منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية المنتدى المسيحي الكتابي العام

إضافة رد

الموضوع: تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين

أدوات الموضوع
قديم 06-04-2017, 08:38 PM   #101
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
22- فَلَمَّا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ تَذَكَّرَ تلاَمِيذُهُ أَنَّهُ قَالَ هَذَا فَآمَنُوا بِالْكِتَابِ وَالْكلاَمِ الَّذِي قَالَهُ يَسُوعُ.

سيان أن يُقال «قام من الأموات» حيث يكون هو الذي قام, أو أُقيم من الأموات بواسطة الله.
1- المواضع التي ذُكر فيها أنه قام من الأموات تعبيراً عن استعلان قوته للقيامة والإقامة من الموت هي:
‏مرقس 31:8 « إن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم», مر 9:9, لو 7:24.
2- أما المواضع التى ذٌكر فيها أن الله أقامه من الأموات تعبيراً عن الموت وكأنه رقاد والله أيقظه:
أع 15:3 «ورئيس الحياة قتلتموه, الذى أقامه الله من الأموات»؛ (10:4, 30:5, 40:10, 30:10و37, رو24:4, 11:8, 9:10, 1كو15:15 ..... إلخ)
«تذكر تلاميذه... فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله»: هذا يوضح مدى قوة الاستعلان الذي حدث للتلاميذ بعد القيامة حيث تكشفت أمامهم جميع أقوال الرب حتى الكلمات ومعانيها بصورة جزئية مضيئة قبل أن يدونوها، ولكن الاستعلان امتد وشمل ما جاء في الأسفار جميعاً والنبوات خاصة بالنسبة لكل كلمة وكل موقف، مما جعلهم يزدادون في الإيمان بالاثنين, أي بالأسفار وبالكلمات التي قالها المسيح. لأنك لا تتصور يا قارئي العزيز مدى الانبهار الذهني والروحي الذي يتغلغل أعماق الإنسان عندما يطابق قولاً من أقوال المسيح أو عملاً من أعماله على نبوة سبق وأن صاغت نفس الكلام أو العمل بنفس وصفه وظروفه، ‏لأن النبوة إلهام ونطق بالروح, وكلام المسيح روح وحياة, فعندما ينطبق الإلهام على الروح تنشأ قوة مؤثرة للتصديق بوعي إيماني لا يفارق الإنسان. فتبدو النبوة باهرة منيرة ويبدو كلام المسيح نوراً ورسالة وحقاً.
‏نحن لا ننسى قول الكتاب عن المسيح بعد القيامة كيف اجتمع مع تلاميذه وفتح ذهنهم ليفهموا الكتب: «هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم، أنه لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى في ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب.» (لو44:24-45‏)
‏هذه هي قوة الاستعلان أساس تدوين الأناجيل، وهذه هي القوة التي انطلق بها التلاميذ إلى كل أنحاء العالم ليكرزوا ببشارة الملكوت مدعمين أقوالهم بالأسفار وبمنطق لا يُعاند. ولم تعدم الكنيسة في كل جيل من يهبهم الله هذه القوة التي ظهرت على أشدها في عصر النهضات والإرساليات التي بلغت أقصى المسكونة. وكم نحن الآن في أشد العوز لهذه القوة.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 06-04-2017, 08:39 PM   #102
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
وقفة قصيرة في نهاية تطهير الهيكل

‏ليس جزافاً أن يقدم لنا القديس يوحنا حادثة تطهير الهيكل في بداية خدمة المسيح العلنية وفي أورشليم وفي الهيكل بالذات. فهي الأساس الذي جاء المسيح ليبني عليه العهد الجديد, عهد الخلاص والتجديد للانسان القائم على سر الموت والحياة: «انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أقيمه». هذا الموت وهذه القيامة تممها المسيح، ولكن باشتراك اليهود الفعلي في عملية الموت أي القتل «انقضوا». هذه الجريمة التي اقترفوها لم تكن وليدة الساعة أبداء بل هي حصيلة ونتيجة حتمية لحياة طويلة ممتدة لهؤلاء الرؤساء وهذا الشعب في عصيان الله والتعدي على كل وصاياه وتعاليمه. ولو جمعنا الآيات التي تصف هذا العصيان والتمرد على الله لخرج كتاب بحجم الأسفار والنبوات إلا قليلاً!
‏وليست هي مجرد جهالة عابرة بل ممتدة، إذ ترك المعلمون والربيون وكل طبقات ذوي المعرفة والدراسة والكتابة للتوراة, تركوا التمسك بكلمات الله المنيرة وأهملوا الأعمال التي هي من صميم عمل الروح الي رمز لها «بختان القلب»؛ كما قالها موسى النبي وهو تعبير عن ختم الروح القدس «روحك القدوس لا تنزعه مني», ‏«وقلباً جديداً اخلقه فيّ», «وغسيل الروح», «أغسلني كثيراً», «ومن خطيتي تطهوني», «نق قلبي وكليتي»؛ وغيرها مئات وألوف من أعمال الروح القادرة فعلاً أن تجدد الشعب وتجعل معلميه على أعلى درجة من الإستنارة فلا يتعثرون في معرفة ما؛ أقول تركوا منهج الروح والحق والتجديد والإلتصاق بالله، وتمسكوا بالذبائح يبيعونها للشعب بالحرام ويقدمونها لله كعملية استرضاء تماماً على مستوى الأصنام.
‏فالمسيح هنا وفي هيكل قدسه يعرض عليهم في هذا اليوم إما تطهيراً واما هدماً. والعجيب أنه في الاثنين, أي في التطهير وفي الهدم, يلقى جسده الثمن، ففي التطهير يحمل في جسده كل خطاياهم، وفي الهدم, يسلمه للموت. ولكهم رفضوا التطهير وقبلوا بالقتل!
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 07-04-2017, 05:33 PM   #103
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
23- وَلَمَّا كَانَ فِي أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ آمَنَ كَثِيرُونَ بِاسْمِهِ إِذْ رَأَوُا الآيَاتِ الَّتِي صَنَعَ.

كان هذا هو أول عيد للفصح يحضره المسيح في أورشليم. والعمل الكبير الذي عمله عشية العيد بتطهير الهيكل لفت إليه الأنظار، وصار اسم المسيا على كل لسان. ووقوف رؤساء الكهنة حيارى إزاء العمل الذي عمله في الهيكل دون قبول أو رفض جعل المعيدين من كافة الطبقات تتهافت على رؤياه وسماعه. وكانت الفرصة مواتية لعمل معجزات كثيرة أبهرت الرائين وجعلتهم دون تعمق أو تحقق يؤمنون باسم المسيا الأتي دون أن يتعرفوا على شخص المسيح الذي هو أكثر من مسيا، لذلك كان إيمانهم بالاسم دون الشخص. كان هذا الإيمان في عرف المسيح «إيمان الآيات»، وهو تقريبأ مرفوض لأنه كما سبق وقاله في مثل أخر: «والمزروع على الأماكن المحجرة (قلوب ناشفة) هو الذي يسمع الكلمة وحالاً يقبلها بفرح, ولكن ليس له أصل في ذاته بل هو إلى حين، فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فحالاً يعثر.» (مت20:13-21)
‏ويلاحظ القارىء أن القديس يوحنا هنا مهتم بتقديم عينات من الأعمال التجديدية، وليس بصدد ذكر آيات ومعجزات إلا بقدر ما هي عمل تجديدي من القديم إلى الجديد، كما رأيناه في عرس قانا الجليل وفي الهيكل. وهو يمهد هنا للدخول في حوار خطير مع معلم كبير من معلمي إسرائيل بهذا الصدد. هو الأخر رأى الآيات في العيد وتحققق منها وكان يبدو عليه أنه مال ناحية الايمان بالمسيح ولكن معرفته حجزته عن الحق!!
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 07-04-2017, 05:34 PM   #104
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
24- لَكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ.
25- وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجاً أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ


كثيرون بالطبع تحمسوا حماساً منقطع النظير، وأرادوا أن يرفعوه إلى المستوى الذي وقف عنده تفكيرهم كنبي أو زعيم! وحتى كمسيا. ولكن المسيح كان يرى أنهم يريدون أن يعملوا شيئاً لأنفسهم هم، أو بالحري أن يعملوا لأنفسهم شيئاً على حسابه، فلم تفت على المسيح نياتهم فلم يأتمنهم على نفسه، وغاب عنهم بالطريقة التي اعتادها.
كثيرون تباروا لكي يقنعوه بصدق نياتهم, وكثيرون شهدوا لكثيرين أنهم صادقون في حماسهم ولكنه لم يكن محتاجاً أن يشهد له أحد عن الإنسان، وما كان في الإنسان، «... فاحص القلوب والكلى الله البار...» (مز9:7‏). «فستعرف جميع الكنائس أني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب وسأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله.» (رؤ23:2‏)
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 07-04-2017, 05:35 PM   #105
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
24- لَكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ.
25- وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجاً أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ


كثيرون بالطبع تحمسوا حماساً منقطع النظير، وأرادوا أن يرفعوه إلى المستوى الذي وقف عنده تفكيرهم كنبي أو زعيم! وحتى كمسيا. ولكن المسيح كان يرى أنهم يريدون أن يعملوا شيئاً لأنفسهم هم، أو بالحري أن يعملوا لأنفسهم شيئاً على حسابه، فلم تفت على المسيح نياتهم فلم يأتمنهم على نفسه، وغاب عنهم بالطريقة التي اعتادها.
كثيرون تباروا لكي يقنعوه بصدق نياتهم, وكثيرون شهدوا لكثيرين أنهم صادقون في حماسهم ولكنه لم يكن محتاجاً أن يشهد له أحد عن الإنسان، وما كان في الإنسان، «... فاحص القلوب والكلى الله البار...» (مز9:7‏). «فستعرف جميع الكنائس أني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب وسأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله.» (رؤ23:2‏)
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 08-04-2017, 04:16 PM   #106
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
الإصحاح الثالث
‏مع نيقوديموس ليلاً

هذا هو الحديث الأول للمسيح من أحد عشر حديثأ سجلها القديس يوحنا في إنجيله، جاءت معظمها موجهة إلى الرؤساء.
‏من الأصحاح الثاني خرجنا بحصيلة كبيرة, فمن تطهير الهيكل انتهينا إلى أن المسيح عرض عليهم مضمون رسالته: التطهير أو الهدم (سر الموت والقيامة)، فرفضوا التطهير وقبلوا بالقتل.
‏وهنا ندخل إلى الأصحاح الثالث لنتواجه مع واحد من أكبر معلمي إسرائيل، والمسيح يشرح له على مستوى الفعل والعمل نفس السر, سر التجديد بالهدم والبناء, الذي أعلن عنه في الهيكل, بالنسبة للأمة كلها. ولكن, هنا, في مضمون تجديد الفرد هدم العتيق وميلاد الجديد للدخول في هيكل الله, ملكوت الله
‏وعلى وجه الملاحظه، نرى أن من هنا يبدأ إنجيل يوحنا مسيرته بالتوازي مع الأناجيل الأخرى التي تبدأ بالمناداة بملكوت السموات، ولكن عل مستوى التوبة: «من ذلك الزمن أبتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقرب ملكوت السموات» (مت17:4). ولكن هناك «ملكوت السموات» وهنا «ملكوت الله» ‏وسيان.
‏والتوبة كما جاءت في الأناجيل الثلاثة الاولى التي تُدعى باليونانية «ميطانيا»، التي تفسيرها «تغيير» أو «تجديد الذهن» بمعنى «توبوا», هي في إنجيل يوحنا موت وقيامة في مضمون سر «الميلاد الثاني»، وهى «المعمودية بالماء والروح القدس»، حيث في الماء يكون الدفن أو سر الموت، وبالروح تكون القيامة لحياة جديدة. والمعمودية هى درجة متقدمة على التوبة: «توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس» (أع38:2‏). التوبة رنينها في النفس سهل، مجرد تغيير فكر وأسلوب وحياة، صحيح هي تحتاج إلى حزم وحسم وتصميم ومثابرة, ولكن المعمودية خطرة, تتطلب الموت عن حياة قديمة كشرط أساسي لقبول حياة جديدة مُعانة بالروح القدس. هي حقاً وبالحقيقة هدم وبناء, والهدم صعب للغاية!!!
هنا يصطدم نيقوديموس بحقيقة المسيحية، فيجفل ويصمت، ويظل يتحايل على نفسه ثلاث سنوات حتى غلبها وقبل بالهدم ، فكان الموت وكانت القيامة له وعلى يديه!
‏نيقوديموس يمثل في إنجيل يوحنا شخصية فريدة وممتارة، فهو قمة النخبة المختارة من إسرائيل التوراة والناموس والتلمود والمشناة, وكل علوم الفريسيين بفروعها، الذي جاء إلى المسيح يحمل معه رجاء الأمة اليهودية, وقلق ذوي الحاسية منها الذين يترجون إصلاحاً على مستوى الإمتداد دون أي مساس بالقديم. كان يرى في المسيح «رابي» أي معلم يهودي محترف الناموس والتوراة. صحيح أنه كان من ضمن الكثيرين الذين آمنوا باسم المسيح الذين ذكرهم القديس يوحنا: «ولما كان في أورشليم في عيد الفصح أمن كثيرون باسمه إذ رأوا الآيات التي صنع» (يو24:2). وهذا واضح من قول نيقوديموس في افتتاح حديثه مع المسيح «يا معلم (رابي)، نعلم أنك قد أتيت من الله معلماً لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل إن لم يكن الله معه.» (يو2:3)
‏ولكنه جاء بعقلية ومؤهلات فريسى لا يؤمن بالتجديد، ولكن يؤمن بالقداسة التي يحصل عليها الإنسان بالممارسة قليلاً قليلاً، يكون الإنسان فيها صاحب الجهد والمبادرة، وأما الله فيرى ويجازي بالمكافأة.
ويقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس: [إن المنهج الفريسي يعلم أن الإنسان في مقدوره أن يعمل البر أو لا يعمله، وإن إرادة الإنسان مسئولة عن صنع الحق أو الباطل, وهم يغلفون أنفسهم بقداسة كلها من صنع أنفسهم.]
من هذا نحن نستطيع أن نستشف ماذا كان يرجو نيقوديموس أن يسمعه من «رابي» يسوع المسيح!! فبحسب منهجه الفريسي كان ينتظر أن يتعلم من المسيح ممارسات فائقة على ما تعلمه، يستطيع أن ينمي بها مواهبه ويزداد في بره الشخصى وقداسته, وبذلك يكون مستحقاً أن يكون مواطناً لملكوت السموات التي سمع عنها من فم الرب. وقولنا هذا ليس جزافاً، فالمعروف لدى الفريسيين المدققين أن المسيا حينما يأتي سيكون معلمأ للبر: «هوذا قد جعلته شارعاً للشعوب, رئيساً وموصياً للشعوب» (إش4:55‏)، بل سؤال الذي ركض وراء يسوع جاثياً يوضح أيضأ ذلك: «أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية.» (مر17:10)
‏كل هذه الأنظار والمشاعر كانت تجري في مخيلة نيقوديموس وهو يسترق الخطى ليلاً نحو البيت الذي كان يخلو إليه المسيح بعد عناء النهار الطويل، وهو غالباً البيت الذي تملكه عائلة القديس يوحنا. وقد استقبله المسيح بالترحاب وفتح له قلبه, ولكن المسيح عرف فكر نيقوديموس, كما يقول القديس يوحنا عن قصد وقبل أن يدخل في قصة نيقوديموس مباشرة: «لأنه علم ما كان في الإنسان.» (يو25:2)
أ- الحديث المباشر مع نيقوديموس. (1:3-12‏)
‏وتستمر فيه المقابلة بين القديم والجديد على النحو التالي:
القديم: ملكوت الله بالعلم والممارسات, والمفاتيح مع الفريسيين: «أنت معلم إسرائيل ولست تعلم هذا».
‏الجديد: ملكوت الله بالميلاد الثاني من فوق من الماء والروح.
‏الاستعلان: «ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء».
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11-04-2017, 06:43 PM   #107
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
1:3- كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ اسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ رَئِيسٌ لِلْيَهُودِ.

‏هذا الاسم لم يذكره أحد من الإنجيليين
كان رئيساً لليهود: هذا يعني أنه عضو في المجلس الأعلى للأمة، أي السنهدريم. وكذلك جاء في الآية 10 «أنه معلم إسرائيل»، وهي تقابل «دكتور في القانون» أي في الناموس اليهودي. وباللغة الكنسية عندنا هي «أرخن»، ولكن الأرخن عندنا هو للشعب وليس لرجال الدين، وهي مأخوذة أصلاً من النظام الشعبي اليهودي «رؤساء الشعب» (أع8:4).
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11-04-2017, 06:48 PM   #108
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
2:3- هَذَا جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللَّهِ مُعَلِّماً لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَهُ».

«جاء ليلاً»: لقد تركت في ذهن القديس يوحنا هذه الزيارة «في ظلام الليل» أثراً لا يُمحى، فقد ذكرها له ثلاث مرات في كل مرة يذكر اسمه, وكأنها أصبحت صفة أو لقباً؛ هذا في الحقيقة يكشف عن شعور القديس يوحنا بمدى الحذر أو الخوف الذي اتصف به نيقوديموس. ففي وسط مجمع السنهدريم تقدم نيقوديموس مدافعاً، ولكن بحذر شديد: «قال لهم نيقوديموس, الذي جاء إليه ليلاً, وهو واحد منهم» (يو50:7‏)، وأيضاً بعد إنزال جسد الرب من على الصليب جاء نيقوديموس بحذر أيضاً، ولكن بالتقابل كان التلاميذ قد تركوا المسيح وهربوا!! «وجاء أيضاً نيقوديموس الذي أتى أولاً إلى يسوع ليلاً وهو حامل مزيج مُر وعود نحو مائة مناً» (يو39:19). مع أنه جاء إليه ليلاً أول مرة، جاء وهو مؤمن باسم المسيح أي «المسيا»، ولكن دون علاقة شخصية أو إيمان شخصي فهو إيمان بالاسم, وفي المرة الثانية التي دافع فيها عن المسيح داخل السنهدريم دافع بحذر دون إظهار أي تعاطف مع المسيح، وعند أول مواجهة من الزملاء التزم الصمت؛ أما في المرة الأخيرة، وقد صار تلميذاً بالفعل للرب، إلا أنه أيضاً جاء مع يوسف الذي من الرامة: «ولكن خفية لسبب الخوف من اليهود.» (يو38:19‏)
‏هذا الحذر والخوف يوضح بكل جلاء أن الإيمان بالمسيح لم يبلغ بعد إلى الايمان «الحي» بابن الله كمخلص حقيقي, حيث يجد الإنسان في المسيح دواء لجبانة الضمير، الدواء الذي يحوله من جبان رعديد كبطرس إلى شجاع صندي كبطرس أيضا: «أنا لست أعرف هذا الرجل». هذا الكلام قاله بطرس عن المسيح!!! أمام جارية!!!، «حينئذ امتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم: يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل إن كنا نفحص اليوم عن إحسان إلى إنسان سقيم بماذا شُفي هذا، ليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأصوات...» (أع8:4-10). وهذا الكلام قاله أيضاً بطرس بعد أن قبل الإيمان الحي بابن الله!!!
‏ولكن أسلوب القديس يوحنا يتعجب له, فهو يقول ويردد القول أنه جاء ليلاً ولا يمكن أن يفرط ويقول كلمة واحدة على جبن الرجل أو إيمانه, ولكن الذي يعرف أسلوب القديس يوحنا يعرف أنه قال هذا عن الرجل وقال أكثر!! فقوله أنه جاء ليلاً وتكراره لذكر الليل كفيل بحسب أسلوبه أن نفهم منه أنه إيمان الظلام، بمعنى أنه لم يعثر بعد على «أقنوم النور»، وأنه لا يزال بعيدأ عن الحب وما يحويه الحب من الإخلاص والثقة والأمانة وعدم الخوف، هذا هو تفسير «الليل» عند القديس يوحنا: «فذاك (يهوذا) لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليلاً.» (يو30:13‏)
«يا معلم ‏نعلم أنك أتيت من الله معلما»: هذا الاعتراف بالمسيح، كونه معلماً, من شخص مثل نيقوديموس هو تقييم كبير لإنسان لم يؤمن بالمسيح بعد كابن الله. وكلمة «رابي» تعني أكثر من معلم باللغة العربية لأنها من جذر كلمة يهودية تعني كبير أو عظيم، وهي عل ثلاث درجات: «راب», و«رابي» و«رابو»، و«رابون» هي أعلاها, هذا اللقب مستحدث مذ أيام مدرسة شماي وهاليل. ونيقوديموس يعطيه هذا اللقب بالرغم من أنه ليس من خريجي مدارسهم: «فتعجب اليهود قائلين كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم» (يو15:7‏)، إلا أنه رأى بحسب قياسات علمه أنه كان مستنيراً بالمعرفة الإلهية، وأنه جاء من الله. وهذا تعبير عبري قديم يقيم به الأشخاص الموهوبون. وهو بأسلوب مؤدب خفي يُشرك زملاءه علماء الناموس الذين استمعوا إلى المسيح في رأيه هذا بقوله: «نعلم» بالجمع. وبتعبير من هو مأخوذ بتعاليم المسيح، يصرح بحرارة أن تعليمه من الله مباشرة: «أتيت من الله معلماً»، وهو نفر التعبير الذي يكرره المسيح عن تعليمه: «تعليمي ليس لى بل للذي أرسلنى» (يو16:7). وهذا يتضمن بالفعل أنه مُرسل. ولكن خطأ نيقوديموس أنه يقصر ملامح التفوق الإلهي عند المسيح في حدود «معلم» فقط ( ) ‏التي تأتي في اللاتينية magister حتى ولو كان موهوباً.
«لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل إن لم يكن الله معه»: وهنا يكمن الخطأ الثاني لنيقوديموس، أنه اعتبر عمل الآيات أنه هو الدليل أن المسيح هو رجل الله. ومعروف أن الرابيين الأتقياء كانوا يجترحون المعجزات ليثبتوا تقواهم وليبرهنوا على صحة تعاليمهم. وهكذا ربط نيقوديموس آيات المسيح بحالة التقوى التي حصل عليها المسيح، على مستوى الرابيين الأتقياء.
‏«إن لم يكن الله معه»: ‏هذا اصطلاح عبري كتابي مذكور بكثرة في العهد القديم: «فظهر له الرب في تلك الليلة وقال له: أنا إله إبراهيم أبيك، لا تخف لأني معك» (تك24:26). وهذا الكلام لإسحق ابن إبراهيم. وكذلك: «فظهر له ملاك الرب وقال له: الرب معك يا جبار البأس» (قض12:6‏), وهذا الكلام لجدعون. وواضح من الإصطلاح أن الذي يكون الله معه، لا يزيد عن كونه مُعانا من الله لإتيان أمر يطلبه الله. إلى هنا توقف إيمان نيقوديموس بالنسبة للمسيح والأيات التي رأها والتعليم الذي سمعه منه. ومنه ترى أنه كان يعيش في جو عالم الفريسيين والربيين، وأنه لم يخرج بإيمانه خارج الدراسات التى تلقاها.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 11-04-2017, 06:51 PM   #109
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
3:3 - فَقَالَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّهِ»

يلاحظ القارىء اللبيب أن المسيح هنا لا يجاوب على كلام نيقوديموس بل أجاب على أفكاره, وهنا أيضاً يلزم أن نلفت نظر القارىء أن يتمعن لماذا قبل أن يدخل القديس يوحنا في سرد قصة نيقوديموس، قال عن المسيح وهو يقصد ما يقول «لأنه علم ما كان في الإنسان».
‏وهكذا وباختصار بالغ يقول القديس يوحنا «أجاب يسوع» فهو يجيب على استسفار نيقوديموس كاشفاً أمام القارىء كيف أن المسيح علم ما كان يجول في فكر هذا الفريسي، وكيفر بحذق المعلم الإلهي يقود السائل المتخفي وراء الألفاظ المنمقة إلى الحقيقة التي يسعى إليها. فنيقوديموس لم يرتقي بتفكيره ولا إلى لحظة لكي يدرك من هو المسيح الذي يتكلم معه على حقيقته، ولكن كان يدور ويلف عسى أن ينال منه معرفة تنفعه وليس إيماناً يعيشه. وكان كل همه أن يزداد معرفة على المعرفة التي عنده والتي يعتز بها أيما اعتزاز! واذ بالرب يرد على أفكاره موضحاً أنه ليس عنده، ولا هو على استعداد، أن يقول أو يعمل شيئاً على ذي قديم، ولكن عمله أن يخلق جديداً، يخلق بدءاً جديداً!! فملكوت الله التي يتمناها نيقوديموس لا يمكن أن يراها، بمعنى أن يعرفها معرفة الرؤيا، إلا إذا وُلد جديداً.
«الحق الحق»‏: هذه البادئة في الكلام عند المسيح تفيد التوكيد أول ما تفيد, ثم تهيىء ذهن السامح والقارىء ليستعد لقبول معرفة جديدة وصعبة نوعاً ما أو أمراً قد أُشكل على الدنيا معرفته سابقاً، وهو بصدد حل هذا الإشكال حلاً نهائياً وجذرياً. فهي بادئة تفيد في الغالب فكراُ جديداً يحمل تعليماً إلهياً يمتد بفكر الإنسان خطوة إلى الأمام والى أعلى، وسيكررها المسيح مرتين في هذا الأصحاح.
«يولد من فوق»: «من فوق» تُترجم أيضاً «من جديد, ثانية» وقد اختلفت المخطوطات القديمة في ترجمتها. فالترجمة اللاتينية ( ) أي يولد ثانية، والترجة القبطية والترجمة السريانية، أخذت بالولادة «الثانية - من جديد» وقد تمشى مع هذه الترجمة كل من الشهيد يوستين، واكلمدنس السكندري، وترتوليان، وكذلك أغسطين وجيروم ومعظ الكتاب المحدثين.
وبعض الشراح ارتأوا أن يتركوا ذلك لحرية المترجم طالما هي تحتمل أكثر من ترجمة أصيلة مثل العالم «باريت»‏. ولكن إذا عدنا لإنجيل القديس يوحنا نفسه وفحصنا اتجاهه الذي يرجحه في المواضع التي ذُكرت فيها هذه الكلمة ‏(31:3, 11:19و23) وتعاليمه عن الولادة من الله (13:1, 1يو29:2, 9:3, 7:4, 1:5)، نتحقق أن المعنى المرجع هو «الميلاد من فوق» معتبراً أنها حادث يبدأ وينشأ من السماء ويتم للانسان بقوى إلهية تفوق فهم وفحص وضبط الإنسان. ولكن لا ننسى أن فهمها عل أساس الميلاد الثاني هو من صميم الكتاب المقدس أيضاً في هذه المواضع (ابط3:1و23, تىطس 5:3‏).
‏ولكن الملاحظ أن نيقوديموس فهمها أنها ولادة ثانية, من جديد، هذا تبادر إلى ذهنه فورا كيف يدخل بطن أمه من جديد!!
«لا يقدر أن يرى ملكوت الله»: ما يقصده المسيح أنه بهذه الولادة من فوق، أي الفائقة عل قدرات الإنسان، يدخل الإنسان في اتصال بالوجود الجديد الفوقاني, أي ملكوت الله, وذلك بكل يقين عن طريق قدرات جديدة ومواهب جديدة. وبدون هذا الدخول في محيط الوجود الجديد, الولادة من فوق, لا يستطيع أن يرى، أي يتعرف عل هذا الملكوت!
‏وواضح الكلام أننا في آدم خرجنا من حضرة الله مطرودين وحُرمنا من رؤيته، فبإمكانياتنا الجسدية التي ورثناها من أدم وقع علينا الحكم الذي وقع على آدم وهو الخروج من دائرة الله وعدم رؤيته. لذلك فلكي نعود ونرى الله، مجرد رؤية، يلزم أن نولد ولادة أخرى ليست من آدم وهي حتمأ وبالضروره من فوق, من الله, حتى بهذه الإمكانيات الجديدة نعود ‏ونرى الله.
«لا يقدر»: أي لا يضب قوة عل الاتصال بملكوت الله سواء كان بالرؤية أو حتى التمتع بالتأمل، والسبب هو العجز الروحي الناتج عن الفساد الأخلاقي الذي جعل الجسد لا يقوى على اللحاق بمطالب الروح ومستواها؛ لأن رؤية الإنسان الطبيعي, الجسدي, محصورة في حدود الطبيعة, الجسديات, فإذا أراد الإنساذ أذ يرى ما فوق الطبيعة, الروحيات, فلابد له من المثيل, الميلاد الروحي, أي ما فوق الطبيعة, «ملكوت الله داخلكم», لتواجه المثيل مع المثيل. هذا هو عمل الله الفائق في روح الإنسان ليمنحه ما هو منه خاصة ليراه أو يحيا معه.
‏والذي يلزم أن ننتبه إليه هنا هو القول القاطع المانع الذي وضعه الرب بالنسبة لمحاولة التطلع إلى ملكوته «لا يقدر»، بمعنى أنه محال على الإنسان أن يرى الله هنا أو هناك دون أن ينال من الله هنا المؤهلات الإلهية التي تجعله يراه كما هو: «ايها الأحباء الآن نحن أولاد الله (الميلاد من فوق) ولم يظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا اُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو» (1يو2:3)
‏«ملكوت الله»: يذكرها الفديس يوحنا في إنجيله مرتين فقط وهما اللتان جاءتا متتابعتين في هذه الأية والآية (5)، وقد استعاض عن هذا الإصطلاح بإصطلاح آخر وهو الحياة الآبدية عل مدى إنجيله ورسائله. وقد جاء كثيراً اسم «ملكوت الله» في الأناجيل الأخرى، وأيضا باسم «ملكوت السموات».
والاسم أصلاً عبراني مستخدم في العهد القديم. وهو يعبر في الأدب العبري عن «امتلاك الله»، أو «تدبير وادارة الله»، والله هو الملك الآزلى والأبدي: «الرب قد ملك فلتبتهج الأرض... العدل والحق قاعدة كرسيه» (مز1:97-2)، «الرب قد ملك، ترتعد الشعوب» (مز1:99) وكان من المفروض أن تكون مملكة الله على الأرض منظورة وواضحة، ولكن لأن «الشعوب, الأمم» لا تعبده، لذلك اقتصر على إسرائيل. فإسرائيل, كانت, هي مملكة الله المنظورة على الأرض «الرب عظيم في صهيرن». ولكن لا يزال الله ينتظر خضوع الشعوب وذلك «في يوم الرب».
‏ولكن نشأ في الفكر العبري إحاس طاغ بأن «ملكوت الله» له معنى روحي أعمق من مظاهر العبادة والمعاملات الطبيعية، وأنه «ملكوت غير منظور» في عمق هذه الحياة التي نحياها؛ ثم ظهر في أيام المسيح إحساسى أخر بأن «ملكوت الله» له معنى «أخروي» أي ينكشق إلا في غيبة النظام الحاضر للعالم.
‏أما في العهد الجديد وبالمعنى المسيحي، فقد انبرى ملكوت الله ليأخذ الصدارة في كل تعاليم المسيح ووصاياه وأمثاله كغاية عظمى للانسان في كل حياته وجهاده ومسعاه. لقد كان أول من نادى به بهذا المعنى هو المعمدان (مت2:3‏)، وكرز به المسيح أول ما كرز(مت17:4).
‏وقد صفى المسيح ونقى معنى الملكوت على المستويين الديني والأخلاقي, وحدد الصفات التي يتطلبها الله لداخلي ملكوته ومنها الأتي:
+ التخلي عن كل ضروريات الحياة إذا تعارضت مع الملكوت حتى الأسرة (لو29:18)
+ الإستغناء عن أعز ما للجسد إذا تعارض مع الملكوت، حتى العين واليد والرجل (مر47:9)
+ السهر والمثابرة وربط القلب والفكر بهذه الغاية العظمى (مت1:25-13).
+ الحرمان المؤكد لذوي البر الذاتي الذين يزكون أنفسهم (مت11:8).
+ استحالة دخول الأغنياء المتكلين على أموالهم (مر23:10).
+ الملكوت من نصيب المتواضعين والذين لهم روح الطفولة (مت3:5, مر15:10, يو3:3-5)
‏وفي كل مثل من الأمثلة التي قدمها المسيح عن ملكوت الله كان يتصحح ويتحدد ويتجلى ويتضح معناه أكثر فأكثر.

وقفة قصيرة

وفي التعليم المسيحي، وبمقتض الفهم اللاهوتي لملكوت الله, يمكن وضعه تحت ثلاثة بنود متكاملة.
‏الملكوت في المستقبل, الملكوت في الحاضر، الكنيسة باعتبارها الملكوت.
‏الملكوت في المستقبل: لقد أفصح المسيح في تعاليمه عن هذا البعد للملكوت، وهو البعد المستقبلي، بمعنى انتظار استعلان ملكوت الله بصورة لم نرها من قبل، ولم يتعرض لها هو سابقاً في حديه عن الملكوت. وهو الذي أمر تلاميذه, وبالتالى نحن أيضاً, أذ نطلبه كل يوم «ليأت ملكوتك» (مت10:6). وقد ألمح لهذا البعد الملكوتي في المستقبل بمثل العشر العذارى والعريس الذي يأتي فجأة! أو الزرع الذي ينمو، أو الزران في وسط الزرع الصالح الذي ينتظر الحصاد ليفصل الزوان من الحنطة.
وقد ترسخ هذا البعد الملكوتي في ذهن الكنيسة منذ البدء وهي تنتظر استعلانه بفارغ الصبر، وربطته ربطاً لاهوتياً محكماً لمجيئه الثاني وجعلت هذا الترقب جزءاً من قانون إيمانها مع الدينونة والحياة الأبدية, وميعادها حددته بقيامة الأجساد.
‏ولا يزال الفكر الارثوذكسي على إصراره وإلحاحه بانتظار مجيء ملكوت الله واستعلانه مهما تأخر.
الملكوت في الحاضر: في تعليم المسيح، يشير الرب إلى «حقيقة» أي جوهر هذا الملكوت كحالة فائقة ذات اتصال بالله, أنها قائمة في الحاضر الزمني ولكنها حقيقة مخفية ككنز في حقل وجده إنسان فباع كل شيء واشتراه.
‏فالرب حينما بدأ يكرز، جعل الملكوت في متاول اليد: «قد اقترب» (مت2:3, 17:4). وحينما كان يشفي، كان بحسب تعبيره أن هذا الشفاء تم بأصبع الله، وهذا معناه أنه قد «أقبل عليكم ملكوت الله» (مت28:12). وحينما حاول البعض أن يأخذوا صورة عن مجىء ملكوت الله قال لهم: «ملكوت الله داخلكم» (لو12:17). والذي أضعف تأكيدات المسيح التي تملأ الأناجيل بأن ملكوت الله هو قوة الله في الحاضر الزمني، انشغال الكنيسة الاولى بانتظار مجيء الملكوت قريباً جداً وبأنه على وشك الظهور يوماً بعد يوم.
‏ولكن بقيت توكيدات المسيح بملكوت الحاضر الزمني كأساس راسخ لإعادة فكر الكنيسة وربطه بالحاضر، يقول الوحي أنه «جعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه» (رؤ6:1و9, 10:5)، وقول الوحي: «نقلنا إلى ملكوت ابن محبته» (كو13:1‏)، والتي منها يظهر أن ملكوت الله هو حقيقة واقعة امتلكتها الكيسة: «ليس أكلاً وشرباً بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس.» (رو17:14)
‏ولكن هذه النظرة في التعليم الارثوذكسي لا تلغي ولا تُغنى عن انتظار الملكوت الآتي بقوة ومجد، حيث يتلاشى الشر الذي يقاوم ظهوره.
‏فالملكوت في الحاضر هو ملكوت الخلاص الذي ظهر وأعلن وقد تم وأكمل, وعلينا أن نستنفذ قوته وبركاته. والملكوت الآتي هو ملكوت الحياة والميراث في المجد العتيد.
ألكنيسة بأعتبارها ملكوت ألله: كان القديس أغسطينوس أول من اعتبر المختارين في الكنيسة الآن المعينين للحياة الآبدية أنهم يمثلون ملكوت الله أو ملكوت المسيح, في مقابل الأشرار الذين تحويهم الكنيسة أيضأ باعتبارهم «مملكة الشيطان». ومرة أخرى وضع المختارين كأنهم «مدينة الله» في مواجهة الأشرار «مدينة الأرض». ولكي نحصل على صورة صحيحة للكنيسة كملكوت الله، يلزم أن نعود إلى العهد القديم حينما كان الله يملك على شعب إسرائيل، فكانت إسرائيل بهيكلها الذي كان يحل فيه الله بصورة منظورة هي ملكوت الله المنظور على الأرض, ولكن كان لاسرائيل ولهيكلها صورة أخرى غير منظورة، صورة روحية حيث كان الله يحيا بالفعل بالروح في قلوب ابائها وأنبيائها وقديسيها, بل كان يملك حقاً على قلوب أتقيائها الذين تركوا لنا سيرتهم المرتفعة في القداسة وطاعة الله المذهلة والحب الالهي المتدفق في قلوبهم. وهذه الأسفار الشعرية, كسفر الأمثال والجامعة والمزامير وغيرها تحكي عن ملكوت الله الخفي غير المنظور الذي كانت تحياه إسرائيل تحت حكم الله وتدبيره.
‏كل هذا انتهى شكلاً وموضوعاً برفض إسرائيل أن يملك عليها الله: «ليس لنا ملك إلا قيصر». بل وامتدت أيديهم إلى فاديهم وملكهم فقتلوه «خذه خذه أصلبه... أأصلب ملككم» (يو15:19‏). أما الذين قبلوه منهم وترجوا أن يملك عليهم ويفديهم فصنع منهم شعبه الجديد, الكنيسة التي خُلقت بتجسد الكلمة وتدشنت بدم صليبه وامتلأت بملء الله يوم الخمسين. وسرعان ما انضم إليها كل الذين كُتبت أسمائمم في سفر الحياة المعينين للحياة الآبدية منذ البدء, فصار فيها من الأباء والأنبياء والشهداء والقديسين ما يفوق الأولين, وعوض لوحي العهد ذوي الأربعة الأوجه, صارت الأربعة الأناجيل المكتوبة حقاً وفعلأ بأصبع الله, وبقية الأسفار الحية التي تشهد كيف قام الملكوت وامتد وكيف جلس الله على عرش القلوب وحكم.
‏وإن كانت الكنيسة لا يعطي شكلها الأرضي المنظور صورة جيدة لملكوت الله بسبب معاثر الإنسان، إلا أن الله العامل فيها بالأسرار غير المنظورة أقام من الكنيسة سماء جديدة. فهو يلد فيها لنفسه كل يوم ألوفاً من خلائقه الروحانية بشكل خالقها وعلى صورته, بالحق, في القداسة والبر, يُلبسهم بيديه ثياب الروحانيين ويطعمهم من جسده ويسقيهم من دمه ويتعهدهم برحمته حتى يصلح كل واحد منهم أن يكون عضوا في جسده، شريكاً في آلامه هنا، وهناك شريك مجده في ملكه الآبدي. وهكذا فإن ملكوت الله يستعلن الآن في الكنيسة بالآلام, وهناك بالمجد.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 13-04-2017, 06:53 PM   #110
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
4- قَالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ: «كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟
أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟».

الحقيقة هنا أن نيقوديموس لا يدعي الجهالة ولا يتوقع بالسخرية على عقيدة الميلاد الثاني، بل هو بكل صدق وأمانة يصور مدى الصعوبة البالغة، التي تبلغ مدى الإستحالة، كون الإنسان ينجح في أن يحصل على بداية حياة جديدة بميلاد جديد. وهذا التصوير, غير المبالغ فيه, أن الميلاد الثاني يساوي دخول شيخ في بطن أمه ثانية ويولد، هو محاولة منه ليدفع المسيح «كمعلم بالحق» أن يشرح له كيف يكون هكذا أو ما هي الوسيلة التي بها يمكن للانسان أن يولد ثانية؟ وهذا رة عليه المسيح ردا مباشراً عل فكره هكذا.
‏وليلاحظ القارىء أنه كما أن المسيح ابتدره بقوله: «إن لم يولد الإنساذ ثانية (أو من فوق)»، هكذا كان رد نيقوديموس صحيحاً ومناسباً: «كيف يولد»؟ وأضاف من عنده تصوره عن استحالة الأمر.
‏وليتمهل القارىء على هذا الفريسي العاتي، ليدرك أعماق إجابته. وعليك أن تتصور معه إنساناً ذا ماض طويل وعريض في التكيف بالعالم والناس والتعود على عادات وأفكار وسلوك مدى ستين سنة مثلاً، كيف يتخطاها، كيف ينساها، كيف يجعلها كأنها لم تكن ليبدأ من جديد وكأنه ما عاش هذه السنين، كيف؟
‏ثم صبراً جميلاً، وفرضاً أنه أمكن أن يمحو هذا محواً وكأنه لم يكن؛ ولكن كيف تبقى له «نفسه» هي هي التي سيبدأ بها، لأن النفس معجونة بصور الحياة منذ أن يعرف الإنسان نفسه، بل انطباع الأيام وحوادث الدهر تختزنها النفس أكثر مما يختزنها الجسد ألف مرة!!! لاحظ أن نيقوديموس يتكلم من عمق أعماق نفسه ومن طول حياته وخبراته التي ما جاء إلى المسيح إلا لكي يعدل فيها ويصحح، ولكن أن يلغيها كلها فهذا أمر جد خطير وغير وارد.
‏ثم لا تسخر من رد نيقوديموس كونه يصور ونفسه وهو يدخل بطن أمه، فهذا هو الجزء الأقل في المشكلة، لأن الجزء الأكبر هو «النفس»، نفسها، كيف يعطيها بدءاً جديداً. فإذا استحال على الشيخ دخول بطن أمه ليولد من جديد، فالإستحالة الأكبر أن يدخل داخل نفسه ليلغي ما صنعته السنين وما خطه الدهر فيها. وبهذا يكون نيقوديموس قد صور, دون أن يدري, القيمة الفائقة للميلاد من فوق مع ما يحويه من غفران ومصالحة.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل حقاً كل تفسير إنجيل يوحنا ، من وضع القديس كيرلس؟ مكرم زكى شنوده المنتدى المسيحي الكتابي العام 0 09-11-2016 01:39 AM
تفسير إنجيل يوحنا 7 : 38 alaa86 الاسئلة و الاجوبة المسيحية 7 07-04-2011 06:49 PM


الساعة الآن 01:08 PM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2018، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة