الصفحة الرئيسية

آخر المشاركات

المواضيع الجديدة للصفحة الرئيسية

هل انت البارقليط في خياة الاخرين

وردت كلمة باراقليط، حرفيًا باراكليتوس (Παράκλητος – Paraklētos )، في العهد الجديد، وبالتحديد في الإنجيل بحسب القديس يوحنا، والرسالة الأولي للقديس‏ يوحنا خمس مرات فقط: أربع مرّات في الإنجيل، ومرة واحدة في رسالته الأولى. ولم ترد ثانيةً في بقية العهد الجديد. وفيما يلي الظروف التي تحدث فيها الربّ يسوع المسيح عن هذه الكلمة:‏
قبل القبض عليه ومحاكمته، وفي لقائه الأخير مع تلاميذه قبل صلبه وموته جسديًا ثم قيامته، أخذ الرب يسوع المسيح يُحدّث تلاميذه، بعد أن كشف لهم حقيقة علاقته بالآب ووحدة الآب والابن في الطبيعة والذات الإلهية لله الواحد، الموجود بذاته والناطق بكلمته والحي بروحه القدوس، ووجوده الأزلي السابق لخليقة العالم (يوحنا14و17)، عن اختفائه عنهم بالموت جسديًا ثم ظهوره لهم بعد قيامته فقال لهم:



  • “بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضاً وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ” (يوحنا 14/19).
  • “بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ ” (يوحنا16/16).
  • “فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ تلاَمِيذِهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا هُوَ هَذَا الَّذِي يَقُولُهُ لَنَا: بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي وَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ؟” (يوحنا16/17).
  • وكانت أجابته لهم ” أَعَنْ هَذَا تَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ لأَنِّي قُلْتُ: بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ وَلَكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ. اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ. فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضاً فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ.
    وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لاَ تَسْأَلُونَنِي شَيْئاً. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ الآبِ بِاسْمِي يُعْطِيكُمْ. إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئاً بِاسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً. ” قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا بِأَمْثَالٍ وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ حِينَ لاَ أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِأَمْثَالٍ بَلْ أُخْبِرُكُمْ عَنِ الآبِ علاَنِيَةً. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِاسْمِي. وَلَسْتُ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا أَسْأَلُ الآبَ مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنَّ الآبَ نَفْسَهُ يُحِبُّكُمْ لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجْتُ. خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ وَأَيْضاً أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ ” (يوحنا16/19-28).
أعطي الرب يسوع المسيح تلاميذه وصاياه الأخيرة وأخبرهم عمّا سيحدث لهم من ضيقات ومتاعب واضطرابات واضطهادات لأجل اسمه في الأيام القليلة القادمة، وكان يقصد بذلك تقوية وتشديد إيمانهم وتعريفهم بما سيحدث لهم حتى يكونوا علي بيّنة ممّا سيأتي عليهم، ومن ثمّ فقد قال لهم تأكيدًا لذلك:

  • ‏” كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ ” (يوحنا15/11).
  • ” قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ لاَ تَعْثُرُوا ” (يوحنا16/1).
  • ” لَكِنِّي قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ تَذْكُرُونَ أَنِّي أَنَا قُلْتُهُ لَكُمْ. وَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ مِنَ الْبِدَايَةِ لأَنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ ” (يوحنا16/4).
  • ” قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا بِأَمْثَالٍ وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ حِينَ لاَ أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِأَمْثَالٍ بَلْ أُخْبِرُكُمْ عَنِ الآبِ علاَنِيَةً ” (يوحنا16/25).
  • ” قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ ” (يوحنا16/33).
وفي أثناء هذا الحديث الطويل حدّثهم عن إرساله للروح القدس الذي وصفه بالباراقليط، أي المعزّي أو المدافع أو المحامي فقال:

  1. ” وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّياً آخَرَ( αλλον παράκλητον – allon Parakleton ) لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ. ” (يوحنا14/16-18).
  2. ” وَأَمَّا الْمُعَزِّي ( Παράκλητος – Paraklētos ) الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يوحنا14/26).
  3. ” وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي ( Παράκλητος – Paraklētos ) الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ فَهُوَ يَشْهَدُ لِي وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الاِبْتِدَاءِ ” (يوحنا15/26و27).
  4. ” لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي ( Παράκλητος – Paraklētos ) وَلَكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ. أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرٍّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضاً. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ. إِنَّ لِي أُمُوراً كَثِيرَةً أَيْضاً لأَقُولَ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ ” (يوحنا16/7-15).
ثم استخدم القديس يوحنا بعد ذلك تعبير الباراقليط ( Παράκλητος – Paraklētos )، عن الرب يسوع المسيح نفسه كالشفيع أو المحامي فقال ” يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ (παράκλητον – Parakleton ) عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ، وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضاً ” (1يوحنا2/1و2). وبذلك يكون الباراقليط الأول هو الرب يسوع المسيح نفسه والباراقليط الآخر هو الروح القدس.

2- المعني اللغوي لكلمة الباراقليط:​

الكلمة اليونانية هي ( Παράκλητος – Paraklētos ) من الفعل ” باراكليو – παρακαλέω – parakaleō – par-ak-al-eh’-o ) ومعناها:

” To call near, that is, invite, invoke (by imploration, hortation or consolation): – beseech, call for, (be of good ) comfort, desire, (give) exhort (-ation), intreat, pray “.
وجمعه ( Παρεκαλουν – Parekloun ).

وكلمة ” ( Παράκλητος – Paraklētos ) اسم مفعول، وتعني في أصلها اللغويّ ” المستعان به called to one side “، وقد جاءت في الترجمة السبعينية في أيوب (16/3) في اسم الفاعل بصيغة الجمع – في وصف أصحابه الذين جاءوا إليه في كربه: ” مُعَزُّون ( Παράκλητορες – Paraklētres ) – مُتْعِبُون كُلّكًم “.

وتعني الكلمة،في معناها العام، في الكتابات الأدبية الكلاسيكية اليونانية قبل الميلاد؛ “شخصٌ يُستدعي للمساعدة، يُستدعي ليقدّم مساعدة، بمعني مساعد في المحكمة، أي ” محامٍ ” قانوني أو مستشار للدفاع، كما استخدمت بصيغة المبني للمجهول بمعني ” مُستدعي “.

وهذا المعني القانوني الفني هو الغالب في الاستخدام وتقابله كلمة “محامٍ” أو “مستشار” أو “وكيل دعاوي”. كما استخدمت بمعني شفيع أو وسيط أو معين بصورة عامّة
” An intercessor, consoler: – advocate, comforter ”

3- الباراقليط والترجمة اليونانية (السبعينية LXX ) للعهد القديم (حوالي 275ق. م.):​

استخدمت كلمة باراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) في الأدب اليوناني في القرن الرابع قبل الميلاد بمعنى ” شخص يُستدعى للمساعدة، يُستدعي لتقديم مساعدة “، كما بيّنا أعلاه، ويعطى معنى المساعدة في المحكمة، أي محامي أو مدافع أو مستشار قانوني. وعندما ترجم علماء اليهود أسفار العهد القديم إلى اللغة اليونانية المعروفة بالسبعينية حوالي سنة 275 ق. م. بناء على طلب من الملك بطليموس ملك مصر، استخدم هؤلاء العلماء الاسم الجمع للكلمة (Παράκλητοι – Paraklētoi )، وذلك في صيغة اسم الفاعل وبصيغة الجمع – في وصف أصحابه الذين جاءوا إليه في كربه ” مُعَزُّون ( Παράκλητορες – Paraklētres ) – مُتْعِبُون كُلّكًم “(أيوب16/2). والتي هي في العبرية ( נחם – nâcham – naw-kham ‘ – معزون )، واستخدمت أيضًا في سفر زكريا (1/13) في ترجمة قوله:

” ‏كلمات تعزيـة = (4) λογους παρακλητικος (Logos Parakletikos ) = נחם נחוּם = nee-khoom’, nee-khoom’ -properly consoled ; abstractly solace: – comfort (-able), repenting

‏4- استخدمها في التلمود والترجوم:​

استخدام كتّاب اليهود هذه الكلمة “باراقليط” في عدد من المعاني، فالعمل الصالح يدعي “باراقليط” أو محام. أمَّا التعدي، فيسمى المُدَّعي أو سلطة الاتهام. والتوبة والأعمال الصالحة فيطلق عليها “باراقليط” (بصيغة الجمع)، فأعمال البر والرحمة التي يقوم بها شعب إسرائيل في هذا العالم، تصبح عوامل سلام وشفعاء (باراقليط) لهم عند أبيهم الذي في السموات وذبيحة الخطية هي أيضًا “باراقليط”.

5-كما استخدمها فيلو الفيلسوف اليهودي المعاصر للمسيح:​

بمعنى Advocate أي المحامي أو المدافع، واستخدمها أيضًا بصيغة الجمع (Παράκλητοι – Paraklētoi )، بمعني ديني، يعني المدافعين عن الخطاة أمام الله، فيقول عن يوسف ‏إنه منح الغفران لأخوته الذين أساءوا إليه، وأعلن لهم أنَّهم ليسوا في حاجة إلي “باراقليط” أو شفيع.

وفي كتابه عن حياة موسى، ترد عبارة ملفتة للنظر تدل علي أسلوب فيلو في التأويل الروحي للكتاب، كما تعكس نزعته الفلسفية، ففي ختام وصفه البليغ للمعاني الرمزية لثياب رئس الكهنة بكلّ ما فيها من جواهر ثمينة. يقول: ” إن الإثنى عشر حجرًا المرصّعة بهما الصدرة علي أربعة صفوف، وفي كل صف منها ثلاثة أحجار، كانت رمزًا للعقل الذي يمسك بالكون ويحفظ نظامه، إذ كان لابد أن الإنسان الذي كُرّس لأب كل العالم، يتّخذ ابنه شفيعًا (باراقليط). باعتباره الكامل المطلق في كل فضيلة، للحصول علي غفران الخطايا وبركات بلا حدود”، وهي عبارة شديدة الشبه بما جاء في رسالة يوحنا الأولى (2/1). حيث نري المسيح شفيعنا عند الآب، ولو أنَّ مفاهيم فيلو عن ” العقل ” و ” ‏الابن ” ليست هي المفاهيم المسيحية.

وهكذا فإن تاريخ كلمة الباراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) سواء في دائرة الفكر اليوناني أو اليهودي السابق للمسيحية أو الفكر المسيحي يؤكد أنها لا تعني سوى المدافع أو المحامي أو المعزِّي أو الشفيع. وقد طبقت كل هذه المعاني على السيد المسيح الذي هو الباراقليط الأول، والروح القدس الذي هو الباراقليط‏ الآخر. ولا مجال مطلقًا لأي إدعاء آخر.

6- ترجمة الباراكليتوس إلى اللغات الأخرى:‏​

كُتب العهد الجديد باللغة اليونانية وقد كتب القديس يوحنا، بالروح القدس، الإنجيل الرابع ورسائله الثلاث فيما بين سنة 60و95م، الفترة التي دمَّر فيها الرومان هيكل سليمان، ‏وتشتت فيها اليهود في جميع أنحاء الدول المطلة علي البحر المتوسط، وبعد انتشار المسيحيّة في هذه الدول، وكانت اللغة اليونانية هي اللغة السائدة وقتئذ، وبالتالي فقد كتبت الكلمة في الإنجيل كما هي (Παράκλητος – Paraklētos ) بدون نقل أو ترجمة من العبرية أو الآرامية التي كان يتكلم بها الرب يسوع المسيح. وقد ترجمت في القرون الثلاثة التالية إلي السريانية والقبطية واللاتينية وهي لغات البلاد التي انتشرت فيها المسيحية والتي كانت منتشرة فيها اللغة اليونانية أيضًا.‏

  1. اللغة السريانية: نُقلت الكلمة في الترجمات السريانية الشرقية كما هي في اليونانية(Παράκλητος – Paraklētos ) وقد كُتبت بحروف سريانية، ونُطقت ” براقلطيا ” بمعني المعزي، وترجمت في السريانية الفلسطينية ” منحميا ” أي المعزّي.
  2. اللغة القبطية: واستخدمت اللغة القبطية أيضًا، سواء الصعيدية أو البحيرية، نفس الكلمة كما هي ‏بحروفها اليونانية (Παράκλητος – Paraklētos ) بنفس المعني اليوناني، المعزي، وإن كانت الصعيدية ترجمت ما جاء في يوحنا الأولى: ” يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ (παράκλητον – Parakleton ) عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ، وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضاً (يوحنا2/1).‏
  3. اللغة اللاتينية: وبنفس الطريقة نقلت الترجمات اللاتينية الكلمة كما هي وكتبتها بحروف لاتينية (Parakletus ) وترجموها أحيانًا إلي ” أدفوكاتوس Advocatus ” أي “المدافع”، وأحيانًا ” المستشار القانوني – Consolator “. وترجمت الفولجاتا ( العامية ) ما ورد في الإنجيل بحسب القديس يوحنا إلى “Parakletus ” وما جاء في رسالته الأولي إلي Advocatus .

7- الباراكليتوس وآباء الكنيسة:​

آمن آباء الكنيسة وعلماؤها منذ نهاية القرن الأول وحتى الآن أنَّ الباراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) هو اسم من أسماء الروح القدس وصفة من صفاته. فهو روح الحق الذي ينبثق من الذات الإلهية لله الواحد. كما أنه أحد ألقاب الرب يسوع المسيح ” الشفيع “. ولم يتخيّل أحد هؤلاء الآباء في القرون الأولى أنَّ الباراقليط يمكن أنْ يعني أي شخص آخر غير الروح القدس أو الرب يسوع المسيح. ولم ترد هذه الفكرة في كتاباتهم ومخطوطاتهم على الإطلاق. وإنما ترجموها بمعنى المعزِّي أو ‏المدافع بالنسبة للروح القدس والشفيع بالنسبة للمسيح.‏

  1. جاء في الرسالة إلى برنابا التي كتبت فيما بين ( سنة 70 إلي 100م )؛ أنَّ الباراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) يعني المعزي Consoler أو المُريح Comforter ، وهذه الصفة كانت معروفة وشائعة عند آباء الكنيسة اليونانية (أي الذين كتبوا باليونانية، خاصة في الشرق).‏
  2. العلامة ترتليان ( الروح القدس: 220م ): قال العلامة ترتليان من الآباء اللاتين في القرن الثاني: “وهو (أي المسيح) الذي سيأتي ليدين الأحياء والأموات والذي أرسل أيضًا من السماء، من الآب حسب وعده الروح القدس الباراقليط مقدس هؤلاء الذين يؤمنون بالآب والابن والروح القدس”.
    وقال أيضًا: “يوجد الباراقليط أو المعزي الذي وعد ( المسيح ) أن يرسله من السماء بعد صعوده إلى الآب. لقد دُعي حقًا معزِّيًا آخر، ولكن بأي طريقة هو آخر؟ مبينًا حالا قول المسيح ” سيأخذ مما لي ” مثلما أخذ المسيح نفسه من الآب. وهكذا فإنَّ صلة الآب في الابن والابن في الباراقليط ثلاثة أقانيم متّحدة ( منطقيًا )، ومع ذلك يتميّز الأقنوم عن الآخر، وهؤلاء الثلاثة هم جوهر واحد فقط”.
  3. العلامة أوريجانوس ( 185-245م): قال العلامة المصري أوريجانوس في بداية القرن الثالث:”الروح القدس سمّاه ربنا ومخلصنا في الإنجيل للقديس يوحنا الباراقليط … نفس الروح القدس الذي كان في الأنبياء والرسل”.
    وأيضًا: ” يجب أنْ نعرف أنَّ الباراقليط هو الروح القدس الذي يُعلم الحق الذي لا يُنطق بكلمات ولا يسوغ لإنسان أنْ يتكلّم به، أي الذي لا يمكن أنْ يبيّن بلغة البشر “.
    وقال مبيّنًا الفرق بين استخدام الكلمة كصفة للرب يسوع المسيح: “وبما أنَّ مخلصّنا دُعي بالباراقليط في رسالة يوحنا في قوله ” وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ (παράκλητον – Parakleton ) عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ، وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا” … لأنَّه في اليونانية له كلٍ من المعنيَين، أي الشفيع والمُعزّي… وعندما يقول “هو كفارة”، يُفهم اسم الباراقليط في حالة مخلصنا بمعني الشفيع؛ لأنَّه يتوسّط عند الآب لأجل خطايانا، وفي حالة الروح القدس يجب أنْ يُفهم بمعنى المُعزّي لأنَّه يهب تعزيةً لنفوس الذين يَكْشِف لهم صراحة إدراك المعرفة الروحية.‏
  4. وجاء في كتاب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري في نهاية القرن الثاني وبداية الثالث تسجيل لما حدث لشهداء الغال (177/178م) قوله عن فيتيوس اباجاتوس الذي شهد ودافع عن إخوته أنَّه دعي “شفيع المسيحيين، إذ كان في داخله شفيع، أي ‏الروح الذي امتلأ به أكثر من زكريا”. وهنا دعي شفيع لأنه كان بداخله الشفيع الذي أرسله المسيح، أي الروح القدس الذي امتلأ به مثلما امتلأ زكريا بالروح القدس وتنبأ…‏
  5. وركَّز القديس إكليمندس السكندري على فكرة المشير القانوني والنصيحة القانونية، ويستخدم تعبير:
    ” باراكليتون بسيشس – parakleton psyches – ψυχης παράκλητον )، أي “محامي النفوس”.
  6. القديس كيرلس الأورشليمي (314-387م ): قال في حديثه عن أسماء الروح القدس ” أنه ( الروح القدس ) يدعى “روحًا” بحسب الكتاب المقدس كما قرأت الآن… ويُدعى “روح الحق” وفقًا لقول المخلص “فمتى جاء روح الحق…”، ويدعى “المعزي أو المؤيد” كما قال “فإن لم أمض لا يأتيكم المعزي… ولكن هو واحد بالرغم من له ألقابّا مختلفة وهذا‏ واضح لأن الروح القدس والمعزي هما واحد معلن في هذه الكلمات “ولكن المعزي الروح القدس”… والمعزي هو نفسه الروح القدس… كما جاء “وأنا أسأل أبي فيعطيكم معزيًا آخر يبقى معكم إلي الأبد روح الحق”… وأيضا ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من عند الآب روح الحق “.‏
وهكذا يتضح لنا أنَّ الباراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) حسب ما فهمه آباء الكنيسة في القرون الأربعة الأولى للميلاد، سواء في الشرق أو الغرب، هو الروح القدس، روح الحق المعزي، الأقنوم الثالث في الذات الإلهية لله الواحد، والذي سبق أنْ حلّ في الأنبياء والرسل والذي أرشدهم إلى الحق كقول العلامة أوريجينوس “الذي يعلم الحق الذي ينطق بكلمات لا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها، الذي لا يمكن أن يبين بلغة بشرية”.
هو الروح القدس الذي يهب التعزية للذين يهب لهم إدراك المعرفة الروحية، الذي نزل من السماء وحلّ على التلاميذ بعد صعود الرب يسوع المسيح بعشرة أيام. كما عرفوا أيضًا وفهموا من الكتاب المقدس أنَّ المسيح نفسه دُعي ‏باراقيط (Παράκλητος – Paraklētos ) بمعنى الشفيع الذي يشفع لنا عند الآب

المسيحي “يزرع الرجاء” يزرع زيت الرجاء، يزرع رائحة الرجاء وليس خلّ المرارة واليأس. إنّ الروح لا يجعلنا قادرين على الرجاء فحسب بل أن نكون أيضًا على مثاله وبفضله “بارقليطًا” أي معزّين ومدافعين عن إخوتنا، أن نكون زارعي رجاء”. في الواقع، . إنّ للروح القدس القدرة على أن يجعلنا “نفيض رجاء” ببساطة أي أن نأمل حتى لو نفدت الدوافع البشرية للرجاء”. ويجب أن نكون “محامين ومساعدين وحاملي عزاء” في “كلّ ما تحمل كلمة بارقليط من معنى”. إنهم بشكل خاص الفقراء والمهمّشون وغير المحبوبين الذين يحتاجون إلى شخص يكون “بارقليطًا” في حياتهم أي المعزّي والمدافع”.

مواقف وابعاد خدمة الاخرين للقديسة مريم العذراء

خدمة القديسة مريم العذراء للآخرين هي مدرسة روحية واجتماعية متكاملة، لا ترتكز على الشعارات بل على العمل الصامت والبذل الكامل. تُعلمنا حياتها أن الخدمة الحقيقية تنبع من قلب يملأه حب الله، ويتجلى في حب القريب.
فيما يلي شرح وافي ومفصل لأبعاد، ومواقف، وخصائص خدمة العذراء مريم للآخرين:

أولاً: المواقف التاريخية الكبرى لخدمة العذراء في الكتاب المقدس
حفلت المحطات القليلة المذكورة للقديسة مريم في الإنجيل بأبعاد عميقة للخدمة، ومنها:
  1. زيارة القديسة أليصابات (الخدمة الجسدية والنفسية العاجلة):
    • المبادرة السريعة: بمجرد أن علمَتْ من الملاك جبرائيل بأن نسيبتها أليصابات حبلى في شيخوختها، لم تتردد. غادرت "بسرعة" متجهة إلى جبال يهودية (رحلة شاقة وطويلة سيراً على الأقدام أو الركوب).
    • إنكار الذات: لم تفكر مريم بكرامتها الجديدة كـ "أم المخلص"، ولم تطلب أن تُخدَم، بل ذهبت لِتَخدِم امرأة عجوزاً.
    • المدة: مكثت معها نحو ثلاثة أشهر، وهي الفترة الأخيرة والأصعب من الحمل حتى الولادة، لتقدم لها الرعاية الجسدية الكاملة والدعم النفسي.
  2. عرس قانا الجليل (الخدمة الإنسانية والاجتماعية والشفاعة):
    • دقة الملاحظة: انتبهت العذراء لخدمة أهل العرس قبل أن يشعر المدعوون بالأزمة. لاحظت بوعيها وقلبها الأمومي أن "ليس لهم خمر"، مما كان سيسبب إحراجاً كبيراً لأصحاب الفرح.
    • الوساطة الفعّالة: لم تقف متفرجة، بل نقلت الاحتياج فوراً إلى السيد المسيح بثقة وإيمان كاملين.
    • توجيه الآخرين للحل: قالت للخدام جملتها الشهيرة: "مهما قال لكم فافعلوه"، لتضعهم على طريق الحل والبركة.
  3. الخدمة تحت الصليب (خدمة الاحتمال والمشاركة في الألم):
    • الثبات: وقوفها عند الصليب لم يكن مجرد وجود عاطفي، بل كان خدمة دعم ومؤازرة ومشاركة كاملة في آلام ابنها لخدمة البشرية وفدائها.
    • تأسيس خدمة الأمومة الروحية: من فوق الصليب، سلّمها المسيح لتكون أماً ليوحنا الحبيب (وممثلاً للبشرية)، لتبدأ خدمة رعاية الكنيسة الناشئة.
  4. الخدمة مع التلاميذ بعد القيامة (الخدمة الروحية والتشجيع):
    • الصلاة المشتركة: يذكر سفر أعمال الرسل أن العذراء كانت تجتمع مع التلاميذ في العليّة، يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة.
    • تثبيت الإيمان: كانت بمثابة الأم الروحية والعمود الفقري للتلاميذ والخائفين والمضطهدين، تقدم لهم التشجيع وتروي لهم أسرار التجسد والطفولة لتثبيت إيمان الكنيسة الأولى.
ثانياً: الخصائص الفريدة لأسلوب خدمة العذراء مريم
تتميز خدمة القديسة مريم بصفات تجعلها قدوة مثالية لكل إنسان يرغب في خدمة مجتمعه وأسرته:
المبادرة الذاتية: لا تنتظر العذراء أن يُطلب منها العون؛ في زيارة أليصابات وعرس قانا، تحركت بوازع شخصي نابع من فيض المحبة . الإنكار التام للذات والتواضع: لُقبت بـ "أمة الرب" (أي جاريته أو خادمته). ورغم عظمتها، ظلّت خادمة للجميع، متوارية في الظل، لا تبحث عن المجد الباطل أو المظاهر.
الخدمة العملية الصامتة: لم تكن خدمتها بالوعظ أو الكلام الفلسفي، بل باليدين اللتين تعتنيان بالمريض، والقدَمين اللتين تسعيان للمحتاج، والقلب الذي يصلي لأجل المتألمين.
الحساسية واللمسة الإنسانية: تملك قدرة عالية على الإحساس بآلام الآخرين واحتياجاتهم المخفية، دون جرح مشاعرهم أو فضح ضعفهم.
ثالثاً: الأبعاد الروحية لخدمتها
إن خدمة العذراء ليست مجرد عمل اجتماعي أو إنساني، بل هي عمل روحي عميق:

حمل المسيح للآخرين: عندما ذهبت لخدمة أليصابات، كانت تحمل المسيح في أحشائها. الخدمة الحقيقية عند مريم هي أن نأخذ المسيح معنا إلى بيوت المحتاجين، ليرتد إيماناً وفرحاً وسلاماً في قلوبهم (كما ارتكض الجنين في بطن أليصابات).
الطاعة المشروطة بالحب: خدمتها نابعة من طاعتها الكاملة لمشيئة الله. طاعة تحولت إلى بذل يومي مستمر في تربية الصبي ورعاية الكنيسة.

مفهوم خدمة الاخرين حباً وخدمةً لشخص المسيح

هذا هو التحديد الأسمى والأكثر دقة للعمل المسيحي؛ فنحن هنا لا نتحدث عن دافع إنساني (Humanitarianism) ولا عن مجرد امتثال لأمر إلهي، بل نتحدث عن "حب أقنومي شخصي" (Personal Agape) يتخذ من خدمة الآخرين مجرى وقناة للوصول إلى شخص المسيح نفسه.
عندما تصبح خدمة الآخرين نابعة من الحب للمسيح وخدمةً لشخصه، يرتفع العمل إلى مرتبة "السر الفائق"، ويتفكك لاهوتياً وروحيّاً عبر هذه الأبعاد المعمقة:

أولاً: التفكيك اللاهوتي الأسراري (The Mystical Theological Breakdown)

1. لاهوت المحبة كطبيعة وجودية (Ontology of Divine Love)
  • الجوهر: في اللاهوت المسيحي، "الله محبة" (1 يوحنا 4: 8). المحبة ليست صفة يمارسها الله، بل هي جوهره وكينونته.
  • العمق اللاهوتي: هذا الإله المحب لم يحبنا "عن بُعد"، بل تجسد ليدخل في علاقة شخصية مع الإنسان. عندما يمتلئ قلب المؤمن بحب المسيح، يصبح هذا الحب طاقة إلهية (Divine Energy) تفيض من داخله. وبما أن المسيح غير مرئي بالجسد الآن، فإن هذه الطاقة اللاهوتية (الحب) تبحث عن مجرى تتجسد فيه، فلا تجد سوى "الآخر" المحبوب من المسيح. لاهوتياً، أنت تحب الآخر بالمسيح، وفي المسيح، ولأجل شخص المسيح. الآخر يصبح هو المساحة الجغرافية والجسدية التي يمارس فيها المؤمن حبه لشخص يسوع.

2. الامتداد الأقنومي وجاذبية الصليب (Hypostatic Extension)
  • الجوهر: على الصليب، جذب المسيح الجميع إليه (يوحنا 12: 32)، وحمل أوجاع البشرية جمعاء.
  • العمق اللاهوتي: هذا الجذب جعل كل نفس بشرية متصلة سرياً بشخص المسيح المصلوب. عندما تخدم الآخر حباً في المسيح، فإن عقلك اللاهوتي يدرك أن هذا الشخص كلّف المسيح سفك دمه. محبتك لشخص المسيح تجعلك تكرم وتخدم ما هو غالٍ وثمين عنده. الخدمة هنا هي "رد فعل" لاهوتي على حب الصليب؛ فالخادم يقول للمسيح: "لأنك أحببتني وأحببته، سأخدمه حباً في شخصك الذي افتدانا".

3. لاهوت التعويض العبادي (Theology of Compensatory Worship)
  • الجوهر: في ليلة آلامه، سمح المسيح للمرأة أن تسكب الطيب الغالي على رأسه وجسده كفعل حب خالص لشخصه (متى 26).
  • العمق اللاهوتي: تساءل التلاميذ عن جدوى هذا الفعل واقترحوا بيعه وإعطاء الفقراء، لكن المسيح مدحها لأنها خدمته هو شخصياً. لاهوتياً، خدمة الآخرين حباً في المسيح هي "سكب لطيب الناردين الغالي" على قدمي يسوع. الخادم لا ينظر للخدمة كحل لمشكلة اجتماعية، بل كفعل عبادة وتعويض عن الحب المرفوض من العالم لشخص المسيح. الآخر هو "قدمي المسيح" المتربة في هذا العالم، والخدمة هي مسحها بالدموع والطيب حباً به.
ثانياً: الأبعاد الروحية النسكية (The Ascetic and Spiritual Dimensions)

1. تحويل الخدمة من "الواجب" إلى "العشق الإلهي" (Eros to Agape)
  • العمق الروحي: عندما تكون الخدمة نابعة من حب لشخص المسيح، تسقط منها فوراً روح "الالتزام الثقيل" أو "الواجب الديني". تتحول الخدمة إلى "عشق إلهي عملي". الخادم الروحي لا يسأل: "كم يجب عليّ أن أعطي؟" بل "كيف يمكنني أن أعبّر للمسيح عن حبي أكثر؟". هنا تصبح الخدمة ممتعة ومبهجة حتى لو كانت وسط الأقذار، أو الأمراض، أو مع أشخاص جاحدين؛ لأن عين الخادم الروحية شاخصة نحو شخص الحبيب (المسيح) الكامن وراء هذا الوجع البشري.

2. اختبار النقاء الروحي التام (Purification from Spiritual Narcissism)
  • العمق الروحي: أكبر فخ يواجه الخدام هو "النرجسية الروحية" أو "المجد الباطل" (أن يخدم ليشعر بأنه صالح، أو ليمدحه الناس). لكن عندما يتمخض دافع الخدمة ليصبح فقط حباً لشخص المسيح، يتحرر الخادم تماماً من هذا السجن:
    • إذا شكره الناس، يرفع الشكر للمسيح لأن الخدمة كانت له.
    • إذا شتمه الناس أو جحدوا فضله، لا يتوقف ولا يحزن، لأنه لم يكن يخدمهم لأجلهم، بل كان يخدم المسيح فيهم، والمسيح لا ينسى تعب الحب. هذا الدافع هو الحارس الروحي الأقوى لنقاء قلب الخادم وتواضعه.

3. المناجاة السريّة واللقاء الصامت في الخدمة
  • العمق الروحي: في الروحانيات النسكية العميقة، تتحول لحظات الخدمة العملية إلى أوقات "صلاة عقلية مناجية". أثناء إطعام جائع، أو تضميد جرح مريض، أو الاستماع لقلب مكسور، يكون الخادم في حالة حوار سري مع يسوع، قائلاً في قلبه: "أقبل هذا مني يا سيدي، هذا لك، هذا تعبير صغير عن حبي لقلبك الجريح". هذا الاختبار الروحي يجعل من الخدمة خلوة روحية، بدلاً من أن تكون مشتتة للنفس، تصبح هي عينه المحرك والجامع للفكر في الله.
الخلاصة اللاهوتية الروحية الجامعة:
أن تخدم الآخرين حباً وخدمة لشخص المسيح، يعني أنك وجدت تقاطع السماء والأرض في وجه القريب. إنك لا تعود ترى الإنسانية ككتلة من المحتاجين، بل تراها كـ "عروس للمسيح" مجروحة، وأنت تخدمها لتفرح قلب العريس. في هذا المستوى الفائق، تذوب الفوارق بين "التأمل والصلاة" وبين "العمل والخدمة"، ليصبح كلاهما حركات حب لنفس الأقنوم الإلهي: يسوع المسيح، الحاضر سرياً في كل إنسان

شرح ابعاد التوبة لاهوتياً وروحياً

أولاً: التأصيل اللغوي والكتابي (التحول الجذري)
  1. ميتانويا (Metanoia):
    • في اليونانية (لغة العهد الجديد الأثري)، تتكون الكلمة من مقطعين: Meta (بعد أو تغيير) وNoia (العقل أو الفكر).
    • التوبة لاهوتياً ليست "شعوراً عاطفياً مؤقتاً بالذنب"، بل هي ثورة فكرية وإعادة هيكلة كاملة لمنظومة القيم في الإنسان. إنها تغيير الرؤية تجاه الله، الذات، والعالم.
  2. شوب (Shuv):
    • في العهد القديم (العبرية)، تُستخدم كلمة Shuv وتعني "الرجوع الفيزيائي" أو "الالتفاف 180 درجة".
    • يعني ذلك أن الخطيئة هي سير في طريق يبتعد عن الله، والتوبة هي التوقف التام، والالتفاف، والسير في الاتجاه المعاكس نحو حضن الآب.
ثانياً: العمق اللاهوتي للتوبة
ترتكز التوبة على قواعد لاهوتية صارمة ترتبط بالعقيدة المسيحية كالتالي:
  1. التوبة وفصح المسيح (الموت والقيامة):
    • لا يمكن فصل التوبة عن الصليب والقيامة. الإنسان عندما يتوب، لا يقوم بجهد أخلاقي ذاتي فقط، بل يمارس "موت الكبرياء والانفصال" ليقوم في "حياة النعمة والاتحاد بالمسيح".
    • التوبة هي امتداد يومي ومستمر لسر المعمودية (التي هي موت وولادة جديدة).
  2. النعمة الإلهية والإرادة البشرية (السينرجيا Synergy):
    • التوبة في اللاهوت المسيحي هي عمل مشترك (مآزرة) بين نعمة الله وحرية الإنسان.
    • المبادرة من الله: الله هو الذي يقرع على باب القلب أولاً عبر تبكيت الروح القدس.
    • الاستجابة من الإنسان: الإنسان يملك الحرية الكاملة لفتح الباب أو إغلاقه. التوبة لا تُفرض قسراً، بل هي استجابة حرة لمحبّة الله.
  3. الخطيئة كمرض وليس كجريمة قانونية فقط:
    • في اللاهوت الشرقي (الآبائي) خصوصاً، لا تُفهم الخطيئة ككسر لقانون يعقبه عقاب قضائي، بل تُفهم كـ**"مرض روحي" التشوه في صورة الله داخل الإنسان**.
    • بناءً على ذلك، التوبة ليست مجرد استغفار لتجنب العقاب، بل هي عملية شفاء واستعادة للمثال الإلهي وتأليه الإنسان بالنعمة (Theosis).
ثالثاً: الديناميكية الروحية والنفسية للندم
يفرق اللاهوت الروحي بدقة بين نوعين من الندم يعكسان الحالة النفسية والروحية للتائب:
  1. الندم الناقص (Attrition / الفزع من العقاب):
    • هو الندم النابع من الخوف من جهنم، أو الخوف من خسارة الملكوت، أو الخوف من الفضيحة وتدمير الذات.
    • هذا النوع يُعتبر بداية أولية مقبولة، لكنه غير كافٍ روحياً لأنه يركز على "الأنا" ومصلحتها، وليس على الله.
  2. الندم الكامل (Contrition / انسحاق الحب):
    • هو الندم الحقيقي المستند إلى المحبة (Agape). ينبع عندما يدرك الإنسان أنه بخطيئته قد "أحزن قلب الله المحب" وجرح العلاقة معه.
    • هنا يبكي التائب ليس خوفاً من النار، بل حزناً على أنه بادل الحب الإلهي بالجحود. هذا ما يُسمى في التراث الآبائي بـ**"الحزن المفرح"** (Charmosynon Penthos)؛ حزن على الخطيئة، ومفرح بثقة الغفران.
رابعاً: البنية العملية للتوبة (المراحل الأربعة)
لتحقيق هذه المفاهيم في الواقع الروحي، وضعت الكنيسة مساراً عملياً يقوم على أربع دعائم:

[ فحص الضمير ] ➔ [ الانسحاق والندم ] ➔ [ الاعتراف (الإقرار) ] ➔ [ الثمار والإصلاح ]

  1. فحص الضمير (المواجهة): الجلوس مع النفس تحت نور كلمة الله والوصايا لتشخيص العيوب دون تبرير أو إسقاط اللوم على الآخرين أو الظروف.
  2. الانسحاق (الصلاة الروحية): تقديم القلب المكسور لله والاعتراف الفردي أمامه بالضعف والحاجة للشفاء.
  3. سر الاعتراف (البُعد الأسراري والمجتمعي):
    • الخطيئة ليست شخصية بحتة، فهي تجرح جسد الكنيسة (المجتمع الروحي).
    • الإقرار بالخطايا أمام الكاهن (كشاهد ووخادم للأسرار) يضمن: الإرشاد الروحي، التواضع بكسر الكبرياء، وسماع كلمة "مغفورة لك خطاياك" بسلطان الحل والربط الممنوح من المسيح للتلاميذ.
  4. ثمار تليق بالتوبة (التعويض والجهاد): لا تكتمل التوبة دون السعي العملي لإصلاح ما أفسدته الخطيئة (مثل رد الحقوق لأصحابها كزكا العشار)، والجهاد الروحي لاكتساب الفضيلة المضادة للرذيلة التي سقط فيها الإنسان (مثال: ممارسة العطاء لمحاربة الطمع )
الشرح الروحي للتوبة

1. مفهوم "الحزن المفرح" (Charmosynon Penthos)
هذا التعبير الصوفي، الذي صاغه آباء الكنيسة الشرقية (مثل القديس يوحنا السلمي)، يلخص الحالة النفسية والروحية للتائب:
  • الحزن: ليس يائساً أو مدمراً للذات (مثل حزن يهوذا الإسخريوطي الذي قاده للانتحار)، بل هو حزن نابع من مواجهة النفس بقداسة الله، والأسف على تشويه "صورة الله" داخل النفس بجحود الخطية.
  • الفرح: هو الفرح المصاحب لهذا الحزن، لأن التائب يثق مطلقاً برحمة الآب ورغبته في الغفران (مثل فرح الابن الضال بالعودة). هو حزن يلد رجاءً، ودموع تغسل النفس لتكشف عن نور النعمة المخفي داخلها.

2. معركة "الجهاد الداخلي" ومحاربة الأفكار (Logismoi)
في الروحانيات الآبائية (خصوصاً لدى آباء البرية)، التوبة الروحية ليست حدثاً ينتهي بالاعتراف، بل هي حالة يقظة مستمرة (Nepsis):
  • رصد الأفكار: تبدأ التوبة الروحية العميقة بقطع الخطية وهي ما زالت مجرد "فكرة" (Logismos) قبل أن تتحول إلى رغبة ثم إلى فعل ثم إلى عادة مستعبدة.
  • تطهير الحواس: يتدرب المؤمن روحياً على ضبط حواسه (النظر، السمع، الفكر) لئلا تنشغل بالباطل، معتبراً أن القلب هو "مذبح روحي" يجب أن يبقى مقدساً ونقياً ليرى الله ("طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله").

3. درجات الندم الروحي (الدموع والانسحاق)
تتدرج الروح في اختبار الندم صعوداً نحو النضج الكامل:
  • معمودية ثانية: يُنظر لدموع التوبة في الروحانيات المسيحية على أنها "معمودية ثانية" تجدد مفاعيل المعمودية الأولى. الدموع هنا ليست مجرد بكاء عاطفي، بل هي سيولة القلب القاسي وتحوله إلى قلب لحمي حساس للروح القدس.
  • الانسحاق (Contrition): الروح المنكسرة والمستسلمة تماماً لمشيئة الله. في هذه الحالة، يتخلى الإنسان عن برّه الذاتي وكبريائه، ويقف عارياً ومكشوفاً أمام الله، طالباً فقط رحمته وشعاره الصلاة السهمية المستمرة: "يارب يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ".

4. التوبة كـ "استعادة البنوة" وليس تجنب العقاب
في العمق الروحي، الدافع للتوبة لا ينبع من الخوف من جهنم أو الرغبة في نيل المكافأة (الجنة)، بل ينبع من الشوق الروحي للعريس السماوي:
  • وعي الابن: التائب الروحي لا يشعر أنه "مجرم" يقف أمام "قاضٍ"، بل "ابن مريض أو ضال" يركع أمام "أب حنون وطبيب شافٍ".
  • علاج الشبه الإلهي: الخطيئة بالنسبة للنفس هي "غربة واغتراب" عن موطنها الأصلي، والتوبة الروحية هي رحلة العودة إلى الوطن، حيث يستعيد الإنسان سلامة فكره، وهدوء نفسه، واتحاده بالله بالحب.

5. ثمار التوبة الروحية: لُطف الروح والتمييز
التوبة الصادقة تترك بصمات واضحة على طبيعة الشخص الروحية والنفسية:
  • الاتضاع وإنكار الذات: التائب الحقيقي لا يدين أحداً، لأنه مشغول برؤية خطاياه الشخصية. يتحول كبرياؤه القديم إلى وداعة ولطف في التعامل مع سقطات الآخرين.
  • الإفراز والتمييز (Diakrisis): يمنح الروح القدس النفس التائبة استنارة خاصة، تمكنها من تمييز مشيئة الله بدقة، وتفادي الفخاخ الروحية اللطيفة (مثل البر الذاتي أو الرياء).

الغوص في معنى الاعداد الواردة في الكتاب المقدس

العدد 1: الوحدانية والأصل
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى وحدانية الجوهر الإلهي، والتفرد، والأصل الذي ينبع منه كل شيء. هو الرقم الذي يمثل التناغم والاتحاد المطلق.
  • الأبعاد اللاهوتية: يعكس إيمان التوحيد الراسخ. في العهد الجديد، يتوسع المفهوم ليعبر عن وحدانية الجسد (الكنيسة)، والروح الواحد، والرجاء الواحد، والإيمان الواحد، والمعمودية الواحدة.
  • شواهد كتابية: "اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تثنية 6: 4)، و"رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ" (أفسس 4: 5).

العدد 2: الشهادة والشركة
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى الشهادة القانونية الصادقة، والمؤازرة، والاتحاد التكاملي (مثل الزواج). كما قد يرمز أحياناً إلى التمايز أو الانقسام (بين أمرين).
  • الأبعاد اللاهوتية: أسست الشريعة الموسوية مبدأ أن الحق يثبت بناءً على شهادة شخصين. وأرسل المسيح تلاميذه اثنين اثنين لتأكيد قوة الشهادة والمؤازرة المشتركة.
  • شواهد كتابية: "عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ الأَمْرُ" (تثنية 19: 15)، وإرسال التلاميذ "اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ" (مرقس 6: 7)، وشاهدي سفر الرؤيا (رؤيا 11).

العدد 3: الكمال الإلهي والثبات
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى الكمال المطلق والقداسة الإلهية؛ وهو رقم القيامة، واليقين، وإعلان الحق الذي لا يتزعزع.
  • الأبعاد اللاهوتية: هو العدد المرتبط بطبيعة الله (الآب والابن والروح القدس). كل ما يحدث في اليوم الثالث أو يتكرر ثلاث مرات يحمل ختم المصادقة الإلهية والتمام الروحي.
  • شواهد كتابية: تسبيح الملائكة: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ" (إشعياء 6: 3)، وقيامة السيد المسيح في "اليوم الثالث" (كورنثوس الأولى 15: 4)، وسجود المجوس بـ3 هدايا.

العدد 4: الأرض والخليقة المنظورة
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى العالم الأرضي، والشمولية الجغرافية، والحدود الجسدية للخليقة المنظورة
  • الأبعاد اللاهوتية: يعبر عن كل ما هو بشري وزمني ومخلوق، في مقابل ما هو إلهي وسماوي. عندما يُذكر الرقم 4، فإنه يشير إلى شمولية الحدث ليمتد إلى كل أصقاع الأرض وبشرها.
  • شواهد كتابية: اتجاهات الأرض الأربعة (إشعياء 11: 12)، والأنهار الأربعة الخارجة من جنة عدن (تكوين 2)، والرياح الأربع، والأحياء الأربعة في سفر الرؤيا

العدد 5: النعمة والمسؤولية البشرية
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى النعمة الإلهية المجانية الممنوحة للإنسان، وفي الوقت نفسه يعبر عن ضعف الإنسان وحاجته للإنقاذ والمسؤولية الشخصية.
  • الأبعاد اللاهوتية: يتكون الهيكل الإنساني الحسي من 5 حواس، وخمسة أصابع في كل يد/قدم، مما يمثل قدرة الإنسان ومسؤوليته عن أعماله أمام الله.
  • شواهد كتابية: كتب موسى الخمسة (التوراة)، ومعجزة إشباع الجموع بـ5 أرغفة خبز، ومثل العذارى الخمس الحكيمات والخمس الجاهلات (متى 25).

العدد 6: الإنسان والنقص البشري
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى النقص الشديد، والجهد البشري الخالي من البركة الإلهية، والقصور عن بلوغ كمال الرقم 7
  • الأبعاد اللاهوتية: خُلق الإنسان في اليوم السادس، ولذلك هو رقم يمثل الجسد، والعمل الشاق لستة أيام. في اللاهوت النبوي، تكرار الرقم ثلاث مرات (666) يعبر عن ذروة التمرد الإنساني ومحاولة التشبه بالله زيفاً
  • شواهد كتابية: خَلْق الإنسان في اليوم السادس (تكوين 1: 31)، والعمل 6 أيام قبل السبت، وعدد الوحش "666" في سفر الرؤيا

العدد 7: الكمال الروحي والتمام
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى القداسة، والراحة الروحية، والكمال الإلهي في العمل. وهو الرقم الأكثر شهرة وتكراراً في الأسفار المقدسة.
  • الأبعاد اللاهوتية: يدمج الرقم 7 بين الرقم 3 (الإلهي) والرقم 4 (الأرضي)، مما يجعله رقم ارتباط الله بخليقته، وإتمام الوعود، والعهد المقدس.
  • شواهد كتابية: استراحة الله في اليوم السابع (تكوين 2: 2)، الطواف حول أسوار أريحا 7 مرات، والأختام والجامعات والأبواق السبعة في سفر الرؤيا.

العدد 8: البداية الجديدة والأبدية
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى القيامة، والعهد الجديد، والبدايات الفائقة للطبيعة التي تتجاوز الزمن الأرضي (الذي يمثله الأسبوع المكون من 7 أيام).
  • الأبعاد اللاهوتية: اليوم الثامن هو بداية أسبوع جديد، فهو يرمز إلى العبور من الزمن الفاني إلى الأبدية، ولذلك ارتبط بالخلاص الشامل والولادة الروحية الجديدة.
  • شواهد كتابية: نجاة 8 أنفس في فلك نوح (بطرس الأولى 3: 20)، ختان الذكور في اليوم الثامن (لاويين 12: 3)، وقيامة المسيح في اليوم الأول من الأسبوع الجديد (اليوم الثامن مجازاً).

العدد 10: الاكتمال التشريعي والنظام
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى الترتيب الإلهي الكامل، والمسؤولية القانونية، والاكتمال في المقاييس البشرية والحسابية.
  • الأبعاد اللاهوتية: يعبر عن المقاييس الأساسية للتجربة البشرية والأخلاقية، وهو يمثل الحد الأدنى أو المعيار الأساسي لتقييم أمانة الإنسان وطاعته لوصايا الله.
  • شواهد كتابية: الوصايا العشر الصادرة في سيناء (خروج 20)، وتقديم العُشر (10%) من الدخل كفريضة، والضربات العشر التي حلت بمصر (خروج 7-12).

العدد 12: التدبير والاختيار للحكم الإلهي
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى الحكم الإلهي المنظم، والاختيار الروحي المرتَّب لسياسة شعب الله.
  • الأبعاد اللاهوتية: هو حاصل ضرب 3 (الله) في 4 (الأرض)، مما يعني إرساء حكم الله الإداري والروحي وسط البشر عبر جماعة مختارة ومحددة التكوين والملامح.
  • شواهد كتابية: أسباط إسرائيل الـ12 (تكوين 49)، تلاميذ المسيح الـ12 (متى 10: 1)، وأبعاد أورشليم السماوية التي تقوم على 12 أساساً و12 باباً (رؤيا 21).

العدد 40: الاختبار والتطهير والانتظار
  • المفهوم الروحي: يرمز إلى فترة إعداد مكثفة، وتجربة شاقة، وتطهير روحي يسبق التحول الكبير أو نيل البركة.
  • الأبعاد اللاهوتية: لا يمثل الرقم 40 العقاب بحد ذاته، بل يمثل المدة الزمنية الضرورية لكي ينضج الإنسان روخياً، أو ليتحول المجتمع من حالة التيه والضعف إلى الأهلية والوعي بالوعد الإلهي.
  • شواهد كتابية: أمطار الطوفان لمدة 40 يوماً (تكوين 7: 12)، تيه الشعب في البرية 40 سنة (عدد 14: 33)، وصوم موسى وإيليا والمسيح 40 يوماً قبل بدء رسائلهم
أعلى