منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية المنتدى المسيحي الكتابي العام

إضافة رد

الموضوع: تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين

أدوات الموضوع
قديم 16-03-2017, 08:40 PM   #41
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
ب- «وحل بيننا».

كلمة "حل" تأتي في اليونانية ( ). وأصل الكلمة مأخوذ من كلمة الخيمة. وهكذا فهي تشير
إلى السكنى أو الحلول كما يضرب الإنسان خيمة على الآرض.
ثم تأتي كلمة "بيننا" ‏لتزيد معنى الإقامة في خيمة وسط شعبه، إشارة إلى الحياة التي سيحياها على الأرض. فهي لا تعني السكنى فقط بل الإقامة والمعيشة. والحياة في الجسد كما في خيمة هو تراث فكري يهودي نسمع عنه من بطرس الرسول "عَالِماً أَنَّ خَلْعَ مَسْكَنِي قَرِيبٌ كَمَا أَعْلَنَ لِي رَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ أَيْضاً (2بط 1 : 14)", وكذلك عند بولس الرسول «لأننا نعلم أنه إذا نقض بيت خيمتنا الأرضي (الجسد) فلنا في السموات بيت من الله الله غير مصنوع بيد أبدي» (2كو 1:5)
‏ولكن قصد القديس يوحنا الأساسي من ذكر هذا التعبير, أي الحلول في الخيمة, هو رفع أبصارنا إل ما صنع «يهوه» الرب قديماً عندما حل في خيمة الإجتماع وسط شعب إسرائيل.
"ثم غطت السحابة خيمة الإجتماع وملأ بهاء الرب المسكن، فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الإجتماع." (خر34:40-35)
"لأني لم أسكن في بيت منذ يوم أصعدت بني إسرائيل من مصر إلى هذا اليوم بل كت أسير في خيمة وفي مسكن" (2صم6:7)
‏وبهذا يكون القديس يوحنا قد ربط بين حلول يهوه قديماً في خيمة الإجتماع وسط الشعب حيث ملأ بهاؤه المسكن، وبين حلول الكلمة في خيمة جسده الذي لم يستطع أذ يخفي بهاه عن أصحاب العيون المفتوحة "ورأينا مجده" بالرغم من الإخلاء الظاهري الذي أجراه في ذاته ومن اتضاع هيئة جسده.
والعجيب أن الروح لا يتركنا بلا توضيح، فالنبوات لم تترك حتى هذا الحلول والسكنى في أخر الأيام دون إشارة، فنسمع عنه من زكريا النبي «ترنمى وافرحي يا بنت صهيون لأني هأنذا أتي وأسكن في وسطك يقول الرب.» (زك10:2)
‏هذا من جهة الحلول « في وسطنا».
كما يعطيا حزقيال النبي صورة أخرى للحلول «من فوق»: «ويكون مسكني فوقهم وأكون لهم إلهاً ويكونون لى شعباً« (حز27:37)
ولا نستغرب قوله: «مسكني فوقهم»، فهذا في الواقع كان موضع سكنى يهوه الرب العظيم داخل خيمة الإجتماع فوق "الغطاء" على التابوت. وغطاء التابوت هذا له شأن عظيم جداً سواء في اللاهوت العبري القديم, وكان اسمه عندهم «الشاكيناه» وهو "السكن" أي "موضع السكنى", وطبعا دون ذكر اسم الله احتراماً وتوقيراً, أو في اللاهوت الطقسي في الكنيسة القبطية(الايلاستيريون) .
"وصنع غطاء من ذهب نقي طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف، وصنع كروبين (الشاروبيم) من ذهب... وكان الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظلين بأجنحتهما فوق الغطاء ووجهاهما كل واحد إلى الأخر" (خر6:37-9). وقد حدد الله مكان تواجده عل هذا الغطاء هكذا:
2- «كَلِّمْ هَارُونَ أَخَاكَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى الْقُدْسِ دَاخِلَ الْحِجَابِ أَمَامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى التَّابُوتِ لِئَلَّا يَمُوتَ لأَنِّي فِي السَّحَابِ أَتَرَاءَى عَلَى الْغِطَاءِ. (لا2:16)
22- وَأَنَا أَجْتَمِعُ بِكَ هُنَاكَ وَأَتَكَلَّمُ مَعَكَ مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ بِكُلِّ مَا أُوصِيكَ بِهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (خر22:25)
وفي العبري تترجم "الايلاستيريون" بـ »الكابوراة», ويترجمها بعض العلماء بكرسي الرحمة, إشارة إلى مركز المسيح الشفاعي؛ ولكن معظم العلماء المدققين يربطون معناها بالكفارة وليس بالشفاعة, لأن المعنى الجذري في العبرية يقوم على الذبيحة، فهو معنى ذبائحي ينسجم مع الكفارة وليس الشفاعة. لأن رئيس الكهنة يدخل مرة واحدة في السنة في يوم الكفارة إلى قدس الآقداس لينضح من ذبيحة الخطية على الكبوراة أي غطاء التابوت أي الإيلاستيريون. وبولس الرسول يقطع بأن المسيح قد صار هو الايلاستيريون وقد تخضب بدم نفسه فصار الكبوراة الإلهية والكفارة الدائمة (رو25:3‏).
‏من هذا يتضح أن عبادة يهوه قديماً ارتبطت بخيمة الإجتماع وحلوله فيها وكان مركز خيمة الإجتماع الأقدس هو التابوت، وأقدس ما في التابوت هوغطاؤه حيث يسكن يهوه بصفة دائمة، ‏كما يُفهم من الآيات السابقة.
‏وفي اللاهوت العبري، يعتبر الغطاء هذا أو الشاكيناه هو موضع «سكن» يهوه المقدس الدائم سواء في ترحاله قديماً أو إقامته الدائمة في الهيكل. وقد قدس العبرانيون اسم الشاكيناه »السكن» وجعلوه عوض اسم الله أو "الحضرة الإلهية"، فجاءت الترجمة العبرية للآية: «ويجعلون لى مُقدساً (هيكلاً) لآسكن في وسطهم» (خر8:25) في الترجوم هكذا: «وسأجعل الشاكيناه تسكن في وسطهم». لذلك فإن قول القديس يوحنا: "وسكن بينناً" كان يهدف بقوة إلى لفت أنظارنا إلى الحضرة الإلهية أو موضع سكناه في القديم.
وقد التقط آباء الكنيسة القبطة الآوائل هذا الوضع الفائق والممتاز لغطاء التابوت, الشاكيناه, (السكن)، وجعلوه تعبيراً عن الجسد، وجعلوا العذراء القديسة مريم هي الغطاه الذهب الذي حل عليه الله، أو سكنت فيه الحضرة الإلهية.
غير أن بولس الرسول استخدم لفظة "الغطاء" بمعنى الكفارة في الآية: "الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه" (رو25:3)، وهي الكلمة العبرية الأصل "كبوراة" المسماة أيضاً "كرسي الرحمة".
‏من ها جاءت النبوة «ويكون مسكي فوقهم وأكون لهم إلهاً ويكونون لى شعباً» (حز27:37). فإنجيل لوقا يسجل لنا كيفية مدخل الكلمة إلى الجسد الذي حل فيه هكذا: «الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعى ابن الله« (لو35:1). فهنا واضح أنه بدأ سكناه هكذا «يحل عليك» وبدأ مجد الله وقوته تخيم «فوق» جسد البشرية الممثل في العذراء القديسة الثيئوتوكس.
‏ويحلو لنا أن نكمل بأن ترحال يهوه قديماً «ساكناً» وسط شعبه، من خيمة إلى خيمة ومن موضع إلى موضع مع الشعب التائه أربعين سنة, وفي العبور الإعجازي للأردن، حيث التابوت كان يتقدم المسيرة، ثم الإقامة الساخطة في وسط شعب متمرد غليظ الرقبة الذي أعطوه القفا دون الوجه جزاء ترحاله المضني معهم هذه السنين كلها، أخيراً وأخيراً جداً استقر في "جسد الإنسان: الشاكيناه الحقيقي والحضرة الحقيقية لله" التي وثق أعمدتها في السماء وعلى الأرض: «وليس أحد صعد إل السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء» (يو13:3) ‏ليعيش فينا ومعنا دائمأ وإلى الأ بد "وها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر." (مت 20:28).

يتبع
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 16-03-2017, 08:43 PM   #42
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
ج- "ورأينا مجده"


واضح أن «حل بيننا» بمفهومها المنطبق على سكنى الحضرة الإلهية في الجسد عل مستوى خيمة الإجتماع لا بد أن يرافقها استعلان المجد. وها يقدم القديس يوحنا شهادته كواحد من الذين رأوا هذا المجد.
‏وكلمة »«رأينا» باللغة اليونانية تتبع مجموعة الرؤية غير العضوية التي ليست بالعين بل بالإيمان للاستعلان. فكلمة «يرى» باليوناية عند القديس يوحنا وردتعل ستة تركيبات تختلف في اللفظ بعضها عن بعض، بينما هي تأتي في الترجمة العربية بتركيب واحد: «يرى»، أما في اليونانية فهي تنقسم إلى ثلاث مجموعات كل منها له موضع خاص للتعبير عن نوع من الرؤيا الخاصة, ولفظة ( ) هنا تتبع الرؤيا الخاصة بالاستعلان، سواء بخصوص حادثة أو لشخص المسيح نفسه الذي يستعلن ذاته من خلال كلماته وأعماله. وهذا النوع من الرؤيا لا يتبع الرؤيا الروحية التي للروحيين, التي يروا بها ما لا يُرى، ولكنها هنا رؤية الايمان البسيط الذي يستعلن الحق بمقدار ما يعلن الحق ذاته. وهذا كان سلوك المسيح العجيب، الذي كان يعمل ويتكلم مُعلناً الحق الذي فيه، الذي كل من كان عنده حاسة الإيمان كان يقبله ويؤمن، لأنه كان يرى الحق الذي فيه. وهذا النوع من الإيمان أو رؤية الإيمان لا يحتاج في الحقيقة للرؤية العينية وهو الذي نص عليه المسيح بقوله لتوما: »لأنك رأيتني يا توما أمنت، طوبى للذين أمنوا ولم يروا" يو29:20‏). هذه الطوبى المدخرة في رؤيه الإيمان بلا عيان وهي التي بقيت لنا حتى اليوم كما يقول بطرس الرسول: "الذي وأن لم ترونه تحبونه, ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا يُنطق به ومجيد."(1بط8:1)
هنا يتحتم علينا أيها القارىء العزيز أن نوضح قيمة رؤية الايمان غير العيني, إذ أنه أصلاً قائم على رؤية علنية منظورة ومحسوسة إذ كانت تخص الكلمة المتجسد, هذه الرؤية العلنية التي ارتفعت عندهم إلى رؤية غير معتمدة على النظر والسمع، هذه هي الرؤية الإيمانية الصرف, التي سلمها الرسل للكنيسة، فصارت هي أساس الإيمان القويم غير المعتمد على المشاهدة ورؤيا العين، ولكن بقي الرسل هم أساس هذا الإيمان الوحيد. لذلك نحن نؤمن بالرسولية الكنسية عن حق وأصالة وضرورة حتمتها رؤيتهم القائمة على الرؤية العينية والمشاهدة واللمس التي اختصوا بها وحدهم دون جميع من رأوا الرب, لهذا صار الإيمان الرسولي المؤسس على ( ) هو ذخيرة الكنيسة، التي عليها نعيش، وبها نمسك كمن يمسك بالحياة الأبدية.
وهذا الأساس الرسولى الإيماني القائم على الرؤية الإيمانية غير العينية يضعه القديس يوحنا الرسول موضع الشهادة الرسولية، لكي يعتمد بختم رسول: «ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مُخلصا للعالم» (1يو14:4), «الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة... » (1يو1:1). لذلك نستطيع بكل يقين أن نقول أن الإيمان غير العيني القائم على الرؤيا الصادقة هو إيمان تاريخي بالدرجة الاولى، له جذر تاريخي عاينه الرسل وعاشوه, لأن الله ظهر في الجسد وفي التاريخ. لهذا فكل من بلغ بالحقيقة إل رؤية الرسل هذه لابن الله يكون قد بلغ الرؤية الأمثل بكل تأكيد، أي يكون قد واجه معجزة التجسد ووضع يده على الجسد ورأى وشاهد ولمس، وذلك من خلال إيمان الرسل وشهادتهم, لذلك لم تصبح معجزة التجسد حبيسة تاريخ جيل الرسل, لقد استطاع الرسل بالرؤيا الغير عينية أن يجعلوا معجزة التجسد معجزة كل جيل, لتد أخرجوها من حيزها التاريخي إلى ما هو فوق التاريخ وبعده.
‏ولعل أقوى المواضع التي ذكر فيها كيف شوهد المجد علناً وعياناً هو حادثة التجلي، ولو أن القديس يوحنا لم يذكرها مع أنه كان أحد ثلا ثة شهود لها، وقد سجل هذه الحادثة كل من الآناجيل الثلاثة: «أخذ بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى جبل ليصلي, وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضاً لامعاً, وإذا رجلان يتكلمان معه وها موسى وايليا, اللذان ظهرا بمجد, وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله في أورشليم, وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم, فلما استيقظوا رأوا مجده والرجلين الواقفين معه. وفيما هما يفارقانه قال بطرس ليسوع: يا معلم جيد أن نكون ههنا، فلنصنع ثلاث مظال لك واحدة ولموس واحدة ولإيليا واحدة. وهو لا يعلم ما يقول, وفيما هو يقول ذلك كانت سحابة فظللتهم فخافوا عندما دخلوا في السحابة, وصار صوت من السحابة قائلآ: هذا هو ابني الحبيب, له اسمعوا» (لو28:9-35)
وفي هذا الحادث نلتقط عدة أمور تهمنا في شرح الأية التي نحن بصددها:
1- "أخذ بطرس ويوحنا ويعقوب". 2
2- "صارت هيئة وجهه متغيرة" يقول عنها القديس متى في إنجيله: «تغيرت هيئته (تجلى)، واضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور.» ‏(مت2:17)
3- "موسى وايليا اللذان ظهرا بمجد"
4- «فلما استيقظوا رأوا مجده».
5- "فلنصع ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة".
6- "كانت سحابة فظلتهم". يقول عنها القديس متى الإنجيلي أنها "سحابة نيرة"
7- "وصار صوت من السحابة قائلأ: هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا".
‏ونحن إذا عدنا إلى الحادثة المماثلة في العهد القديم مع موسى، نجد الآتي: «فصعد موسى إلى الجبل فغطى السحاب الجبل وحل مجد الرب عل جبل سيناء وغطاه السحاب... وكان منظر مجد الرب كنار آكلة" (خر15:24-17). ‏ففي هذا المنظر وكل مناظر استعلان مجد يهوه الله في العهد القديم نجد أنه بمجرد اقتراب الله من الشعب، أو بالأكثر من موس وهارون، أو اقتراب موسى وهارون أمام الله، كان يصاحب ذلك ظهور واستعلان مجد الله! فإن كان الأمر هكذا في القديم فكم وكم بالحري بعدما اقترب الله ثم اقترب ثم تواجه مع الإنسان داخل الانسان كيف لا يستعلن مجده فيه!
وإن حادثة التجلي تجمع الظهورين معاً والمجدين معاً: مجد الآب في السحابة النيرة التي ظللتهم مع صوته الأتي من المجد الأسنى، مع مجد الابن ونور الكلمة يغشى »الجسد» فيجمل الوجه يضيء ‏كالشمس.
‏ثم علينا أن نعود إلى ذاكرة القديس بطرس لنسمع منه ما يتذكره عن حادثة التجلي هذه بعينها: "لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللَّهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْداً، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهَذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». وَنَحْنُ سَمِعْنَا هَذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ. (2بط16:1-18)
واضح من هذه الشواهد أن القديس يوحنا حينما قال: "ونحن" فهو يقصد الخاصة جداً من تلاميذه وهم الثلاثة الذين كان قد انتخبهم مم الاثنى عشر ليطلعهم على سر مجده هذا، كما أطلع موسى سابقاً عل الجبل في سيناء، حيث تقول النبوة أنه «سيراه كل بشر» (إش 5:40)
وقد يظهر تعارض في قول النبوة قديماً على فم إشعياء النبي بخصوص هذه الرؤية وهذا المجد "عزوا عزوا شعبي يقول إلهكم. طيبوا قلب أورشليم ونادوها بأن جهادها قد كمل، أن إثمها قد عُفي عنه أنها قد قبلت من يد الرب ضعفين عن كل خطاياها. صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب، قوموا في القفر سبيلً لإلهنا. كل وطأة يرتفع، وكل جبل وأكمة ينخفض، ويصير المعوج مستقيمأ والعراقيب سهلاً. فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر معاً لأن فم الرب تكلم" (إش 1:40-5)
ولكن كان دأب الأنبياء أن يختصروا الزمن اختصاراً، فآلاف السنين تصير غداً أو سريعاً، لأن الرؤيا تكون في وهج شدتها متجمعة معاً وليست موزعة على السنين والأجيال. وقد تم بالفعل الجزء الاول من الاعلان عن مجد الرب, ورأه الأخصاء والمقربون والمختارون والمفديون، فمجدوا صاحب المجد. أما الجزء الثاني من الإعلان عن مجد الرب فهو مؤجل للجزء الباقي من البشرية حينما يرونه في مجيئه الثاني، في ملء مجده ومجد أبيه مع ملائكته (مت 30:24 , رؤ7:1).
وقوله: «رأيناه» فهو يتكلم عن رؤيا غير عادية كانت تحت سحابة نيرة، أي في الحضرة الالهية، التي تطابق حضور "يهوه" قديمأ على جبل سيناء في السحابة التي ظللته. وهنا إشارة سرية إلى التعرف على شخصية المسيح. وحضور موسى وإيليا في التجلي بمجد هو إشارة ضمنية إلى قوله: «مشهودأ له من الناموس (موسى) والأنبياء (إيليا)» (رو 21:3). وكلمة "بمجد" بالنسبة لموسى وإيليا تفيد ارتفاع كرامة الناموس والأنبياء في أشخاص مُمثليهما موسى وإيليا.
وقوله: «ورأينا مجده» فهو يقصد مجد «الكلمة بعد أن صار جسداً» أي يسوع المسيح. وقد اتضح من تسجيلات حادثة التجلي أنه فعلاً تغيرت هيئته الجسدية ولمع وجهه كالشمس وابيضت حتى ثيابه كالنور. ويصف القديس بطرس هذا المجد الذي رأه على الجبل أنه عاين عظمته، أي جلاله ‏وقدرته، وأنه أخذ من الآب كرامة ومجداً: "مجد كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً".
هنا فإن تكرار كلمة «المجد» هو بقصد التركيز ولفت الإنتباه لكي لا نتوه في تواضع «الجسد» أو في مضمون الإخلاء. فالمجد مًعلن ومنظور للعيون التي لا يلزمها الإخلاء والتي أدركت حقيقة «الكلمة» اللوغس، مهما تنازل وأخذ منظراً: «هكذا مُفسداً أكثر من الرجل» حسب قول إشعياء النبي (14:52). لأن خطيئتنا هي التي حتمت على العين الضعيفة أن تراه «لا منظر(له) فنشتهيه» (2:53)
أو ليس "الكلمة" اللوغس هو صوت الله ونداؤه, وهو قوله وأمره، فكيف نسمع صوت الله من فم اللوغس ولا نحس بالمجد المحاط به، هذا إذا أحسئا الرؤيا؛ لأنه حتى اليهود العاديون لمحوا في كلامه مجد الله وسلطانه «لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة» (مت29:7)!! أو بمعنى متقدم قليلاً عن الآية, إن المجد الذي رأوا ما هو إلا حب الآب منطبعاً عليه فلم يستطع أن يخفيه, واستطاعوا هم أن يستشفوه من فيض النعمة التي كانت عليه والحق الخارج منه الذي يهز كيان الإنسان الروحي.
وهذا المجد الذي رأوه فيه الذي هو حب الآب المنطبع عليه هو هو الذي جعل من الذين قبلوه أولاداً لله, أي أن هذا الحب نفسه أو المجد نفسه لما آمنوا به أدخلهم في مجاله فصاروا أولاد الله أي الحائزين على الحب الآبوي.
ونلاحظ أنه بظهور الكلمة في الجسد صار استعلان المجد الذي فيه. وقول القديس يوحنا أن هذا المجد لمحوه وتيقنوا من أنه مجد ابن وحيد لآبيه أو بالحري هو مجد الآب للابن الوحيد، هذا يوضح لنا سرا من أخطر الأسرار، أن استعلان المجد في الكلمة المتجسد كشف في الحال سر الأب والابن فيه، فبالرغم من أنه ظهر كابن، ولكن المجد كان مجد الآب في الابن. وهذا أيضاً صار كل من يرى الابن برؤية الإيمان فإنه يرى الآب بالضرورة، لأن مجد اللاهوت في الابن يشمل معه مجد الآب بآن واحد بدون شرح ولا توضيح: "الذي راني فقد رأى الآب." (يو9:14‏)
‏القديس يوحنا يجمع هنا جملة ما رآه وسعه واختبره مع الخاصة من التلاميذ ويؤكد ذلك بقوله: "ونحن", فهو سمع بنفسه الرب يسوع المسيح يخاطب الأب عن مجده الخاص له عند الأب (يو5:17 و 24)، بل وسمع الأب يوافق بأنه «مُجد وسيمجد أيضاً (يو28:12‏)، بل وسمع ورأى هذا المجد في حادثة التجلي المذكورة سابقاً, بل شاهد وعاين وشهد لأعمال الرب يسوع المسيح التي تنطق جيعها بمجده وأوضحها عرس قانا الجليل ومعجزة تحويل الماء خمراً التي بها أظهر المسيح مجده لتلاميذه فآمنوا به. هذا ولا ننسى المجد الذي عايشه القديس يوحنا مع كوكب الصبح المنير يسوع المسيح نفسه في سفر الرؤيا: «ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها.» (رؤ 16:1)

يتبع
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 16-03-2017, 08:43 PM   #43
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
ج- "ورأينا مجده"


واضح أن «حل بيننا» بمفهومها المنطبق على سكنى الحضرة الإلهية في الجسد عل مستوى خيمة الإجتماع لا بد أن يرافقها استعلان المجد. وها يقدم القديس يوحنا شهادته كواحد من الذين رأوا هذا المجد.
‏وكلمة »«رأينا» باللغة اليونانية تتبع مجموعة الرؤية غير العضوية التي ليست بالعين بل بالإيمان للاستعلان. فكلمة «يرى» باليوناية عند القديس يوحنا وردتعل ستة تركيبات تختلف في اللفظ بعضها عن بعض، بينما هي تأتي في الترجمة العربية بتركيب واحد: «يرى»، أما في اليونانية فهي تنقسم إلى ثلاث مجموعات كل منها له موضع خاص للتعبير عن نوع من الرؤيا الخاصة, ولفظة ( ) هنا تتبع الرؤيا الخاصة بالاستعلان، سواء بخصوص حادثة أو لشخص المسيح نفسه الذي يستعلن ذاته من خلال كلماته وأعماله. وهذا النوع من الرؤيا لا يتبع الرؤيا الروحية التي للروحيين, التي يروا بها ما لا يُرى، ولكنها هنا رؤية الايمان البسيط الذي يستعلن الحق بمقدار ما يعلن الحق ذاته. وهذا كان سلوك المسيح العجيب، الذي كان يعمل ويتكلم مُعلناً الحق الذي فيه، الذي كل من كان عنده حاسة الإيمان كان يقبله ويؤمن، لأنه كان يرى الحق الذي فيه. وهذا النوع من الإيمان أو رؤية الإيمان لا يحتاج في الحقيقة للرؤية العينية وهو الذي نص عليه المسيح بقوله لتوما: »لأنك رأيتني يا توما أمنت، طوبى للذين أمنوا ولم يروا" يو29:20‏). هذه الطوبى المدخرة في رؤيه الإيمان بلا عيان وهي التي بقيت لنا حتى اليوم كما يقول بطرس الرسول: "الذي وأن لم ترونه تحبونه, ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا يُنطق به ومجيد."(1بط8:1)
هنا يتحتم علينا أيها القارىء العزيز أن نوضح قيمة رؤية الايمان غير العيني, إذ أنه أصلاً قائم على رؤية علنية منظورة ومحسوسة إذ كانت تخص الكلمة المتجسد, هذه الرؤية العلنية التي ارتفعت عندهم إلى رؤية غير معتمدة على النظر والسمع، هذه هي الرؤية الإيمانية الصرف, التي سلمها الرسل للكنيسة، فصارت هي أساس الإيمان القويم غير المعتمد على المشاهدة ورؤيا العين، ولكن بقي الرسل هم أساس هذا الإيمان الوحيد. لذلك نحن نؤمن بالرسولية الكنسية عن حق وأصالة وضرورة حتمتها رؤيتهم القائمة على الرؤية العينية والمشاهدة واللمس التي اختصوا بها وحدهم دون جميع من رأوا الرب, لهذا صار الإيمان الرسولي المؤسس على ( ) هو ذخيرة الكنيسة، التي عليها نعيش، وبها نمسك كمن يمسك بالحياة الأبدية.
وهذا الأساس الرسولى الإيماني القائم على الرؤية الإيمانية غير العينية يضعه القديس يوحنا الرسول موضع الشهادة الرسولية، لكي يعتمد بختم رسول: «ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مُخلصا للعالم» (1يو14:4), «الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة... » (1يو1:1). لذلك نستطيع بكل يقين أن نقول أن الإيمان غير العيني القائم على الرؤيا الصادقة هو إيمان تاريخي بالدرجة الاولى، له جذر تاريخي عاينه الرسل وعاشوه, لأن الله ظهر في الجسد وفي التاريخ. لهذا فكل من بلغ بالحقيقة إل رؤية الرسل هذه لابن الله يكون قد بلغ الرؤية الأمثل بكل تأكيد، أي يكون قد واجه معجزة التجسد ووضع يده على الجسد ورأى وشاهد ولمس، وذلك من خلال إيمان الرسل وشهادتهم, لذلك لم تصبح معجزة التجسد حبيسة تاريخ جيل الرسل, لقد استطاع الرسل بالرؤيا الغير عينية أن يجعلوا معجزة التجسد معجزة كل جيل, لتد أخرجوها من حيزها التاريخي إلى ما هو فوق التاريخ وبعده.
‏ولعل أقوى المواضع التي ذكر فيها كيف شوهد المجد علناً وعياناً هو حادثة التجلي، ولو أن القديس يوحنا لم يذكرها مع أنه كان أحد ثلا ثة شهود لها، وقد سجل هذه الحادثة كل من الآناجيل الثلاثة: «أخذ بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى جبل ليصلي, وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضاً لامعاً, وإذا رجلان يتكلمان معه وها موسى وايليا, اللذان ظهرا بمجد, وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله في أورشليم, وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم, فلما استيقظوا رأوا مجده والرجلين الواقفين معه. وفيما هما يفارقانه قال بطرس ليسوع: يا معلم جيد أن نكون ههنا، فلنصنع ثلاث مظال لك واحدة ولموس واحدة ولإيليا واحدة. وهو لا يعلم ما يقول, وفيما هو يقول ذلك كانت سحابة فظللتهم فخافوا عندما دخلوا في السحابة, وصار صوت من السحابة قائلآ: هذا هو ابني الحبيب, له اسمعوا» (لو28:9-35)
وفي هذا الحادث نلتقط عدة أمور تهمنا في شرح الأية التي نحن بصددها:
1- "أخذ بطرس ويوحنا ويعقوب". 2
2- "صارت هيئة وجهه متغيرة" يقول عنها القديس متى في إنجيله: «تغيرت هيئته (تجلى)، واضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور.» ‏(مت2:17)
3- "موسى وايليا اللذان ظهرا بمجد"
4- «فلما استيقظوا رأوا مجده».
5- "فلنصع ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة".
6- "كانت سحابة فظلتهم". يقول عنها القديس متى الإنجيلي أنها "سحابة نيرة"
7- "وصار صوت من السحابة قائلأ: هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا".
‏ونحن إذا عدنا إلى الحادثة المماثلة في العهد القديم مع موسى، نجد الآتي: «فصعد موسى إلى الجبل فغطى السحاب الجبل وحل مجد الرب عل جبل سيناء وغطاه السحاب... وكان منظر مجد الرب كنار آكلة" (خر15:24-17). ‏ففي هذا المنظر وكل مناظر استعلان مجد يهوه الله في العهد القديم نجد أنه بمجرد اقتراب الله من الشعب، أو بالأكثر من موس وهارون، أو اقتراب موسى وهارون أمام الله، كان يصاحب ذلك ظهور واستعلان مجد الله! فإن كان الأمر هكذا في القديم فكم وكم بالحري بعدما اقترب الله ثم اقترب ثم تواجه مع الإنسان داخل الانسان كيف لا يستعلن مجده فيه!
وإن حادثة التجلي تجمع الظهورين معاً والمجدين معاً: مجد الآب في السحابة النيرة التي ظللتهم مع صوته الأتي من المجد الأسنى، مع مجد الابن ونور الكلمة يغشى »الجسد» فيجمل الوجه يضيء ‏كالشمس.
‏ثم علينا أن نعود إلى ذاكرة القديس بطرس لنسمع منه ما يتذكره عن حادثة التجلي هذه بعينها: "لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللَّهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْداً، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهَذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». وَنَحْنُ سَمِعْنَا هَذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ. (2بط16:1-18)
واضح من هذه الشواهد أن القديس يوحنا حينما قال: "ونحن" فهو يقصد الخاصة جداً من تلاميذه وهم الثلاثة الذين كان قد انتخبهم مم الاثنى عشر ليطلعهم على سر مجده هذا، كما أطلع موسى سابقاً عل الجبل في سيناء، حيث تقول النبوة أنه «سيراه كل بشر» (إش 5:40)
وقد يظهر تعارض في قول النبوة قديماً على فم إشعياء النبي بخصوص هذه الرؤية وهذا المجد "عزوا عزوا شعبي يقول إلهكم. طيبوا قلب أورشليم ونادوها بأن جهادها قد كمل، أن إثمها قد عُفي عنه أنها قد قبلت من يد الرب ضعفين عن كل خطاياها. صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب، قوموا في القفر سبيلً لإلهنا. كل وطأة يرتفع، وكل جبل وأكمة ينخفض، ويصير المعوج مستقيمأ والعراقيب سهلاً. فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر معاً لأن فم الرب تكلم" (إش 1:40-5)
ولكن كان دأب الأنبياء أن يختصروا الزمن اختصاراً، فآلاف السنين تصير غداً أو سريعاً، لأن الرؤيا تكون في وهج شدتها متجمعة معاً وليست موزعة على السنين والأجيال. وقد تم بالفعل الجزء الاول من الاعلان عن مجد الرب, ورأه الأخصاء والمقربون والمختارون والمفديون، فمجدوا صاحب المجد. أما الجزء الثاني من الإعلان عن مجد الرب فهو مؤجل للجزء الباقي من البشرية حينما يرونه في مجيئه الثاني، في ملء مجده ومجد أبيه مع ملائكته (مت 30:24 , رؤ7:1).
وقوله: «رأيناه» فهو يتكلم عن رؤيا غير عادية كانت تحت سحابة نيرة، أي في الحضرة الالهية، التي تطابق حضور "يهوه" قديمأ على جبل سيناء في السحابة التي ظللته. وهنا إشارة سرية إلى التعرف على شخصية المسيح. وحضور موسى وإيليا في التجلي بمجد هو إشارة ضمنية إلى قوله: «مشهودأ له من الناموس (موسى) والأنبياء (إيليا)» (رو 21:3). وكلمة "بمجد" بالنسبة لموسى وإيليا تفيد ارتفاع كرامة الناموس والأنبياء في أشخاص مُمثليهما موسى وإيليا.
وقوله: «ورأينا مجده» فهو يقصد مجد «الكلمة بعد أن صار جسداً» أي يسوع المسيح. وقد اتضح من تسجيلات حادثة التجلي أنه فعلاً تغيرت هيئته الجسدية ولمع وجهه كالشمس وابيضت حتى ثيابه كالنور. ويصف القديس بطرس هذا المجد الذي رأه على الجبل أنه عاين عظمته، أي جلاله ‏وقدرته، وأنه أخذ من الآب كرامة ومجداً: "مجد كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً".
هنا فإن تكرار كلمة «المجد» هو بقصد التركيز ولفت الإنتباه لكي لا نتوه في تواضع «الجسد» أو في مضمون الإخلاء. فالمجد مًعلن ومنظور للعيون التي لا يلزمها الإخلاء والتي أدركت حقيقة «الكلمة» اللوغس، مهما تنازل وأخذ منظراً: «هكذا مُفسداً أكثر من الرجل» حسب قول إشعياء النبي (14:52). لأن خطيئتنا هي التي حتمت على العين الضعيفة أن تراه «لا منظر(له) فنشتهيه» (2:53)
أو ليس "الكلمة" اللوغس هو صوت الله ونداؤه, وهو قوله وأمره، فكيف نسمع صوت الله من فم اللوغس ولا نحس بالمجد المحاط به، هذا إذا أحسئا الرؤيا؛ لأنه حتى اليهود العاديون لمحوا في كلامه مجد الله وسلطانه «لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة» (مت29:7)!! أو بمعنى متقدم قليلاً عن الآية, إن المجد الذي رأوا ما هو إلا حب الآب منطبعاً عليه فلم يستطع أن يخفيه, واستطاعوا هم أن يستشفوه من فيض النعمة التي كانت عليه والحق الخارج منه الذي يهز كيان الإنسان الروحي.
وهذا المجد الذي رأوه فيه الذي هو حب الآب المنطبع عليه هو هو الذي جعل من الذين قبلوه أولاداً لله, أي أن هذا الحب نفسه أو المجد نفسه لما آمنوا به أدخلهم في مجاله فصاروا أولاد الله أي الحائزين على الحب الآبوي.
ونلاحظ أنه بظهور الكلمة في الجسد صار استعلان المجد الذي فيه. وقول القديس يوحنا أن هذا المجد لمحوه وتيقنوا من أنه مجد ابن وحيد لآبيه أو بالحري هو مجد الآب للابن الوحيد، هذا يوضح لنا سرا من أخطر الأسرار، أن استعلان المجد في الكلمة المتجسد كشف في الحال سر الأب والابن فيه، فبالرغم من أنه ظهر كابن، ولكن المجد كان مجد الآب في الابن. وهذا أيضاً صار كل من يرى الابن برؤية الإيمان فإنه يرى الآب بالضرورة، لأن مجد اللاهوت في الابن يشمل معه مجد الآب بآن واحد بدون شرح ولا توضيح: "الذي راني فقد رأى الآب." (يو9:14‏)
‏القديس يوحنا يجمع هنا جملة ما رآه وسعه واختبره مع الخاصة من التلاميذ ويؤكد ذلك بقوله: "ونحن", فهو سمع بنفسه الرب يسوع المسيح يخاطب الأب عن مجده الخاص له عند الأب (يو5:17 و 24)، بل وسمع الأب يوافق بأنه «مُجد وسيمجد أيضاً (يو28:12‏)، بل وسمع ورأى هذا المجد في حادثة التجلي المذكورة سابقاً, بل شاهد وعاين وشهد لأعمال الرب يسوع المسيح التي تنطق جيعها بمجده وأوضحها عرس قانا الجليل ومعجزة تحويل الماء خمراً التي بها أظهر المسيح مجده لتلاميذه فآمنوا به. هذا ولا ننسى المجد الذي عايشه القديس يوحنا مع كوكب الصبح المنير يسوع المسيح نفسه في سفر الرؤيا: «ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها.» (رؤ 16:1)

يتبع
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 16-03-2017, 08:44 PM   #44
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
«مجداً كما لوحيد من الآب»:

ها يقصد بحرف "كما" أن المجد الذي ظهر به الكلمة المتجسد هو المناسب والمطابق فقط لابن الله، الذي له وحده يليق كل مجد الله "الآب كالابن".
"وحيد من الآب" (مونوجانيس) والكلمة كم مقطعين "نوع" و "واحد" وهذا الوصف بالنسبة للكلمة المتجسد هو استعلان الحب الأبوي وهو من أعمق وأعز الاستعلانات التي عرفها الإنسان عن الله .
‏و«المونوجانيس« كأعظم وأعز استعلان للحب الإلهي فاز به العالم لما بلغ ملء أحزانه وأعوزه مجد الله، إذ انشقت السماء بالفعل وأرسل الله محبوبه ليدبر العالم ويرعى الإنسان: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد (المونوجانيس) لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو16:3‏). لاحظ الارتباط بين «أحب« و«الابن الوحيد» .
وإذا أردت أن تعرف أيها القارىء العزيز قيمة هذا المحبوب الوحيد عند الله، اسمع ما يقوله: «الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن بابن الله الوحيد (المونوجانيس) (يو18:3)، وقوله: «الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني.» (يو26:16)
والقديس يوحنا يصادق على هذا ويزيد: «بهذا أظيرت محبة الله فينا أن أرسل ابنه الوحيد (المونوجانيس) إلى العالم لكي نحيا به» (ايو9:4‏). أي أن المونوجانيس عند القديس يوحنا هو أعظم حدث من أحداث الحب الإلهي الذي استعلن لنا في يسوع المسيح.
وحينما يقول القديس يوحنا أن المونوجانيس كائن في الحضن الأبوي فهو يضع المحبة في موضعها، ويشير إلينا من أين انفتح لنا ينبوع هذا الحب. وإن كان هذا هو الموضع الذي خصصه الآب للمونوجانيس، إذن فأي موضع يليق به عند الإنسان ليضعه فيه إلا القلب!!؟
هذا الوصف ليس من عند القديس يوحنا بل هو نفس الصفة التي أعطاها الله الآتي من السماء، أو كما يقول القديس بطرس: من المجد الأسنى، والذي سعمه القديس بطرس بنفسه هكذا: "هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به" (2بط17:1). فالمونوجانيس تفيد أنه ابن حبيب وموضع مسرة أبيه الفريدة الذي لا يشاركه فيها اخر قط. وهذا الإصطلاح في الاستخدام يأتي للمذكر والمؤنث على السواء وقد جاء في مواضع كثيرة.
وكلمة المونوجانيس بحسب تحقيق العلماء لا تحمل معنى الولادة أو المولود وأدلتهم في ذلك ورود هذا الوصف في حالات يتعذر بل يمتنع فيها معنى الولادة أو المولود مثل:
1- في وصف إسحق ابن إبراهيم من فم الله نفسه: "وحدث بعد هذه الامور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له يا إبراهيم، فقال هاءنذا. فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق، واذهب إل أرض المريا وأصعده هناك محرقة..." (تك1:22-2).
‏والمعروف أن إبراهيم ؤلد له ابنان وليس ابناً واحداً, فهو ليس وحيداً. ولكن كان إسحق هو "الابن الوحيد المحبوب عند أبيه" وهذا هو المونوجانيس ضبطاً وربطاً.
2- كما ورد ‏هذا الوصف العاد‏ي على ابن أرملة نايين: «إذا ميت محمول ابن وحيد لأمه وهي أرملة» (لو12:7). ومن هنا تأتي كلمة «مونوجانيس« باعتبارها «قيمة» عالية وغالية جداً عند هذه الأرملة.
3- وإذا رجل اسمه يايرس... لأنه كان له بنت وحيدة ‏» (لو41:8-42)
4- « ثم أتى يفتاح إل المصفاة إلى بيته. واذا بابنته خارجة للقائه بدفوف ورقص وهي وحيدة. لم يكن له ابن ولا ابنة غيرها» (قض34:11 ). وهنا أيضأ المونوجانيس تأتي كصفة تحمل قيمة عالية للغاية.
5- وقد جاءت في معان كثيرة لا علاقة لها بالبنوة ولا بالميلاد‏، ولكن أتت في معنى الوحيد المحبوب للغاية بالنسبة للانسان وهي نفسه: «نفس وحيدتي»: «...يا قوتي أسرع إل نصرتي. أنقذ من السيف نفسي من يد الكلب وحيدتي (مز 19:22-20 و 17:35 ‏)
6- وجاءت بمعنى أنا وحدي. "التفت إلي وارحمني لأني وحيد ومسكين أنا"(مز16:25‏)
‏وقد جاءت هذه الكلمة ( ) في اللغة العبرية في مواضع كثيرة بمعنى المحبوب فقط ( ) وهي قريبة من كلمة المغبوط.
‏ولكن كانت نظرة آباء ما قبل نيقية منحصرة نوعاً ما في معنى « الولودة» وهذا لا تحتمله الكلمة .
يتبع

التعديل الأخير تم بواسطة ميشيل فريد ; 16-03-2017 الساعة 08:49 PM
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 16-03-2017, 08:45 PM   #45
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
"كما لوحيد من الآب":

هنا يبدأ القديس يوحنا يضع أساس استعلان الكلمة بعد التجسد والتأنس، فهو يكشف عن درجة بنوة الكلمة لله حيث «الكلمة هو الابن» في الذات الإلهية والله هو الأب. والقديس يوحنا يعلن عن اكتشافه للابن عن طريق المجد الذي استعلن في الكلمة لما تجسد، تماماً كما أعلنت الأناجيل بفم الملاك عن الحبل الإلهي للابن بالميلاد الإعجازي الفائق من العذراء مريم وبشارة الملاك العلنية بذلك: "الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظلك، فلذلك أيضاً القدير المولود منك يدعى ابن الله." (لو35:1)
وقد أعاد المسيح نفسه صياغة نطق الملاك هذا بتأكيد قائلأ: »فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له إنك تجدف لأني قلت إني ابن الله.»» (يو36:10‏)
وكما استعلن للقديس بولس بالقيامة من الأموات بمجد الآب: «وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات.» (رو3:1 , 4:6‏)
‏وكما تيقن القديس لوقا الإنجيلي بإعلان من المسيح نفسه أنه سيأتي كابن الله في مجده ومجد أبيه: »متى جاء بمجده ومجد الآب والملائكة القديسين» (لو26:9)
‏وهكذا نرى هذه الاستعلانات كلها متدرجة من جهة يقينية استقلان درجة البنوة لله هكذا:
أولأ: بالميلاد: دُعي ابن الل بفم الملاك.
‏ثانياً: بالقيامة: تعين ابن بالقوة من جهة روح القداسة.
ثالثاً: بالمعايشة والمعاينة: رأيناه ابن لله _ مع القديس يوحنا.
رابعاً: بوعد المسيح نفسه أنه يأتي ثانياً كابن الله في مجده ومجد أبيه.
خامساً: بتصريح المسيح نفسه.

يتبع
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 16-03-2017, 08:47 PM   #46
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
"من الآب":

وقول القديس يوحنا «من الأب« يشير ويركز على «نسبة المجد والبنوة بين الآب والابن»، كما تفيد أيضاً "الإرسالية" = ابن وحيد مُرسل من الآب: »أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني» (يو29:7)
‏وقول القديس يوحنا: «كما لوحيد من الآب» تفيد بحسب لاهوت القديس يوحنا، وهو اللاهوت الذي استرعى انتباه آباء الكنيسة الأوائل، أنها تفيد علاقة يبدو فيها الابن مرتبطاً في وجوده بالأب ارتباطاً ذاتيأ وجوهرياً، فهو ليس فقط ابن للأب بل ومرسل منه رسالة يؤديها بحتمية (الطاعة). وحتى المجد الذي للابن فهو ليس مجرد الابن بل مجد ابن وحيد من الإب.
والقديى بطرس يوضح هذه النسبة بغاية الدقة هكذا: «لأنه أخذ من الله كرامة ومجداً (2بط17:1). إذن فهو "مجد من الآب" للابن، وبهذا ينكشف لا المعنى المختفي وراء قول القديس يوحنا: «مجداً كما لوحيد من الآب«. ولا ينبغي أن يفوتنا أن كلمة «وحيد لأبيه» تفيد معى الفرادة في الحب حيث يستحوذ الابن على كل حب الأب. هذا نسمعه من الله بغاية الوضوح والتركيز «ابني الحبيب»، أي أن «مجد ابن وحيد لأبيه» تعني بكل العمق استعلان «مجد الحب الأبوي» في المسيح للتلاميذ، وبالتال للكنيسة، لأن كل مجد الابن ورثته الكنيسة لأنها جسده المملوء نعمة وحقاً.
وهكذا فإنه بحب الأب للابن تم الخلق, وتم الفداء، وتأسست الكنيسة! لأن بحب الأب للابن "كان كل شيء" في الخليقة الجديدة مثل القديمة، وبدون حب الابن للآب لم يكن شىء مما كان, وهكذا أحب الله العالم ففداه بحياة ابنه: «بذل ابنه الوحيد.» (يو16:3)
‏فالعلاقة بين الأب والابن علاقة تشمل وتتغلغل كل ما للابن حتى أنه لا يوجد الابن منفردأ بصفة لاهوتية خاصة به على الإطلاق إلا كونه ابناً.
ومن الملفت للنظر أن الله الأب بالنسبة للمسيح الابن في إنجيل يوحنا مذكور 137 مرة، في حين أن إنجيل متى مذكور فيه 64 مرة فقط، وانجيل لوقا 56 مرة، وإنجيل مرقس 18 مرة.
‏هذا يلزم أن ينبه ذهننا أن إنجيل يوحنا يتخصص في توضيح علاقة الآب بالابن والابن بالأب، أو بتعبير أصح يركز على استعلان سر الابوة والبنوة في عملية الخلاص والفداء والتبني.
‏لذلك فبعد الآصحاح الآول الذي كرسه لاستعلان «الكلمة» باعتباره الشخصية المحتجبة في الله: «حقاً أنت إله محتجب يا إلة إسرائيل المخلص» (إش15:45‏)؛ نجد القديس يوحنا بعد تجسد ‏الكلمة يركز على المسيح كابن الله حتى نهاية الإنجيل، كاشفاً دور الآب كأساس لعمل الابن الخلاصي.

يتبع
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 16-03-2017, 08:48 PM   #47
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
د- «مملوءاً نعمة وحقاً»:

بعد أن حلق القديس يوحنا في ذكرياته السالفة عن الأمجاد التي رأها واستعلنها في الابن الوحيد ووقعت عينه ويده عليها في المسيح, الذي اكتشف فيه سر الحياة الآبدية ومجد البنوة الوحيدة للآب؛ يعود بنا إلى ذكرياته عن «الكلمة» في شخص يسوع المسيح كما اختبره في حياته الخاصة والعامة وسلوكه مع الأحباء والأعداء. وأعطى هذه الشهادة أنه كان مملوءاً نعمة وحقاً... فالنعمة والحق هي الصفات الإلهية المتجسدة « للكلمة» المتجسد.
هي أصلاً صفات الله الكائنة فيه، ولكن بتجسد الكلمة استعلنت هذه الصفات لأنها صارت في موضع العطاء، اوتجهزت لتصير هبة تمنح للناس: «وتعرفون الحق والحق يحرركم... فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً.» (يو32:8 و 36‏)
«النعمة»:
‏لم تُستخدم في إنجيل يوحنا إلا هنا وفي الآية 17 من هذا الأصحاح فقط. وأما الحق فهو الصفة الإلهية التي تجىء في القمة بالنسبة للكلمة المتجسد، والتي أعلن عنها المسيح جهارا: «أنا هو الطريق والحق والحياة.» (يو6:14‏)
‏وهاتان الصفتان في ها المقابل في العهد الجديد اللتان تعامل بهما الله معنا في شخص يسوع المسيح، كما كان يتعامل بهما يهوه قديماً: «فنزل الرب في السحاب. فوقف عنده (موسى) هناك ونادى باسم الرب. فاجتاز الرب قدامه ونادى: الرب الرب إله رحيم ورءوف، بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء، حافظ الإحسان إلى ألوف، غافر الإثم والمعصية والخطية، ولكن لن يبرىء إبراءً» (خر5:34-7). فهو "رحيم" ولكنه "لن يبرىء".
‏لذلك فالنعمة والحق في العهد الجديد هما المقابل الحقيقي للناموس والدينونة كما وضعهما القديس يوحنا نفسه في الآية 17 القادمة.
والنعمة في مفهوم القديس يوحنا إذا كانت في مقابل الناموس فهي عملية الفداء والخلاص بكل مشتملاتها ونتائجها، وبالأخص جداً في أنه جعلنا أولاداً وأحباء, بل وأحراراً بعد أن كنا عبيدا تحت سطوة الناموس بمقتضى سلطان الخطية المُذل. بل وتشمل النعمة حتماً كل نعم الله ‏من مواهب؛ بل وبالاكثر جداً اتصالنا بالآب واتحادنا بالابن. أي أن النعمة عند القديس يوحنا هي التجسد الذي أجراه الكلمة في نفسه، فهي بالتالي شخص يسوع المسيح نفسه بالدرجة الاولى. لأن فيه وبه نلنا كل النعمة بل كل النعم. لذلك هكذا ظهر الكلمة لما تجسد أنه مملوء نعمة وحقاً, أي كله نعمة وكله حق, على مستوى العطاء.
فنعمة الأب لنا هي أنه بذل ابنه الوحيد من أجلنا ليكون لنا حياة أبدية باسمه، ثم ولدنا لنفسه لما قبلنا ابنه بالإيمان في قلوبنا وحياتنا. الأب ولدنا لنفسه باتصال وليس بالمجاز أو التصور. لأن نعمة الأب لنا هي انعطاف ذاتي والتحام سري. فكلمة «مولودين من الله» هي من الجدية والحقيقة العملية الروحية على مستوى أعلى من «الميلاد من الدم ومشيئة الجسد ومشيئة الرجل», أي أنها بقوة فعل سري فائق يسري في كياننا الروحي فيغيره ليكون على صورة خالقه كما ينمو الولد ويتشكل على صورة والده. «كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لأنه زرع (زرع الله) يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطىء لأنه مولود من الله.» (يو9:3)
‏ونعمة الآب هي مكملة لنعمة الابن لنا الذي تنازل وأخذ جسدنا لذاته ليهيئنا بالتقديس الذي أجراه لنا, لنكون مؤهلين لتبتي الآب لنا.
"الحق":
‏الحق بالسبة للقديس يوحنا ليس هو الصدق الذي هو عكس الكذب بل الحقيقة Reality ‏في مقابل الشبه أو الظل.
‏فكل أعمال ومعاملات الله قديماً كانت شبه السماويات وظلها، «إذ يوجد الكهنة النين يقدمون قرابين حسب الناموس، الذين يخدمون شبه السمويات وظلقا كما أوحي إل موسى وهو مزمع أن يصنع المسكن» (عب6:4-5). وكل رؤية الله مهما سمت كانت ليس أكثر من «شبه الله يعاين» كما جاء ملى لسان الله: «فقال (الرب) اسمعا كلامي: إن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا أستعلن له في الحلم. أما عبدي موسى فليس هكذا, بل هو أمين في كل شي، فماً إلى فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز، وشبة الرب يعاين« (عد6:12-8)
‏ولكن الآن، وباستعلان الله في الكلمة المتجسد أي شخص يسوع المسيح، ليس بعد كلام الله في حلم ولا بالآلغاز بل «كلمنا ... في ابنه»، «الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة« (عب2:1؛ يو 63:6)، ولا بالشبه نعاين الله بل بالحق، «الأليثيا»: « الذي رآني فقد رأى الآب ( الله)«, «أنا هو... الحق» (يو6:14و9‏)
‏فـ «الحق» هنا عند القديس يوحنا هو استعلاذ الله في ذاته استعلاناً حقيقياً كاملآ كأب تبنانا، وعرفناه أباً ووالداً لنا, ليس بولادة مجازية أو كمنحة ولكن باتصال وفعل سري: «كل من يحب فقد ؤلد من الله» (1يو7:4)، وكابن أخذ جسدنا ومات عنا وفدانا.
‏فعندما يقول القديس يوحنا أنه مملوء نعمة وحقاً فهو يعني أنه بالقياس وبقدر ما يستطع الإنسان أن يقيس ويستوعب فهو الاستعلان الكلي لكل ملء الله سواء من جهة نعمته أومن جهة ذاته. والكلام كله منصب على «الكلمة صار جسداً».
‏ولكي ندرك صلة "الحق الأليثيا" باستعلان الابن عند القديس يوحنا نسمع من المسيح بوضوح قوله بأنه «الحق» و"الابن" واحد هكذا: «إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي، وتعرفون الحق والحق يحرركم» (يو31:8)، «فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً» (يو36:8)
ويلاحظ هنا أن »معرفة الابن» معرفة ثابتة توصل إلى »»معرفة الحق» ومعرفة الحق أو الابن كلتاها تحرر. والمعرفة هنا ليست بنت الفهم والدراسة بل حصيلة رؤيا واستعلان. فالذي يستعلن«الابن» ويدركه في ذاته يستعلن »الحق». أو بمعنى أكثر وضوحاً الذي يستعلن الله «كأب وابن»» يبلغ إلى منتهى الحق، لأنه يلده ابناً حرا لله! هذا كل ما نترجاه من النعمة وكل ما نطلبه من الحق، وهذا قد صار لنا لما صار الكلمة جسداً.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 17-03-2017, 04:50 PM   #48
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
15- يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى: «هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي».

‏هنا القديس يوحنا الإنجيلي يقدم هذه الجملة الإعتراضية بعد وصفه لأمجاد الكلمة المتجسد، مشيراً ومعلناً عن دخول الكلمة المتجسد إل بدء عمله، الذي لما باشره كشف في الحال عن شخصية المسيا, »الكلمة المتجسد», أنه وإن كان قد جاء متأخراً عن المعمدان إلا أن وظيفته أعلنت جهارا أنه كائن قبله، ليس من جهة الوقت أو الزمن بل الوجود والكيان: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن.» (يو58:8‏)
والقديس يوحنا يقدم هذه الشهادة من فم المعمدان نفسه ليثبت بها للكلمة المتجسد التقدم المطلق: »لأنه كان قبلي» ليس في العمل وحسب, بل وفي الوجود والكيان السابق على المعمدان؛ الذي وإن كان المعمدان قد سبق المسيح فهذا لكي يعلن عنه ويعد الطريق له, وليس ليتقدم عليه في الكرامة.
وتأتي شهادة المعمدان في الفعل المضارع يشهد (باستمرار)، لتوضح دوام الحقيقة التي يشهد عنها، بخصوص الشخص المرتقب والمترجى ظهوره وطبعاً هو »المسيا».
وحينما يقول: »ونادى»، فهذه في الأصل تعبير عن الصراخ الملفت للنظر والذي يكون بالصوت العالي تعبيرا عن خطورة واهمية من يشير إليه, كما تفيد بصورة خفية أنها الصرخة التي أطلقها ومات عندما ماتت الصرخة, ولم تعد تتبع التاريخ بل صارت معلومة حية قائمة أبد الدهر. كذلك فإن صراخ الشهادة هو التصوير الإنجيلي لعمل الإلهام الروحي الذي يتدفق مرة واحدة في الإنسان فيطلقه بانفعال: «وامتلأت أليصابات من الروح القدس وصرخت بصوت عظيم وقالت مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك» (لو41:2-42‏). وهذا ما يقصده القديس يوحنا في تسجيله لشهادة المعمدان أنها كانت بنطق إلهي.
وغرض إنجيل القديس يوحنا من وضع هذه الشهادة هنا هكذا هو لحساب المؤمن الذي سيأتي عبر الزمان, الذي هو أنا وأنت أيها القارىء العزيزه ليأخذ من هذه الشهادة الهامة جداً، باعتبارها ختم آخر أنبياء العهد القديم على صدق مجيء المسيا بالجسد في ملء الزمن حسب توقعات كل الأنبياء والآباء والتاريخ اليهودي كله، وأنه وان جاء في مل ء التاريخ إلا أنه كان قائما قبل التاريخ.
‏وقد اكتفى الإنجيليون الثلاثة في ذلك بقولهم وبصفة عامة: «ياتي بعدي من هو أقوى مني»؛ ثم في تقييمهم لارتفاع كرامة المسيح بالنسبة للمعمدان سجلوا ما قاله بنفسه:
* لست أهلاً أن أحل حذاءه. (مت11:3)
* لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه. (مر 7:1)
* لست أهلاً أن أحل سيور حذائه. (لو16:3‏)
أما القديس يوحنا فقد حدد شخصية المعمدان بالنسبة للمسيح، فالمسيح كائن قبل المعمدان. كذلك فعل المسيح سابق على عمل المعمدان. هذا هو معنى «كان قبلي»" كائنا وعاملاً.
وشهادة المعمدان التي يقدمها القديس يوحنا هنا تخدم قضية طبيعة وشخصية الكلمة المتجسد تأكيدا أن التجسد أبقى على لاهوت وأزلية الكلمة كما كان. فكأذ مجمل قول القديس يوحنا هو أن الكلمة لما صار جسداً بقي كما هو إذ رأينا مجده واستعلنا فيه أنه مجد وحيد لأبيه مملوء نعمة وحقاً، والمعمدان شهد لسمو طبيعته الفائقة ولأسبقيته عليه بلا حدود.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 17-03-2017, 04:55 PM   #49
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
16- وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ.

القراءة الصحيحة باللغة اليونانية حسب آباء الإسكندرية تقول: «وبسبب هذا نحن جيعا أخذنا من ملئه، ونعمة فوق نعمة».
وهذه الآية ولو أنها معتمدة على الآية 14 قبل السابقة لدبقة«(ونحن) رأينا مجده .. مملوءاً نعمة وحقاً«، إلا أن هذه الأية هنا تؤكد حقيقة الأية 14 عمليأ بسبب أخذنا من عطاياه. وهكذا يأتي فعل «أخذنا» تأكيدا وتصديقا لفعل «رأينا». هذا يزيد التركيب اللغوي اليوناني قوة وإيضاحأ بسبب أن فعل "أخذنا" الذي يعني أكثر من «أخذنا» خاصة حينما يأتي بعد شهادة أو معتمداً عليها, إذ يفيد معنى الأخذ على مستوى المسك أو القبض أو الاستحواذ سواء فعلاً أو فهمأ, وحينئذ ترسخ معنى الإيمان اليقيني أو مل ء الإيمان؛ حيث »الأخذ أو القبض على» تفيد الفهم والإيمان والقبول والاستحقاق معاً.
وينكشق هذا المعنى حيما نسمع العكس في قول المسيح: «روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله (يأخذه) لأنه لا يراه ولا يعرفه« (يو17:14). أي أن الأخذ على مستوى القبول يعتمد مل رؤيا وتأمل وملاحظة واستحقاق، وإلا يمتنع. وهذا السبب بالذات، أي لأنهم رأوا مجده رؤية التحقق، لذلك أو«لهذا السبب» أخذوا نعمة فوق نعمة.
ولقد ظن بعض آباء العصر الآول مثل أوريجانس وهيراكليدس وغيرها، الذين اضطلعوا بشرح إنجيل يوحنا أن هذه الآية هي تكملة لحديث المعمدان وشهادته، ولكن تسلسل الكلام والمعنى يمنع ذلك، بالإضافة إل أن قول القديس يوحنا ‏«نحن جميعا» ليس أسلوب المعمدان، ولا هو من حقه أن يقول ذلك، لأنه جاء كصوت واحد صارخ يعد الطريق وليس ليمتلئ. فالمكلم هنا هو القديس يوحنا الإنجيلي, كما يقول كل من القديس ذهبي الفم وأغسطينوس وكيرلس الكبير. فبعد أن قدم شهادته مع التلاميذ في قوله "ونحن" رأينا مجده يقدم لنا شهادة الكنيسة معه: "ونحن جيعاً أخذنا".
‏وبهذا تكون هذه الآية هي أول إشارة إل علاقة الكلمة المتجسد الملوء نعمة وحقاً بالكنيسة التي أخذت من ملئه. وتسلسل الكلام يكون هكذا: «ونحن التلاميذ رأينا مجده مجد وحيد لآبيه، وعرفنا وتيقنا أنه مملوء نعمة وحقاً، وبسبب هذا نحن جميعاً, أي الكنيسة كلها, أخذت من ملئه».
الإشارة هنا بليغة وتشير إلى فيض الحب الذي يتفجر من الكلمة المتجسد على هيئة نعم وعطايا متلاحقة الواحدة تمسك بالأخرى. فكل نعمة تؤدي إلى نعمة أكثر. ثم انظر كيف يركز القديس يوحنا على »جميعاً»، وكأنه لم يترك أحداً في الكنيسة دون أن يغدق عليه نعمة ولو لم يدر.
«ملئه»:
متصلة بسابقتها »مملوء» وهي تشير إل االكثرة والفيض، كما تجيء في اللاتينية Plenitudo. (كما وردت في نسخة Vulgate).
‏فإذا علمنا أن ( ) هي صيغة الحال المأخوذ من الفعل ( ) الذى معناه يكمل (To make complete‏)، إذن، فالكلمة تعني كمال الملء أو منتهى الملء. وهذا ما يقصده القديس بولس الرسول بقوله: «لأنه فيه سر(الآب) أن يحل "كل" الملء» (كو19:1). والملء ها تعبير لاهوتي يختص بطبيعة الله، فهو الوحيد الملء الكلي والمالىء الكل. ومن روح إنجيل يوحنا يأتي عمل الملء على أساس الحياة الأبدية. فمن ملء الحياة الآبدية يملأ "الله الكلمة" الفرد أو الكنيسة، بالحياة الآبدية.
‏وفي الحقيقة، وبنظرة واحدة ثاقبة، نرى أن ملء اللوغس المتجسد الأتي إلينا من جهته هو، هو ملء الحياة والمجد وحب الآب, ولكن من الجهة الأخرى بالنسبة لنا فهو الخلاص الكلي بكل مشتملاته من موت وقيامة وفداء وتبرير وصعود وحياة أبدية ومجد وشركة في الطبيعة الإلهية، بكل ‏ما يتبع ذلك من مواهب ضرورية وعطايا امتياز وتبني وحب إلهي فائق:
«لأن الذي ارسله الله يتكلم بكلام الله, لانه ليس بكيل يعطي الله الروح‏» (يو35:3)
«كما ارسلني الآب الحي وانا حي بالآب فمن يأكلني فهو يحيا بي» (يو57:6)
وكلمة "الملء" محبوبة جداً عند القديس بولس, فهي تملأ قلبه بالأحساس الغامر بفيض النعمه فى المسيح يسوع بصورة طاغية. فقد وردت خمس مرات فى رسالتى افسس وكولوسي. وهذه الكلمة بالذات تعتبر هنا وصلة ذات اعتبار كبير بين لاهوت القديس بولس ولاهوت القديس يوحنا، وبالاخص التي جاءت في الرسالة إلى كولوسي:
* "‏لأنه فيه سر أن يحل كل الملء, وأن يصالح به الكل لنفسه، عاملاً الصلح بدم صليبه، بواسطته, سواء كان ما على الأرض أم فى السموات" (كو19:1-20)
* "فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً ل, وأنتم مملوؤون فيه" (كو9:2-10)
* «واخضح كل شيء تحت قدميه وإياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده ملء الذى يملأ الكل فى الكل" (اف22:1-22).
* "ونعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفه، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف 19:3)
* "إلى أن ننتهي جيعنا إلى وحدانية الايمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح» (اف13:4)
‏بولس الرسول يرى ملء المسيح هو ملء الله, وأن الإيمان بالمسيح والدخول في محبته الفائقة المعرفة هو الطريق للأخذ من هذا الملء الكامل الذى للمسيح, وذلك عندما يتحد المؤمنون في وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله. وكل واحد يأخذ من هذا الملء قدر ما تؤهله رؤية إيمانه لمجد المسيح وحبه، وايضا قدر ما توهله صلته في الكنيسة كعضو في جسدها. لانه للكنيسة المتحدة فقط أعطي ملء المسيح كل الملء, على اساس شدة الحب الذي يجمع اعضاءها ليصير لها ما للرأس بالضرورة الحتمية؛ لان مجد الرأس هو للجسد، وفخر الجسد هو الرأس.
القديس يوحنا في هذه الأية يتول قول القديس بولس تماماً، إنما باختصار شعري بليغ، كما يجعل هذا المبدأ اللاهوتي في صلاة المسيح قائلآ للآب القول المستجاب: «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطتني ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد» (يو22:17)، هذا هو المجد الذي أخذ من ملئه القديس يوحنا وأخذت الكنيسة معه.
‏وهنا لا يفوتنا لمحة لاهوتية نخرج بها من هذا المضمار في القول عن الملء من جهة نصيب التجسد من هذا الملء الذي يؤكده ويرسخه بولس الرسول بقوله: «لأنه فيه سر أن يحل كل الملء»، و «فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً»، والذي يرد عليه القديس يوحنا بقوله: «والكلمة صار جسداً... مملوءا نعمة وحقاً». هنا ظفر الجسد بالملء الإلهي، ملء اللاهوت، فدخلته البشرية من أوسع أبوابه لأنه جسد »الكلمة»، الذي انفرش عليه اللاهوت، فمدد أطرافه ووسع تخمه وأبعاده حتى وسع ما للاهوت من ملء. هنا دخلت الكنيسة التي هي جسده إلى اللانهائية، لا باستحياء، بل بجراءة الذي خلقها وفداها ورفعها من التراب إلى السماء.

«..أخذنا, ونعمة فوق نعمة»:
«أخذنا» تأتي هنا بدون مفعول به, »من ملئه نحن جيعاً أخذنا». لأن الملء ليس مجزءا، هو فعلاً عطايا ونعم كثيرة وبلا حصر أوعلى الأصح «بلا كيل». ولكن الملء يوزع ليعود فيتجمع, فهو ملء واحد, ولا بد حتماً بعد أن يتوزع لكل واحد حسب حاجته وبمسرة الله، أن يصير وينتهي إلى واحد, »إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح.» (أف13:4‏)

«ونعمة فوق نعمة»:
‏في هذه ‏الآية ذهب الشُراح كل مذهب، فمنهم من قال, وهم بعض آباء الكنيسة ومنهم ذهبي الفم وكيرلس الكبير, أن نعمة مقابل نعمة تعني نعمة العهد الجديد مقابل نعمة العهد القديم، أي الناموس، ولكن قولهم مردود عليه في الآية 17 التي جعلت الناموس هو المقابل للنعمة ومتدني عنها: «لأن الناموس بموسى أعطي، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا».
‏وبولس الرسول يضح الناموس مضاداً للنعمة، وليس مساوياً لها أو حتى بديلا عنها: ""لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ. لأَنَّ النَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَباً إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضاً تَعَدٍّ. لِهَذَا هُوَ مِنَ الإِيمَانِ كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ لِيَكُونَ الْوَعْدُ وَطِيداً لِجَمِيعِ النَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا." (رو14:4-16)
ولكن علماء الشرح المدققين اتفقوا حديثأ على أنها ‏تفيد اللاحقة والمتابعة التي لا تنتهي لعطايا النعم المتجددة دائمأ وإلى الأبد من لدن الرب يسوع المسيح: ‏أي أن كل نعمة تأتي تنادي نعمة أخرى فترد عليها تلك وتأتي.
فكل نعمة يقابلها نعمة أعمق وأعلى، ونعمة الرب لا تقف ولا تحد: «لأنه ليس بكيل يعطي الله الروح.» (يو34:3)
‏القديس أغسطينوس في عظته الثالثة على الأصحاح الأول لإنجيل القديس يوحنا يشرحها شرحا مطولا بما يفيد أن من ملئه نحن أخذنا, هذا مجمل الأخذ، ثم أضاف الإنجيل: «ونعمة فوق نعمة»، فمثلاً الإيمان نعمة ويقابل الإيمان نعمة أخرى وهي الحياة الأبدية، وهكذا.
‏فإذا عاد القارىء بذاكرته إل ما قلناه بخصوص طابع إنجيل القديس يوحنا الاستعلاني والمتدرج في استعلانه للمسيح والأب، نجد في هذا القول: «ومن ملئه نحن جيعاً أخذنا ونعمة فوق نعمة» بما يفيد أيضاً الامتداد الاستعلاني للمسيح حتى وإلى الأبد. لأن تلاحق النعم وتلاحق الامتلاء من ملئه, أي من ملء النعمة والحق, هو أساساً وبالدرجة الاولى يخدم قضية ‏استعلان حقيقة المسيح الذي لا نهاية لملئه. وفي المنهج الروحي العملي معروف أن كل نعمة يحصل عليها الإنسان إنما ترفعه إلى نعمة أخرى أعلى، لأن النعمة هي بحد ذاتها قوة رافعة، لذلك نسمع القول أن «من يضع نفسه يرتفع» (مت12:23, لو11:14, 14:18), وما ذلك إلا لأن الإتضاع نعمة, فنعمة الإتضاع ترفع إلى نعمة المجد. وقد يتهيأ أحياناً للانسان الروحي الذي يمارس الحب الإلهي أنه بلغ المنتهى من النعم والسعادة، ويكاد يقول: كفى، هنا قد بلغت النهاية. ولكن إذ بالنعمة ترفعه إلى مستوى أعلى فينظر وراءه وكأنه لم يكن سابقاً قد بلغ شيئاً!!، وهكذا فلينتبه القارىء أننا أمام قديس إنجيلي متمرس يتكلم من أعماق يعيشها وبكلمات قليلة يسلمها لمن يسير على دربه.
‏وكما سر الآب «أن يحل في المسيح كل ملء اللاهوت جسدياً», كذلك سر المسيح بنفس القدر والسخاء والحب أن يصب كل ملء نعم اللاهوت الذي له في الكنيسة التي هي جسده، لتمتلىء إلى كل ملء نعم الله، لأنها تأسست على دم الحب وشربت منه الروح الأزلي الذي لن يكف عن أن يأخذ مما للمسيح ويصب فيها صباً حتى تمتلىء إلى كل ملء الله. فلا تستغربن أيها القارىء قول القديس يوحنا: «ونعمة فوق نعمة»، لأن المنعم صمم على أن «المجد الذي لي أنا ‏أعطيتهم»، بل ونفذ بالفعل السري حالة حلول واتحاد وعطاء نعم بلا حد ولا عد للذين أمنوا وتبعوا وشهدوا له في كل عصر: «أنا فيهم وأنت فيى» (يو23:17‏). لذلك فسريان النعمة لن بكف، طالما كان الاتحاد مفتوحاً.
وشهادة القديس يوحنا هنا خاصة بإضافة «جميعاً»، و«نحن جيعاً»، هي ليست شهادة فقط، بل واعتراف، بل وصلاة شكر بلسان الكنيسة كلها ولسان القارىء‏.
فهي تسبحة اعتراف بفضل المسيح يسوع الدائم والآبدي، فلا يوجد مكان أو زمان في الكنيسة يخلو من نعمته، ولا دخل إليه أحد وخرج فارغاً؛ فمراحمه لا تزال تتجدد كل صباح، وفي الفجر تتساقط نعمته كالطل على الكلأ، من يبكر إليه يجده، ومن يسهر إليه يتمشى معه. هو هو وحده وليس أخر يعطي ولا حدود لعطائه، ونحن جيعاً جميعاً نأخذ بلا عد ولا مكيال.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 17-03-2017, 04:55 PM   #50
ميشيل فريد
عضو مبارك
 
الصورة الرمزية ميشيل فريد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,107
ذكر
 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046 نقاط التقييم 1008046
16- وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ.

القراءة الصحيحة باللغة اليونانية حسب آباء الإسكندرية تقول: «وبسبب هذا نحن جيعا أخذنا من ملئه، ونعمة فوق نعمة».
وهذه الآية ولو أنها معتمدة على الآية 14 قبل السابقة لدبقة«(ونحن) رأينا مجده .. مملوءاً نعمة وحقاً«، إلا أن هذه الأية هنا تؤكد حقيقة الأية 14 عمليأ بسبب أخذنا من عطاياه. وهكذا يأتي فعل «أخذنا» تأكيدا وتصديقا لفعل «رأينا». هذا يزيد التركيب اللغوي اليوناني قوة وإيضاحأ بسبب أن فعل "أخذنا" الذي يعني أكثر من «أخذنا» خاصة حينما يأتي بعد شهادة أو معتمداً عليها, إذ يفيد معنى الأخذ على مستوى المسك أو القبض أو الاستحواذ سواء فعلاً أو فهمأ, وحينئذ ترسخ معنى الإيمان اليقيني أو مل ء الإيمان؛ حيث »الأخذ أو القبض على» تفيد الفهم والإيمان والقبول والاستحقاق معاً.
وينكشق هذا المعنى حيما نسمع العكس في قول المسيح: «روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله (يأخذه) لأنه لا يراه ولا يعرفه« (يو17:14). أي أن الأخذ على مستوى القبول يعتمد مل رؤيا وتأمل وملاحظة واستحقاق، وإلا يمتنع. وهذا السبب بالذات، أي لأنهم رأوا مجده رؤية التحقق، لذلك أو«لهذا السبب» أخذوا نعمة فوق نعمة.
ولقد ظن بعض آباء العصر الآول مثل أوريجانس وهيراكليدس وغيرها، الذين اضطلعوا بشرح إنجيل يوحنا أن هذه الآية هي تكملة لحديث المعمدان وشهادته، ولكن تسلسل الكلام والمعنى يمنع ذلك، بالإضافة إل أن قول القديس يوحنا ‏«نحن جميعا» ليس أسلوب المعمدان، ولا هو من حقه أن يقول ذلك، لأنه جاء كصوت واحد صارخ يعد الطريق وليس ليمتلئ. فالمكلم هنا هو القديس يوحنا الإنجيلي, كما يقول كل من القديس ذهبي الفم وأغسطينوس وكيرلس الكبير. فبعد أن قدم شهادته مع التلاميذ في قوله "ونحن" رأينا مجده يقدم لنا شهادة الكنيسة معه: "ونحن جيعاً أخذنا".
‏وبهذا تكون هذه الآية هي أول إشارة إل علاقة الكلمة المتجسد الملوء نعمة وحقاً بالكنيسة التي أخذت من ملئه. وتسلسل الكلام يكون هكذا: «ونحن التلاميذ رأينا مجده مجد وحيد لآبيه، وعرفنا وتيقنا أنه مملوء نعمة وحقاً، وبسبب هذا نحن جميعاً, أي الكنيسة كلها, أخذت من ملئه».
الإشارة هنا بليغة وتشير إلى فيض الحب الذي يتفجر من الكلمة المتجسد على هيئة نعم وعطايا متلاحقة الواحدة تمسك بالأخرى. فكل نعمة تؤدي إلى نعمة أكثر. ثم انظر كيف يركز القديس يوحنا على »جميعاً»، وكأنه لم يترك أحداً في الكنيسة دون أن يغدق عليه نعمة ولو لم يدر.
«ملئه»:
متصلة بسابقتها »مملوء» وهي تشير إل االكثرة والفيض، كما تجيء في اللاتينية Plenitudo. (كما وردت في نسخة Vulgate).
‏فإذا علمنا أن ( ) هي صيغة الحال المأخوذ من الفعل ( ) الذى معناه يكمل (To make complete‏)، إذن، فالكلمة تعني كمال الملء أو منتهى الملء. وهذا ما يقصده القديس بولس الرسول بقوله: «لأنه فيه سر(الآب) أن يحل "كل" الملء» (كو19:1). والملء ها تعبير لاهوتي يختص بطبيعة الله، فهو الوحيد الملء الكلي والمالىء الكل. ومن روح إنجيل يوحنا يأتي عمل الملء على أساس الحياة الأبدية. فمن ملء الحياة الآبدية يملأ "الله الكلمة" الفرد أو الكنيسة، بالحياة الآبدية.
‏وفي الحقيقة، وبنظرة واحدة ثاقبة، نرى أن ملء اللوغس المتجسد الأتي إلينا من جهته هو، هو ملء الحياة والمجد وحب الآب, ولكن من الجهة الأخرى بالنسبة لنا فهو الخلاص الكلي بكل مشتملاته من موت وقيامة وفداء وتبرير وصعود وحياة أبدية ومجد وشركة في الطبيعة الإلهية، بكل ‏ما يتبع ذلك من مواهب ضرورية وعطايا امتياز وتبني وحب إلهي فائق:
«لأن الذي ارسله الله يتكلم بكلام الله, لانه ليس بكيل يعطي الله الروح‏» (يو35:3)
«كما ارسلني الآب الحي وانا حي بالآب فمن يأكلني فهو يحيا بي» (يو57:6)
وكلمة "الملء" محبوبة جداً عند القديس بولس, فهي تملأ قلبه بالأحساس الغامر بفيض النعمه فى المسيح يسوع بصورة طاغية. فقد وردت خمس مرات فى رسالتى افسس وكولوسي. وهذه الكلمة بالذات تعتبر هنا وصلة ذات اعتبار كبير بين لاهوت القديس بولس ولاهوت القديس يوحنا، وبالاخص التي جاءت في الرسالة إلى كولوسي:
* "‏لأنه فيه سر أن يحل كل الملء, وأن يصالح به الكل لنفسه، عاملاً الصلح بدم صليبه، بواسطته, سواء كان ما على الأرض أم فى السموات" (كو19:1-20)
* "فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً ل, وأنتم مملوؤون فيه" (كو9:2-10)
* «واخضح كل شيء تحت قدميه وإياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده ملء الذى يملأ الكل فى الكل" (اف22:1-22).
* "ونعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفه، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف 19:3)
* "إلى أن ننتهي جيعنا إلى وحدانية الايمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح» (اف13:4)
‏بولس الرسول يرى ملء المسيح هو ملء الله, وأن الإيمان بالمسيح والدخول في محبته الفائقة المعرفة هو الطريق للأخذ من هذا الملء الكامل الذى للمسيح, وذلك عندما يتحد المؤمنون في وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله. وكل واحد يأخذ من هذا الملء قدر ما تؤهله رؤية إيمانه لمجد المسيح وحبه، وايضا قدر ما توهله صلته في الكنيسة كعضو في جسدها. لانه للكنيسة المتحدة فقط أعطي ملء المسيح كل الملء, على اساس شدة الحب الذي يجمع اعضاءها ليصير لها ما للرأس بالضرورة الحتمية؛ لان مجد الرأس هو للجسد، وفخر الجسد هو الرأس.
القديس يوحنا في هذه الأية يتول قول القديس بولس تماماً، إنما باختصار شعري بليغ، كما يجعل هذا المبدأ اللاهوتي في صلاة المسيح قائلآ للآب القول المستجاب: «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطتني ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد» (يو22:17)، هذا هو المجد الذي أخذ من ملئه القديس يوحنا وأخذت الكنيسة معه.
‏وهنا لا يفوتنا لمحة لاهوتية نخرج بها من هذا المضمار في القول عن الملء من جهة نصيب التجسد من هذا الملء الذي يؤكده ويرسخه بولس الرسول بقوله: «لأنه فيه سر أن يحل كل الملء»، و «فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً»، والذي يرد عليه القديس يوحنا بقوله: «والكلمة صار جسداً... مملوءا نعمة وحقاً». هنا ظفر الجسد بالملء الإلهي، ملء اللاهوت، فدخلته البشرية من أوسع أبوابه لأنه جسد »الكلمة»، الذي انفرش عليه اللاهوت، فمدد أطرافه ووسع تخمه وأبعاده حتى وسع ما للاهوت من ملء. هنا دخلت الكنيسة التي هي جسده إلى اللانهائية، لا باستحياء، بل بجراءة الذي خلقها وفداها ورفعها من التراب إلى السماء.

«..أخذنا, ونعمة فوق نعمة»:
«أخذنا» تأتي هنا بدون مفعول به, »من ملئه نحن جيعاً أخذنا». لأن الملء ليس مجزءا، هو فعلاً عطايا ونعم كثيرة وبلا حصر أوعلى الأصح «بلا كيل». ولكن الملء يوزع ليعود فيتجمع, فهو ملء واحد, ولا بد حتماً بعد أن يتوزع لكل واحد حسب حاجته وبمسرة الله، أن يصير وينتهي إلى واحد, »إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح.» (أف13:4‏)

«ونعمة فوق نعمة»:
‏في هذه ‏الآية ذهب الشُراح كل مذهب، فمنهم من قال, وهم بعض آباء الكنيسة ومنهم ذهبي الفم وكيرلس الكبير, أن نعمة مقابل نعمة تعني نعمة العهد الجديد مقابل نعمة العهد القديم، أي الناموس، ولكن قولهم مردود عليه في الآية 17 التي جعلت الناموس هو المقابل للنعمة ومتدني عنها: «لأن الناموس بموسى أعطي، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا».
‏وبولس الرسول يضح الناموس مضاداً للنعمة، وليس مساوياً لها أو حتى بديلا عنها: ""لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ. لأَنَّ النَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَباً إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضاً تَعَدٍّ. لِهَذَا هُوَ مِنَ الإِيمَانِ كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ لِيَكُونَ الْوَعْدُ وَطِيداً لِجَمِيعِ النَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا." (رو14:4-16)
ولكن علماء الشرح المدققين اتفقوا حديثأ على أنها ‏تفيد اللاحقة والمتابعة التي لا تنتهي لعطايا النعم المتجددة دائمأ وإلى الأبد من لدن الرب يسوع المسيح: ‏أي أن كل نعمة تأتي تنادي نعمة أخرى فترد عليها تلك وتأتي.
فكل نعمة يقابلها نعمة أعمق وأعلى، ونعمة الرب لا تقف ولا تحد: «لأنه ليس بكيل يعطي الله الروح.» (يو34:3)
‏القديس أغسطينوس في عظته الثالثة على الأصحاح الأول لإنجيل القديس يوحنا يشرحها شرحا مطولا بما يفيد أن من ملئه نحن أخذنا, هذا مجمل الأخذ، ثم أضاف الإنجيل: «ونعمة فوق نعمة»، فمثلاً الإيمان نعمة ويقابل الإيمان نعمة أخرى وهي الحياة الأبدية، وهكذا.
‏فإذا عاد القارىء بذاكرته إل ما قلناه بخصوص طابع إنجيل القديس يوحنا الاستعلاني والمتدرج في استعلانه للمسيح والأب، نجد في هذا القول: «ومن ملئه نحن جيعاً أخذنا ونعمة فوق نعمة» بما يفيد أيضاً الامتداد الاستعلاني للمسيح حتى وإلى الأبد. لأن تلاحق النعم وتلاحق الامتلاء من ملئه, أي من ملء النعمة والحق, هو أساساً وبالدرجة الاولى يخدم قضية ‏استعلان حقيقة المسيح الذي لا نهاية لملئه. وفي المنهج الروحي العملي معروف أن كل نعمة يحصل عليها الإنسان إنما ترفعه إلى نعمة أخرى أعلى، لأن النعمة هي بحد ذاتها قوة رافعة، لذلك نسمع القول أن «من يضع نفسه يرتفع» (مت12:23, لو11:14, 14:18), وما ذلك إلا لأن الإتضاع نعمة, فنعمة الإتضاع ترفع إلى نعمة المجد. وقد يتهيأ أحياناً للانسان الروحي الذي يمارس الحب الإلهي أنه بلغ المنتهى من النعم والسعادة، ويكاد يقول: كفى، هنا قد بلغت النهاية. ولكن إذ بالنعمة ترفعه إلى مستوى أعلى فينظر وراءه وكأنه لم يكن سابقاً قد بلغ شيئاً!!، وهكذا فلينتبه القارىء أننا أمام قديس إنجيلي متمرس يتكلم من أعماق يعيشها وبكلمات قليلة يسلمها لمن يسير على دربه.
‏وكما سر الآب «أن يحل في المسيح كل ملء اللاهوت جسدياً», كذلك سر المسيح بنفس القدر والسخاء والحب أن يصب كل ملء نعم اللاهوت الذي له في الكنيسة التي هي جسده، لتمتلىء إلى كل ملء نعم الله، لأنها تأسست على دم الحب وشربت منه الروح الأزلي الذي لن يكف عن أن يأخذ مما للمسيح ويصب فيها صباً حتى تمتلىء إلى كل ملء الله. فلا تستغربن أيها القارىء قول القديس يوحنا: «ونعمة فوق نعمة»، لأن المنعم صمم على أن «المجد الذي لي أنا ‏أعطيتهم»، بل ونفذ بالفعل السري حالة حلول واتحاد وعطاء نعم بلا حد ولا عد للذين أمنوا وتبعوا وشهدوا له في كل عصر: «أنا فيهم وأنت فيى» (يو23:17‏). لذلك فسريان النعمة لن بكف، طالما كان الاتحاد مفتوحاً.
وشهادة القديس يوحنا هنا خاصة بإضافة «جميعاً»، و«نحن جيعاً»، هي ليست شهادة فقط، بل واعتراف، بل وصلاة شكر بلسان الكنيسة كلها ولسان القارىء‏.
فهي تسبحة اعتراف بفضل المسيح يسوع الدائم والآبدي، فلا يوجد مكان أو زمان في الكنيسة يخلو من نعمته، ولا دخل إليه أحد وخرج فارغاً؛ فمراحمه لا تزال تتجدد كل صباح، وفي الفجر تتساقط نعمته كالطل على الكلأ، من يبكر إليه يجده، ومن يسهر إليه يتمشى معه. هو هو وحده وليس أخر يعطي ولا حدود لعطائه، ونحن جيعاً جميعاً نأخذ بلا عد ولا مكيال.
ميشيل فريد غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل حقاً كل تفسير إنجيل يوحنا ، من وضع القديس كيرلس؟ مكرم زكى شنوده المنتدى المسيحي الكتابي العام 0 09-11-2016 01:39 AM
تفسير إنجيل يوحنا 7 : 38 alaa86 الاسئلة و الاجوبة المسيحية 7 07-04-2011 06:49 PM


الساعة الآن 02:48 AM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2018، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة