المطران تيودور الغندور
هناك لحظات في الحياة، بل وفي تاريخ البشرية أيضًا، يبدو فيها أن كل شيء يهتز. حروب، أزمات، انقسامات، اضطراب أخلاقي، ومعاناة إنسانية. ننظر حولنا فنشعر وكأن العالم قد دخل في منطقة من الاضطرابات.
ومن الطريف أن من سافر بالطائرة يعرف هذا الشعور جيدًا. فعندما تدخل الطائرة منطقة اضطراب، نسمع فورًا صوت قائد الطائرة يقول: "أيها السيدات والسادة، نحن الآن نعبر منطقة اضطراب. نرجو من الجميع العودة إلى مقاعدهم وربط أحزمة الأمان."
لا يُطلب من أحد أن يركض في الممر.
ولا يُشجَّع أحد على الذعر.
ولا يحاول أحد أن يتولى قيادة الطائرة.
التعليمات بسيطة: ابقَ في مكانك وحافظ على أمانك.
هكذا أيضًا تعلّمنا روحانية الكنيسة الأرثوذكسية عبر القرون كيف نتصرف عندما يمرّ العالم بأزمنة صعبة. الاضطراب لا يعني أن الله فقد السيطرة في الكتاب المقدّس، حذّر الربّ يسوع المسيح نفسه من أن أزمنة الاضطراب ستأتي: «ستسمعون بحروب وأخبار حروب... انظروا لا ترتاعوا.» (متى 24: 6). المسيح لم يقل إن هذه الأمور لن تحدث. بل قال: «لا ترتاعوا.»
وكان الآباء القديسون يذكّرون دائمًا أن الله ما زال يدبّر العالم حتى عندما تبدو الأحداث مضطربة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: «لا يحدث شيء إلا ويسمح به الله لأجل خلاصنا.» هذا لا يعني أن الله يريد الشر، بل يعني أنه حتى وسط الفوضى البشرية تظل العناية الإلهية تعمل بصمت.
في أزمنة الاضطراب، اربط “حزامك الروحي” كما نربط حزام الأمان في الطائرة، هكذا يجب أن نشدّد بعض “الأحزمة الروحية” في حياتنا:
١. حزام الصلاة:
يقول القديس إسحق السرياني: «الصلاة هي ملجأ في وجه العاصفة.» عندما يضطرب العالم، تصبح الصلاة مرساتنا في الله.
٢. حزام الرصانة الروحية:
يحذّر القديس أنطونيوس الكبير قائلاً: «سيأتي زمان يضطرب فيه الناس، وإذا رأوا إنسانًا غير مضطرب قالوا عنه إنه مجنون.» الأزمنة المضطربة تحتاج إلى صفاء روحي لا إلى ردود فعل متسرعة.
٣. حزام الإيمان:
يقول الرسول بولس: «يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد.» (عبرانيين 13:
هدوء المسيحي يمكن أن يصبح نورًا وسط الفوضى. ثق بالطيّار في الطائرة هناك أمر ينساه الركاب أحيانًا: هناك طيّار في قمرة القيادة. هو يرى أجهزة لا نراها. يعرف الطريق. ويعرف كيف يعبر العاصفة.
وفي الحياة الروحية، هذا الطيّار هو المسيح نفسه. عندما كان التلاميذ خائفين من العاصفة في البحر، قام يسوع وقال: «اسكت! ابكم!» (مرقس 4: 39) فسكن الريح. والصوت نفسه ما زال يقود التاريخ. الاضطراب يمرّ لا يوجد اضطراب يدوم إلى الأبد. فالطائرة تعبر المنطقة المضطربة وتعود إلى هدوء الرحلة. وكذلك تاريخ البشر. إمبراطوريات زالت. حروب انتهت. أزمات مرت. لكن ملكوت الله يبقى.
لذلك، عندما يهتز العالم، لنتذكر تلك الحكمة البسيطة التي نسمعها في الطائرة: ابقَ في مكانك. اربط حزام الأمان. وثق بالطيّار. وفوق كل شيء، اجعل قلبك ثابتًا في المسيح. لأنه حتى عندما يبدو أن كل شيء يهتز من حولنا، يبقى الله يقود التاريخ نحو نهايته الحقيقية: انتصار الحياة على الموت، والنور على الظلمة.




