






صهريج العائلة المقدسة: رحلة عبر الزمان في قلب القاهرة التاريخية
يعد صهريج العائلة المقدسة الأثري واحدًا من أثمن الاكتشافات التاريخية والدينية التي شهدتها مصر في العصر الحديث.
يقع هذا الصهريج الروماني الضخم في المبنى الغربي البحري الملحق بكنيسة السيدة العذراء مريم الأثرية في حارة زويلة القابعة في حي الجمالية العريق. لم يكن ظهور هذا الموقع مجرد حدث عابر، بل أعاد تسليط الضوء على الإرث الروحي والمعماري الغني لمسار رحلة العائلة المقدسة في أرض مصر.
تفاصيل الكشف التاريخي وظهور الصندوق السري
ظل هذا الصهريج مخفيًا ومطويًا في ظلمات النسيان لأكثر من ألفي عام، ولم يتم الكشف عنه إلا في يونيو عام 2022. حدث الاكتشاف أثناء قيام خبراء الآثار والمهندسين بأعمال توثيق، ورفع معماري، وترميم دقيق لبنية الكنيسة. تكمن المفاجأة في أن المكان الذي يقع فوق الصهريج كان مستغلاً لعدة عقود كمطعم صغير أو "كافيتريا" لخدمة زوار الكنيسة، مغطى بالكامل بأسقف من الخشب وكتل الألومنيوم المستحدثة التي حجبت الرؤية عما أسفلها.
وعندما شرعت فرق العمل التابعة لوزارة السياحة والآثار المصرية في إزالة تلك الإضافات الحديثة لإعادة الكنيسة إلى طابعها الأثري الأصلي، تلاحظ لهم وجود فراغ غريب وممر هابط غير مسجل في الخرائط القديمة للكنيسة. وبمتابعة التنقيب والرفع، انفتحت فجوة عميقة كشفت عن سرداب حجري يقود مباشرة إلى صهريج ماء روماني ممتد تحت حوائط الكنيسة، ولا تزال مياهه العذبة تتدفق بانتظام وتملأ جنباته.


الأبعاد الروحية والتاريخية للصهريج
وفقًا للمصادر التاريخية الكنسية والتقاليد القبطية المتوارثة، فإن هذا الموقع يمثل محطة استراحة جوهرية وطويلة قضتها العائلة المقدسة أثناء هروبها إلى مصر، وتحديدًا بعد مغادرتها منطقة المطرية الشهيرة بشجرة مريم. وتذكر الروايات التاريخية الموثقة داخل الكنيسة أن السيدة العذراء مريم كانت تستخدم مياه هذا الصهريج بالتحديد لقضاء حوائج الحياة اليومية، ومنها غسل ملابس الطفل يسوع، ثم سكب مياه الغسيل في بئر الصرف الملحقة بالصهريج، وهو ما أضفى على المياه قدسية وبركة خاصة في وجدان المترددين على المكان.
أما من الناحية الهندسية والفيزيائية، فيشكل الصهريج لغزًا إنشائيًا يثير دهشة المعماريين؛ حيث تنبع المياه وتتحرك داخل الجدران والأنفاق السفلية منذ آلاف السنين دون أن تتسبب الرطوبة أو النشع في تصدع جدران أو أساسات الكنيسة القديمة القائمة فوقه، مما يعكس براعة العمارة الرومانية القديمة في العزل المائي والتوجيه الإنشائي للمياه الجوفية والينابيع.
العمارة الهندسية والمقتنيات المكتشفة
من الناحية المعمارية، يصنف الكشف كـ "صهريج رئيسي عام" وليس مجرد بئر منزلي تقليدي، وهو ما يدل على أنه كان يخدم منطقة سكنية أو حامية عسكرية كاملة في العصر الروماني. يتبع التصميم الطراز الهندسي الروماني الكلاسيكي لإدارة المياه، حيث يرتكز على ثلاث فتحات أساسية: فتحة مخصصة لصب المطر والمياه الواردة لتغذية المخزن، وفتحة مخصصة لسحب المياه بواسطة الدلاء للاستخدام اليومي، إلى جانب فتحة علوية واسعة ينحدر منها سلم حجري ضيق يسمح بنزول العمال لغرض الصيانة الدورية وتنظيف القاع من الرواسب.
ولم يتوقف الاكتشاف عند التصميم المعماري للمبنى فحسب؛ بل عثرت اللجان الأثرية المشرفة على التنقيب في قاع الصهريج والممرات المحيطة به على مجموعة من المكتشفات النادرة. شملت هذه المقتنيات أباريق فخارية أثرية كانت تستخدم في نقل المياه، وأواني زجاجية تعود لعصور مختلفة، بالإضافة إلى عدد من الأيقونات القبطية القديمة، ومخطوطات نادرة تحتوي على نصوص من المزامير والصلبان التي ألقاها الحجاج والرهبان تبركًا بالمكان عبر القرون.


كنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة: الحاضنة التاريخية
لا يمكن فصل قيمة الصهريج عن القيمة العظمى لكنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة التي تحتضنه، والتي تُعرف تاريخيًا أيضًا باسم "كنيسة العذراء حالة الحديد". تأسست هذه الكنيسة في القرن الرابع الميلادي (حوالي عام 352 ميلاديًا) على يد الحكيم زيلون، وتصنف كواحدة من أقدم الكنائس الباقية في مصر.
اكتسبت الكنيسة ثقلاً دينيًا وسياسيًا فريدًا في التاريخ القبطي، نظراً لأنها كانت بمثابة المقر الرسمي المقيم للكرسي البطريركي (بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية) لأكثر من ثلاثة قرون متصلة بدأت من عام 1400 ميلاديًا وحتى عام 1660 ميلاديًا، قبل أن ينتقل المقر لاحقًا إلى كنيسة العذراء المغيثة بحارة الروم ثم إلى الكاتدرائية المرقسية. هذا التاريخ الطويل جعل الكنيسة مجمعًا يضم أسرارًا تاريخية، وجاء اكتشاف الصهريج ليتوج حارة زويلة كواحدة من أهم نقاط الجذب الروحي والأثري في مسار العائلة المقدسة بمصر.