منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية المنتدى المسيحي الكتابي العام

إضافة رد

الموضوع: تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين

أدوات الموضوع
قديم 11-07-2017, 07:38 PM   #271
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
57- كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي.

وهنا ختام التنقل بالفكر اليهودي إلى نهايته وغايته العظمى. فلقد تدرج المسيح تدرجا غاية في الدقة والاستعلان:
+ من الخبز الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان
+ إلى «خبز اللة االنازل من السماء»
+ إلى «أنا ‏هو خبز الحياة»
+ إلى «أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء»
+ إلى «الخبز الذي أنا أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم»
+ إلى «إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم»
+ إلى «من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية, وأنا أقيمه في اليوم الأخير»،
+ إلى «جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق»
+ إلى «من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه»
+ إلى هذه الآية الأخيرة التي نحن بصددها: «من يأكلني فهو يحيا بي»
‏هنا فى هذه الآية الأخيره، يعلن المسيح وجوده الكلي ككل as a whale « يحيا بي» في إفخارستيا الجسد والدم، كحياة نحياها في حياته.
«كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب, فمن يأكلني فهو يحيا بي».
«أرسلني الآب».
‏الإرسالية هنا تستهدف الإعلان عن «التجسد»، ولكنها تتضمن معنى ضمنيا ذا أهمية، وهو وحدة التناسق بين الآب والابن على أساس وحدة الكرامة، وليس كسيد وعبد: « لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله.» (يو23:5)
‏وهنا يضع المسيح إرساليته في الموازنة المتوازنة «كما ...., ... كذلك» التي يلجأ إليها المسيح ليجعل علاقته بالآب مثلا يُحتذى ويُمتلك لنا : مثل «كما أرسلتني إلى العالم ، (كذلك) أرسلتهم أنا إلى العالم» (يو18:17) , «كما أحبني الآب ، كذلك أحببتكم أنا» (يو9:15)؛ «... كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك (كذلك) ليكونوا هم أيضا واحدا فينا.» (يو21:17)
‏والقديس يوحنا يستخدم نفس أسلوب المسيح في رسالته: «من قال إنه ثابت فيه ينبغي أنه كما سلك ذاك (تجاه الآب) هكذا يسلك هو أيضا.» (1يو6:2‏)
‏فإذا كانت الإرسالية تستهدف معنى التجسد والشهادة والاستعلان للآب، فالمسيح يضعها ضمن الأشياء الموهوبة لنا عندما «نأكله» في سر الإفخارستيا. فعندما نأكله، نحيا بحياته بكل مخصصاته مثل: «كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب، (كذلك) أعرف خاصتي وخاصتي تعرفني.» (يو14:10-15)
‏والمسيح نقل لنا في شخصه بجسده ودمه علاقته بالآب وعلاقة الآب به.
«الآب الحي»: صفة من الصفات الجوهرية الطبيعية لله التي طالما وصف بها الله في العهد القديم: «لأنه من هو جميع البشر الذي سمع صوت الله الحي يتكلم من وسط النار مثلنا وعاش» (تث26:5)
‏أما كلمة «الحي» فهي ليست صفة شخصية فقط وإنما صفة جوهرية, كما قلنا, يعبر عنها المزمور: «عندك ينبوع الحياة.» (مز9:36)
«وأنا حي بالآب»: هنا اللغة العربية قاصرة عن أداء المعنى الوارد في الأصل اليوناني( ) والتي تجيء بمعنى «بسبب» والتي لا يمكن فهمها في اللغة اليونانية على أن الآب علة أو آلة لحياة المسيح، إذ كان يتحتم أن تجىء ( )
والتعبير «أنا حي بالآب» تعبير لاهوتي مبسط معناه أن الابن لا يحيا وحده، ولكن حياة الآب هي حياة الابن.
‏فإذا أكلنا الجسد والدم، فنحن لا نعود نحيا وحدنا, بل نحيا حياة المسيح النابعة من نفس ينبوع الآب. وهكذا يتم الرباط الإلهي بين الإنسان والله الآب بحياة المسيح التي ننالها ونحيا بها من الإفخارستيا, أي الجسد والدم.
‏ونلاحظ أن المسيح سبق وأعلن أن له حياة أبدية في ذاته, وكلمة «في ذات» تعني في صميم طبيعته وجوهره: «لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته, كذلك أعطى الابن أيضا أن تكون له حياة في ذاته» (يو26:5). فهنا الحياة الذاتية للأب والابن واحدة, لأن الحياة الأبدية هي من جوهر الطبيعة الإلهية. ولكي تكون العلاقة بين الآب والابن واضحة في ذهن القارىء, فليفهم أن الابن يستمد من الآب بنوته فقط، وهذه العلاقة ليست مستحدثة قط, أي لم يكن هناك زمن ما لم يكن في الذات الإلهية بنوة، بل البنوة والأبوة قائمتان أزليا في ذات الله الأزلية. فالأبوة صفة جوهرية في الله, والبنوة مثلها تماما صفة جوهرية في الله. أما الطبيعة, أي الجوهر, فواحد، فطبيعة الآب هي طبيعة الابن، وحياة الآب هي حياة الابن، لأن الحياة ليست صفة ذاتية بل جوهرية. فالمسيح هو الحياة الأبدية من جهة طبيعته, وهذا يعلنه القديس يوحنا في بداية رسالته الاولى هكذا: «فإن الحياة أُظهرت, وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا.» (ايو2:1)
‏أما المسيح فقد كرر مرارا وتكرارا أنه هو الحياة: «أنا هو الطريق والحق والحياة» (يو6:14‏)، «أنا هو القيامة والحياة.» (يو25:11)
‏فهنا قول المسيح «أنا حي بالآب» يفيد إتحاد الابوة بالبنوة في حياة واحدة غير منفصلة, يكشفها المسيح ويعلنها بالقول والعمل. أما هنا في هذه الأية فهو يسلمها لمن يأكل جسده ويشرب دمه لأنه يحيا به: «من يأكلني فهو يحيا بي» وبالتال يحيا بالآب, لأن المسيح حي بالآب.
‏وبمعنى أخر أيضأ : فلأن «الآب حي» فيتحتم بالضرورة أن يكون الابن حياً, لأن الابن بالآب قائم ويكون ويحيا، وكما أن الابن (المسيح بالتجسد) حي فيتحتم بالضرورة أن من يأكل المسيح يصير حيا, لأن الإنسان بتناوله الجسد والدم يصير ويقوم ويدوم في المسيح وبالمسيح.
وقد أعلنها المسيح في موضع قادم: «إني أنا حي فأنتم ستحيون» (يو19:14)، ويصفها القديس يوحنا في نهاية رسالته الاولى بمنتهى الوضوح والقوة: «وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية. وهذه الحياة هي في ابنه. من له الابن فله الحياة ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة... ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق، ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية.» (ايو11:5و12و20)
‏أما إذا أردنا أن نفهم القصد والغاية العظمى من أكل جسد المسيح وشرب دمه كمأكل حق ومشرب حق, هذا الذي عبر عنه المسيح أخيرا: «من يأكلني فهو يحيا بي» فعلينا أن نعود إلى فكر بولس الرسول الذي يعبر عنه تعبيرا واقعيأ غاية في العمق والتصوير اللاهوتي لمفهوم كيف يتحول جسد المسيح فينا إلى جسد كلي وشامل, جسد سري, نصير فيه أعضاء بل نصير من نفس مادته الروحية الفائقة: «لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه.» (أف30:5)
‏فانظر أيها القارىء وافهم أن الإفخارستيا, أي الأكل والشرب من جسد المسيح ودمه بالروح والحق والشكر, هي المدخل الحي والروحي واللاهوتي بآن واحد للدخول في جسد المسيح السري, بل للاتحاد به أيضاً, بل للثبوت الأبدي, بل للحياة الأبدية والتمجيد الدائم.
‏وهنا بعد أن أستعلن المسيح وجوده الذاتي الكلي كحياة في الجسد والدم، وبعد أن استعلن الثبوت المتبادل بين المسيح والإنسان من خلال الجسد والدم؛ كشف الرب الاستعلان الأخير بأن الإنسان أصبح له نصيب مع الله الآب, أي ثبوت حياة الإنسان, بالتالي, بالله الآب أيضاً من خلال المسيح الحي في الإنسان, بالجسد والدم، أي من ‏خلال الإفخارستيا في مضمون ذبيحة المسيح.
‏وهكذا يصل المسيح بالفكر اليهودي إلى أساس العهد الجديد بدم المسيح, كعهد دم بروح أزلى يربط الإنسان بالله الحى, هذا العهد الجديد استعلنه المسيح وسجله بالقول والكلمة يوم الخميس: «هذا هو جسدي ... هذا هو دمي الذي للعهد الجديد, الذي يُسفك من أجل كثيرين» (مر22:14و24). ثم حققه على مستوى ذبح الجسد وسفك الدم الفعلي يوم الجمعة.
وهكذا يضع المسيح الفكر اليهودي أمام عهد جديد بفصح جديد، ليس بالمن ولا بلحم خروف مذبوح، ولكن بذبيحة نفسه التي هم مزمعون ومضمرون تقديمها، ليصير جسده ودمه هما عمل الله الجديد مع شعبه.
‏والميح يوضح بذلك لليهود أن المن الجديد الذي يطلبونه يستلزم عهدا جديدا سبق الرب وأعلن عنه بفم أنبيائه:
+ «لأنه يقول لهم لائماً هوذا أيام تأتي، يقول الرب، حين أكمل مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا, لا كالعهد الذي عملته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر, لأنهم لم يثبتوا في عهدي وأنا أهملتهم، يقول الرب. لأن هذا هو العهد الذي أعهده مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب, أجعل نواميسي في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم، وأنا أكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا.» (عب8:8-10)
‏وهكذا يقدم المسيح جسده ودمه لليهود المزعين أذ يذبحوه، كمن جديد وفصح جديد معا, للحياة وليس للموت بعد, حيث ‏يصير دمه وثيقة عهد الله الجديد مع شعبه؛ وهذا يعبر عنه القديس بطرس الرسول في رسالته الثانية هكذا:
+ «كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة (الأبدية) والتقوى، بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة، اللذين بهما قد وهب المواعيد (العهد) العظى والحية، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية.» (2بط3:1-4‏)
‏فحياة الآب والابن المتحدة, وهي صميم الطبيعة الإلهية، سلمها لنا المسيح في الجسد والدم، لنشترك فيها فنحيا بالله وبالتقوى.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11-07-2017, 07:39 PM   #272
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
58- هَذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هَذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَد.

وعودة المسيح على ذي بدء لنفس الآية التي انطلق منها ليشرح لليهود معنى الخبز الحقيقي النازل من السماء، هذا الذي يطلبونه بخداع البصر كأنه المن القديم، هذا الرجوع والذي يختم به المسيح شرحه المطول، يثبت أن نظر المسيح المثبت على اليهود المحاججين كما هو لم ينحرف، فهم كانوا من البداية إلى النهاية الهدف الذي سلط عليه كل إعلاناته. ولكن للأسف لم تكن لهم أذن تسمع، ولا عيون تبصر, فأباؤهم أكلوا المن وماتوا, وهم اشتهوا أن يأ كلوه, فما أكلوه، وما عاشوا.
فكان كلام المسيح عل آذانهم كلغز بقي بلا حل، أو بحسب قول المسيح نفسه: «لكم قد أعطي أن تعرفوا أسرار ملكوت الله، وأما للباقين فبأمثال حتى إنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يفهمون» (لو10:8). وليمعن القارىء ملياُ في كلمة «أسرار ملكوت الله»، لأنها هي هي موضوع حديثه في الجسد والدم، كما يلاحظ أن أسرار ملكوت الله تعبر عن العيون فلا تراها وعلى الآذن فلا تسمعها لأن سر الرب لمتقيه (أو لخائفيه) (مز14:25). والذي يصدق أقوال الله وهي كلها تحمل سر الله، فالله يعلن له أسراره فيفهمها ويسر بها: «تأتي ساعة حين لا أكلمكم أيضا بأمثال، بل أخبركم عن الآب علانية» (يو25:16)، وهذا تم بالحرف الواحد في عشاء الخميس، وفي يوم الخمسين.
«هذا هو الخبز»: في هذه الكلمة الصغيرة «هذا هو» يعبر الرب بشريط أقواله كلها من «الخبز النازل من ‏السماء» إلى «من يأكلني يحيا بي»، والتي انتهى بها إلى، والتي تحوي في داخلها، سر موت الرب وقيامته. فالأكل يحمل، بقوة، معنى الذبيحة المذبوحة. «ويحيا بي» يحمل معنى القيامة والحياة. والاثنان معاً يحملان الشركة الكاملة السرية في فعل وقوة الفداء والخلاص. كما يطرحان، مسبقاً، سر الإفخارستيا الذي سيأتيه الرب في وقته.
‏كما يلاحظ القارىء أن كلمة «هذا هو» تجيء لتشير إشارة مباشرة ومنطبقة انطباقأ سرياً على قول المسيح «أنا هو». لأن الخبز النازل من السماء أصبح واقعاً حياً ملموساً مشخصاً في المتكلم، أي ابن الله الكلمة المتجسد الذي ذُبح فعلاً وقام وهو حي.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 12-07-2017, 07:08 PM   #273
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
التعقيب على حديث الرب فى مجمع كفرناحوم (59:6-71)
59- قَالَ هَذَا فِي الْمَجْمَعِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كَفْرِنَاحُومَ.

القديس يوحنا هو المتكلم الآن, وهو يعين المكان الذي تم فيه حديث المسيح الذي سبق أن سجله، أي في المجمع، ولم يكن ذلك أثناء العبادة ولكن في وقت التعليم. ومن الأمور التي تبهج القارىء أن بقايا آثار مجمع كفرناحوم هذا لا تزال قائمة بصورة حية جيلة في فلسطين، في الموضع المعروف «تل حوم» حيث وجد العالم ولسن أثناء حفرياته حجرا كبيرا محفورا عليه صورة وعاء المن.
‏والمعروف أن درس نزول المن كان ضمن خدمة الصباح في مجامع اليهود. والدروس في المجمع كانت تقام في أيام السبت والاثنين والخميس.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 12-07-2017, 07:11 PM   #274
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
60-63 فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ تلاَمِيذِهِ إِذْ سَمِعُوا: «إِنَّ هَذَا الْكلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟». فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هَذَا فَقَالَ لَهُمْ: «أَهَذَا يُعْثِرُكُمْ؟ فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِداً إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلاً. اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فلاَ يُفِيدُ شَيْئاً. اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ.

«الروح هو الذي يُحيي أما الجسد فلا يفيد شيئاً. الكلام الذي اكلمكم به هو روح وحياة«: ‏المسيح يلح على العقل البشري أن لا يهبط بالإلهيات إلى مستوى التراب، ولقد كرر ذلك في كل حديث, ولكن ليس بنفس الهدف.
‏فأولاً مع نيقوديموس, كان الهدف هو الميلاد الجديد للانسان من فوق وبالروح, ولما عجز عن إدراك «الميلاد الثانيه» الروحي للانسان, اضطر المسيح أن يقول له: «المولود من الجسد جسد هو, والمولود من الروح هو روح» (يو6:3). أما كيف يتم ذلك؟ فمن المستحيل على العقل البشري متابعته، كما لو أردت أن تتتبع ريحاً يهب, فأنت لا تعرف لا من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، هكذا كل من وُلد من الروح، فأنت ترى فيه الواقع المتغير, أي الإنسان الروحي الجديد بالعقل الروحي الجديد، فتندهش، ولكن يعذر عليك الفحص.
‏وثانياً مع المرأة السامرية, كان الهدف أن يسقيها الماء الحي, أي الروح القدس، ولما تفكرت أنه ماء جسدي وعجزت عن إدراك شرب الماء الحي، طلب منها أن تتوب عن خطاياها التي كانت سر العجز، فلما تابت شربت من الماء الحي. ولكن كيف شربت؟ لا نعلم، الذي نعلمه أنها صارت مُبشرة بالخلاص، وقادرة أن تسقي الأخرين، لأن نبع المياه الحية اندفق في أحشائها.
‏وثالثاً مع الجليليين, أراد أن يطعمهم من خبز الحياة النازل من فوف ، فحسبوه مناَ، وعجزوا عن فهم خبز الحياة. طلب منهم أن يؤمنوا به أولا حتى يدركوا سر جسده المذبوح وسر دمه المسفوك اللذين هما خبز الحياة الأبدية، فلما عثروا, حتى تلاميذه عثروا, في كيفية أكل الجسد وشرب الدم، عاد مرة أخرى يقول إن كلامه على مستوى الروح وليس على مستوى الجسد. فهو أكل حق وشرب حق، أي أكل جسد روحي سماوي، وشرب دم روحي سماوي, وليس أكل جسد إنسان وشرب دم إنسان, بل هو أكل الكلمة في الجسد وشرب الروح في الدم, أما كيف يكون ذلك؟ فهذا ما لا يمكن أن يلاحقه العقل، تماماً كما لا يمكن أن يلاحق كيف صار الكلمة جسداً. هكذا وبنفس السرية يصير الإنسان بالأكل من الجسد والشرب من الدم إنساناً روحيا يتغذى بالروح وسر الكلمة، الكلمة الذي كان منذ البدء عند الله، الفعال في الخليقة، فلكي يكمل فعله في الخليقة البشرية، أخذ جسداً؛ وبدون هذا الجسد لم يكن ممكناً أن تبلغنا كلمة الله كفعل خلاص. فكلمة الله في ذاتها مخلصّة، ولكنها لم تخلّص بالفعل إلا بالجسد والدم على مستوى الذبح وسفك الدم.
‏فاللاهوتيون وأصحاب الفكر القائل أن الأكل والشرب هما على مستوى الإيمان بالكلمة المقروءة والمبشر بها فقط، وليس بالخبز والخمر المتحولين، يتجاوزون سر التجسد كفعل حدث، و يتخطون عملية الذبح وسفك الدم كفعل حدث، هذه التي بها أدركنا سر الكلمة ابن الله!! أي أن الأكل من جسد المسيح والشرب من دم المسيح يستحيل أن يكون نظرياً تأملياً تصوفياً بالفكر أو حتى بالإيمان فقط. إن الأكل من الجسد والشرب من الدم ها شركة في فعل مأسوي عنيف, شركة في ألم وغصة موت وقيامة، وليس شركة في مبدأ إيماني يؤخذ بالفهم. فالله لم يخلص العالم بالكلمة المنطوقة، بل بالكلمة المتجسدة المذبوحة.
‏إن قول الرب: «الكلام الذي اكلمكم به هو روح وحياة», لا معنى له ولا قوة إلا بفعل الموت والقيامة. «فالروح والحياة» لم يستعلنا لنا، ولن يستعلنا فينا إلا بشركة فعلية في الموت هذا عينه، وفي القيامة هذه عينها، وهذا لن يتم فينا إلا بأكل الجسد الذي فيه سر الموت وشرب الدم الذي فيه سر الحياة.
‏لذلك، وبالنهاية, يكون استعلان الحياة الأبدية هو بالكلمة الحية, وفي الفعل المحيي معاً، بلا تعارض أو تمييز.
‏أما سر الإفخارستيا الذي أسسه الرب في عشاء الخميس بالخبز والخمر، اللذين بث فيهما سر جسده ودمه، أي سر تجسده وذبحه، فقد جاء بعد أن أكمل المسيح استعلان الموت والقيامة في نفسه، مقدما جسده ودمه عطية حب مسبقة لأحبائه كخبز الحياة الأبدية, كحقيقة مطلقة لا بد أن تؤخذ أولا بحد ذاتها قبل أن تطبق على مادة سر الإفخارستيا. فالمسيح قدم الحقيقة المطلقة أولاً, ثم بعد ذلك أخضعها للممارسة العملية. فالإفخارستيا حقيقة مطلقة بقوة سر المسيح للممارسة عملياً.
‏وفي سر الإفخارستيا تتحد الكلمة المطلقة بالفعل المنظور: [ ... كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس، تبشرون بموتي وتعترفون بقيامتي] (القداس الإلهي).
‏الأكل ينشىء بشارة، والشرب ينشىء اعترافاً، وهكذا نشترك في حياة المسيح وموته بالسر والكلمة معاً، بالحقيقة المطلقة والفعل المنظور.
‏وليلاحظ القارىء أن المسيح لم يرد على نيقوديموس حينها سأله: «كيف يمكن أن يكون هذا» (يو9:3)، عن الميلاد من الروح, كما أنه لم يرد على اليهود عندما سألوا: «كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل»، لأن المسيح قصر استقلان الفعل السرائري، سواء في المعمودية أو الإفخارستيا فقط على الذين آمنوا بالكلمة. وكل ما استطاع المسيح أن يزيده شرحا هو قوله إن الكلام الذي يقوله «روح وحياة»، لأن الجسد، أي المادة، لا يفيد شيئاً بحد ذاته, ولكن الروح والحياة اللذين في الجد والدم يفيدان في كل شيء.
‏والقديس يوحنا تحاشى ذكر الطقس ليوفي الحقيقة الروحية المطلقة فهمها وعملها أولاً، وهو بذلك يحرس الطقس من أن يُبتر فيكون بشكله المادي نهاية بحد ذاته، فتسقط الكنيسة في أحد خطأين: الخطأ الأول أن تحسب المادة فعالة بحد ذتلها، والخطأ الثاني أن ينحصر سرالإفخارستيا في أن يكون مجرد رمز.
‏وللقديس أُغسطينوس شرح يفيد هذا المعنى إذ يقول: [ وهكذا يريد المسيح أن يُفهم هذا الأكل وهذا الشرب على أنهما واسطة للشركة في جسده وأعضائه التي هي الكنيسة... فالسر في الإفخارستيا هو الوحدة في المسيح القائمة بين الجسد والدم اللذين يقدمان على مائدة الرب يوميا في بعض الكنائس وعلى فترات معينة في كنائس أخرى، واللذين يتناولهما البعض للحياة والبعض الآخر للهلاك. أما السر نفسه فهو مرضوع لحياة كل الناس وليس لهلاك أحد بالمرة لكل من يتناوله]
[ هكذا فإن معنى أن يأكل الإنسان من الجسد وأن يشرب من الدم, هو أن يثبث في المسيح والمسيح يثبت فيه؛ وبالتال فإن كل من لا يثبت في المسيح والمسيح لا يثبت فيه، فهو بلا شك لم يأكل جسده ولا شرب دمه، بل إنه في الحقيقة أكل وشرب من سر عظيم بهذا المقدار لدينونة نفسه].
‏وهكذا جمع القديى أغسطينوس بين الحقائق المطلقة التي شرحها الرب وبين عمل السر في الإفخارستيا، وجعل الحقائق المطلقة حارسا لصحة السر وعمله.
‏وهنا نسمع أن كثيرين من تلاميذه قالوا: «هذا الكلام صعب من يقدر أن يسمعه»، لنتذكر دائما قول النبوة عند ميلاد المسيح على فم سمعان الشيخ: «ها إن هذا قد وُضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل، ولعلامة تقاوم.» (لو34:2)
‏لقد سقط هؤلاء الكثيرون من تلاميذه عن مستوى الروح والحياة. وكلمة «كثيرين» توضح الشبة بينهم وبين الاثني عشر، أي بين الذين يسقطون والذين يقومون في المسيح يسوع عل مستوى الإيماذ وتصديق الرب، وهي دائما نسبة محزنة. وهي ليست محزنة لأنها على المستوى العام فقط بل وعلى المستوى الخاص جدا، إذ هي قائمة بين المدعوين أيضا: «هكذا يكون الآخرون أولين والأولون أخرين. لأنأ كثيرين يدعون وقليلين يُنتخبون.» (16:20‏)
‏لماذا؟؟ لأن الكثيرين يحكمون العقل والمنطق، والقليلون هم الذين يطيعون الإيماذ والكلمة ببساطة قلب، والعقل بطيعته يحكم حسب مقايس العالم، ويبدأ بفرح كاذب وينتهي بالحزن والتشاؤم (مت13:14-14)، أما القلب فيعيش بمقياس الروح، ويبدأ بالتسليم الهادئ وينتهي إلى الفرح والأبتهاج: «وإذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتاولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب مسبحين الله وهم نعمة لدى جميع الشعب.» (أع46:2-47‏)
«هذا الكلام صعب»: «صعب» تأتي في اليونانية بمعنى «التصلب» أى «يجف»، أو «ينشف», وهذه الكلمة يفهمها الأطباء، إذ هي تستخدم لوصف الأوعية الدموية حينما تُصاب بالتصلب وعدم الليونة فتمنع مسيرة الدم فيها. فلو أضفنا إليها الكلمة التي جاءت بعدها: «من يقدر أن يسمعه»، فهذا يكمل المعنى بأن كلام المسيح لم يدخل مجاري أسماعهم، لأن آذانهم الروحية مسدودة ولم تنفتح بكل الكلام الروحي الذي قاله المسيح، والكلمة صارت ثقيلة على أذانهم وغير مقبولة، والنتيجة أنهم بدأوا يتذمرون، لأن: «من ليس معي فهو علي» (مت30:12)، لن الاذن الطبيعية احتكرت العقل وامتلأت بمتطلبات الدنيا. أما صعوبة الكلمة التي انسدت آذانهم عن قبولها، فهي على مستويين مرتفعين:
الأول الذين سقطوا من دونه وهو: كيف أن «يسوع بن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه» يكون نزل من السماء؟
‏والثاني: «كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل» ودمه لنشرب؟
‏لهذا كان رد المسيح على الصعوبة الاولى هكذا: ماذا سيكون موقفكم حينما ترون ابن الإنسان صاعدا إلى السماء حيث كان أولا ومن حيث نزل؟
‏والمستوى الثاني الذي سقطوا منه وعثروا فيه كان رده عليه أن الجسد المأكول ليس لحما بشريا، بل جسداً إلهياً حقيقياً يؤكل بالحق أي بالروح (في الصورة التي سيعطيها, أي الخبز)، والدم ليس دماً بشرياً بل هو دم بروح أزلي يُشرب بالروح (في الصورة التي يعطيها، أي الكأس)، لأن أكل الجسد بالجسد لا يفيد شيئا، ولكن الأكل الروحي للجسد بالروح يُحيي.
‏وقد عقب المسيح على ما قاله فيما يخص الأكل والشرب, بأنه على مستوى الروح والحياة ويوصل إليهما، وهما كأساس للروح يُبنى عليه القلب ويرتفع، أما العقل أو الجسد فلا يستطيع أن يبلغ إليهما.
‏ويلاحظ القارىء أن المستوى الأول الذي أنشأ صعوبة عند التلاميذ المزيفين يختص بنزول المسيح من السماء، وهذا يفيد التجسد الإلهي وهو حجر الأساس في بناء الإيمان, أما المستوى الثاني الذي أعثرهم والذي يختص بالأكل من الجسد والشرب من الدم، فيفيد الفداء والخلاص, وهو جوهر الايمان وتاجه.
«فإذ رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولاً»: هذه هي المرة الاولى التي يذكر فيها إنجيل القديس يوحنا «صعود» الرب باللفظ الواضح، إذ لم يذكر إنجيل القديس يوحنا صعود الرب إلا بعد قيامته، حينما قال للمجدلية: «...اذهبي إلى إخوتي وقولى لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم والهي وإلهكم.» (يو17:20)
‏أما إغفأل ذكره حادثة الصعود ذاتها في الرواية، بعد القيامة فلأن الأناجيل الأخرى استوفت شرحها كرواية. بينما اهتم القديس يوحنا بالآيات والإعلانات التي لم تذكرها الأناجيل الأخرى، واستوفى الشرح اللاهوتي للصعود مرارا وتكرارا في قول المسيح إنه نزل من السماء، والذي نزل سيصعد حتماً:
+ «وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء.» (يو13:3)
+ «أنا ممكم زمانا يسيرا بعد ثم أمضى إلى الذي أرسلني.» (يو33:7)
+ «أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب...» (يو1:13)
+ «أنا أمضى لاعد لكم مكاناً.» (يو2:14)
+ «وتعلمون حيث أنا أذهب وتعلمون الطريق.» (يو4:14)
+ «لأني ماضى إلى أبي.» (يو12:14)
+ «سمعتم أني قلت لكم أنا أذهب ثم آتي إليكم.» (يو28:14)
+«وأما الآن فأنا ماضى إلى الذي أرسلني ... إنه خير لكم أن أنطلق, لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي.» (يو5:17-7)
+ «... فلأني ذاهب إلى أبي ولا تروني أيضاً.» (يو10:16)
+ «خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم، وأيضا أترك العالم وأذهب إلى الآب.» ‏(يو28:16)
+ «ولست أنا بعد في العالم، وأما هؤلاء فهم في العالم، وأنا آتي إليك.» (يو11:17)
+ «وأما الآن فإني آتي إليك.» (يو13:17)
‏هنا يعطينا إنجيل القديس يوحنا رؤية لاهوتية عميقة ومبدعة عن «معنى» الصعود «وقوته».
‏فمعنى الصعود لاهوتياً: ‏هو أن النزول، أي التجسد، رسالة مؤقتة (زماناً قليلاً) انتهت تماماً بالصليب، وهي خاصة بابن الله المتجسد وحده: «ليس أحد صعد ... إلا الذي نزل» (يو13:3). والصعود تكميل للنزول. أما الإقامة الدائمة فهي في السماء: «ابن الإنسان الذي هو في السماء.» (يو13:3)
‏والنزول تحقيق فعلي وعملي مُبدع من جهة الله في مشاركه الإنسان: «حل بيننا» (يو14:1)؛ »اسمه عمانؤيل. الذي تفسيره الله معنا.» (مت23:1)
‏أما قوة الصعود: ‏فهي في ارتباطه بإرسال الروح القدس الذي حل محل المسيح وكمل عمله، وكان الشرط الوحيد والأساسي لإرسال الروح القدس هو صعود المسيح، إذ أن صعود المسيح كان جزءاً أساسياً لتكميل الخلاص. علماً بأن الصعود كان قوة روحية هائلة فكت آسر المقيدين بالروح: «سبى سبياً وأعطى الناس عطايا» (أف8:4)، كما أنه بالصعود تم إعداد مكان لنا في أقداس الله العليا: «دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً» (عب20:6 و12:9‏)، بل وفتح طريقا ملوكياً صاعداً إلى السماء: «وتعلمون حيث أنا أذهب وتعلمون الطريق» (يو4:14)، «طريقاً كرسه لنا حدياًأ حيا بالحجاب, أي جسده.» (عب20:10)
‏لذلك، فقوة الصعود أصبحت هبة لنا، حتى أننا نحسب بالإيمان أنه أصعدنا معه وأجلسنا معه في السماويات (أف6:2)، والذي يقرأ الأصحاحين الأول والثاني من سفر الأعمال يشعر بقوة الصعود وكيف ألهبت قلوب التلاميذ لينطلقوا في الصلاة استعدادا لقبول الروح القدس لبدء كرازة العالم!!
‏وأخيرا، فإن صعود الرب أثبت لاهوت المسيح، أولاً لأن الرب كان يعلم بالصعود وتحدث عنه, كالنزول تماماً، أي أنه كان عنده جزءاً أساسياً في خطة الخلاص، وثانياً صعوده بالجسد بعد الموت والقيامة استعلن به مجده الإلهي وأثبت به أن نزوله وتجسده كان حقيقة خلاصية. وصعوده بقوة لاهوته وسلطانه تميز عن صعود إيليا بأن قيل عن إيليا أنه «صعد بواسطة الرب»، وبأن ذلك تم في مركبة أُرسلت إليه لتحمل ثقله البشري أو ثقل خطاياه، وأن هذه المركبة كانت نارية للتطهير ليؤهل للدخول في عالم الأرواح المبررة (2مل1:2-11).
‏كذلك، فإن صعود المسيح إلى فوة كان إشارة إلى البركة العظمى التي وهبها للعالم، كما كان إشارة مبدعة إلى أنه جعل أعداءه تحت قدميه. كما كان صعوده، بحسب تعليمات الملائكة للتلاميذ، إشارة وأية عظمى أنه كما صعد هكذا سرف يأتي أيضاً في مجده ومجد أبيه (لو26:9)؛ ونحن بهذا ننتظر مجيئه بفارغ الصبر في رجاء حار صادق, «نعم ... أمين تعال أيها الرب يسوع.» (رؤ20:22)
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 12-07-2017, 07:11 PM   #275
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
60-63 فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ تلاَمِيذِهِ إِذْ سَمِعُوا: «إِنَّ هَذَا الْكلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟». فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هَذَا فَقَالَ لَهُمْ: «أَهَذَا يُعْثِرُكُمْ؟ فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِداً إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلاً. اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فلاَ يُفِيدُ شَيْئاً. اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ.

«الروح هو الذي يُحيي أما الجسد فلا يفيد شيئاً. الكلام الذي اكلمكم به هو روح وحياة«: ‏المسيح يلح على العقل البشري أن لا يهبط بالإلهيات إلى مستوى التراب، ولقد كرر ذلك في كل حديث, ولكن ليس بنفس الهدف.
‏فأولاً مع نيقوديموس, كان الهدف هو الميلاد الجديد للانسان من فوق وبالروح, ولما عجز عن إدراك «الميلاد الثانيه» الروحي للانسان, اضطر المسيح أن يقول له: «المولود من الجسد جسد هو, والمولود من الروح هو روح» (يو6:3). أما كيف يتم ذلك؟ فمن المستحيل على العقل البشري متابعته، كما لو أردت أن تتتبع ريحاً يهب, فأنت لا تعرف لا من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، هكذا كل من وُلد من الروح، فأنت ترى فيه الواقع المتغير, أي الإنسان الروحي الجديد بالعقل الروحي الجديد، فتندهش، ولكن يعذر عليك الفحص.
‏وثانياً مع المرأة السامرية, كان الهدف أن يسقيها الماء الحي, أي الروح القدس، ولما تفكرت أنه ماء جسدي وعجزت عن إدراك شرب الماء الحي، طلب منها أن تتوب عن خطاياها التي كانت سر العجز، فلما تابت شربت من الماء الحي. ولكن كيف شربت؟ لا نعلم، الذي نعلمه أنها صارت مُبشرة بالخلاص، وقادرة أن تسقي الأخرين، لأن نبع المياه الحية اندفق في أحشائها.
‏وثالثاً مع الجليليين, أراد أن يطعمهم من خبز الحياة النازل من فوف ، فحسبوه مناَ، وعجزوا عن فهم خبز الحياة. طلب منهم أن يؤمنوا به أولا حتى يدركوا سر جسده المذبوح وسر دمه المسفوك اللذين هما خبز الحياة الأبدية، فلما عثروا, حتى تلاميذه عثروا, في كيفية أكل الجسد وشرب الدم، عاد مرة أخرى يقول إن كلامه على مستوى الروح وليس على مستوى الجسد. فهو أكل حق وشرب حق، أي أكل جسد روحي سماوي، وشرب دم روحي سماوي, وليس أكل جسد إنسان وشرب دم إنسان, بل هو أكل الكلمة في الجسد وشرب الروح في الدم, أما كيف يكون ذلك؟ فهذا ما لا يمكن أن يلاحقه العقل، تماماً كما لا يمكن أن يلاحق كيف صار الكلمة جسداً. هكذا وبنفس السرية يصير الإنسان بالأكل من الجسد والشرب من الدم إنساناً روحيا يتغذى بالروح وسر الكلمة، الكلمة الذي كان منذ البدء عند الله، الفعال في الخليقة، فلكي يكمل فعله في الخليقة البشرية، أخذ جسداً؛ وبدون هذا الجسد لم يكن ممكناً أن تبلغنا كلمة الله كفعل خلاص. فكلمة الله في ذاتها مخلصّة، ولكنها لم تخلّص بالفعل إلا بالجسد والدم على مستوى الذبح وسفك الدم.
‏فاللاهوتيون وأصحاب الفكر القائل أن الأكل والشرب هما على مستوى الإيمان بالكلمة المقروءة والمبشر بها فقط، وليس بالخبز والخمر المتحولين، يتجاوزون سر التجسد كفعل حدث، و يتخطون عملية الذبح وسفك الدم كفعل حدث، هذه التي بها أدركنا سر الكلمة ابن الله!! أي أن الأكل من جسد المسيح والشرب من دم المسيح يستحيل أن يكون نظرياً تأملياً تصوفياً بالفكر أو حتى بالإيمان فقط. إن الأكل من الجسد والشرب من الدم ها شركة في فعل مأسوي عنيف, شركة في ألم وغصة موت وقيامة، وليس شركة في مبدأ إيماني يؤخذ بالفهم. فالله لم يخلص العالم بالكلمة المنطوقة، بل بالكلمة المتجسدة المذبوحة.
‏إن قول الرب: «الكلام الذي اكلمكم به هو روح وحياة», لا معنى له ولا قوة إلا بفعل الموت والقيامة. «فالروح والحياة» لم يستعلنا لنا، ولن يستعلنا فينا إلا بشركة فعلية في الموت هذا عينه، وفي القيامة هذه عينها، وهذا لن يتم فينا إلا بأكل الجسد الذي فيه سر الموت وشرب الدم الذي فيه سر الحياة.
‏لذلك، وبالنهاية, يكون استعلان الحياة الأبدية هو بالكلمة الحية, وفي الفعل المحيي معاً، بلا تعارض أو تمييز.
‏أما سر الإفخارستيا الذي أسسه الرب في عشاء الخميس بالخبز والخمر، اللذين بث فيهما سر جسده ودمه، أي سر تجسده وذبحه، فقد جاء بعد أن أكمل المسيح استعلان الموت والقيامة في نفسه، مقدما جسده ودمه عطية حب مسبقة لأحبائه كخبز الحياة الأبدية, كحقيقة مطلقة لا بد أن تؤخذ أولا بحد ذاتها قبل أن تطبق على مادة سر الإفخارستيا. فالمسيح قدم الحقيقة المطلقة أولاً, ثم بعد ذلك أخضعها للممارسة العملية. فالإفخارستيا حقيقة مطلقة بقوة سر المسيح للممارسة عملياً.
‏وفي سر الإفخارستيا تتحد الكلمة المطلقة بالفعل المنظور: [ ... كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس، تبشرون بموتي وتعترفون بقيامتي] (القداس الإلهي).
‏الأكل ينشىء بشارة، والشرب ينشىء اعترافاً، وهكذا نشترك في حياة المسيح وموته بالسر والكلمة معاً، بالحقيقة المطلقة والفعل المنظور.
‏وليلاحظ القارىء أن المسيح لم يرد على نيقوديموس حينها سأله: «كيف يمكن أن يكون هذا» (يو9:3)، عن الميلاد من الروح, كما أنه لم يرد على اليهود عندما سألوا: «كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل»، لأن المسيح قصر استقلان الفعل السرائري، سواء في المعمودية أو الإفخارستيا فقط على الذين آمنوا بالكلمة. وكل ما استطاع المسيح أن يزيده شرحا هو قوله إن الكلام الذي يقوله «روح وحياة»، لأن الجسد، أي المادة، لا يفيد شيئاً بحد ذاته, ولكن الروح والحياة اللذين في الجد والدم يفيدان في كل شيء.
‏والقديس يوحنا تحاشى ذكر الطقس ليوفي الحقيقة الروحية المطلقة فهمها وعملها أولاً، وهو بذلك يحرس الطقس من أن يُبتر فيكون بشكله المادي نهاية بحد ذاته، فتسقط الكنيسة في أحد خطأين: الخطأ الأول أن تحسب المادة فعالة بحد ذتلها، والخطأ الثاني أن ينحصر سرالإفخارستيا في أن يكون مجرد رمز.
‏وللقديس أُغسطينوس شرح يفيد هذا المعنى إذ يقول: [ وهكذا يريد المسيح أن يُفهم هذا الأكل وهذا الشرب على أنهما واسطة للشركة في جسده وأعضائه التي هي الكنيسة... فالسر في الإفخارستيا هو الوحدة في المسيح القائمة بين الجسد والدم اللذين يقدمان على مائدة الرب يوميا في بعض الكنائس وعلى فترات معينة في كنائس أخرى، واللذين يتناولهما البعض للحياة والبعض الآخر للهلاك. أما السر نفسه فهو مرضوع لحياة كل الناس وليس لهلاك أحد بالمرة لكل من يتناوله]
[ هكذا فإن معنى أن يأكل الإنسان من الجسد وأن يشرب من الدم, هو أن يثبث في المسيح والمسيح يثبت فيه؛ وبالتال فإن كل من لا يثبت في المسيح والمسيح لا يثبت فيه، فهو بلا شك لم يأكل جسده ولا شرب دمه، بل إنه في الحقيقة أكل وشرب من سر عظيم بهذا المقدار لدينونة نفسه].
‏وهكذا جمع القديى أغسطينوس بين الحقائق المطلقة التي شرحها الرب وبين عمل السر في الإفخارستيا، وجعل الحقائق المطلقة حارسا لصحة السر وعمله.
‏وهنا نسمع أن كثيرين من تلاميذه قالوا: «هذا الكلام صعب من يقدر أن يسمعه»، لنتذكر دائما قول النبوة عند ميلاد المسيح على فم سمعان الشيخ: «ها إن هذا قد وُضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل، ولعلامة تقاوم.» (لو34:2)
‏لقد سقط هؤلاء الكثيرون من تلاميذه عن مستوى الروح والحياة. وكلمة «كثيرين» توضح الشبة بينهم وبين الاثني عشر، أي بين الذين يسقطون والذين يقومون في المسيح يسوع عل مستوى الإيماذ وتصديق الرب، وهي دائما نسبة محزنة. وهي ليست محزنة لأنها على المستوى العام فقط بل وعلى المستوى الخاص جدا، إذ هي قائمة بين المدعوين أيضا: «هكذا يكون الآخرون أولين والأولون أخرين. لأنأ كثيرين يدعون وقليلين يُنتخبون.» (16:20‏)
‏لماذا؟؟ لأن الكثيرين يحكمون العقل والمنطق، والقليلون هم الذين يطيعون الإيماذ والكلمة ببساطة قلب، والعقل بطيعته يحكم حسب مقايس العالم، ويبدأ بفرح كاذب وينتهي بالحزن والتشاؤم (مت13:14-14)، أما القلب فيعيش بمقياس الروح، ويبدأ بالتسليم الهادئ وينتهي إلى الفرح والأبتهاج: «وإذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتاولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب مسبحين الله وهم نعمة لدى جميع الشعب.» (أع46:2-47‏)
«هذا الكلام صعب»: «صعب» تأتي في اليونانية بمعنى «التصلب» أى «يجف»، أو «ينشف», وهذه الكلمة يفهمها الأطباء، إذ هي تستخدم لوصف الأوعية الدموية حينما تُصاب بالتصلب وعدم الليونة فتمنع مسيرة الدم فيها. فلو أضفنا إليها الكلمة التي جاءت بعدها: «من يقدر أن يسمعه»، فهذا يكمل المعنى بأن كلام المسيح لم يدخل مجاري أسماعهم، لأن آذانهم الروحية مسدودة ولم تنفتح بكل الكلام الروحي الذي قاله المسيح، والكلمة صارت ثقيلة على أذانهم وغير مقبولة، والنتيجة أنهم بدأوا يتذمرون، لأن: «من ليس معي فهو علي» (مت30:12)، لن الاذن الطبيعية احتكرت العقل وامتلأت بمتطلبات الدنيا. أما صعوبة الكلمة التي انسدت آذانهم عن قبولها، فهي على مستويين مرتفعين:
الأول الذين سقطوا من دونه وهو: كيف أن «يسوع بن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه» يكون نزل من السماء؟
‏والثاني: «كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل» ودمه لنشرب؟
‏لهذا كان رد المسيح على الصعوبة الاولى هكذا: ماذا سيكون موقفكم حينما ترون ابن الإنسان صاعدا إلى السماء حيث كان أولا ومن حيث نزل؟
‏والمستوى الثاني الذي سقطوا منه وعثروا فيه كان رده عليه أن الجسد المأكول ليس لحما بشريا، بل جسداً إلهياً حقيقياً يؤكل بالحق أي بالروح (في الصورة التي سيعطيها, أي الخبز)، والدم ليس دماً بشرياً بل هو دم بروح أزلي يُشرب بالروح (في الصورة التي يعطيها، أي الكأس)، لأن أكل الجسد بالجسد لا يفيد شيئا، ولكن الأكل الروحي للجسد بالروح يُحيي.
‏وقد عقب المسيح على ما قاله فيما يخص الأكل والشرب, بأنه على مستوى الروح والحياة ويوصل إليهما، وهما كأساس للروح يُبنى عليه القلب ويرتفع، أما العقل أو الجسد فلا يستطيع أن يبلغ إليهما.
‏ويلاحظ القارىء أن المستوى الأول الذي أنشأ صعوبة عند التلاميذ المزيفين يختص بنزول المسيح من السماء، وهذا يفيد التجسد الإلهي وهو حجر الأساس في بناء الإيمان, أما المستوى الثاني الذي أعثرهم والذي يختص بالأكل من الجسد والشرب من الدم، فيفيد الفداء والخلاص, وهو جوهر الايمان وتاجه.
«فإذ رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولاً»: هذه هي المرة الاولى التي يذكر فيها إنجيل القديس يوحنا «صعود» الرب باللفظ الواضح، إذ لم يذكر إنجيل القديس يوحنا صعود الرب إلا بعد قيامته، حينما قال للمجدلية: «...اذهبي إلى إخوتي وقولى لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم والهي وإلهكم.» (يو17:20)
‏أما إغفأل ذكره حادثة الصعود ذاتها في الرواية، بعد القيامة فلأن الأناجيل الأخرى استوفت شرحها كرواية. بينما اهتم القديس يوحنا بالآيات والإعلانات التي لم تذكرها الأناجيل الأخرى، واستوفى الشرح اللاهوتي للصعود مرارا وتكرارا في قول المسيح إنه نزل من السماء، والذي نزل سيصعد حتماً:
+ «وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء.» (يو13:3)
+ «أنا ممكم زمانا يسيرا بعد ثم أمضى إلى الذي أرسلني.» (يو33:7)
+ «أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب...» (يو1:13)
+ «أنا أمضى لاعد لكم مكاناً.» (يو2:14)
+ «وتعلمون حيث أنا أذهب وتعلمون الطريق.» (يو4:14)
+ «لأني ماضى إلى أبي.» (يو12:14)
+ «سمعتم أني قلت لكم أنا أذهب ثم آتي إليكم.» (يو28:14)
+«وأما الآن فأنا ماضى إلى الذي أرسلني ... إنه خير لكم أن أنطلق, لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي.» (يو5:17-7)
+ «... فلأني ذاهب إلى أبي ولا تروني أيضاً.» (يو10:16)
+ «خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم، وأيضا أترك العالم وأذهب إلى الآب.» ‏(يو28:16)
+ «ولست أنا بعد في العالم، وأما هؤلاء فهم في العالم، وأنا آتي إليك.» (يو11:17)
+ «وأما الآن فإني آتي إليك.» (يو13:17)
‏هنا يعطينا إنجيل القديس يوحنا رؤية لاهوتية عميقة ومبدعة عن «معنى» الصعود «وقوته».
‏فمعنى الصعود لاهوتياً: ‏هو أن النزول، أي التجسد، رسالة مؤقتة (زماناً قليلاً) انتهت تماماً بالصليب، وهي خاصة بابن الله المتجسد وحده: «ليس أحد صعد ... إلا الذي نزل» (يو13:3). والصعود تكميل للنزول. أما الإقامة الدائمة فهي في السماء: «ابن الإنسان الذي هو في السماء.» (يو13:3)
‏والنزول تحقيق فعلي وعملي مُبدع من جهة الله في مشاركه الإنسان: «حل بيننا» (يو14:1)؛ »اسمه عمانؤيل. الذي تفسيره الله معنا.» (مت23:1)
‏أما قوة الصعود: ‏فهي في ارتباطه بإرسال الروح القدس الذي حل محل المسيح وكمل عمله، وكان الشرط الوحيد والأساسي لإرسال الروح القدس هو صعود المسيح، إذ أن صعود المسيح كان جزءاً أساسياً لتكميل الخلاص. علماً بأن الصعود كان قوة روحية هائلة فكت آسر المقيدين بالروح: «سبى سبياً وأعطى الناس عطايا» (أف8:4)، كما أنه بالصعود تم إعداد مكان لنا في أقداس الله العليا: «دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً» (عب20:6 و12:9‏)، بل وفتح طريقا ملوكياً صاعداً إلى السماء: «وتعلمون حيث أنا أذهب وتعلمون الطريق» (يو4:14)، «طريقاً كرسه لنا حدياًأ حيا بالحجاب, أي جسده.» (عب20:10)
‏لذلك، فقوة الصعود أصبحت هبة لنا، حتى أننا نحسب بالإيمان أنه أصعدنا معه وأجلسنا معه في السماويات (أف6:2)، والذي يقرأ الأصحاحين الأول والثاني من سفر الأعمال يشعر بقوة الصعود وكيف ألهبت قلوب التلاميذ لينطلقوا في الصلاة استعدادا لقبول الروح القدس لبدء كرازة العالم!!
‏وأخيرا، فإن صعود الرب أثبت لاهوت المسيح، أولاً لأن الرب كان يعلم بالصعود وتحدث عنه, كالنزول تماماً، أي أنه كان عنده جزءاً أساسياً في خطة الخلاص، وثانياً صعوده بالجسد بعد الموت والقيامة استعلن به مجده الإلهي وأثبت به أن نزوله وتجسده كان حقيقة خلاصية. وصعوده بقوة لاهوته وسلطانه تميز عن صعود إيليا بأن قيل عن إيليا أنه «صعد بواسطة الرب»، وبأن ذلك تم في مركبة أُرسلت إليه لتحمل ثقله البشري أو ثقل خطاياه، وأن هذه المركبة كانت نارية للتطهير ليؤهل للدخول في عالم الأرواح المبررة (2مل1:2-11).
‏كذلك، فإن صعود المسيح إلى فوة كان إشارة إلى البركة العظمى التي وهبها للعالم، كما كان إشارة مبدعة إلى أنه جعل أعداءه تحت قدميه. كما كان صعوده، بحسب تعليمات الملائكة للتلاميذ، إشارة وأية عظمى أنه كما صعد هكذا سرف يأتي أيضاً في مجده ومجد أبيه (لو26:9)؛ ونحن بهذا ننتظر مجيئه بفارغ الصبر في رجاء حار صادق, «نعم ... أمين تعال أيها الرب يسوع.» (رؤ20:22)
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 12-07-2017, 07:17 PM   #276
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
64-66 وَلَكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُون, لأَنَّ يَسُوعَ مِنَ الْبَدْءِ عَلِمَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ, فَقَالَ: «لِهَذَا قُلْتُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي». مِنْ هَذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ.

‏المسيح يوجه الكلام هنا إلى مجموعة كبيرة من تلاميذه, ربما السبعين الذين كان منهم القديسان مرقس ولوقا ، ويفرزهم بعينه الفاحصة كاشفاً الذين لا يؤمنون به أمام ضمائرهم. لأن تذمرهم السابق وعدم إيمانهم كانا في داخل قلوبهم وغير معلنين. ولكن من العسير أن يخادع الإنسان الله. فالمسيح هنا يعلن لاهوته من خلال درايته بالقلوب وما تخفيه. فلما واجههم المسيح بحقيقة ضمائرهم، لم يستطيعوا أن يستمروا في مسيرتهم الكاذبة مع الرب، فكشفوا نيتتهم بأن تركوه علنا، ولم يعودوا يسيرون معه، بل رجعوا إلى الوراء وساروا في طريقهم. وما ألعنها مسيرة! «وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض.» (رو28:1)
‏والمسيح هنا يعود فيكرر أمام تلاميذه عامة أنه لا يجمع تلاميذه جزافاً؛ ولا أحد يأتي إليه من ذاته, بل إن كان المسيح يختار أحداً فإنه يختار الذي دعاه الآب, وإن كان أحد يأتي إليه فهو الذي يجذبه الآب. لذلك فالمسيح غير آسف على المفقود وغير خائف على الموجود. فالمفقود ليس من نصيبه أصلاً، والموجود لا يستطيع أحد أن يخطفه من يده لأنه أخذه من يد الآب!
‏وبسبب علم المسيح بالذي له وبالذي ليس له، لم يكن يمالىء ولم يكن يهادن، ولا يترجى ولا يسترضي، فكانت كلمته دائماً أمضى من كل سيف ذي حدين، تدخل إلى مفارق النفس والروح، وتميز أفكار القلب ونياته (عب12:4‏).
«من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء, ولم يعودوا يسيرون معه»: يا حسرة البشرية كلها على هؤلاء التلاميذ. كيف صاروا عارا على سيرة الحب والوفاء.
‏اسمع ما قيل عن حب المسيح لتلاميذه: «... إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى.» (يو1:13)
‏الآن نحن نعلم أن الرب كان يتكلم معهم من مصدر الحق الإلهي، كان يدعوهم إلى شركته في الآب أن يكونوا واحداً معه في مسيرة الحياة الأبدية، كان يعرض عليهم سر أكله وشربه بالروح لإتحاد أبدي، كان يكشف لهم عمق أعماق أسرار الله ليكونوا، لا علماء ولا خبراء فيها فحسب، بل وشركاء، شركاء لا في معرفته بل شركاء في الطبيعة الإلهية بكل مذخراتها ومواهبها لبني الإنسان. لم يكن يفرض نفسه للأكل والشرب من مستوى الأسياد والعظماء حينما يدعون العبيد لحرية مقيدة, بأن يأكلوا معهم على مائدتهم تكريماً لهم، بل كان يدعوهم من المستوى الأقل، من مركز الخدم والعبيد. «... آخذاً صورة عبد» (في7:2)، ويدعوهم ليكونوا شركاء معه في مجد الالوهية: «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني» (يو22:17). أعطى مجده في اتضاع العبيد، في وداعة الخدام، في دموع التوسل: «قام عن العشاء وخلع ثيابه (ثياب الكرامة) وأخذ منشفة واتزر بها (على وسطه كعبد) ثم صب (بيده) ماء في مغسل (طشت)، وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها (أيضاً) بالمنشفة التي كان مئتزرأ بها ... فلما كان قد غسل أرجلهم ... قال لهم: أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسنأ تقولون لأني أنا كذلك، فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض.» (يو4:13-14)
‏ولكن التلاميذ لم يستحسنوا كلام المسيح وقرروا أن يقطعوا علاقتهم به, وعادوا إلى الوراء إلى سيرتهم الاولى وفضلوها على سيرته, لأنها أصبحت ثقيلة على قلوبهم، وصارت تكلفهم خسارة أرباحهم المعنوية والمادية:
‏بعضهم كانت علة دوافعهم كرامة وعادات وتقاليد، واخرون كانت دوافعهم مالية وأرباحاً من الحرام والممنوعات، وآخرون كانت غير ذلك، وآخرون وآخرون, هذه الدوافع كانت مخفية في قاع القلب تنتهز العلل والمسوغات التي تبرر الترك. فمالهم والتواضع والمحبة، ومالهم والتوبة المكلفة، ومالهم للدخول في أسرار الله ومواهب الروح، ومالهم وتكاليف القداسة وربح الحلال الضيق! لقد ظنوه في البداية غنيمة يغتنمون من ورائها المزيد من الأرباح والكرامات والجلوس عن اليمين واليسار في ملكه الذي توهموه وجاهدوا من أجله. وهوذا الآن يعرض عليهم موته وذبيحته وتقديم جسده وشرب د‏مه، فهل هذا هو ما يخرجون به من الغنيمة؟
وبعد عشرة قصيرة كان هذا الفراق الحزين والمؤلم على قلب المعلم، لم يتركهم بل هم الذين تركوه، حتى يهوذا لم يطرده الرب بل احتمله بصبر فائق حتى آخر الطريق وإلى أن طرد نفسه, فقد قال الرب مرة: «ومن يقبل إلي لا أخرجه خارجاً» (يو37:6). ولكن إن كان ترك المسيح هكذا يبدو سهلا هيناً, فالخسارة فادحة عليهم وعلى أولادهم وإلى الأبد.
«ومن تلك الساعة»: وما أشقاها ساعة! إنها ساعة بؤس في يوم رفض, لا تزال تتكرر وتُذكر حتى هذه الساعة. إنها ساعة لعنة في تاريخ المؤمنين الذين يبيعون الرب والايمان بلا ثمن أوبثمن بخس, وبخس للغاية.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 14-07-2017, 09:36 PM   #277
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
67- فَقَالَ يَسُوعُ لِلاِثْنَيْ عَشَرَ: «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟».

68- فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ القديس بطرس: «يَا رَبُّ إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ.
السؤال هنا الذي يسأله المسيح للاثني عشر هو سؤال استنكاري، يستفز به حرية الرأي والإرادة فيهم. ومعلوم أن الرد عليه سيكون بالنفي, مما يفيد أن الرب يسأله لطرح الحرية أمام الاختيار حتى يستوثق كل واحد فيهم من موقفه وأمام نفسه، لأنه، في الواقع وعين الأمر, كان يوجد بينهم من هو مهيأ للسقوط، ومن هو ساقط بالفعل، فالقديس بطرس لولا مساندة الرب له في اللحظة الحرجة لهوى وصار كنجم سقط، أما يهوذا حامل الصندوق, أو بلغة الزمن الحاضر, مدير الادارة المالية أو أمين الخزانة لزمرة التلاميذ, فكان يسرق أولا بأول ما يقع في الصندوق، والذي يسرق يبيع دائما بأرخص الثمن، فقد باع معلمه بحصيلة يوم أو يومين.
‏«يا رب إلى من نذهب, كلام الحياة الأبدية عندك»: ‏في الحقيقة, كان رد القديس بطرس ليس تماما ردا على سؤال المسيح، بل كان هو الرد الحاسم القاسم على جحود التلاميذ الذين رجعوا إلى الوراء ولم يعودوا يسيرون معهم ولا مع معلمهم. وكأنما رأهم داود النبي من وراء الزمن وتكلم بلسانهم: «هذا كله جاء علينا وما نسيناك ولا خنا في عهدك, لم يرتد قلبنا إلى وراء ولا مالت خطوتنا عن طريقك.» (مز17:40-18)
‏لقد كانت شهادة القديس بطرس أقوى شهادة نطق بها التلاميذ، وقد جاءت متوافقة مع فكر المسيح، ولو أنها لا تدخل إلى عمقه. فقد جاءت بما يتناسب مع حاجتهم, فقد رأوا في المسيح كنز الحياة الأبدية الذي لا يفرغ؛ وليس مجرد الكلمات أو الحديث في ذاته؛ ولكنه الكلام المؤدي إلى الحياة الأبدية الذي شعرت به قلوبهم ووثقوا منه بعقولهم، فنطقت به أفواههم.
‏ويلاحظ أن رد القديس بطرس بهذه الأية: «كلام الحياة الأبدية عندك»، هو مستمد من قول المسيح «الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة», «من يسمع كلامي... فله الحياة الأبدية» (يو63:6، 24:5) كما هو رد مفحم على التلاميذ الذين خانهم إيمانهم واعتبروا أن كلام المسيح صعب. كما هو أيضا رد يؤمن به القديس بطرس تأمينا مباشرا على ما أعلنه الرب أنه «خبز الحياة» المعطي الحياة الأبدية، كما هو«ماء الحياة» ونورها.
‏وعلى هذا الأساس: «إلى من نذهب» إن كان هو الوحيد الذي يقود إلى الحياة الأبدية، فهنا إشارة موبخة ومستهينة برجوع بعض التلاميذ إلى الوراء، كما هي إشارة إلى فكر الجليليين الذين يطلبون نبيا يكون على مستوى موسى ويعطيهم المن من السماء.
‏وهكذا يضع القديس بطرس المقارنة المستحيلة بين المسيح وبين أي آخر. فكلام المسيح في نظر القديس القديس بطرس يشهد للمسيح أنه هو هو وليس آخر الذي ينبغي أن يُذهب إليه, او بلغة المسيح: «يأتي إلي», الذي في موضع أخر يترجمه القديس القديس بطرس الرسول هكذا: «ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك» (لو28:18)، وبهذه الآية كان القديس بطرس الرسول يمهد لبقية اعترافه:
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 14-07-2017, 09:37 PM   #278
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
69- وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ».

لا يزال القديس القديس بطرس يتكلم بلسان التلاميذ، لأنه كان أكثرهم اندفاعأ وحرارة، ولو أنه ليس أكثرهم إيمانا أو محبة للمسيح. و يلاحظ أن القديس القديس بطرس يضع الإيمان والمعرفة في موضعهما الصحيح، فالإيمان باعتباره تصديق الله ببساطة قلب بدون محاورة العقل يأتي أولا، ومنه يستمد السلوك طبيعته المتواضعة والأمينة. كما يستضيء العقل الروحي بنور المعرفة فيبلغ به الإيمان حد العمل كشهادة، وحد الرؤيا العقلية فيتواجه مع الحق الإلهي، وهنا يبلغ الإيمان اليقين.
‏ولم يكن هذا المبدأ الإيماني عند القديس بطرس مجرد فكر عارض بل نسمعه بعد ذلك بسنين كثيرة يشرح هذا المبدأ عينه في رسالته الثانية: «ولهذا عينه، وأنتم باذلون كل اجتهاد، قدموا في إيمانكم فضيلة (عمل) وفي الفضيلة معرفة (رؤية مستنيرة).» (2‏بط5:1‏)
‏والرب يسوع يؤمن على هذا بقوله: «وهم قبلوا (آمنوا) وعلموا يقيناً (بالسلوك والفكر) أني خرجت من عندك» (يو8:17). وبولس الرسول يؤكد ذلك جاعلا القلب مخرنا للايمان والفم مخرجا للمعرفة والشهادة: «لأن القلب يؤمن به للبر, ‏والفم يعترف به للخلاص.» (رو10:10)
‏هذا المبدأ يتنكر له كثير من علماء الكتاب المقدس، مع أنه هو المفتاح السري الذي إذا استهان به الإنسان شق عليه الإيمان البسيط الفعال وسقط عن المعرفة الصحيحة المستنيرة بالروح. علمأ بأنه قد تجيء كلمة «االمعرفة» قبل كلمة «الإيمان» في بعض مواضع الآنجيل، وهذا لا يقلل من أهمية اشتراكهما معا في بلوغ الحق الإلهي، فلا معرفة بدون إيمان ولا إيمان بدون معرفة.
‏وقول القديس بطرس: «أنت المسيح, ابن الله الحي»، هي شهادة ذات وزن عال، لأنها تجيء بعد خيانة الجزء الأكبر من التلاميذ، كما تجيء بعد أن أعلن المسيح عن هدف مجيئه، وهو الموت الذي يعتبر في نظر القديس بطرس إخفاقا شديدا للرجاء الذي وضعه القديس بطرس والتلاميذ أن يكون المسيح ملكا يحكم ويسود ويعطيهم نصيبهم في الحكم. فهذه الشهادة لا تأتي مجاملة ولا من أجل رجاء كاذب، بل عن يقين. ومضمون هذه الشهادة هو أن التلاميذ قبلوا المسيح وآمنوا به وتبعوه بإخلاص، فعلموا بالخبرة والواقع أنه هو المسيح ابن الله, أو قدوس الله, كما جاءت في بعض المخطوطات، و«قدوس الله» تأتي في فم المسيح كأساس للتعرف عليه: «فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له إنك تجدف لأني قلت إني ابن الله.» (يو36:10)
‏وتأتي الصفتان معا في فم الملاك المبشر: «فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك، فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله» (لو35:1)
‏فـ «قدوس الله» هي صفة المسيح الاولى التي يمكن أن تبنى عليها كل الصفات الإلهية الأخرى، من جهة إرساله إلى العالم أو كشف سر تجسده أو كشف سر بنوته لله.
‏ويلاحظ أن المسيح خاطب الله بـ «الآب القدوس» (يو11:17). فهنا، إذ يلقب القديس بطرس المسيح بـ «قدوس الله» يضعه في موضع المساواة في الكرامة والقداسة مع الآب من حيث الطبيعة الواحدة للآب وللمسيح (القداسة).
‏وفي سفر الرؤيا يلقبه الوحي: «هذا يقوله القدوس الحق الذي له مفتاح بيت داود...» (رؤ7:3)، وكلمة «قدوس» هي مدخل إلى طبيعة الله واستعلان الصلة بصميم هذه الطبيعة. فتسمية «قدوس الله» للمسيح هي تأكيد لطبيعة المسيح المعلنة لطبيعة الله، واستعلان لصلة المسيح بالله كواحد معه, وصفة هذه القدوسية في المسيح هي فريدة لشخصه التي جاء ليعطيها لتلاميذه والمؤمين به بذبيحة نفسه، ليشتركوا بجسده ودمه في هذه القداسة.
‏ومرة أخرى يرد القديس بطرس على المستوى الإلهي العميق الذي يتكلم منه المسيح، فالقديس بطرس حينها قال: «أنت هو» فهو يجيب إجابة مباشرة على قول المسيح: «أنا هو»، وهي اسم ذات الله، فالمسيح يقولها ليستعلن بها نفسه والآب، بهذا المعنى يكون كلام القديس بطرس صحيحاً وواقعيا؛ حينما قال: «نحن قد آمنا وعرفنا»، فهنا كلمة «عرفنا» التي تجيء باليونانية ( ) تتضمن معرفة الاستعلان وكشف الحقيقة التي أظهرها القديس بطرس.
‏وعلى كل حال, فإن شهادة القديس بطرس الرسول توضح الثقة المطلقة والأمانة والتبعية للمسيح، هذا ما أراد أن يعلنه القديس بطرس للمسيح، مؤكدا أن كل كلامه عن الحياة الأبدية قد صار هو أكلهم وشربهم بالفعل. وهكذا ألقيت النار على الأرض لكي تحرق وتنير، تحرق الأفكار والنيات التي تغتذي على الظلمة فترتد، وتنير وتبهج القلوب التي تسعى نحو النور فتمتد.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 14-07-2017, 09:39 PM   #279
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
70- أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ الاِثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!».
71- قَالَ عَنْ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ لأَنَّ هَذَا كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يُسَلِّمَهُ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ

‏وحتى بعد رجوع كثيرين من التلاميذ إلى الوراء فلا يزال في حظيرة الاثني عشر ذئب، ليس مرتدا إلى الوراء فحسب بل وجاحد وخائن أيضا، إذ وهو يمارس التلمذة مع التلاميذ كان يمارس وظيفة الجاسوس للذي يدبر عملية التسليم. أمر مؤلم وفظيع. فلولا طبيعة قلب الرب وعطفه على التلاميذ بلا استثناء لاأفرز هذا الخائن منذ اللحظة الاولى، فالتلاميذ كانوا متيقظين له واكتشفوا ممارسته لرقة الصندوق أولا بأول، فكانوا يعضون على نواجذهم، ولكن لم يجرؤ أحد أن يفاتح المسيح بحقيقة هذا التلميذ الخائن، ولا المسيح نفسه شاء أن يفضح سره وسريرته، بالرغم من أنه كان يعلم منذ البدء من سيسلمه!!
‏فبعد ما أعلن القديس بطرس بحماس وشجاعة عن إيمان الجماعة وثقة الاثني عشر، لم ينساق الرب وراء هذه الشهادة، لأنها لم تكن تخص إلا أحد عشر فقط! فأراد أن يصحح الشهادة، لا من حيث مضمونها، ولكن من حيث من يحملها ويمثلها منهم!
‏وحينما قال الرب ردا على اعتراف القديس بطرس: «أليس إني أنا اخترتكم الاثني عشر»، لم يقصد العدد في مفرداته ولكن كان يصور إسرائيل الجديد في بطن الكنيسة, فالتصوير كامل من حيث مضمون العهد، والعهد لا يقوم على الأفراد، لذلك لما سقط الخائن ومات بيد نفسه لم يفرق شيئا, إذ انتخب التلاميذ من يلحم العدد على أصله، فـ «الاثني عشر» عدد لا يحوي عدداً، بل يحوي كنيسة ذات رأس واحد لجسد واحد, ولكن الألم الذي كان يعتصر قلب المسيح، وهو يشير إل خائن من وسط تلاميذه الأخصاء، كان واضحا في كلماته: «أليس إني اخترتكم»، فهو يشير بحزن شديد إلى براءة قلبه وضميره، وإلى حبه الشامل الكامل الذي لا يتوقف في عمله وقصده ذلك كله أمام خائن وهو يستمع. لقد اختار يهوذا ليُظهر فيه منتهى حبه المجاني الذي يقوم على عدم انحيازه للصالح دون الطالح: «أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بما لي أم عيئك شريرة لأني أنا صالح» (مت15:20)
‏المسيح حينما أطاع الله الآب حتى إلى الموت، موت الصليب, كان يُظهر في طاعته صفة البنوة الفريدة, ولكن حينما احتمل المسيح خيانة يهوذا كل يوم حتى الذبح, كان يُظهر في احتماله صبر الله على الخطاة.
أعمال كثيرة عملها المسيح في الظاهر والخفاء استعلن فيها صفات الألوهية والنبل البشري معا، التي كانت تلتحم في انسجام بديع، ولكن احتماله ليهوذا سنين طويلة حتى إلى يوم العشاء، وهو يعلم أنه سيسلمه كان من روائع صفات الكلمة المتجسد!!
‏ولكن طول أناة المسيح عل التلميذ الخائن كانت تذخر له غضبأ يوم الغضب واستعلان دينونة ‏عادلة، دون أن يغضب المسيح أو يندم أو يدين.
+ «‏والذي سلمني إليك له خطية أعظم.» (يو11:19)
+ «أما أنا فلست أدين أحداً» (يو15:8)
+ «وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه, لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم. من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه, الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير» (يو47:12-48)
«وواحد منكم شيطان» = واحد من الأخصاء التابعين.
‏لو كان يهوذا قد ارتد إلى الوراء مع المرتدين ومعه الصندوق، لكان هذا له أكثر شرفا وأقل نقمة!!
ولكنه استمرأ بساطة روح التلاميذ وطيبة قلب المعلم!! وصار في موكب القديسين حاملاً عاره داخل صندوق!! «وكان الصندوق معه وكان يحمل ما يُلقى فيه» (يو6:12‏)
‏كان عمل الشيطان منذ بدء خدمة المسيح أن يرد المسيح إلى الوراء: «أعطيك هذه جيعها إن خررت وسجدت لى» (مت9:4)، «فقال له يسوع اذهب يا شيطان» (مت10:4)، فذهب الشيطان مدحوراً.
‏ولكن يهوذا بإغراء الفضة خر وستد، فدخله الشيطان وصال به وجال, وتبع المعلم مع التابعين، وحبك الخطة مع رؤساء الكهنة وقضاة روما ... «فبعد اللقمة دخله الشيطان. فقال له يسوع: ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة.» (يو27:13)
‏كان يسوع يرى يهوذا في اتفاق وترد مع الشيطان، ملتصقا به على الدوام, فلم يشأ أن يفرق بين عمل هذا وعمل ذاك، لأنهما صارا واحدأ، فكان من حق المسيح أن يسمي يهوذا بالشيطان.
‏وحتى القديس بطرس نفسه لما أراد أن يُثني المسيح عن مشيئة الآب في قبول الصليب، الذي من أجله كان قد جاء، نظر الرب فرأى القديس بطرس ملتحفاً بالشيطان وقد تبخرت منه ادعاءات الإيمان، فلم يتردد الرب أن يخاطب الشيطان فيه: «فالتفت وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس» (مت22:16-23‏). ولكن القديس بطرس, بالكاد, فلت من قبضة الشيطان بسبب «بقية» إيمان: «ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك» (لو32:22). ولكن يهوذا لم يكن له إيمان البقية.
‏ولكن تبقى إشارة المسيح الحزينة «واحد مكم»، ذات مفزى، لم يعين الرب من هو هذا الواحد الذي سيخون، فكان على كل واحد يتبع الرب في كل زمان ومكان أن يفحص نفسه! وخاصة حاملي الصناديق!!
‏وهكذا ينتهي أصحاح خبز الحياة الذي سيُبذل عن حياة العالم، بالإشارة إلى الموت المزمع أن يكون، والإشارة أيضا إلى أن هذا الموت هو بسبب عدم الإيمان الذي حتماً ينتهي إلى خيانة!!

تم الأصحاح السادس
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 16-07-2017, 08:02 PM   #280
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,365
ذكر
 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678 نقاط التقييم 1206678
الأصحاح السابع

وَكَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ بَعْدَ هَذَا فِي الْجَلِيلِ لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ. وَكَانَ عِيدُ الْيَهُودِ عِيدُ الْمَظَالِّ قَرِيباً. فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: «انْتَقِلْ مِنْ هُنَا وَاذْهَبْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ لِكَيْ يَرَى تلاَمِيذُكَ أَيْضاً أَعْمَالَكَ الَّتِي تَعْمَلُ. لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئاً فِي الْخَفَاءِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ علاَنِيَةً. إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ». لأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضاً لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ وَأَمَّا وَقْتُكُمْ فَفِي كُلِّ حِينٍ حَاضِرٌ. لاَ يَقْدِرُ الْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْغِضُنِي أَنَا لأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ. اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هَذَا الْعِيدِ. أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هَذَا الْعِيدِ لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ». قَالَ لَهُمْ هَذَا وَمَكَثَ فِي الْجَلِيلِ. وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضاً إِلَى الْعِيدِ لاَ ظَاهِراً بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ. فَكَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَهُ فِي الْعِيدِ وَيَقُولُونَ: «أَيْنَ ذَاكَ؟». وَكَانَ فِي الْجُمُوعِ مُنَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِهِ. بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ: «إِنَّهُ صَالِحٌ». وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: «لاَ بَلْ يُضِلُّ الشَّعْبَ». وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ جِهَاراً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ. وَلَمَّا كَانَ الْعِيدُ قَدِ انْتَصَفَ صَعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْهَيْكَلِ وَكَانَ يُعَلِّمُ. فَتَعَجَّبَ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: «كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟». أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لالَّذِي أَرْسَلَنِي. إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ هَلْ هُوَ مِنَ اللَّهِ أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي. مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ يَطْلُبُ مَجْدَ نَفْسِهِ وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ الَّذِي أَرْسَلَهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ. أَلَيْسَ مُوسَى قَدْ أَعْطَاكُمُ النَّامُوسَ؟ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَعْمَلُ النَّامُوسَ! لِمَاذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي؟». أَجَابَ الْجَمْعُ: «بِكَ شَيْطَانٌ. مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقْتُلَكَ؟». فَقَالَ يَسُوعُ لَهُمْ: «عَمَلاً وَاحِداً عَمِلْتُ فَتَتَعَجَّبُونَ جَمِيعاً. لِهَذَا أَعْطَاكُمْ مُوسَى الْخِتَانَ لَيْسَ أَنَّهُ مِنْ مُوسَى بَلْ مِنَ الأبدءِ. فَفِي السَّبْتِ تَخْتِنُونَ الإِنْسَانَ. فَإِنْ كَانَ الإِنْسَانُ يَقْبَلُ الْخِتَانَ فِي السَّبْتِ لِئَلَّا يُنْقَضَ نَامُوسُ مُوسَى أَفَتَسْخَطُونَ عَلَيَّ لأَنِّي شَفَيْتُ إِنْسَاناً كُلَّهُ فِي السَّبْتِ؟ لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْماً عَادِلاً». فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ أُورُشَلِيمَ: «أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ؟. وَهَا هُوَ يَتَكَلَّمُ جِهَاراً وَلاَ يَقُولُونَ لَهُ شَيْئاً! أَلَعَلَّ الرُّؤَسَاءَ عَرَفُوا يَقِيناً أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ حَقّاً؟. وَلَكِنَّ هَذَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَمَتَى جَاءَ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ هُوَ». فَنَادَى يَسُوعُ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ: «تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا وَمِنْ نَفْسِي لَمْ آتِ بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌّ الَّذِي أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. أَنَا أَعْرِفُهُ لأَنِّي مِنْهُ وَهُوَ أَرْسَلَنِي». فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَداً عَلَيْهِ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. فَآمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ وَقَالُوا: «أَلَعَلَّ الْمَسِيحَ مَتَى جَاءَ يَعْمَلُ آيَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الَّتِي عَمِلَهَا هَذَا؟». سَمِعَ الْفَرِّيسِيُّونَ الْجَمْعَ يَتَنَاجَوْنَ بِهَذَا مِنْ نَحْوِهِ فَأَرْسَلَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ خُدَّاماً لِيُمْسِكُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً يَسِيراً بَعْدُ ثُمَّ أَمْضِي إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي. سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا». فَقَالَ الْيَهُودُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: «إِلَى أَيْنَ هَذَا مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى لاَ نَجِدَهُ نَحْنُ؟ أَلَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى شَتَاتِ الْيُونَانِيِّينَ وَيُعَلِّمَ الْيُونَانِيِّينَ؟. مَا هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَ: سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا؟». وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ». قَالَ هَذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ. فَكَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ لَمَّا سَمِعُوا هَذَا الْكلاَمَ قَالُوا: «هَذَا بِالْحَقِيقَةِ هُوَ النَّبِيُّ». آخَرُونَ قَالُوا: «هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ». وَآخَرُونَ قَالُوا: «أَلَعَلَّ الْمَسِيحَ مِنَ الْجَلِيلِ يَأْتِي؟. أَلَمْ يَقُلِ الْكِتَابُ إِنَّهُ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ وَمِنْ بَيْتِ لَحْمٍ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ دَاوُدُ فِيهَا يَأْتِي الْمَسِيحُ؟». فَحَدَثَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَمْعِ لِسَبَبِهِ. وَكَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ وَلَكِنْ لَمْ يُلْقِ أَحَدٌ عَلَيْهِ الأَيَادِيَ. فَجَاءَ الْخُدَّامُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ. فَقَالَ هَؤُلاَءِ لَهُمْ: «لِمَاذَا لَمْ تَأْتُوا بِهِ؟». أَجَابَ الْخُدَّامُ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا الإِنْسَانِ». فَأَجَابَهُمُ الْفَرِّيسِيُّونَ: «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً قَدْ ضَلَلْتُمْ؟. أَلَعَلَّ أَحَداً مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَوْ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ آمَنَ بِهِ؟. وَلَكِنَّ هَذَا الشَّعْبَ الَّذِي لاَ يَفْهَمُ النَّامُوسَ هُوَ مَلْعُونٌ». قَالَ لَهُمْ نِيقُودِيمُوسُ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ لَيْلاً وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: «أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَاناً لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلاً وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟». أَجَابُوا: «أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضاً مِنَ الْجَلِيلِ؟ فَتِّشْ وَانْظُرْ! إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ». فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل حقاً كل تفسير إنجيل يوحنا ، من وضع القديس كيرلس؟ مكرم زكى شنوده المنتدى المسيحي الكتابي العام 0 09-11-2016 01:39 AM
تفسير إنجيل يوحنا 7 : 38 alaa86 الاسئلة و الاجوبة المسيحية 7 07-04-2011 06:49 PM


الساعة الآن 08:57 PM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2019، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة