان تنفيذاً للوصية المقدسة، إن لم يكن مُقدَّم من الداخل أولاً، بقلب طاهر لا يحمل شراً أو ضغينة لأحدٍ ما، لذلك الرب بنفسه قال كلاماً نجد فيه إشارة بليغة لموضوع قايين وهابيل: [فأن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك. فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك] [4]
6 – أما علماء الكتاب المقدس فيقولون إن تقديم الذبائح أمر وضعه الله للإنسان منذ البداية (مع أن ذلك غير مؤكد ولا يوجد أمر أو وصية محددة قبل شريعة موسى تأكد عليه)، ويبنون ذلك على أساس ما جاء في الإصحاح الرابع من سفر التكوين حيث نقرأ: [أن قايين قدم من أثمار الأرض قرباناً للرب، وقدم هابيل أيضاً من أبكار غنمه ومن سمانها. فنظر الرب إلى هابيل وقربانه. ولكن إلى قايين لم ينظر] [5]، وفي رسالة العبرانيين يقول: [بالإيمان قدم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين] [6]، وبناء على ما قاله الرسول فأننا نتيقن أنه من المستحيل أن يرفض الله عطية مقدمة من إنسان يتقيه ومن الداخل قلبه صالح يحترمه ويتقيه ويحبه، وكما نجد في سفر اللاويين أن الله لا يقبل فقط الذبائح الدموية بل هناك عطايا أخرى تُقبل من الإنسان كما سوف نرى فيما بعد، مما يُثبت ان الله لم ينظر لنوع التقدمة ذاتها كما يقول البعض حسب تأمله مبتعداً عن شرح الرسول وتفسيره لهذا الموقف، وعدم التأكيد – حسب ما عرفنا الله – على أنه ينظر بأي روح قُدمت العطية، وما هو نية الإنسان في قلبه من الداخل، لذلك فالشرح بناء على نوع التقدمة كان خاطئاً جداً وبعيد تمام البُعد عن قصد الله، بسبب النظر للموضوع من الخارج حسب الشكل وما ذُكر فيما بعد في سفر اللاويين، لذلك هذا التفسير لا نستطيع أن نقبل به على ضوء هذه الآيات:
+ [لا تُحرِّف القضاء، ولا تنظر إلى الوجوه، ولا تأخذ رشوة، لأن الرشوة تعمي أعين الحكماء وتعوِّج كلام الصديقين] [7]؛ [فقال الرب لصموئيل لا تنظر إلى منظره وطول قامته لأني قد رفضته لأنه ليس كما ينظر الإنسان، لأن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فأنه ينظر إلى القلب] [8]
ويقول فابر Faber: [حيث أن الإيمان هو الذي جعل الذبيحة مقبولة أمام الله، فلا بُدَّ أن هذا الإيمان كان على أساس وصية محددة من الله، أمر بها من قبل [9]، فبدون هذه الوصية الإلهية المحددة لضمان فاعلية الذبيحة، لا يكون ثمة معنى لإيمان هابيل. وبعبارة أخرى: لكي يكون للإيمان أساس ثابت وتوجه صحيح، لا بُدَّ أن يكون هذا الأساس بإعلان من الله يُعبَّر عن إرادة الله بكل دقة ووضوح]؛ بل ويذهب "فيربرن" Fairburn في كتابه "رموز الكتاب" إلى أبعد من ذلك فيؤكد على أن الجلود التي ألبسها الله لآدم وحواء ليستر عريهما، كانت جلود ذبائح قُدمت عنهم، وبالطبع لا يوجد ما يؤكد أو ينفي ذلك، وخاصة أن الجلود عادةً تأتي من ذبح حيوانٍ ما وسلخه، لكن طبعاً لا يوجد آية واحدة تقول أن الله أخذ من الحيوانات وذبح وسلخ وقدم ذبيحة كفارة لنفسه، فالنص غامض وغير واضح [وصنع עָשָׂהالرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد ע֖וֹרوألبسهما[10]] وخاصةً أن كلمة (صنع עָשָׂה) العبرية تأتي في هذا النص بمعنى (accomplish) للتعبير عن إحضار أو عَمِل أو اتمام (انجاز) الشيء بنجاح، مما أضفى على النص غموضاً ويصعب شرحه جداً، لأن من الصعب وضع تفسير دقيق أو شرح وافي عن كيف أو بأية طريقة صنع الله الأقمصة الجلدية، هل بالخلق أم من ذبح وسلخ حيوان فعلاً كما يقول البعض، ولو أن الله لا يمسك بيده سكين ويذبح ويسلخ، بل الإنسان، لذلك الكلام يعتبر مبالغ فيه من البعض ويحمل إسقاطات بشرية على الله العظيم القدوس الحي المترفع عن جميع الأعمال البشرية.
=====================
[1](حسب اعتقاده وإحساسه النفسي بسبب ما يواجه من صعوبات في الحياة ورؤية أشياء لا يقدر على تحليلها فيلجأ لفكرة استرضاء الإله)
[2] (تكوين 4: 5)
[3] (1يو 3: 12)
[4](متى 5: 23 – 24)
[5](تكوين 4: 3و4)
[6](عبرانيين 11: 4)
[7](تثنيه 16: 19)
[8](1صموئيل 16: 7)
[9](وطبعاً هذا الكلام غير مؤكد، حيث أنه لم يظهر أي وصية أو أمر إلهي بذلك)
[10] (تكوين 3: 21)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-05-2020, 07:06 AM   #5
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
ثالثاً: أهمية الذبيحة وشمولها – لمحة تاريخية سريعة
إن نظرة استطلاعية عامة للكتاب المقدس تجعلنا ننتبه لأهمية الذبيحة وشمولها. فهي تملأ كل جوانب التاريخ، لذلك سوف نقوم برحلة عبر التاريخ لنتعرف عليها بشكل عابر سريع:
============
+ [أ - البشريـــــــــة الأولى]
(1) – التقدمة أول مرة نقرأ عن الذبائح هو ما جاء عن هابيل وقبول الله لذبيحته [وقدم (הֵבִ֥יא = أحضر ورفع) هابيل أيضاً من أبكار غنمه ومن سمانها (من أفضلها)][1]، وكان تقديم الذبيحة من نتاج العمل كهدية شكر لإحسان الله وفضله، والله قبلها بسبب قلب مقدمها – كما رأينا سابقا:
+ [بالإيمان قدم هابيل لله ذبيحة أفضل (أعظم)[2]من قايين. فيه شهد أنه بار، إذ شهد الله لقرابينه. وبه وإن مات يتكلم بعد... ولكن بدون إيمان لا يُمكن إرضاؤه][3]
وهنا يظهر جلياً سرّ قبول الذبيحة وهو الإيمان الحي التي تُظهره الأعمال البارة التي تكشف عن استقامة القلب الطاهر أمام الله.

وتقول الدسقولية (تعاليم الرسل): [أن الله ليس بمحتاج للقرابين لأنه فوق كل احتياج بطبيعته،.. بل أن المُحب لله الأول هابيل ونوح وإبراهيم والذين جاءوا بعدهم.. لما تحركت ذواتهم من جهة الناموس الطبيعي (وقلبهم الشاكر) أن يقرَّبوا لله، لم يفعلوا ذلك بتكليف – هكذا أعطى الله موضعاً للعبرانيين بأن يصنعوا هذا ولم يأمرهم، لكن سمح لهم أن يكون ذلك منهم إذا أرادوا هم؛ وسُرَّ بقرابينهم إذ قدَّموها بضمائر مستقيمة][4]
================
(2)المحرقة ثم نقرأ عن نوح عقب خروجه من الفُلك: [وبنى نوح مذبحاً للرب מִזְבֵּ֫חַ לַֽיהוָ֑ה (وهذه أول مرة يُذكر فيها [المذبح מִזְבֵּ֫חַ mizbeach] على صفحات الكتاب المقدس، ولو أنه لا يعني أنه أول مذبح يُبنى) وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأَصَعَّدَ וַיַּ֥עַל(صعيده) محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا (وهذه أول مرة يُسمع فيها عن رضا الله بعد السقوط)][5]
وعلينا أن نُلاحظ بتدقيق
أن ذبيحة هابيل سماها الكتاب [قرباناً أو تقدمة = هدية شكر] أما هنا – في وضع نوح – سُميت [صعيده (עָלָה– عوله = رَفَعَ) محرقة للرضا]، وهذه أول مرة نقرأ عن وجود هذه الذبيحة [محرقة للرضا، رائحة سرور للرب] وهذا كما جاء أيضاً في ذبيحة المحرقة في سفر اللاويين كالتالي: [ويوقد الكاهن الجميع على المذبح محرقة وقود رائحة سرور للرب][6]
وكما يدعوها أيضاً [محرقة للرضا][7]، وكان ذلك تعبيراً عن منتهى خضوع (نوح) الكلي لله وشكره العميق بعبادة حسنة، مُلتمساً رضاه بعد أن أغضبه البشر بشرورهم التي ظلوا يخترعونها جيلاً بعد جيل متقدمين في كل أنواع الشرّ وألوانه حتى صاروا محترفين، كما أنه أراد أن يُعبَّر عن اعترافه بفضل الله الذي خلصه من الموت، فكان نوح هنا نائباً عن البشرية في هذا الموقف العظيم حينما أصعد محرقاته المُعبَّرة عن شكره وامتنانه وخضوعه التام والتماسه لرضا الله وهكذا [صار وارثاً للبرّ الذي حسب الإيمان][8]
+ [قد اكتنفتني مياه إلى النفس، أحاط بي غمر.. ثم اصعدت من الوهدة حياتي أيها الرب إلهي.. أما أنا فبصوت الحمد أذبح لك وأوفي بما نذرته، للرب الخلاص][9]
ونلاحظ أن نتيجة ذبيحة نوح التي قُدمت كإعلان للطاعة والخضوع: [فتنسم الرب رائحة الرضا وقال في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته. ولا أعود أُميت كل حي كما فعلت][10]، وأن كان نوح وهو من البشر قد قدم ذبيحة ردت غضب الله على إثم الإنسان وشره، وجعله لا يلعن الأرض مرة أخرى وذلك بوعد كما حدث وصار هناك سلام بالرغم من أن الله يعلم الإنسان وتصور قلبه شرير منذ حداثته، فكم تكون ثمرة ذبيحة المسيح وحيد الآب الفائقة جداً والتي لا تُقاس بذبائح ولا بتقدمات العالم كله [الذي أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة [11]؛ الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي[12]؛ الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا، فاشْتَمَّهُ أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة.] [13]

وطبعاً لا يُخفى علينا أن الله بدأ (في هذا الموقف) بإعلان أن هناك حياة جديدة بعد الطوفان لا يوجد فيها إعلان دينونة هلاك الإنسان كما حدث في الطوفان بسبب الخليقة القديمة (ما قبل الطوفان)، وهذا إعلان نبوي واضح على زمان التجديد: إذاً، إن كان أحد في المسيح يسوع فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً [14]
=================
(3) – العهد مع إبراهيم ونسله:

ثم من بعد نوح نصل لإبراهيم، ونجد أنه لم يقدم ذبائح في أور الكلدانيين أو في حاران، وطبعاً السبب واضح جداً في الكتاب المقدس وينبغي أن ننتبه إليه جداً أن كنا نُريد حقاً أن نحيا مع الله على مستوى الفعل والعمل، لأن الله أعطاه أمر ليخرج من وسط الجو الذي يعيش فيه المفعم بعبادة الأوثان، لأن الله مستحيل يُعبد في أرض غريبة وسط أوثان أو في وجود الخطية وتحت سلطانها المُدمر الذي يعمل بالموت في أبناء المعصية:
+ [هكذا قال الرب إله إسرائيل، آباؤكم سكنوا عَبر النهر منذ الدهر، تارح أبو إبراهيم وأبو ناحور وعبدوا آلهة أخرى، فأخذت إبراهيم أباكم من عَبر النهر وسرتُ به في كل أرض كنعان وأكثرت نسله وأعطيته اسحق.. فالآن أخشوا الرب واعبدوه بكمال وأمانة وانزعوا الآلهة الذين عبدهم آباؤكم في عبر النهر وفي مصر واعبدوا الرب] [15]
+ [على أنهار بابل هناك جلسنا، بكينا أيضاً عندما تذكرنا صهيون. على الصفصاف في وسطها علقنا أعوادنا. لأنه هناك سألنا الذين سبونا كلام ترنيمة، ومعذبونا سألونا فرحاً قائلين: رنموا لنا من ترنيمات صهيون. كيف نُرنم ترنيمة الرب في أرضٍ غريبة] [16]

ومن هذا الجو الذي عاش فيه إبرام جاءت الدعوة الإلهية ليترك كل شيء ويتبع الله وهو لا يعلم إلى أين يذهب: [وقال الرب لإبرام أذهب (أرحل) من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أُريك] [17]، فنجد أن إبراهيم تحرك حركة الإيمان الحي وأطاع الله وترك بسهولة كل شيء وسار وفق الدعوة الإلهية: [بالإيمان إبراهيم لَّما دُعيَّ أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيداً أن يأخذه ميراثاً، فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي] [18]

وعندما تمم خروجه الكامل ووصل إلى شكيم عند بلوطة مورة [19] وقف هناك يُصلي فظهر له الرب فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر له [20]؛ وعندما انتقل إلى بيت إيل بنى هناك مذبحاً للرب ودعا باسم الرب [21]؛ ولما عاد إلى مكان المذبح الذي عمله هناك أولاً دعا هُناك باسم الرب [22]، وعندما نقل خيامه وأتي وأقام عند بلوطات ممرا التي في حبرون، بنى هناك مذبحاً للرب [23]، وطبعاً لم يذكر هنا كلمة ذبيحة، ولكن من الصعب إقامة مذبح بلا ذبيحة أو تقدمة.

عموماً نجد أول ذكر لمواصفات ذبيحة أمر بها الرب عندما أقام الرب مع إبراهيم ميثاقاً بعد أن [آمن (أولاً) بالرب فحسب له براً، وقال له: أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها؛ فقال (إبرام) أيها السيد الرب بماذا أعلم إني أرثها، فقال له (الله) خذ لي عجلة ثلثيه وعنزة ثلثيه وكبشاً ثلثياً ويمامة وحمامة، فأخذ هذه كلها وشقها من الوسط وجعل شق كل واحد مقابل صاحبه وأما الطير فلم يشقه.. فأخذها وقدمها ذبيحة للرب.. حيث قطع الرب مع إبرام ميثاقاً – عهداً בְּרִית] [24]، وهذه تعتبر ذبيحة عهد ميثاق لا ينفك، وهي أول ذبيحة يأمر بها الرب بمواصفات خاصة مع شقها من الوسط، كعلامة إبرام عهد مُلزم بالتنفيذ المؤكد من قِبل الله وحده فقط، لأن الله هو المسئول عن التنفيذ لأنه هو من جاز فيها وحده في النهاية، لذلك هي ليست تحالف، لأن التحالف يتم بين اثنين متساويين وقادر كل منهما على التعهد والتنفيذ، لكن الخليقة كلها لم ولن يوجد فيها من هو بقادر أن يصنع تحالف مع الله لأنه لن ينفذ بنود العهد أبداً، لأنه أكثر عُرضة للإخلال بشروط العهد، لأن آدم نفسه مع كل المجد الذي كان فيه لم يكن بقادر أن يحفظ مكانته وسقط، فكم تكون باقي البشرية التي عاشت في السقوط ولم تختبر ما كان فيه آدم من حالة مجد فائق بهي، لذلك فأننا نرى هنا ذبيحة عهد ميثاق قطعه الله وحده ولم يدع إبراهيم أن يجتاز معه وسط الذبائح.
+طاعة الإيمان، الامتحان الكبير
ثم نقرأ عن أول مرة يطلب الله من إنسان أن يقدم له ذبيحة في تكوين 22، والعجيب أن الطلب فيه ما هو غريب عن الله الحي تماماً وهو ذبيحة بشرية، كما أنه لم يحدث قط أن يطلب الله ذبيحة بسفك دم بشري، لأنه يمقت كل تصرفات الأمم الوثنية الذين قدموا البشر ذبائح لآلهتهم [25] وبذلك جلبوا على أنفسهم غضب الله – لأن غضب الله مُعلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم، الذين يحجزون الحق بالإثم[26] – فالله لا يُمكن أن يقبل تحت أي مبدأ أو حجه سفك دم إنسان، ولكن هناك قصد عميق من وراء هذا الطلب الذي يُعتبر غريب عن الله كُلياً!
فكل الذبائح التي رأيناها سابقاً – عدا ذبيحة عهد الله مع إبراهيم – كان يُقدمها رجال الله باختيارهم الحُرّ، ويقدمونها من الحيوانات الطاهرة، وكان ذلك تعبيراً عن اعترافهم بفضل الله في وجودهم وحياتهم وخضوعهم وتعبُّدهم وشكرهم له بقلب يشعر بفضل الله وإحسانه.

أما الآن يطلب الله من إبراهيم ذبيحة محرقة محدده الوصف: [خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق.. وأصعده محرقة] [27]، وطبعاً السبب واضح في بداية الكلام: [وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن (נָסָהnasah بمعنى وضعه تحت الفحص) إبراهيم]، وحينما أطاع إبراهيم الله ونفذ ما طُلب منه [هناك ناداه ملاك الرب من السماء.. لا تمد يدك إلى الغلام.. فرفع إبراهيم عينية ونظر وإذا كبش وراءه ممسكاً في الغابة بقرنية، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه] [28]، وبذلك تبرر إبراهيم بالإيمان [29] وتبرر أيضاً بالأعمال [30] التي أظهر بها صدق إيمانه بالله الحي، فالإيمان تُظهره أعمال الطاعة، لكن الأعمال لا تجلب إيمان بل تُظهر جهد الإنسان وكبرياء قلبه.
+ بالإيمان قدم إبراهيم إسحق.. الذي قَبِلَ المواعيد وحيده.. إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات أيضاً، الذين منهم أخذه أيضاً في مثال [31]
+ أو: بالإيمان قدم إبراهيم ابنه الوحيد ذبيحة عندما امتحنه الله، قدمه وهو الذي أعطاه الله الوعد وقال له: بإسحق يكون لك نسل، معتبراً أو حسب (بالإيمان) أن الله قادر أن يُقيم من الأموات. لذلك عاد إليه ابنه إسحق وفي هذا رمز [32]
وطبعاً ذلك كان رمزاً واضحاً كمثال حي لعمل الفداء الحقيقي والعظيم حين بذل الله الآب ابنه شخص ربنا يسوع الذي بذل نفسه – باختياره وسلطانة حسب التدبير – كفارة:
+ [الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره، من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله [33]؛ وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً [34] في هذه هي المحبة ليس إننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا] [35]
ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [هذه الحادثة ليست إلا رمزاً لذبيحة الصليب. ومن هُنا كانت كلمات الرب يسوع المسيح لليهود: إبراهيم أبوكم، أشتهى باشتياق شديد أن يرى يومي فرآه وغمره الفرح [36]. كيف استطاع أن يراه مع أنه سبق مجيء ابن الله بهذا القدر من القرون؟، لقد رآه في الظلال وفي الرمز، لأنه كما أن الكبش قُدِّم عِوضاً عن إسحق، هكذا الحمل الذي بلا عيب، الذبيحة الناطقة، قُدِّم عن حياة العالم كله. ولكن كان يلزم بالضرورة أن يُشار إلى الحقيقة بالرمز قبل ذلك بوقتٍ طويل] [37]
======================
[1] (تكوين 4)
[2] πλείονα θυσίαν - more excellent sacrifice
[3] (عبرانيين 11: 4و6)
[4] (دسقولية 33: 64)
[5] (تكوين 8: 20و21)
[6] (لاويين 1: 9)
[7] (لاويين 1: 3و13)
[8] (عبرانيين 11: 7)
[9] (يونان 2: 5 و6 و9)
[10] (تكوين 8: 21)
[11] (أفسس 5: 2)
[12] (عبرانيين 9: 14)
[13] (رفع البخور – اعتراف الشعب)
[14] (2كورنثوس 5: 17)
[15] (يشوع 24: 2و3و14)
[16] (مزمور137: 1 – 4)
[17] (تكوين 12: 4)
[18] (عبرانيين 11: 8)
[19] (نسبة لأصحاب الأرض الأصليين)
[20] (تكوين 12: 8)
[21] (تكوين 12: 8)
[22] (تكوين 13: 4)
[23] (تكوين 13: 8)
[24] (أنظر تكوين 15: 9 – 18)
[25] (هناك أدلة مادية قدمتها الحفريات وهي عبارة عن ألواح حجرية يرجع تاريخها إلى القرن ال 18 قبل الميلاد، ووجدت في مدينة ماري عند منتصف نهر الفرات وجاء فيها ذكر تقديم الذبائح البشرية للإله الملك Interpreter's Dictionary, vol. 4)
[26] (رومية 1: 18)
[27] (تكوين 22: 2)
[28] (تكوين 22: 11 – 13)
[29] (رومية 4: 3)
[30] (يعقوب 2: 21)
[31] (عبرانيين 11: 17 – 19)
[32] (نفس الشاهد السابق حسب ترجمة الجامعة الأنطونية)
[33] (رومية 3: 25)
[34] (1يوحنا 2: 2)
[35] (1يوحنا 4: 10)
[36] (إبراهيم أبوكم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح – يوحنا 8: 56)
[37] (للقديس يوحنا ذهبي الفهم نقلاً عن شرح سفر التكوين – دير القديس أنبا مقار صفحة 287)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-05-2020, 01:53 PM   #6
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
(4) إسحق يبدو أن لإسحق كان مذبح دائم في بئر سبع،
يُقدم عليه ذبائح تعبيراً عن شكره وتعبده لله الذي قوَّاه وشدَّده مقابل مضايقات مقاوميه [1]، [ثم صعد من هناك إلى بئر سبع. فظهر له الرب في تلك الليلة وقال أنا إله إبراهيم أبيك لا تخف لأني معك وأباركك وأكثر نسلك من أجل إبراهيم عبدي. فبنى هناك مذبحاً ودعا باسم الرب ونصب هناك خيمته وحفر هناك عبيد اسحق بئراً] [2]، وبذلك قدَّم الحمد والشكر لله القدير الذي قواه وشدده مقابل ضيقات مقاوميه، وبسبب تأكيد الله على عهده ووعده لإبراهيم [أنا إله إبراهيم أبيك. لا تخف لأني معك وأباركك وأكثر نسلك من أجل إبراهيم عبدي]، ولنلاحظ أن بناء المذبح وتقديم الشكر والعرفان بالجميل يأتي بسبب عهد الله ومعاملته مع الإنسان بأمانة عدل المحبة الفائق [الله محبة]
عموماً نجد أن الكتاب المقدس لم يذكر نوع الذبيحة التي قدمها إسحق لله، بل يتم استنتاج تقدمة ذبيحة – مع أنه غير معلوم نوعها – بسبب بناءه للمذبح، بل وقد تكون تقدمات من أي نوع.
===========================
(5) يعقوب لو نظرنا في حياة يعقوب نجدها تتميز بكثرة بناء المذابح وتقديم الذبائح،
فنجده عندما ظهر الله له في حلم ووعده بالبركة لهُ ولنسله كتجديد العهد الذي أعطاه لجده وأبيه:
[بكر في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه وأقامه (نصبَهُ) عموداً وصب زيتاً على رأسه (ليكرسه للرب)، وسمى ذلك الموضع بيت إيل] [3]
وبعد أن قطع عهد سلام مع خاله لابان: [ذبح ذبيحة، ودعا إخوته ليأكلوا طعاماً] [4]؛ كما أقام مذبحاً في شكيم [وأقام هناك مذبحاً ودعا إياه (باسم) إيل إله إسرائيل][5].
وعندما عاد إلى بيت إيل: [بنى هناك مذبحاً] [6]، وعندما وصل لبئر سبع، في طريقة إلى مصر [ذبح ذبائح لإله أبيه وإسحق] [7] ملتمساً الإرشاد والمشورة الإلهية، لذلك سمع صوت الله في رؤيا الليل: [يعقوب، يعقوب.. أنا الله إله أبيك، لا تخف من النزول إلى مصر، لأني أجعلك أُمة عظيمة هناك: أنا أنزل معك إلى مصر وأنا أُصعدك أيضاً] [8]
===========================
[1] (رعاة أبيمالك الذين نازعوه على كل بئر يحفرها)
[2] (تكوين 26: 25)
[3] (تكوين 28: 18و19)
[4] (تكوين 31: 54)
[5] (تكوين 33: 20)
[6] (تكوين 35: 7)
[7] (تكوين 46: 1)
[8] (تكوين 46: 2-4)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-05-2020, 02:03 PM   #7
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
(6) الفصح פֶּסַח (يوم القضاء والدينونة وانتهاء العبودية والدخول لعهد الحرية بدم الحمل) - بنو إسرائيل في مصر تحت المذلة وقسوة العبودية
بلا أدنى شك قد شاهد بني إسرائيل المصريين يقدمون الذبائح لآلهتهم، فعندما طلب موسى من فرعون أن يُطلق الشعب ليعيدوا في البرية [ونذبح للرب إلهنا] [1]، لم يتعجب أو يندهش فرعون عندما سمع عن الذبائح، بل سأل موسى مباشرة [من هم الذين يذهبون؟] [2]؛ ولما أراد فرعون أن تبقى الغنم والبقر، قال له موسى: [لا يبقى ظلف، لأننا منها نأخذ لعبادة الرب إلهنا] [3]
+ وطبعاً لا يُخفى عنا المغزى الروحي لبنيان حياتنا حينما نخرج من عالم العبودية لحرية مجد أولاد الله، فأننا لا نبقي شيئاً في أرض العبودية حتى لا يجعلنا نذكرها مرة أخرى أو يكون فيها ما يشغلنا، لأننا لا نترك شيئاً ورائنا ليشدنا للخلف لنعود للمذلة مرة أخرى: فقال له يسوع ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله. [4]
وبعد ذلك – وفي آخر الضربات – ذبحوا الفصح פֶּסַח، حسب أمر الرب:
+ [وكلَّم الرب – يهوه יְהוהموسى وهرون في أرض مصر قائلاً: هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور، هو لكم أول شهور السنة. كلما كل جماعة إسرائيل قائلين في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحد شاة بحسب بيوت الآباء شاة للبيت (لكل بيت). وإن كان البيت صغيراً عن أن يكون كفوا لشاة (أو أقل من أن يقدروا على أكل شاه) يأخذ هو وجاره القريب من بيته بحسب عدد النفوس كل واحد على حسب أكله تحسبون للشاة (فليُشارك فيه جاره القريب من منزله حتى يجتمع عليه عدد من النفوس يكفي لأكل خروف كامل). تكون لكم شاة صحيحة ذكراً ابن سنة تأخذونه من الخرفان أو من المواعز. ويكون عندكم تحت الحفظ إلى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر ثم يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية. ويأخذون من الدم ويجعلونه على القائمتين العتبة العليا في البيوت التي يأكلونه فيها. ويأكلون اللحم تلك الليلة مشوياً بالنار مع فطير على أعشاب مرة يأكلونه. لا تأكلوا منه نيئاً أو طبيخاً مطبوخاً بالماء بل مشوياً بالنار، رأسه مع أكارعِه وجوفه. ولا تبقوا منه إلى الصباح، والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار. وهكذا تأكلونه:أحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم وعصيكم في أيديكم وتأكلونه بعجلة (مسرعين) هو فصح للرب] [5]
وبعد ذلك ذبحوا الفصح – حسب أمر الرب – ورشوا الدم على القائمتين والعتبة العُليا، فعبر الملاك المهلك عنهم حسب وعد الرب: [فأرى الدم وأعبر عنكم] [6]
كلمة " فصح פֶּסַח بيسخ pesach، وباليونانية πασχα (بصخة) Passover، معناها عبور أو تجاوز، ومعناها الذي نستشفه من كلام الله حسب قصده من هذه الكلمة (هو فصح للرب
بمعنى أنه ليس مجرد وليمة عادية طبيعية للأكل والشرب لأجل حاجة الجسد، يشترك في أكلها مقدموها، ولكن هذا الحمل المذبوح [يخص الرب] الذي سيجتاز في أرض مصر تلك الليلة، ويضرب كل بكر فيها من الناس والبهائم؛ ودم هذا الحمل (فصح الرب) المرشوش على بيوت بني إسرائيل هو العلامة التي يراها الرب في اجتيازه (اجتياز دينونة وحكم الموت) فيعبر عنهم ويُخلّصهم من ضربة الهلاك والموت. فهو عبور أو فصح للرب الذي نجاهم من الموت وصار سبب حريتهم، [لأن الذي ينفذ فيه حكم الموت لا يموت مرة أخرى، لأن الدم يعبر عن الحياة وسفكه يعتبر موت حتمي: فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتاً فِي الْجَسَدِ وَلَكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ؛ عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضاً. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ – 1بطرس 3: 18؛ رومية 6: 9]

ومن هنا نجد أن لهذا الفصح مكانة خاصة جداً في الكتاب المقدس، بكونه عبور واجتياز الموت، أي عبور من الحياة القديمة للحياة الجديدة، لذلك نجد أن اليهود يحتفلون بهذا العيد تذكاراً خالداً لهم، يعيدونه في كل الأجيال عيداً للرب وفريضة أبدية لتذكار خلاص الشعب من العبودية في أرض مصر، وهذا هو أول ذِكر لأول عيد يفرضه الرب للاحتفال به فريضة أبدية، لأنه عيد الحرية، وهذا العيد ليس بالعيد العادي بل رأس السنة الجديدة التي يختلف تحديدها عن تحديد العالم كله واحتفاله ببدء سنته الجديدة، لأن فيه تطلع إلى الخلاص على يد المسيا الآتي الذي يصنع عهد حرية حقيقي وأبدي، وهذا ما قاله الرب يسوع فصحنا الحقيقي: [فأن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً][7]

فتحديد السنة هو تحديد بأمر إلهي باعتبار أن خلاص الإنسان بداية لتاريخه الجديد، لأن حياة الإنسان ليس لها وجود حقيقي إلا بخلاصه من موت الخطية وتحرره من مذلة إبليس الذي تسلط بالظلمة على النفس وذلك بتوسط دم حمل الله رافع خطية العالم [الله الذي هو غني في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها، ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح (بقيامته).. لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لنا لكي نسلك فيها] [8]

ويشرح القديس أغسطينوس كلمة (فصحبصخة) رابطاً بينها وبين حمل الله الذي أنقذنا من سلطان الظلمة وسيادة الموت وعَبر بنا إلى سلطان النور وقوة الحياة لملكوت مجد لا يزول، فيقول:
["بصخة" – ليست كما يظن البعض – أنها كلمة يونانية الأصل، ولكنها كلمة عبرية، ومع ذلك فإنه يوجد توافق شديد في معنى هذه الكلمة في كلتا اللغتين. فمن حيث الكلمة اليونانية παθεν التي تعني: "يتألم"، فقد اعتقدوا أن كلمة "بصخة" تعني "التألم"، كما لو كان الاسم قد أُشتق من الفعل يتألم. ولكن الكلمة في لغتها الأصلية – أي العبرية – بصخة تعني العبور، لأن شعب الله كان قد احتفل بالبصخة للمرة الأولى عندما عبروا البحر الأحمر في هروبهم من مصر. والآن تم الرمز النبوي وصار حقيقة عندما سيق المسيح كحمل إلى الذبح، حتى بدمه المرشوش على قوائم أبوابنا، أي بإشارة صليبه المرسوم على جباهنا يمكننا أن ننجو من الهلاك الذي ينتظره هذا العالم، مثل إسرائيل بنجاته من عبودية المصريين وإهلاكهم. وأصح عبور نعمله هو حينما نعبر من تبعية الشيطان إلى المسيح، ومن هذا العالم غير المستقر إلى ملكوته الثابت إلى الأبد. وهكذا فإننا بكل تأكيد يستحيل علينا أن نعبر إلى الله الدائم إلى الأبد ما لم نترك هذا العالم الزائل[9].
والرسول في تمجيده لله من أجل هذه النعمة التي أنعم بها علينا يقول: "الذي أنقذنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته" (كولوسي 1: 13)
هذا الاسم "بصخة" الذي تكلمت عنه، يُطلق عليه باللاتينية Transitus أي عبور، ويفسره لنا الإنجيلي المبارك (يوحنا) عندما يقول: "أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم (بصخة) إلى الآب" (يوحنا 13: 1). وترون هذا أننا أمام بصخة وعبور (ينتقل). فمن أين وإلى أين نعبر؟ - من هذا العالم إلى الآب. وهكذا أُعطي الرجاء للأعضاء في رأسهم (أي المسيح رأس الكنيسة) أنهم بدون أدنى شك سوف يتبعون ذاك الذي عبر أمامهم.
وماذا عن غير المؤمنين الذين انفصلوا تماماً عن هذا الرأس وأعضائه؟ ألا يعبروا هم أيضاً، نظراً إلى أنهم لن يبقوا هنا دائماً؟
إنه من الواضح أنهم سيعبرون، ولكن هناك عبور من العالم، وعبور آخر مع العالم؛ فالعبور إلى الآب شيء، والعبور إلى العدو شيء آخر. فالمصريون أيضاً عبروا، ولكنهم لم يعبروا البحر إلى المملكة؛ بل عبروا في البحر للهلاك] [10]

ويقول الشهيد يوستين (165م): [إن الذين خلصوا من شعب إسرائيل في مصر إنما خلصوا بدم الفصح الذي مسحوا به قوائم أبوابهم وأعتابهم، لأن الفصح كان المسيح الذي ذُبح فيما بعد! فكما أن دم الفصح خلَّص الذين كانوا في مصر، هكذا دم المسيح يحفظ من الموت الذين يؤمنون به. ولكن هل هذا يعني أنه إذا لم تكن هذه العلامة موجودة على الأبواب كان الله يُخطئ في معرفة (الذين له)؟ كلا، ولكن هذه العلامة كانت استعلاناً مسبقاً عن الخلاص الذي سيتم بدم المسيح الذي به يخلّص جميع الخطاة في كل الأمم عندما يتقبلون الصفح عن خطاياهم ولا يعودون يخطئون] [11]

ويؤكد القديس هيبوليتس (235م) نفس هذا المفهوم قائلاً: [إن الدم عندما مُسح به كعلامة صار هو السرّ القائم في ختم دم المسيح. نعم إن هذه العلامة لم تكن هي ذات الحقيقة بعد ولكنها مثال للحقيقة الآتية: أن كل الذين يأخذون هذا الدم ينطبع على نفوسهم، كما حدق وانطبع على بيوت اليهود عندما مُسحوا به كأمر الناموس، فكل الذين (أخذوا هذه المسحة) يعبر عنهم الهلاك.
فالدم كعلامة هو الخلاص، كما كانت على البيوت كذلك على النفوس، لأن النفوس بالإيمان وبالروح القدس ما هي إلاَّ بيوت (هياكل) مقدسة. هذا هو سرّ البصخة العامة (العبور) للعالم كله] [12]
============================
[1] (خروج 5: 1-3؛ 7: 16)
[2] (خروج 10: 8)
[3] (خروج 10: 26)
[4] (لوقا 9: 62)
[5] (خروج12: 1 11)
[6] (خروج12: 13)
[7] (يوحنا 8: 36)
[8] (أفسس 2: 4 و5 و10)
[9] كما ترك شعب إسرائيل مصر خلفهم وعبروا البحر إلى البرية
[10] (On the Gospel of St. John, Tractate LV)
[11] (أنظر شرح سفر الخروج – دير القديس أنبا مقار ص 238)
[12] (أنظر شرح سفر الخروج – دير القديس أنبا مقار ص 239)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-05-2020, 02:10 PM   #8
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
(7) ذبيحة الشكر وتمجيد الله يثرون المدعو رعوئيل أي صديق إيل (صديق الله) – وهو كاهن مديان وحمى موسى وكان يعبد الله الحقيقي إله إبراهيم،
فقد وصلت إليه أنباء انتصار شعب إسرائيل بيد الله القوية: [فسمع يثرون كاهن مديان، حمو موسى، كل ما صنع الله إلى موسى وإلى إسرائيل شعبه، أن الرب أخرج إسرائيل من مصر] [1]
و[قص موسى على حميه كل ما صنع الرب بفرعون والمصريين من أجل إسرائيل، وكل المشقة التي أصابتهم في الطريق فخلصهم الرب. ففرح חָדָה(ابتهج وارتاح) يثرون بجميع الخير الذي صنعه إلى إسرائيل الرب الذي أنقذه من أيدي المصريين. وقال يثرون: مبارك الرب الذي أنقذكم من أيدي المصريين ومن يد فرعون، الذي أنقذ الشعب من تحت أيدي المصريين. الآن علمتُ أن الرب أعظم من جميع الآلهة، لأنه في الشيء الذي بغوا به كان عليهم. فأخذ يثرون حمو موسى محرقة وذبائح لله، وجاء هارون وجميع شيوخ إسرائيل ليأكلوا طعاماً مع حمى موسى أمام الله – "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد الله" [2] ] [3]

فنجد هنا ترتيب ذبائحي يخص الشكر: [فرح ابتهج وارتاح – بارك الله – أخذ محرقة وذبائح لله] وهذا هو طبيعة الفرح والبهجة بالرب المُخلِّص، لأنه فعل مقدم من الإنسان بدون قانون ولا حتى أمر إلهي لكنه ذبيحة النفس الفرحة بالرب إلهها التي ارتاحت بسبب عمله، فذبيحة يثرون كانت لتمجيد الله على خلاصه العظيم مع شعبه المختار، وتقدمة شكر وتسبيح من أجل الإنقاذ من الأعداء ومن كل الشدائد والضيقات التي أجتازها إسرائيل وخرجوا منها ظافرين.

[إليك يا رب أرفع نفسي. يا إلهي عليك توكلت فلا تدعني أخزى، لا تشمت بي أعدائي. أيضاً كل منتظريك لا يخزوا، ليخز الغادرون بلا سبب. طرقك يا رب عرفني سبلك علمني. دربني في حقك وعلمني لأنك أنت إله خلاصي إياك انتظرت اليوم كله. أذكر مراحمك يا رب وإحساناتك لأنها منذ الازل هي. لا تذكر خطايا صباي ولا معاصي، كرحمتك أذكرني أنت من أجل جودك يا رب. الرب صالح ومستقيم لذلك يُعلِّم الخطاة الطريق. يدرب الودعاء في الحق ويعلم الودعاء طرقه. كل سبل الرب رحمة وحق لحافظي عهده وشهاداته. من أجل اسمك يا رب أغفر إثمي لأنه عظيم. من هو الإنسان الخائف الرب يعلمه طريقاً، يختاره. نفسه في الخير تبيت ونسله يرث الأرض. سرّ الرب لخائفيه وعهده لتعليمهم. عيناي دائما إلى الرب لأنه هو يخرج رجلي من الشبكة. التفت إليَّ وارحمني لأني وحد (منفرد) ومسكين أنا. أفرج ضيقات قلبي، من شدائدي أخرجني. أنظر إلى ذُلي وتعبي واغفر جميع خطاياي. أنظر إلى أعدائي لأنهم قد كثروا وبغضاً ظلماً أبغضوني. احفظ نفسي وأنقذني، لا أخزى لأني عليك توكلت. يحفظني الكمال والاستقامة لأني انتظرتك. يا الله أفدي إسرائيل من كل ضيقاته] [4]
=====================
[1] (خروج 18: 1)
[2] (1كو10: 31)
[3] (أنظر خروج 18: 2 – 12)
[4] (مزمور 25)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-05-2020, 02:14 PM   #9
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
[ب – الحقبـــة الموسويـــة]
(1) ذبيحة العهد: أولاً يلزمنا أن نعرف ما معنى كلمة عهد، فكلمة عهد في العبرية בְּרית – بريث: معاهدة، اتفاقية، ميثاق؛ أما في اليونانية διαθήκη – diatheke وتعني عهد، وصية، وتُشير إلى قرار يتعذر تغييره، لا يمكن ومستحيل تبديله أو إلغاؤه أو التراجع عنه مهما ما حدث.
ونلاحظ أن في اتفاقية العهد يوجد شريكان يقبلان عهوداً إلزامية، وهناك مادة التوثيق التي تُحفظ لقراءتها وتنفيذ بنودها بدقة أو حرفياً، وفيها شهود عيان ختموا ومضوا على بنود هذا العهد، ومن المستحيل العهد ينحل تحت أي سبب أو بند، فالعهد قانوني مُلزم، ومن خالفه يموت، وذلك ما نراه في البركات واللعنات بالنسبة لحفظ العهد أو كسره.
عموماً كانت خدمة موسى النبي الأساسية هي إقامة العهد بين إسرائيل والله، وقد تم هذا عند جبل سيناء. وأساس هذا العهد هو الطاعة. وقد جاءت الشرائع تؤيد هذا، وتعلن أنه لا قيمة لتقديم الذبائح بدون طاعة – كما سنشرح فيما بعد [1]، لذلك يقول الرب لهم على فم أرميا النبي: [لأني لم أكلم آباءكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحة، بل إنما أوصيتهم بهذا الأمر قائلاً: أسمعوا صوتي فأكون لكم إلهاً وأنتم تكونون لي شعباً] [2]
+ وبالطبع هنا واضح شرط أن يكون الله إله إسرائيل وأن يكونوا له شعباً: وهو [الطاعة] +
وهذا هو البند الرئيسي في المعاهدة أو العهد الذي أقامه الله مع إسرائيل، فهذا ما نراه حدث، فقد [جـاء موسى وأخبر الشعب بجميع كلام الرب (يهوه) وأحكامه]، ووافق عليها جميع الشعب فأجاب جميع الشعب بصوتٍ واحد: [كل ما تكلم به الرب (يهوه) نعمل بـه = آمين]، فكتب موسى جميع الأقوال (كلام الرب يهوه): [فبكر في الصباح وبنى مذبحاً في أسفل الجبل، ورفع أثنى عشر عموداً (كشاهد) بعدد أسباط بني إسرائيل، وأرسل فتيان (شبان) بني إسرائيل فأصعدوا محرقات (للدلالة على توثيق ما تعهدوا به وهو الطاعة) وذبحوا ذبائح سلامة للرب من الثيران. فأخذ موسى نصف الدم ووضعه في الطسوس، ونصف الدم رشه على المذبح. وأخذ كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب. فقالوا: كل ما تكلم به الرب نفعل (نعمله) ونسمع لهُ. وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال: هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميـع هذه الأقوال][3]

وواضح جداً من هذه الفقرة معنى العهد وإلزام الطاعة الذي التزم به الشعب كله بلا استثناء، وقد أُقيم هذا العهد على دم توثيقاً له كختم لا ينحل، فالدم يحمل قوة الحياة، وهو كالحياة يخص الله وحده، ولذلك حرم الله بشدة سفك دم الإنسان [4]، حتى دم الذبائح لا يُمسح بل كان يُرش على المذبح، كما كان مُحرماً شرب الدم أو أكل ذبائح مخنوقة ودمها فيها [لحماً بحياته دمه لا تأكلوه، وأطلب أنا دمكم لأنفسكم فقط.. سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفك دمه (قضائياً أي في محاكمة عادلة بحكم قاضي)، لأن الله على صورته عمل الإنسان] [5]. ولنا أن نربط بين هذا وبين قرار مجمع أورشليم للرسل الذين أرسلوه للمؤمنين من الأمم بأن: [يمتنعوا عن نجاسات الأصنام، والزنى، والمخنوق، والدم][6].

أما بالنسبة لاستخدام الدم في توثيق عهد، فلم يوجد في أي موضع آخر في العهد القديم سوى هذا الموضع، ثم في العهد الجديد في قول الرب يسوع المسيح ليلة العشاء الأخير، وهو يُقدم الكأس لتلاميذه قائلاً لهم: [أشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا] [7]

عموماً رش الدم الحامل قوة الحياة، القصد منه توثيق وتكريس وتقديس العلاقة بين طرفي العهد. فمن خلال مشاركة الله مع إسرائيل في رش الدم الذي يُمثل الحياة، على كل من طرفي العهد (المذبح لله، وعلى الشعب) يتم الارتباط السري بينهما وترتفع حياة الإنسان نحو بُعداً جديداً من العلاقة الوثيقة مع الله، لأنهم مربوطين برباط دم الصلح وإقامة عهد مقدس جداً مع الرب إلههم.

ونجد أن بعد إبرام العهد والموافقة عليه بالطاعة وتوثيقه بالدم تراءى الرب يهوه بمجده أمام الجماعة المختارة – حسب الأمر الذي أعطاه لموسى في خروج 24: 1، (ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل) [8]، [فرأوا الله، وأكلوا وشربوا] [9]، وهذه هي وليمة إبرام العهد، لأن ذبائح السلامة قُدمت مع ذبيحة العهد، وذبائح السلامة تستلزم الاشتراك في الأكل منها بفرح وابتهاج أمام الرب، وذلك حسب ما أوصى الله موسى في التثنية: [وتذبح ذبائح سلامة، وتأكل هناك وتفرح أمام الرب إلهك] [10]، لأن ذبيحة السلامة تُقدم لأجل الشكر على احسانات الرب التي لا تُحصى [11]، وأهمها الصلح والسلام الذي صنعه الرب مع شعبه بقبوله الدم المسفوك عن خطاياهم ورضاه بأن يرتبط معهم بعهد مقدس، ويصير لهم إلهاً وهم يصيرون له شعباً.
===========================
[1] (أنظر 1صم 15: 22)
[2] (إرميا 7: 21 – 22)
[3] (خروج 24: 3 – 8)
[4] (أنظر لاويين 3: 17، 7: 26، 17: 10 و11.. الخ)
[5] (تكوين 9: 4 – 6)
[6] (أعمال 15: 20)
[7] (متى 26: 27و28)
[8] (خروج 24: 9)
[9] (خروج 24: 11)
[10] (تثنية 27: 7)
[11] (لاويين 7: 11و12)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-05-2020, 11:45 PM   #10
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189 نقاط التقييم 56115189
(2) الذبائح في خيمة الشهادة:
لقد أمر الرب موسى بإقامة خيمة الشهادة (לְאֹ֖הֶל הָעֵדֻ֑ת) في البرية لتصير مركز العبادة لكل الشعب، لتكون هي المقدس ومكان سكنى الله ومقرّ لقاؤه الخاص، أي مكان حلول الرب ليتجلى وسط إسرائيل ليقيم علاقة شركة مع شعبه الذي أفرزه من كل الشعوب وصنع معه عهداً لا ينحل أو ينفك أبد الدهر، إلا لو تخلوا هم عنه بالعصيان (كما سبق ورأينا في ذبيحة العهد) فخيمة الشهادة هي البيت، بيت الرب: [فيصنعون لي مَقْدِساً (مسكناً مقدساً) لأسكن في وسطهم][1]؛ وكانت قيمة وعظمة وسرّ خيمة الشهادة (أي مسكن أو بيت يهوه وسط شعبه) في: مجد حضور الله المهوب المخوف المملوء مجداً، وسبب تقديس الأمة كلها، لأن بسبب مجد حضور الرب وسط الجماعة، صارت هي الأمة المقدسة [والآن أن سمعتم كلامي وحفظتم عهدي، فأنكم تكونون شعبي الخاص بين جميع الشعوب.. وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمه مقدسة] [2]

عموماً نجد بعد أن أعطى الله مواصفات الخيمة [3] وطريقة تصنيعها لموسى، أُقيمت الخيمة في اليوم الأول من الشهر الأول من السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر، بحسب كل ما أمر به الرب (يهوه) موسى مما أدى مباشرة إلى سكناه هناك في شكل سحابة مجد عظيمة: [وضع مذبح المحرقة عند باب خيمة الاجتماع وأصعد عليه المحرقة والتقدمة، كما أمر الرب موسى.. ثم غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء (مجد) الرب (يهوه) المسكن] [4]

وحضور الله بشكل مرئي بهذا المجد العظيم في النهار وبشكل نار في المساء [5]، يتطلب قداسة الشعب وطهارته ورفع الخطية ومحو الشرّ من قلوبهم ووسطهم، لكي يؤهلوا لحلوله الخاص وحضوره الدائم وسطهم ويقدروا على الاقتراب منه والشركة معه، لذلك ينبغي أن يحافظوا على طهارتهم ويكونوا قديسين: إني أنا الرب (يهوه) إلهكم فتتقدسون وتكونون قديسين (فتقدسوا وكونوا قديسين) لأني أنا قدوس ولا تنجسوا أنفسكم.. إني أنا الرب الذي أصعدكم من أرض مصر ليكون لكم إلهاً (لأكون إلهاً لكم) فتكونون قديسين لأني أنا قدوس. [6]
ومن أجل ذلك [دعا الرب (يهوه) موسى وكلمه من خيمة الاجتماع] [7] وأعطاه تعليمات مفصلة ودقيقة بخصوص الذبائح المختلفة التي يجب تقديمها للرب في الخيمة وكانت للتكفير عن نفوسهم [لأن نفس الجسد هي في الدم، فأنا أعطيتكم إياه (جعلته لكم) على المذبح للتكفير عن نفوسكم. لأن الدم يُكفَّر به عن النفس] [8]

والذبائح الرئيسية التي أمر بها الرب موسى هي بحسب ترتيبها الإلهي، تبدأ بما يختص بمجد الله ومتطلباته الخاصة من الشعب من جهة الطاعة ليستمر لهم إلهاً، وتنتهي بحاجة الإنسان من التقديس والطهارة ليؤهل للتقرُّب من الله القدوس، لذلك تبدأ بذبيحة المحرقة وتنتهي بذبيحة الإثم [9]؛ وهذا ما سوف نراه بتدقيق وتفاصيل شديدة من خلال بحثنا فيما بعد.

ولنلاحظبالطبع، أن العهد القديم تمهيد وإشارة للعهد الجديد الذي صنع بدم ابنالله الحي، فكم تكون قداستنا ولقاؤنا معه في سر تجسده العظيم وصليبهالمُحيي، لأنه بذبيحة نفسه صار لنا قداسة وطهارة: [الآن قد أُظهر مرة عندانقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه] [10]

ولنا أن نعلم أنه من المستحيل على الإطلاقعلىمستوى العهدين (القديم والجديد)أن يقترب أحدمن الله بطبع غريب عنه (طبع الظلمة) ليدخل في شركة معه، والظُلمة هي الشر والفساد [ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً قَائِلاً: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ»[11]لأنالله مطلق القداسة ولا يتعامل مع شبه شرّ، فكمينبغي أن نكون مؤهلينللاقتراب منه بتوبة صادقة، لذلك دعانا للمجد والفضيلة للقداسة:
+ [كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى بمعرفة الذيدعانا بالمجد والفضيلة [12] كما اختارنا فيه قبل تأسيسالعالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة[13]؛ فلستمإذاً بعد غرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله [14]؛ وأما الزنى وكل نجاسة أو طمع فلا يسم بينكم كما يليق بقديسين [15]؛ بل نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين في كلسيرة، لأنه مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس [16]]
وذلك بغرض أن نقرب إليه ويكون لنا شركه معهفي النور، لذلكنسمع القديس يوحنا الرسول ينبهنا وينذرنا قائلاً: [وهذا هو الخبر الذي سمعناه منه ونخبركم به أن اللهنور وليس فيه ظلمةالبتة. إن قلنا إن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمةنكذب ولسنا نعمل الحق، ولكن أن سلكنا في النور كما هو في النور فلناشركة بعضنا مع بعض ودميسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية، أن قلنا انهليس لنا خطية نضل أنفسناوليس الحق فينا. أن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لناخطايانا ويُطهرنا من كل إثم] [17]
======================
[1] (خروج 25: 8)
[2] (الترجمة العبرية - خروج 19: 5 و6)
[3] (في خروج من الإصحاح 25 إلى الإصحاح 39)
[4] (أنظر خروج 40: 29 – 34)
[5] (أنظر خروج 40: 34 – 38؛ لاويين 9: 22 – 24؛ لاويين 16: 2؛ عدد 9: 15 – 23)
[6] (لاويين 11: 44 - 45)
[7] (لاويين 1: 1)
[8] (لاويين 17: 11)
[9] (أنظر لاويين 1: 1 إلى لاويين 6: 7)
[10] (عبرانيين 9: 26)
[11] (يوحنا 8: 12)
[12] (2بطرس 1: 3)
[13] (أفسس 1: 4)
[14] (أفسس 2: 19)
[15] (أفسس 5: 3)
[16] (1بطرس 1: 15؛ 16)
[17] (رسالة يوحناالأولى 1: 5 – 9)

التعديل الأخير تم بواسطة aymonded ; 19-05-2020 الساعة 11:47 PM
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 8) تابع المقدمة (جـ) العهد الجديد، معنى الذبيحة aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 2 10-01-2012 12:07 AM
دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 7) تابع المقدمة (ب) العهد القديم، ثالثاً: من الطقوس إلى الذبيحة الروحية aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 0 08-01-2012 10:16 AM
دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 6) تابع المقدمة (ب) العهد القديم تطور طقوس الذبائح، جوانب الذبيحة المختلفة aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 0 01-01-2012 09:03 AM
دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 5) أهمية الذبيحة وشمولها، تابع لمحة تاريخية سريعة عصور ما بعد موسى + مصدر تشريع الذبائح aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 0 31-12-2011 08:10 AM
دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس اني بل المنتدى المسيحي الكتابي العام 1 13-11-2010 06:18 PM


الساعة الآن 07:04 AM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2021، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة