تفسير سفر الجامعة - الأصحاح 1 | تفسير انطونيوس فكري


العدد 1:
آية (1): "كلام الجامعة ابن داود الملك في أورشليم."

كلام الجامعة= هو سليمان الملك. ومعنى اسم سليمان هو "سلام". وفهمنا معنى كلمة الجامعة، ولكن هو أخفى اسمه، فالخطية التي عاشها فترة طويلة حطمت سلامه الداخلي فكيف يسمى نفسه سلاماً وهو في حزن وقلق، بل هو جلب المتاعب لنفسه ولمملكته. واستخدم اسم الجامعة لأن الله ضمه بعد توبته لكنيسته الجامعة، وهو يعظ بخبراته كل الكنيسة الجامعة. ابن داود الملك= هو يذكر بنوته لداود لسببين [1] يوبخ نفسه أن ابن ذلك القديس العظيم قد تاه وإنحرف [2] ليبعث في نفسه الرجاء أنه كما قبل الله توبة داود سيقبل توبته. في أورشليم= هذه أيضاً توبيخ لنفسه فهو بخطيته أخطأ في حق أورشليم مدينة الله والتي أقامه الله ملكاً على شعبه فيها بعد أن أحسن إليه وأحبه، وصار قدوة سيئة لشعبها.
العدد 2:
آية (2): "باطل الأباطيل قال الجامعة باطل الأباطيل الكل باطل."

باطل الأباطيل= باطل= hebel معناها بخار أو شئ فاني، أو نسمة. كأنه يشبه العالم بنسمة تخرج من فم الإنسان أو بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. وقوله باطل الأباطيل هو للتشديد أي أعظم الأباطيل مثل قوله نشيد الأناشيد بمعنى أحلى الأناشيد. وكلمة باطل تشير لأن العالم زمنى عابر وبلا جدوى على المدى الأبدي. والعالم هو باطل إذا كان الإنسان في استخدامه للعالم بعيداً عن الله، ولو لم يكن هناك حياة في العالم الآخر لكانت حياتنا عدم ولا شئ (مز47:89). وما جعل العالم باطل هو إساءة استخدام الإنسان له. والحياة الروحية مع الله لا تتطلب كراهية العالم بل حب السماء والتمتع بالله المشبع للنفس وهذا لا يمنع من أن نستخدم العالم ولكن لا يكون هو هدفنا وشهوتنا. بل لا يكون هو محور تفكيرنا، فلو إنشغلنا فيه وبه لن ندرك الله السماوي، ولكي ندرك الله السماوي علينا أن نهرب أولاً من العالم. لهذا السبب أيضاً إذ أراد المسيح الاقتراب من الله الآب (وهو واحد مع تلاميذه) قال لتلاميذه "قوموا ننطلق من ههنا" (يو31:14). لماذا؟ الله خلق العالم حسن وصالح، ولكن الإنسان وقد فسد ذهنه وطبيعته وبصيرته الداخلية أساء النظر للعالم وأساء استخدامه فصار باطلاً. الله خلق العالم خادماً للإنسان فحول الإنسان نفسه خادماً للعالم، وصار يسعى للمجد الباطل والأفكار المتشامخة. فالعالم ليس شراً في نفسه ولكن استخدام الإنسان يحول الشئ إلى خير أو إلى شر.
العدد 3:
آية (3): "ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس."

سبق سليمان وقال في (أم23:14) "في كل تعب منفعة" فهل هناك تناقض مع هذه الآية، حين يقول ما الفائدة للإنسان من كل تعبه؟! قطعاً لا يوجد تناقض لمن يفهم غرض السفر. ففي سفر الأمثال يكلم الكسلان ليتحرك ويعمل ويجتهد، وهنا يكلم من يعمل ويجتهد وهو يظن أنه سيعيش للأبد، ويقول لمثل هذا، أنت لن تنتفع بكل ما تعمل تحت الشمس أي في هذا العالم بعد موتك، كل مكاسبك المادية (ثروة وعظمة .. ) لن تنفعك بعد موتك .. إن لم يكن هدفك في كل ما تعمل مجد الله. فلنعمل ونكسب وهدفنا مجد الله. فأنا لابد وسأموت وسيأتي الحساب. والمكاسب المادية ليست دائمة ولا تعطينا اللذة الحقيقية. فتعبنا في حياتنا اليومية لن يشبع النفس ما لم تكون لنا جلستنا اليومية مع الله ونطلب أن يعمل روحه القدوس فينا ويشترك معنا في كل عمل. وهذه هي أهمية وصية حفظ السبت، نعمل 6 أيام واليوم السابع هو لله لنذكر أبديتنا ونرتاح في علاقتنا بالله.
العدد 4- 11:
الآيات (4-11): "دور يمضي ودور يجيء والأرض قائمة إلى الأبد. والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق. الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال تذهب دائرة دوراناً وإلى مداراتها ترجع الريح. كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن إلى المكان الذي جرت منه الأنهار إلى هناك تذهب راجعة. كل الكلام يقصر لا يستطيع الإنسان أن يخبر بالكل العين لا تشبع من النظر والأذن لا تمتلئ من السمع. ما كان فهو ما يكون والذي صنع فهو الذي يصنع فليس تحت الشمس جديد. أن وجد شيء يقال عنه انظر هذا جديد فهو منذ زمان كان في الدهور التي كانت قبلنا. ليس ذكر للأولين والآخرون أيضاً الذين سيكونون لا يكون لهم ذكر عند الذين يكونون بعدهم."

يقدم الجامعة أمثلة واقعية من الطبيعة تؤكد أن الكل باطل والأمثلة:-

1) قصر الحياة الزمنية. 2) الحياة الزمنية طبيعتها متغيرة 3) هي تعجز عن إشباع القلب.

4) لا جديد بحق في الحياة 5) كل ما يناله الإنسان حتى من كرامة أو شهرة يمحيه الزمن بالنسيان.

ففي آية (4) نرى أن فترة استمتاعنا بالأمور الأرضية قصيرة للغاية، فجيل يعيش ثم ينتهي ليأتي محله جيل آخر، نحن بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. ولاحظ قوله إلى الأبد= أي لمدة طويلة تستمر حتى اليوم الذي ستحترق فيه الأرض، ونلاحظ تفاهة الإنسان، فهو يذهب سريعاً بينما الأرض المادية قائمة لا تذهب. وفي الآيات (5-7): نجد هناك دورات للطبيعة فالشمس تشرق وتغرب ثم تعود لتشرق والريح تأتي ثم تختفي ثم تعود وهكذا، هي تختفي من مكان لتظهر في مكان آخر، تتحرك في مدارات معينة، وأيضاً المياه تتحرك إذ تتبخر فتصير سُحباً ثم مطراً فأنهاراً وتعود للبحار لتتبخر من جديد. فالظروف الطبيعية حولنا تتغير، ولكن بينما الظواهر الطبيعية تختفي لتأتي وتظهر ثانية فالإنسان يختفي بالموت ولا يظهر ثانية. فحالته أسوأ وأضعف من الطبيعة (هذا من ناحية الصورة الراهنة، ولكن ربما تحمل هذه الصورة رجاءً في القيامة، فإذ يختفي الإنسان بالموت فإنه سيظهر ثانية بعد القيامة، ولكن هذا الإيمان لم يكن واضحاً تمام الوضوح في العهد القديم) ونفهم أيضاً من صورة التغير في العالم حولنا واضطرابه، أنه عالم مضطرب فهل نتمسك به؟ ولأن الإنسان يذهب ولا يعود احتجنا لمخلص ليعطينا حياة أبدية.

وفي آية (8) كل الكلام يقصر= وفي ترجمة أخرى "جميع الأشياء مرهقة" أي كل شئ متعب ويقصر عن إشباع القلب. فالنفس المخلوقة على صورة الله لن تشبع بأمور زمنية فانية بل مملوءة تعباً. لا يستطيع الإنسان أن يخبر بالكل= في ترجمة أخرى "لا يستطيع إنسان أن يعبر عنها". والمفهوم أن سليمان يشعر بكل أحاسيس الناس وتعبهم وألامهم وعدم شبعهم ومعاناتهم، بل هم في تعب لا يمكن التعبير عنه. العين لا تشبع من النظر= فكل ما في العالم لا يعطي شبعاً، الحواس لا تشبع، فإذا كانت الحواس لا تشبع من العالم، فكيف يشبع العالم الحواس الداخلية والحياة الداخلية. بل الحواس تمل بعد وقت مما تراه، النفس تطلب الآن شيئاً جديداً وتشتهيه وبعد أن تحصل عليه تمل منه ثم تطلب الجديد ثم تمل. والعكس في السماء، فسيكون شعورنا بأن كل شئ جديد، أي نفرح به ولا نمل منه، وهذا معنى أنه سيكون لنا ترنيمة جديدة (رؤ3:14)، أي هي دائماً جديدة ودائماً مشبعة (راجع 2كو17:5 + مز3:40 + رؤ5:21 + إش19:43). الإنسان يسعى وراء الشبع من الأمور المادية ولكن الشبع لن نجده في هذا العالم. وفي الآيات (9،10) ([1]) نرى أن ظروف الإنسان الخارجية وإمكانياته تتغير ولكن طبيعته وأحاسيسه ودوافعه وغرائزه تبقي كما هي لا تتغير، كل ما هو تحت الشمس لا يشبعه ولا يجد فيه جديداً، يسمع عن شئ جديد فيشتهيه ويفرح به ثم يمل منه، كالطفل يشتهي لعبة جديدة يفرح بها لدقائق ثم يلقيها ويمل منها. وكثيراً ما يشعر الإنسان بالحاجة إلى التجديد، فيطلب ما هو جديد لمجرد أنه جديد ويرفض ما هو قديم لمجرد قدمه، فيجري وراء الجديد كالموديلات الجديدة والتعبيرات الجديدة ولكنه لا يحس بالإكتفاء وسريعاً ما يعود للملل. أما النفس التي ترتبط بالسيد المسيح عريساً لها يقودها الروح القدس إلى التجديد المستمر في الفكر الداخلي، فلا تشر بملل أو بضجر، لذلك يطلب بولس الرسول تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم .. (رو2:12). ومثل هذا يحيا متهللاً بالروح كما في السماء ومثل هذه النفس لا تمسها الشيخوخة. وفي (11) نرى كيف ينسى العالم الأولين ونحن سوف تنسانا الأجيال القادمة، فماذا ينتفع الإنسان لو ركز اهتمامه على جذب أنظار الناس.
العدد 4- 11:
([1]) آية (9) الإنسان لا يخلق شيئاً جديداً، بل هو يكتشف ما سبق الله وخلقه. هو مكتشف لقوى الطبيعة.
العدد 12- 18:
الآيات (12-18): "أنا الجامعة كنت ملكاً على إسرائيل في أورشليم. ووجهت قلبي للسؤال والتفتيش بالحكمة عن كل ما عمل تحت السماوات هو عناء رديء جعلها الله لبني البشر ليعنوا فيه. رأيت كل الأعمال التي عملت تحت الشمس فإذا الكل باطل وقبض الريح. الأعوج لا يمكن أن يقوم والنقص لا يمكن أن يجبر. أنا ناجيت قلبي قائلاً ها أنا قد عظمت وازددت حكمة اكثر من كل من كان قبلي على أورشليم وقد رأى قلبي كثيراً من الحكمة والمعرفة. ووجهت قلبي لمعرفة الحكمة ولمعرفة الحماقة والجهل فعرفت أن هذا أيضاً قبض الريح. لأن في كثرة الحكمة كثرة الغم والذي يزيد علماً يزيد حزناً."

هنا نجد سليمان يقدم برهانين آخرين لإثبات أن الكل باطل

[1] اختباره الشخصي [2] أشياء يتوهم الناس أنها فيها سعادة للبشر والعكس صحيح مثل المعرفة.

وفي (12) كنت ملكاً= الفعل في العبرية يعني كنت ولا أزال ملكاً، وهو استخدم هذا الأسلوب للتواضع بمعنى أنا غير مستحق لهذا المركز فبعد سقوطي أنا الآن لست سوى واعظ يحذركم من سلوك نفس الطريق الذي سلكته. فمع كوني جامعة أي جامع كل الحكمة وكوني ملكاً على أورشليم فأنا سقطت وتعذَّبت. وما زاد حزني أنني في وقت سقوطي كنت ملكاً على شعب الله في مدينة الله.

وفي (13) وجهت قلبي للسؤال= هذا سبب حيرة سليمان في هذا السفر، فالله أعطاه حكمة، هذا حقيقي، ولكنه عوضاً عن أن يرفع قلبه لله يطلب أن يكشف له الله عن أسئلته، أجهد نفسه وأجهد عقله بالإنفصال عن الله، هو حاول بأمانة أن يعرف ويدرس وهو مشهوداً له في الكتاب بنجاحه في علوم الدنيا، ولكنه عوضاً عن الدخول في حوار مع الله واهب الحكمة السماوية استغل حكمته الدنيوية وعلمه في حل مشكلات لا يقوى عقل الإنسان مهما إزدادت معرفته على الغوص فيها، بل كلما تعمق فيها اكتشف ضعفه وعجزه وإزداد غمه، أما حكمة الله فهي تكشف عن ضعفاتنا، لكنها تهبنا رجاءً فلا نيأس ولا نغتم. ولكن سليمان ضل سبيله بسبب خطيته، فالخطية تمنع عني حكمة الله فلا شركة للنور مع الظلمة. (وهو في تعبه قال هو عناء ردئ جعلها الله لبني البشر ليعنوا فيها= هو رأى آلام الإنسان ولحكمته البشرية العجيبة رأي ما لا يراه الإنسان العادي فإكتأب وظن أن الله خلق الإنسان ليتألم عقلياً وجسدياً ونفسياً. والواقع أن الله لم يخلقنا لنعيش في عالم الشقاء والعناء، لكن إساءة استخدام العالم أفسدت حياتنا، ولكن من يحيا لمجد الله ناظراً للسماء حتى وإن وقعت عليه نفس الآلام فالله يعطيه سلاماً يفوق العقل وتعزية وفرح لا ينزعه أحد.

وفي (14) رأي سليمان عجز كل الأنشطة البشرية على الأرض وعقمها عن تقديم شبع حقيقي للنفس أو إصلاح وعلاج النفس داخلياً.

وفي (15) الأعوج لا يمكن أن يقوَّم= هذا شعور مُّر بالعجز عن الإصلاح، وهذا حقيقي، لكن المسيح جاء ليصلح ما عجزت البشرية عن حله وعن إصلاحه. لقد اكتشف سليمان هنا أن الإنسان أعوج وناقص بسبب خطيته، لن تكمله حكمة بشرية مهما سمت ولا معرفة مهما إزدادت.

وفي (16،17): نرى سليمان في حكمته البشرية التي إزدادت عن كل إنسان وأنه إنكب بجدية على الدراسة والقراءة لزيادة معرفته وحكمته وعلمه. ولكنه سعى إلى هذا بعيداً عن الله فتعب.

وفي (18) وجد أنه في زيادة معرفته وحكمته إزداد غماً. ومن المؤكد أن هذه الآية ليست دعوة للجهل. ولكن سليمان هنا يعلن أن الإنسان الذي يعلم أكثر يتألم أكثر، فكلما عرفنا عن الناس أكثر وعن آلامهم سنتألم وكلما عرفنا عن شرورهم سنتألم وكلما عرفنا عن خداعاتهم سنتألم وكلما عرفنا حقيقة قلوبنا سنحتقر أنفسنا، وكلما عرف الإنسان جهله السابق وخطاياه السابقة سيخجل من نفسه، فكلما إزداد علمه أكتشف جهله السابق وأخطاء شبابه. وكلما إزداد علمه إزداد احتياجه للمعرفة وتعطشه بالأكثر للمعرفة وبأن كل ما يعرفه ما هو إلا قشور. وكلما إزداد الإنسان علماً إزداد إحساساً بالعجز وقلة الحيلة أمام هذا الكم الهائل من المشكلات والآلام التي يعجز عن حلها بإمكانياته مهما إزدادت حكمته. وكلما أزدادت حكمته سيقارن بينه وبين الجهلاء وسيجد أن الموت سيأتي ويسوى بينهما ما الفائدة من كل معرفته. بل كلما زادت معرفتنا الروحية إزداد حزننا لعجزنا عن تحقيق المثاليات التي عرفناها.

عموماً لا يهاجم الحكمة والعلم والمعرفة بل يعلن عن عجزهم عن تحقيق السعادة والفرح للبشر. والكتاب المقدس عموماً لا يحرمنا من العلم على ألا يحرمنا العلم من الإتكال على الله وعشرة الله التي تعطي سلاماً للنفس. فالعالم العظيم أو الفيلسوف لن يكون سعيداً إن لم يكن قديساً. فمن له عِشْرَةْ وحياة مع الله سيعطيه سلاماً يفوق عقله المرهق المكدود من البحث والكد. وسيعطيه صبراً على ما سيعرفه ويكتشفه من أحزان وسيعطيه رجاءً في أن الله ضابط الكل هو المسيطر على الأحداث المضطربة التي لا يستطيع هو أن يضبطها. فهناك فرق بين من يبحث ويعمل مستقلاً عن الله وبين من يعمل ويبحث في شركة مع الله. من يعمل بالانفصال عن الله مهما زادت حكمته فهو محدود، ولكن من يعمل في شركة مع الله ينطلق إلى اللا محدودية لذلك تصلي الكنيسة اشترك يا رب في العمل مع عبيدك في كل عمل صالح "أوشية المسافرين" ولأن سليمان اعتمد على حكمته تألم وتعب وظل يجول باحثاً إلى أن اهتدى في نهاية السفر.
أسفار الكتاب المقدس
أعلى